فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت English Version
الصفحة الأولى    صور     خرائط  تاريخ شفوي حق العودة 101 نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع الصراع للميتدئين إتصل بنا
Bani Na'im - بني نعيم : شعرية العنب الخليلي: مقاومةٌ.. ونبيذٌ أحمر قراءة تفكيكية(محمد عزالدين المناصرة)

شارك بتعليقك  (4 تعليقات

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى بني نعيم
כדי לתרגם עברית
مشاركة ابو ثابت في تاريخ 9 كانون ثاني، 2008
في البدء كان العنب
استيقظ سفحُ الجبل على زقزقة عصافير الدوري، تُنقّر حبّاتِ التينة النعيمية. اشتعل الكرمُ بصرير الجنادب، وأصواتِ مواويل الدلعونا، واغتاظت عصفورةٌ من أختها، فراحت تَرفُسُها، لكي تقف على غصن صلب. طار سرب العصافير، حين جئتُ حاملاً مطرقين من الرمّان، قمتُ بطلائهما بغراء. استأسد عصفور وحيدٌ ظلّ على الشجرة غير مكترث للفخّ الذي قمتُ بنصبه بين الأغصان. أمّا الدالية، فتسلّقتْ على كتف شجرة التين، مُشْبعَةً بالقطوف الناضجة، كنهود الفتيات الساحرات اللواتي كنَّ يَتَقصَّعْنَ دلالاً في الجوار، يُلملمن وروداً من شجيرات منقطعة النظير. غازلْنَني بأغنيةٍ ما يزال إيقاعها تحت أسناني. كانت أغنيةً مليئةً بالإيحاءات والإيماءات. اقتطعتُ خُصْلةَ عنب، عندئذ قالت إحداهن:

لا تقطفْ لي عنقودي.. لا تقطفْ لي عنقودي.

خَلّيك بكرم نْهودي.. لا تِتْمشى في الوديان .

ثمّ أضافت الأخرى:
اعملْ حالَكْ مشْ شايفْ.. اعملْ حالكْ مِشْ شايفْ.
خايف منّا وْمِشْ خايفْ
عودي مَطْرَقِ الرُمَّانْ .
فأكملت الثالثة:
وحْياةِ التين الأخضرْ.. وحْياةِ التين الأخضرْ.
لَمَرْمِرَكْ يا الأسمرْ.. حُبّي مَنْقوع الطوفانْ .

اشتعل داخلي. ارتبكتُ، ولفّتني الحيرة: هل أتجاهل صَهيلَهُنَّ، غنجاتهُنّ، ربيعَهُنَّ الطازج اللدن، كأنّهُنَّ حوريات هبطن من السماء إلى الكرم! هل أتجرأ، فأجيبهنّ بنشيد كنعانيٍّ فصيح، يوقع إحداهنّ أرضاً. المدهش أنّ قلبي رفرف لهُنَّ جميعاً. هل يتّسع القلب لثلاث فتيات دفعة واحدة... كان ذلك قبل أربعين عاماً في كرم أبي.

هبطتُ إلى سوق مدينة تلمسان الجزائرية، لأشتري بعض الفواكه. شاهدتُ في سوق هذه المدينة الأندلسية، قطوفَ عنبٍ تتلألأ كالمصابيح. اشتريت. اقتطعتُ خُصْلَةَ عنب لأذوق طعمها، انفجر البرق، خلخل الذاكرة. كنت منفياً في الأقاصي، يا إلهي، عاد المشهد القديم كله في بلدة بني نعيم الخليلية، حيث كنتُ أطارد العصافير في كرم أبي. كأنني في الخليل. تطلّعتُ إلى حانوت بهارات تلمساني، فرأيتُ ثلاث فتيات جميلات، فيهنّ سحر الموشّحات مع إيقاع غرناطة. قارنتُ المشهد القديم بالمشهد الحديث، فَصَدّني المنفى والزمن... كلبٌ مسعورٌ هو الزمن، سدودٌ عالية هو المنفى، دكتاتورٌ هو المشرق. عُدت إلى البيت. حلمتُ في تلك الليلة بأن الكروم ناشفةٌ، وأنَّ جنود العدوّ يحاصرونني. وظلّ هذا الحلم يطاردني كل ليلة طيلة سنوات، ثمَّ توقف تماماً حين سمحوا لي بالعودة إلى عمّان ، صيف 1991. هكذا أصبحتُ قريباً من القدس والخليل وبيت لحم، مُدُنِ طفولتي. سألتُ ابن شقيقي القادم من فلسطين: ما أخبار الكرم؟ قال لي: لقد اقتلع الزمنُ كلَّ شيء. لا يوجد في الواقع، أي شيء مما تعرفه في صباك. كظمتُ غيظي، وبقيت الصورة القديمة تحاصرني: شجرةُ الزعرور في البقيع. سفرجلةٌ متميزة. دوالي العنب. جنّة العصافير. والأهم موسم العنب صيفاً. أخبرني صديق عتيق أنَّ امرأةً في فلسطين، غنّت في أحد الأعراس، أغنيةً لي:

يا المنفي في الجزايرْ .. في بلاد الغربة دايرْ
عنب الخليل بْيبكي.. مشْ عارف شو اللّي صايرْ
بُكْرا بيرجع عز الدينْ.. لبلاد العنب والتينْ .


