فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث

 بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت

 English Version
الصفحة الأولى  صور  خرائط تاريخ شفوي حق العودة 101 نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع  الصراع للميتدئين إتصل بنا من نحن
خفقة من القلب إلى عراق السويدان
شارك في تعليقك (6 تعليقات)
أرسل لصديق  
العودة إلى عراق سويدان

مشاركة عائشة في تاريخ 20 تشرين أول، 2007

هذي قريتي عراق سويدان ..
هات وسجّل يا زمان

هذي عراق سويدان الكنعانية العُمرية في الأسر تستغيث، وقد تآلبت قوى الاستعمار العالمي الحديث، بخلفيات صهيوفرنجية عبثية، لتفتيت الوطن العربي وتمزيق الوحدة الإسلامية بضربة واحدة، فكانت فلسطين موضعاً، وشعبها هدفاً لتلك البليّة الحاقدة. وتحملت فلسطين قدرها في الذود عن قوميتها وعقيدتها في وجه الهجمة الاستعمارية البغيضة، حتى أصبحت صفة المقاومة والاستشهاد، والصبر والتحدي ملتصقة بها التصاق قراها بعضها ببعض، وكاد يتعذر على الكثيرين إيجاد صفة أخرى للحياة الفلسطينية غير هذه الصفة، وكأن الجراح والصمود نقيض للفرح وإرادة الحياة، هذا مع أن الشعب العربي الفلسطيني قد أكد على قدرته على التعبير عن أفراحه في أحلك الظروف وأشدها قسوة، وليس الاحتفال بزفاف الفدائيين أثناء حصار بيروت من السادس من يونيو| حزيران إلى الثلاثين من أغسطس| آب لسنة 1982، وحصار غزة المتواصل، وأعراس انتفاضتي المساجد والأقصى، وتشييع الشهداء بتقبل التهاني والزغاريد وأهازيج الولادة والحياة إلا مثالاً على قدرة هذا الشعب على اجتراح فعل عطاء وصمود وبناء، استمد ديمومته من تراثٍ حضاريٍ أصيل تميز بالإبداع والأصالة، فجمع بين القدرة على تحمل آلام الجراح وبين القدرة على انتزاع ابتسامة الفرح والأمل، في أحلك الظروف وأقساها.
فمن الصور التي بلورتها الجراح في الضمير الشعبي الفلسطيني تلك القصة التراثية التي تصور اغتصاب الوطن وتنعكس فيها خيبة الأمل التي يشعر بها العربي الفلسطيني نتيجة المؤامرة التي تورط فيها القريب والبعيد وأدت إلى تشريده داخل وطنه وخارجه، وسلبه دياره وأراضيه وحقوقه وهويته:
"كان يا ما كان في سالف الوقت والأوان بِسْ غدّار أجا من بعيد على أرض بتعيش فيها فيران. وقف البِس على باب الجحر يذرف دموع التماسيح على وحدته بعدما ماتت ذريته، وظل يستجدي الفيران عشان تطلع تقعد معاه وتخفف من وحدته القاسية. طلبت الفيران من البس ظمانة بعدم الغدر فيها. قطع إلها البِس عهد الأمان وادعى أن اسمه العم صالح. لما خرجت الفيران من جحرها جرى البس وأغلق الجحر بذنبه. نظر كبير الفيران مستغرباً في بداية الأمر، وبعدين توجه للبس بالسؤال: ليش سكرت الجحر يا عم صالح؟ فرد عليه البس: أسكت يا كالح. عرف الفار حينها، وهو بين مخالب القط، أنه وقع ضحية غدر وتخنق بدموعه وبغيظه وهو ينشد:
"أنا لابكِي وأبَكّي كل جيلي
علِّي جرى لي من دون جيلي
هيلي!
هيلي يا دموع العين هيلي!...
إلى أن يُنهي بكائيته هكذا:
"ويلٍ!
مَن آمن للعدى يا خالي
يموت كبداً ويصبح موطنو خالي
وهيلي!
هيلي يا دموع العين هيلي!".
ولأن التاريخ وجدان وذاكرة، لا يهضم الأخطاء، ولا يستجيب لمطالب الطمس والاقتناص والإلغاء، ولا يتواطأ مع القتلة والغاصبين والمزيفين، فالوجدان الشعبي الفلسطيني يتذكر، وهو على هذا الحال، الكليات والتفاصيل والأبعاد والخلفيات، من أساليب الإفقار والإذلال والاضطهاد التي مارستها دولة الانتداب البريطاني ضد الفلسطيني، انساناً وحقوقاً وهوية، قبل تشريده من وطنه وبعد تشريده منه، وظلت تستخدمها أجهزة الأنظمة المفروضة ضده، في منفاه، مزايِدةً على قضيته وطامِسةً هويتَه:
"يَمَّا يا بَيِّ! يَمّاَ يا بيِّ!
حديد الدولة قطَّع إيدَيِّ"
وإن أثخنت الجراح جسد الفلسطيني فإنها لم تُنسِ وجدانه وذاكرته، وهو يتجرع الذل والهوان في مخيمات لجوئه وأحراج منافيه، تلك الأيام الجميلة التي عاشها في وطنه بين مقاتلٍ ضد الغاصبين، أو مترنمٍ بأغانيه وناسجٍ لحكاياته وإبداعاته التي كانت تتفتق بها قريحتُه الجمعوية، لتصهر الموجودات في كلٍّ واحدٍ ينطق بلسان المكان والإنسان والعنوان، ويربط كلاً منها بالآخر، بخيوط أساطيره الأزلية، في محاولة للكشف عن أسرارها، أو البحث عما يستجيب لفطرته الإنسانية في (تقنين) مظاهر تلك العلاقة الوثقى بين عناصر هذا الثالوث المبارك: "عطشان يا عراق سويدان، دليني ع السبيل".
كانت قريتي عراق سُوَيْدّان، بموقعها الاستراتيجي الخلاب، ترتوي من سبيلين أو بئرين ارتوازيتين، تستمدان المياه الجوفية من سفوح جبال الخليل الغربية، فحاول الوجدان الشعبي إبداع تفسير لهذه الثنائية، إذ إن بئراً واحدة منهما كانت، كما يرى هذا الوجدان، كافية لسد حاجة أهل القرية من المياه. وشاءَت الإرادة الإلهية لقصة حب، بملامح عريقاوية، أن تتطور لتبلغ الأوج في حفر البئر الثانية، عطاءً وتضحية في سبيل المحبوب، رمز الأرض التي كان الفلسطيني ولا يزال يرويها بعرقه إخصاباً لتربتها، وبدمه جهاداً ضد الغزاة المحتلين والخونة المتآمرين.
وتتلخص الحكاية في أن شاباً من عراق سويدان قد بلغ الباءَة فعشق فتاةً من القرية نفسها، وظل زمناً ينتظر خروجها لينعّم ناظريه برؤيتها، لكن الفتاة تمنّعت وتعززت ولم تخرج، فاحتال الشاب على ذلك بحفر البئر الثانية أملاً في أن تردها الفتاة المعنية مع أترابها، فيتمكن هو من رؤيتها وعرض رغبته عليها في الزواج بها، "على سنَّة الله ورسوله". ويتم حفر البئر، وتردها الفتاة مع تربين من أترابها، تكبرانها سناً، فتتحقق رغبة الشاب في رؤيتها وعرض طلبه عليها، على النحو التالي:
" قال:
أنا ما بحَشْت البير إلا تْعِمِّد
لَجل الصبايا يُورْدِن ماه...
قال:
والظَّحى وِرْدِن ثلاثة
عَلِيْهن دَق النيْل
يا محلاه...
قال:
وانتن يا ثلاثة
قتلتن رفِيقْنَا
وإحنا يا ثلاثة طالبين رجاه...
قال:
ردت عليَّ أزغرهن تْقوللي
كلام الدُّر يا محلاه!:
- إن كان كُحلِة عيوني تشفي عليلكو
أنا لكحل عيوني
ونام في لفراش حْذاه...
وإن كان يا فتى تِهْوانا وتهوى جَمَالنا
سُوقْهن على بوي وِالرْجَال تْشُوف:
سُوقْهن على أبوي ميتين نعجة سمينة
ولا نعجة إلا وراها خروف.
سوقهن على أبوي ميتين بَكْرَة قط الظوالع
حيل ناعمات الصوف
سوقهن على أبوي ميتين مهرة أصيلة
ظمر جريهن عسوف
سوقهن على أبوي ميتين جَمل محملات بالذهب
ولا جَمل إلا بحمله يزوف
وهات إلنا يا فتى البَنّا باب دارنا
خَلي يبني للغاليات قصور عاليات برفوف
وهات إلنا يا فتى الصايغ ع باب دارنا
خليه يدق للزينات حلق وشنوف...
وإن كان يا فتى ما تقدر ع إللي طلبته
تموت وعينيك للزينات تشوف."
حتى بمقاييس التقاليد الفلاحية لعريقاوية الممعنة في إكرام المرأة وتدليلها، فإنَّ صداقاً كهذا يفوق ذلك الذي طلبه أبو عبلة (مالك) من عنترة بن شداد مَهراً لابنته، وتعجيزاً لمهمته. ولا نرى أنفسنا نشطح كثيراً إذا ذهبنا مذهب مَن قال بأن الفتاة هنا هي رمز فلسطين، وأنَّ تمنعها على الشاب العاشق هو بمثابة تمنع تحرير فلسطين على أبنائها، رغم بذلهم المشهود وعطائهم غير المحدود. وهي فكرة استلهمها الأدب الفلسطيني الفصيح في غير مناسبة، نذكر منها قول شاعرنا أبي سلمى في قصيدة له بعنوان "ثورة على الظلم":
"فلسطين إنا بنينا الحضارةَ
فوق العصور كما تعلمين
نطهّر أرضك بالدم حراً
فكيف نجود ولا تطهرين!"
أمام هذه الشروط المثقلة بالدلال، وما تحمله من إيحاءات وطنية، يقف الشاب نادباً حظه وقصر ذات يده، بقدر كبير من التعقل والحكمة، والاستعداد غير المحدود، للبذل والعطاء، والاستعطاف والاسترضاء:
"قال:
أنا ما بحسد التاجر على كُثُر ماله
لو كان بحرة فيها البط يعوم