كان المشهد الأخير في القدس ، صيف العام 1964: شقيقي الأكبر يعمل مديراً لبريد بلدة دير دبوان في رام الله. ذهبتُ من الخليل لزيارة شقيقي ووداعه، حيث سأرحل إلى القاهرة . قالت والدتي: تأخذ معك سَلّة عنب لشقيقك. حين شاهدتُ صُدفةً اسم شارع صلاح الدين في القدس، تبادرت إلى ذهني فوراً مجلّة الأفق الجديد . قطعتُ الشارع جيئة وذهاباً، حتى عثرت على عنوان المجلة. استقبلني رئيس التحرير أمين شنّار. رحّب بي بغزارة. كنت أشعر بالخجل، لأنني أحمل سلّة العنب. وضعتها جانباً. ثمّ تذكّرتُ أنه لا بُدّ أن أدعو رئيس التحرير لتناول شيء من العنب. تردّد أمين، ثمّ وافق أن يأخذ قطفاً واحداً، أكل خصلةً منه أمامي، وقال بابتهاج: إنّه عنب الخليل! طلب مني أن أكون مراسل المجلة في مصر. وكانت مصر تعيش أبهى عصورها الثقافية. واصلت رحلتي إلى شقيقي. ثمّ سافرت إلى مصر. ولم أكتشف معنى المنفى إلاّ العام 1967، هذا العام اللعين. فجأةً اكتشفتُ أنني غير قادر على العودة، لأن الاحتلال امتنع عن تسجيل اسمي ضمن أفراد العائلة، بحجّة الغياب في مصر. هكذا ظلّت سَلَةُ العنب ، رفيقة رحلتي في المنافي، فكلّما حاصرتني المنافي، قاومتُها بسلاحي الذي لا يُقهر: سلّة العنب . وهكذا صدر ديواني الأوّل: يا عنب الخليل ، العام 1968. وعندما ولدت ابنتي الوحيدة في العام 1992 في عمّان، سَمّيتُها: دالية : جاء أحد أبناء شقيقي الأكبر من فلسطين، وهو يحمل شريط فيديو . شاهدته في التلفزيون. سألته: أين الكرم؟ أشار إليه في أحد المقاطع. لم أتعرّف إليه. هل تعبت ذاكرتي. لا، بل إنه الزمن الذي يمحو كلَّ شيء. أُصبت بصدمة عاطفية. رجعتُ طفلاً. أغلقتُ باب مكتبي بالمفتاح. جلستُ أحاور نفسي، كأنّ ابن شقيقي، أحضر لي جُثّة عزيزٍ عليّ، متوهماً أنني سأفرح. في تلك الليلة الماطرة، بكيت. بكيتُ وحدي. لا أستطيع أن أشرح حزني الداخلي لأحد، لكنّني سأقاوم ضعفي، بقنّينة نبيذ أحمر، جاءت هديةً من بيت لحم. تذكّرتُها هذه الأميرة الملفوفة بالحرير في الأدراج السريّة لروحي المتعبة.

عندما عدتُ من مدرستي (ابن رشد) في الخليل في طريقي إلى باص بلدة بني نعيم، قرب بركة الإبراهيمية، دخلتُ مكتبة شهيرة آنذاك، لأشتري دفتراً. أثناء ذلك، كان البائع يحاور شخصاً كبيراً، ثم شاهدته يستخرج من وراء أرْفُف الكتب، زجاجة تحتوي سائلاً أحمر. عندما عدتُ إلى البيت رويتُ ما شاهدتُ في المكتبة، نظرتْ أمي إلى شقيقي وزملائه الضيوف، نظرةَ استفسار، من دون أن تنطق بكلمة واحدة. هتف أحد الحاضرين: إنه الخمر، إنه النبيذ الأحمر. عندئذ، بدأتْ أمي تُطالبني بالحَذَر، وتنعي انحدار الأخلاق.
كنّا نذهب إلى السينما في بيت لحم، كلّما سُمح لنا بذلك. وكنتُ أشاهد طوابير السيارات الخليليّة في طريقها إلى بيت لحم، كلّ يوم خميس، فكنتُ أتساءل: إذا كانت هذه الطوابير، لا تذهب إلى السينما، فأين تذهب! عرفتُ بعد ذلك أنّ نبيذ بيت لحم ، هو ابن الدالية الخليلية، يرضع من ثدييها طفلاً، ثمّ يكبر ويشيخُ، ويتعتَّقُ في الأقبية.