أنا ما بحسد غير
كل راَعي مليحة
لو كان مجرد ما عليه هدوم"
لا يزال صدى صوته يتردد في كياني، بهذه الأبيات التي تُنشد على أنغام الربابة، وهي واحدة من عشرات الأهازيج والحكايا الشعبية التي كنت أسمعها من جدي المجاهد المغفور له، أبي يوسف رمضان حسين شحادة الجعيدي لعريقاوي (...) بن مُرَّة الكِندي الحَضْرمي، كلما أنصَتُّ إليه، في خلوته، أو جالسته، بناءً على دعوته، ليحكي لي قصص البلاد والجهاد، محدِّباً على ذلك الوسام أو تلك الإعاقة الدائمة التي حملتها ساقه من تلك الأيام المشهودة. وقد استقيت هذه المادة من بحث ميداني مخطوط أعددته طالباً سنة 1969، في سياق مادة التراث الشعبي، بقسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة القاهرة، واقترح أستاذ المادة، في حينه، أن يحمل البحث عنوان "حكاية الزغيرة".
هذي هي إذن قصة "الزغيرة"، أو "أزغرهن"، وتعال نبدأ الحكاية من البداية، ونقول:
إذا ولَّيْتَ الوجهَ وألقيت البصرَ، من حيث كنت، إلى جنوب غربي نقطة تقاطع خطي العرض والطول 32 و 35، على مسافة خمسة وثلاثين كيلو متراً شمال شرقي مسقط رأس الإمام الشافعي، وأربعة كيلو مترات شمال غربي الفالوجة، وعلى كفّ سهل فلسطين الساحلي اليمنى، التي تصافح سفوح جبال خليلها، فوق عِراق (مفردها عِرْق وهو الهضبة) شبه مستوية من رمال كركارية بنية اللون مائلة إلى الحمرة وذات ملاط كلسي، بارتفاع مئة متر فوق سطح البحر؛ فالتقط أنفاسك، قبل أن تتبدى لك، وَصلِّ على النبي: هذي هي قريتي المدللة عراق سويدان، بطلعتها البهية، ترابط اليومَ، في القلوب، تحت الاحتلال، على الخاصرة الشمالية للطريق الرئيس الذي يشد خليل الرحمن إلى غزة هاشم، مروراً ببيت جبرين والفالوجة ودوّار كوكبة، وقبل بيت جرجة ودير سنيد، بمجدل عسقلان.
غرب عراق سويدان، مروراً ببركتها، تقع خربتا الشيخ محمد والشيخ عبد الله الأثريتان، بمقابرهما البيزنطية وكهوفهما المحفورة في الصخر شاهداً على أهلية المكان وتواصل الحياة فيه عبر الأزمان.
وشمال عراق سويدان يمر أيضاً طريق رئيس ثان متفرع من طريق رفح الناقورة الساحلي، عند مجدل عسقلان مروراً بجولس والسوافير والقسطينة، قبل أن ينعطف شرقاً، متوجهاً إلى العاصمة الفلسطينية بيت المقدس، تاركاً في روعنا وضميرنا وقناعتنا الحاجة الملحة إلى جمع المعلومات عن قرانا ومدننا وشواهدنا الحضارية، وتوثيقها توثيقاً علمياً دقيقاً، من المصادر المكتوبة والشفوية، ووضع خارطة أو خرائط الكترونية وورقية متدرجة الأحجام، مُجَدوَلة ومتناهية الدقة، تبين المسافات والاتجاهات الحقيقية بين البلدات الفلسطينية، الباقية منها على الأرض، أو في القلب والضمير والذاكرة، فهل من مستجيب؟!
ترتبط عراق سويدان بشرايين وأوردة، تحمل الحياة منها وإليها، في إطار تكامل جهوي، يسري، على بعد ثلاثة كيلومترات شرقاً إلى كرتية ثم الفالوجة، وعشرة كيلومترات جنوباً إلى برير، وكيلومترين ونصف نحو الجنوب الغربي إلى كوكبة، ومثلها شمالاً إلى عبدس، وأربعة كيلومترات نحو الشمال الغربي إلى جولس، ليكتب على ذرات الرمال الكركارية لعريقاوية نشيدَ أزلية الانتماء، ووحدة المصير، وحتمية العودة.
كانت المليحة، يومَ داهمتها النكبة، تحتضن مئة وأربعة وثلاثين بيتاً من بيوت أهلها الآمنين، على أكثر من 35 دُنُماً من أراضيها، تلحق بها 7539 دنماً أخرى، تُزرع، على مياه الأمطار، بالحبوب واللوزيات والأعناب والتين والصبر والزيتون؛ ومن بئرين ارتوازيتين، بعمق ثلاثين ذراعاً، إحداهما بئر (الزغيرة) صاحبة الحكاية الشهيرة، كان أهلها وأنعامهم، يُسقَوْن ويَسقون.
بمياه البئرين تطهر لعريقاوية وارتووا، وبها عجنوا عجينهم، وفتلوا مفتولهم، وغسلوا بواطيهم وقدورهم، وصبوا على أيدي كبارهم وضيوفهم، وسقوا قبور مجاهديهم وأوليائهم، ورشّوا عتبات بيوتهم، استقداماً لخيرٍ آتٍ وعزيزٍ طارق، أو رداً لشزر عين حسود، أو شر عدو حقود.
اقترنت مواسم الحرث والغرس والحصاد، ومناسبات الولادة والطهارة والخطوبة والزواج والوفاة، في عراق سويدان، بعادات وتقاليد، وأغانٍ وحكايا ومواويل، ونكت وحزازير، تشهد جميعها، على عمق العلاقة الأزلية بين لعريقاوي وأرضه. وفي ظلال اشجار اللوز والتوت والجميز والتين والعنب، أُقيمت الأفراح والأعراس، ودَبَك الشباب، وشبّبوا ودلعنوا، وأرغلوا وموّلوا، بدماياتهم الحريرية والصوفية المقلّمة، وعباءاتهم القشيبة المقصبة، وحطّاتهم ناصعة البياض المُزَهَّرة، وعُقُلِهم السود المعنقَرة، وشِبْرياتهم المرهفة المزخرفة وخرزاناتهم اللدنة المشرشبة؛ فهاهت لعريقاويات وزغردن، ورقصن مُرَوِّدات، بتناغم مع السحجات وإيقاع الطبول والدفوف، بثيابهن لعريقاوية الثقيلة المطرزة، ومحانكهن الذهبية، ووقاياتهن المُصيَّغة بالريالات الفضية والليرات العُسْملليّة، وشبكاتهن الخرزية، وغدْفاتهن الوثيرة المتهدلة، وأحزمتهن الحريرية المشجرة، وأصواتهن الناعمة الحانية، تهدهد الكائنات، على ضفتي شارع البير وهو شارع القرية الرئيس الذي يبدأ من الطريق المجدلي الخليلي، جنوب القرية، ويتجه نحو الشمال الشرقي، ليتقاطع مع شارع البرْكة ويمرً بحارة آل الجعيدي ثم بغرب حارة آل ابو زعيتر، ومن ثم الى قرية بيت عفة التى تبعد عن عراق سويدان ما ينوف قليلاً على مسافة كيلومتر وا حد:
"إحنا لعريقاويات
يا مين يجارينا!
هذي بلدنا،
واحنا بناتها المحصنات
بالخُلق والحسَب،
والحُسْن والنَّسب
يا مين يجارينا" ...
وعند تقاطع شارع البير، مع شارع البركة، تتوجه أنظار الفردة نحو دارٍ على المنعطف الجنوبي الغربي للتقاطع، فتتسارع النغمات وتتزاحم، على شفاه لعريقاويات وكفوفهن، أصواتاً وسحجات:
"وسِّع دارك يا بو يوسف
طلّت عليها العزومة
- أنا وسعت داري
وانتو كبار الحمولة"...
مقطع من ترويدة طويلة اعتدتُ سماعها بصوت جدتي المغفور لها الحاجة أم يوسف ظريفة حسين رخا لعريقاوية، المولودة في قرية عراق سويدان والمتوفاة منفية في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين بقطاع غزة، وكانت عارفة بتراثنا الشعبي، ومعروفة ومشهود لها، بمهارتها في بناء الخوابي والطوابين والمزاير، والدكك والمصاطب، والطهو لعريقاوي، والتداوي بالأعشاب، وتفصيل الثوب النسوي الفلسطيني، بشتى أنواعه وفنونه وأشكاله، من قماش "التوسيا" و"الجلجلي" و"أبو ميتين" و"الجنة والنار" و"المجدلاوي" و"الدرزي"...
تجمع لعريقاوية، في ذاتها، صفات المرأة الفلسطينية، بخصوصياتها الكنعانية الإسلامية، سكن للروح، وبهجة للنفس، صبور خدوم شكور، طهور ولود رؤوم، تعمل وتسعى، وتربي وترعى، فلا تكل ولا تعيى.
كان تصاهر لعريقاوية لا يكاد يتجاوز حدود قريتهم إلاَّ قليلا، آخذاً بالمَثَل الشعبي: "من طين بلادك خُذ وليِّس على خدادك"، حتى إذا عمُق الجرح اتَّسعت جغرافية هذا الطين لتحتضن بلدات منها، داخل الوطن، بيت طيما ويبنة والبطاني وقطرة والسوافير، والفالوجة وحمامة وأريحا ويافا وبيت ساحور وجنين، وغزة وكوكبة وبيت عفة وبرير، واسدود والجورة وهوج وبيت داراس والخليل.
مئة وأربعة من أطفالها وأطفال عبدس وبيت عفة المجاورتين، كانوا يتعلمون، سنة 1948، في مدرستها الابتدائية التي أسست في سنة 1942، كمدرسة قرآنية خاصة، في مبنى من الاسمنت المسلح تعود ملكيته للعريقاوي محمد على القيق.
إذا أمسى المساء وعاد لعريقاوية من حقولهم، يحدبون على ماشيتهم وأغنامهم، اغتسلوا وتوضأوا وتطيبوا، وتوافدوا على مصاطب السمر، يحكون الحكايا الشعبية والبيبرسية والسيرة النبوية وأخبار الوطن، فتنفث الزفرات بالعتابا والميجنا، وترتفع الأهازيج والابتهالات إلى أبواب السماء المشرعة، بقبول التضحيات والدعاء للمجاهدين، بنصر من الله وفرج قريب: "ام الأربعة يكفيها ثلاثة| وام الثلاثة يكفيها اثنين| وام الاثنين يكفيها واحد| وام الواحد يكفيها الله".
كانت أجنادين فتحا للديار الفلسطينية وهدى لأهلها، دخلت، على أثره، عراق سويدان، وسائر ديارنا الكنعانية، في دين الله أفواجاً، فعاشت فيها الطوائف، بالعهدة العمرية، آمنة مؤمنة بنعمة الله إخوانا.
أعلنت بريطانيا فجأة انسحابها من فلسطين، وسلم الضابط البريطاني مركز شرطة عراق سويدان إلى مختار القرية الحاج محمد سليمان أبو زعيتر، في العاشر من أيار| مايو لسنة 1948، فقام على حمايته مجاهدو عراق سويدان، بدعم، عند الضرورة، من إخوانهم في بيت عفة وعبدس وكرتية وكوكبة والمجدل وحمامة. وفي اعتداء الثاني عشر من أيار| مايو 1948 وحده، هربت العصابات اليهودية القادمة من مغتصبة قت، القائمة زوراً وبهتاناً،على أراضٍ من قرية عراق المنشية المجاورة، وتركت، في أرض المعركة جيفاً منها جثة زعيمها الإرهابي أبو داوود وبنادق ومصفحتين استخدمهما لاحقاً المجاهدون الحمامية والمجادلة المشاركون في التصدي للعدوان، في دوريات تحمي الطرق والقرى المجاورة.
كانت عراق سويدان، لفترة ما من سنة النكبة، رباطاً للكتيبة المصرية السادسة بقيادة القائمقام حسين كامل ومساعده اليوزباشي جمال عبد الناصر، مما كان له أكبر الأثر في قيام ثورة 23 يوليو 1952 التي أطاحت بالنظام الملكي لخيانته جيش مصر وتهديده أمنها باغتصاب فلسطين.
بعد العديد من محاولات الاجتياح الغادرة الخائبة، رغم اختلال موازين القوى لصالح العدو القادم، بآفة القتل والتدمير، والاغتصاب والتشريد، من خلف البحار، سقط في العاشر من تشرين الثاني| نوفمبر من سنة 1948، مركز شرطة عراق سويدان الواقع في غربها، على راس اكمة مشرفة على سهل واسع، عند تقاطع الطرق التي تربط الديار الغزية بالديار اليافاوية وجبال الخليل، على خاصرة الطريق الصاعد من مجدل عسقلان إلى خليل الرحمن، في براثن العصابات الإرهابية اليهودية، المنفلتة بعملية يوعاف التخريبية، من ثكنات جيش الانتداب البريطاني بجولس، فأبلى أهلها المجاهدون شبه العُزْل، عند مدخلها، بلاءً حسناً، حتى اقتحمتها مصفحات تلك العصابات، من فوق أجسادهم ، وعاثت فيها قتلاً ونهباً وفساداً، وشردت أهلها السبعمئة والست والستين منها، ودمرتها، ولم تُبق منها إلاَّ مركز الشرطة المذكور، لمراقبة المنطقة، ثم هوّدتها باسم "متزودات يوآف"، وأجثمت على صدرها مستعمرات "ياد ناتان" عام 1953، و"عوتسيم" عام 1955، و"سدي يوآف" عام 1956، التي (تطفح) اليوم بمياه يجرها الغزاة الغاصبون بالأنابيب، من حياض نهر الأردن، استقواءً وظلماً وعدواناً، ليجف، على ضفافه الزرع والضرع، وتُخنق البحيرة ويختنق البحر، ويبكي الجبل، وتحشرج الآهات في حناجر البشر، "وهيلي يا دموع العين هيلي!"
لا يزال مبنى مركز شرطة عراق سويدان، حتى اليوم، في مكانه، مطرزاً بثقوب الرصاص، ينتظر عودة لعريقاوية إليه، كما لا تزال علامات التدمير وشواهده حاضرة، فيما كان، حتى النكبة، الشارع الرئيس في عراق سويدان، حجارة الديار يحتضنها نبات الصبار حارساً للذاكرة والمكان، وتذوي أشجار الكينا والسدر فيها، على السطح قهراً، وتتجذر في التراب هائمة، لتطل برأسها، بين الفينة والأخرى، على السطح، عطشى متلهفة، علَّ عودة لعريقاوية تكون قد أزفت.
فذا مستعمر غاصب، ومرتزَق قاتل، أثيوبي أو أوكراني، أو هندي أو فرنسي، أو أمريكي أو روسي، أو أرجنتيني أو ألماني، لا ألفة بينه وبين المكان، في عراق سويدان، تنهشه الغربة ويمسخه تغيير الهوية، من شيء إلى العدم، وحتى العبث، يدوس ببسطاره الغليظ، ويَصْلي بمدفعه البغيض، تراباً، امتزج عبر القرون، برفات عريقاوية بحتة، تلعنه في كل لحظة، وتطارده حيث كان، أشباحُها وأشباحُ أبنائها المشرَّدين، في المنافي ومعتقلات اللاجئين.

ينتظر أهل المليحة عراق سويدان اليوم، بمفاتيح بيوتهم المغصوبة، تشرئبُّ على الخصور، وسندات ملكية أراضيهم السليبة، مشدودة إلى الصدور، كاظمي الغيظ، تحت الحصار والتقتيل، والتعطيش والتجويع، في مخيمات اللجوء الفلسطيني بقطاع غزة ومنافٍ أخرى، يوم العودة إليها، في جموع وعوائل، منها الجعيدي وأبو سمرة وحماد ونوفل والقيق ودخان، وأبو زعيتر وربيع وصبح وابو طبنجة وصافي وشومان، ومرعي وابو وردة ورخا والباز وغنيم والبنا وسالم وعليان، وقد تجاوز تعداد نفوسها الخمسة آلاف نسمة، منهم بياذق في العلم والمعرفة، والجهاد والبيان، من خالد مطاوع الجعيدي إلى محمد عبد الفتاح دخان.
هذي قريتي عراق سويدان؛ فهات ما عندك، وانطق باسمها... بالحقيقة والحق... وسجّل يا زمان.

الدكتور محمد عبد الله الجعيدي
أستاذ العربية وآدابها بجامعة مدريد
في الذكرى الستين لاغتصاب قريته عراق سويدان
من كتابه " كتابات من إسبانيا في الثقافة العربية"





إذا كنت مؤلف هذه  قصه وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

 

شارك في تعليقك
أي تعليقات مؤذية، تهجمية، أو متعالية على الآخرين ستحذف فوراً. الرجاء كتابة تعليقات متواضعة، وإذا كان عندك إنتقاد فإجعله بناء.

الأسم
البريد الألكتروني*
اللغه
يرجى الملاحظة اننا نحذف أي تعليق يحتوي على روابط.

*يرجى الملاحظه باننا لا نشارك  بريدك الألكترونى مع زوار الموقع على الأطلاق وكل المراسلات تتم من خلال الموقع.
مشاركة عيد مسلم الجعيدي في تاريخ 17 آب، 2008 #49459

والموقف الثاني عندما هاجم الارهابيون اليهود القرية والمركز وذلك في ليلة8-9من شهر يوليو/تموز1948 واستطاعوا ان يقتحموا القريةلان المدافعين عنها كانوا قلة في عددهم وتسليحهم.فقد كان المتطوعون التابعون للهيئة العربية العليابقيادة جمال الصوراني وبوجود ضابط الماني يسمى حكيم رشدي وعدد من شباب القريةكانوا قلة.وكانوا في مقر القيادة في منزل السيد/نمر صبح القيق الواقع على الشارع الرئيسي في جنوب القرية المقابل لبئر البلدة.ولم يستطع هذا الموقع ان يصد الهجوم الكبير الذي تعرضت له القرية.فاقتحم الصهاينة المجرمون القرية من جميع الجهات واخذوا يطاردون الاطفال والنساء والشيوخ في شوارع القرية الضيقةحتى تمكنوا من جمعهم في منتصف القرية.وهنا فتحوا عليهم نيران رشاشاتهم الكثيفة وسط صراخ النسوة والاطفال.ولكن عناية الله كانت اقوى من تدبيرهم ومن رشاشاتهم.ومرة اخرى القت النسوة والاطفال بانفسهم على الارض.واخذوا يحتمون بغرف المنازل وخلف الاثاث الموجود فيها وسط الظلام الدامس حتى طلع النهار.ولكن مركز القرية والذي تحميه القوات المصرية صد الهجوم.فاخذ المركز يمطر القرية بوابل من النيران الكثيفة مما اضطر الارهابيين الصهاينةالى ترك القرية عند الفجر والانسحاب الى قرية بيت عفا الواقعة شمال قرية عراق سويدان.وقبل انسحابهم القوا القنابل اليدوية على الاسرى الذين جمعوهم ومعظمهم من النساء والشيوخ في اقصى شمال القرية وفي دار المختار الحاج /محمد ابو زعيتر- رحمه الله ولكن عناية الله حمت الاطفال والشيوخ والنساء فلم تنفجر تلك القنابل.واما نتيجة الهجوم فقد اسفرت عن استشهاد المناضل/محمود عامرالجعيدي/رحمه الله واسكنه فسيح جنته.كما اسفر الهجوم عن استشهاد الفتاة/كفاية جادالله دخان.رحمها الله واسكنها فسيح جناته.والشهيد والشهيدة كانا في ربيع عمريهما.كما اصيب الحاج/رمضان حسين الجعيدي في ركبته بشظية من قنبلة.وكذلك اصيب السيد/عبدالمالك عبدالله غنيم برصاصة في رجله.هذا واخذ الانذال اليهود يطلقون النار على اهالي القرية من اعلى مباني قرية بيت عفا المجاورة حتى حضرت قوات الكتائب السودانية ففروا مذعورين كالفئران الى مستعمرة --نقبا--غربا .والقوا قنابلهم اليدوية بعيدا عن الاسرى والاسيرات في قرية بيت عفا.وبالمناسبة فان الجبناء الصهاينة كانوا لايخافون الا من القوات السودانية التي كانت تغشاهم وجها لوجه.وهكذا كانت عنايةالله اكبر منهم ومن اسلحتهم ومن كيدهم.ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين.ولن ننسى حقنا في الثار من هؤلاء البرابرة وسنعيد وطننا السليب ان شاء الله ولن نتنازل عن ذرة من ترابك ياقريتنا السليبة.وسنعود اليك قريبا بهمة الرجال الابطال من فلسطين وفي طليعتهم شباب عراق سويدان.

مشاركة عيد مسلم الجعيدي في تاريخ 16 آب، 2008 #49348

عناية الله تحمي اهالي عراق سويدان
جمع المرحوم/سالم صالح ابو زعيتر-رحمه الله-محصول حقله الملاصق للقرية في صيف1948وجعله على هيئة كومة كبيرة يسميها القرويون (حلة)بكسر الحاء وتشديد اللام.وذلك تمهيدا لنقله الى جرنه الواقع قرب منزله الواقع في حارة ال ابو زعيتر الكرام في اقصى شمال القرية.وفجاةراى اهالي القريةالنار تشتعل بقوة في الحلة فتداعوا لاطفائها وخرجت القرية عن بكرة ابيها بشبابها وشيبها ورجالها ونسائها وحتى اطفالها بحيث لم يبق قدر على السير الا وهب يلبي نداء الواجب.ولم يكن يخطر ببال احد من القرية ان اليهود في مستوطنة (نقبا) المقابلة للقرية والتي لاتبعد عن القرية سوى كيلومتر ونصف الكيلوسوف يستغلون تجمع اهالي القرية ليتخلصوا منهم في ضربة واحدة ربما خططوا لها مسبقا.ففوجئ اهل القرية بنيران الرشاشات تنطلق نحوهم فجاة.وهنا صرخ شباب القرية والذين سبق وان تلقوا تدريباتهم العسكرية ان ينبطح الناس على الارض وان يزحفوا الى اقرب جدار في القرية وكان في منزل ابراهيم ابو مرعي الجديد.وهكذا حالت عناية الله دون تمكين اليهود من تنفيذ مخططهم الاجرامي.ولم يصب في هذا الحادث سوى الطفلة(عريفة محمد صبح القيق)ابنة الخمس سنوات.اصيبت برصاصة غادرة في بطة ساقها بعيدا عن عظم الساق.ولعل الله -سبحانه وتعالى-اراد ان يخرج من اصلاب اهالي القرية مناضلين اشداء ومحررين لفلسطين ان شاء الله.من امثال عبدالهادي عيسى ابو زعيتر وطارق عبدالفتاح دخان واخيه وخالد مطاوع الجعيدي بطل الطعن بالسكاكين ومن امثال الشهيد البطل/عوض عبد الفتاح محمدحماد القيق واخرين لااستطيع ان الم بهم.

مشاركة عيد مسلم الجعيدي في تاريخ 30 نيسان، 2008 #36429

القصيدة السابقة قيلت في رثاء اللواء/عبدالفتاح رمضان الجعيدي.حاكم منطقة الخليل.وهو من مواليد قرية عراق سويدان.تخرج المرحوم من الكلية الحربية في العراق الشقيق ايام/عبدالكريم قاسم.ودافع عن العراق واشترك مع الجيش العراقي ضد الانفصاليين الاكراد.وظل في العراق ختى سنة 1965 حين استدعت منظمة التحرير الضباط الفلسطينيين الى فلسطين في قطاع غزة.وكان مسئولا عن موقع المنطار شرقي مدينة غزة.ووقع في الاسر سنة1967 ولما خرج من الاسر التحق بالقوات الفلسطينية في مصر.واشترك مع الجيش الثالث المصري.واسر مرة ثانية عند البحيرات المرةز ووافته المنية في اليومالسادس من فبراير سنة2006

مشاركة عيد مسلم الجعيدي في تاريخ 19 نيسان، 2008 #35275

ليث الجعيدي قد رفعتم قدرنا***كنتم لناقلباوسمعاوالبصر
ودت نفوس انها تفديكمو***ارواحنالو كان امرا يقتدر
هيهات ان نعطى عظيما مثلكم***فهماواخلاقاوفي بعد النظر
ياعين جودي عل دمعاجاريا***يطفي لهيبافي الحشاقداستقر
عهدا سيبقى ذكركم سلوى لنا***ماغردت قمرية فوق الشجر
*****
يارب واخلفه رجال مثله***رمزي ورامي والرءوف المعتبر
واجمع الهي شملنا في جنة***فيها اللقاء والخلود والمقر

مشاركة عيد مسلم الجعيدي في تاريخ 19 نيسان، 2008 #35274

شدتم لنا عزا ومجدا باسقا***شرفتمونافي البوادي والحضر
خمسون عامافي ميادين الوغى***لم تخش حتفا اوصروفا من قدر
عزم واصرارعلى قهر العدا***حتى يعود الحق اوياتي الظفر
في الله مالاقيت من اسر ومن***شوق لابناء ومن طول السفر
كانت امانينانراكم قربنا***نحظى بخلق حين نلقاه نسر
لكنهاالايام دوماطبعها***تفريق شمل بل هموم وكدر

مشاركة  عيد مسلم الجعيدي في تاريخ 19 نيسان، 2008 #35273

الى روح ابن العم الغالي ابو رمزي اهدي هذه الكلمات المتواضعة
رفقابناياخطب رفقا ياقدر***اضرمتما في القلب نارا تستعر
قالوا ابو رمزي قضى واكربة***قبحت ياناعي وتبا للخبر
قالواابورمزي مضى واحسرة***ياصرحناالعالي هوى حتى اندثر
ياارض ميدي اننافي ذهلة***لاتطلعي يا شمس واغرب ياقمر
غاب اللوا فلا امان يرتجى***من بعده ان حل كره اوخطر
غاب الحبيب لاقريب مخلص***يسعى لخير اولنفع ينتظر
كنتم لواء المجدتعلي راية***في ظلها نمشي ولا نخشى ضرر
كنت المرجى ان خطوب داهمت***فاليوم لادفع لها بل لاوزر