عندما يوضع العنبُ في البراميل، يجيءَ التجارُ لشرائه، ومعنى ذلك -حسب والدي- أنّ العنب، يذهب إلى الخمّارات في بيت لحم، لهذا كان والدي يبيع عنبه في السوق في مدينة الخليل، ويرفض بيعه لتجّار البراميل. وعندما قلت له: لكنَّ العنب في السوق، يذهب لاحقاً إلى تجّار البراميل، فما الفرق، خصوصاً أن تجّار البراميل، يشترونه مباشرة من الكروم، بثمن أعلى؟
قال: يا ولدي، لن أقترب من الحرام. ما يفعله الآخرون: حرام، ما داموا يعرفون. هكذا كانت إحدى متع الفُتوَّة، أن أذهب مع والدي في الغسق، نسوق حمارين محمّلين بالسحاحير، لنبيع العنب في سوق الخليل، حيث كانت البلدة تبعد عن الخليل، حوالي 8 كم، آنذاك، وانحسرت المسافة بعد ذلك، أي بعد أن امتدّ البناء في وادي الجوز -كما قيل لي- إلى 5 كم. أمّا في ظلّ الاحتلال، فقد قيل لي: إنّ الوصول إلى الخليل، يحتاج إلى ساعة ونصف الساعة، بعد أن اخترع الاحتلال، ما يُسمّى الطرق الالتفافية . في كروم وادي الجوز هذه، كان ياسر عرفات يلتقي رفاقه للتحضير للثورة في كرم آل عبيدو . وفي بلدة بني نعيم، التقى عمّي الحاج عبد الحافظ ادعيس المناصرة (شيخ سفينة العودة)، الذي مكث سنوات طوالاً في سجون الاحتلال، قبل إبعاده خارج فلسطين، حيث مات منفياً في عمّان، العام 1990، ففي كروم الخليل، تعلّم ياسر عرفات، صناعة أوّل لغم من البارود، الذي فجّر به مع رفاقه، الثورة الفلسطينية المعاصرة (1964-1994).
تقع بلدة بني نعيم الخليلية، شرقي مدينة الخليل، وقد كانت هذه البلدة، مدينةً كنعانية، وردت في مسلّة الفرعون مرنفتاح، تحت اسم: بنو عام . وفيها كان العماليق، وهم فرعٌ كنعاني، كان يطلق عليهم، لقب الجبّارين ، وهم أجداد اللخميين، الذين كانوا ينتشرون في كل أنحاء فلسطين. وهكذا انتسبت إلى هذه المدينة الكنعانية: بنوعام ، معظم عشائر النعيمي، فهي الخزّان الأصلي لهذه القبائل، التي انتشرت في فلسطين وسوريا ولبنان والأردن والعراق والخليج، وقد كانوا فروعاً من قبائل بني لخم العربية الكنعانية. أمّا الرواية الثانية، الموثقة تاريخياً، فهي انتسابُ الراهبين المسيحيين الخليليين: نعيم وتميم إلى بنو عام ، وهما أول من أعلنا إسلامهما أمام الرسول (ص)، وعادا سراً إلى فلسطين في العهد الروماني. ومنحهما الرسول، ما يُسمّى في التاريخ: إقطاع آل الداري ؛ عمل الأخ الأكبر تميم الداري في الفقه الإسلامي، وكان شقيقه الأصغر نعيم ، مسؤولاً عن الأرض. لهذا كان نعيم الداري، ينتسب إلى بنو عام ، التي دفن فيها في خربة بني دار الواقعة في بلدة بني نعيم الحالية. وهكذا لا تناقض بين الروايتين: الأرجح أنَّ مدينة بنو عام الكنعانية، تمّ تحريفها لغوياً إلى بني نعيم ، أو أطلق عليها الاسم، منذ بداية الإسلام، نسبة لنعيم الداري، فلا تناقض، لأنّ نعيم الداري، ينتمي أصلاً إلى بنو عام الكنعانية. وقد كانت عناقيد العنب ، منقوشة على الأحجار الكنعانية، والرومانية، والبيزنطية. أما فلسطين، فقد اتحد فيها الشعبان: الفلسطي، والكنعاني، في أرض فلسطيم . وذكر اسمها مرّات عديدة في كتاب هيرودوت أبو التاريخ ، بينما لم يرد أي ذكر فيه لبني إسرائيل على الإطلاق. لقد تمّت صناعة ذلك، لاحقاً. وينتسب إلى بلدة بني نعيم، موسى بن نصير فاتح الأندلس، الذي ولد في هذه البلدة. واشتهرت بالعنب والتين النعيمي، والسمن النعيمي، والرُّخام، فالحجر النعيمي بنيت منه القصور في فلسطين والأردن والعراق.

موسم العنب الخليلي

يكتملُ نُضْجُ العنب في شهر آب. يقول المثل الخليلي:

في آبْ... اقطُفْ العنبْ ولا تهابْ .

أصوات الجنادب تملأ سفح الجبل. الحماماتُ البلدية ترحل نحو الكروم، لتقيم أعشاشها في العرائش. وادي الجوز، يمتدّ من بلدة بني نعيم الخليلية حتى مطلع عقبة النَتْش في الخليل، يمتلئ الوادي بالحركة، كذلك سفوح جباله المحيطة، حيث بُنيَ بيتٌ وحيد من الحجر: دار أختي في الرضاعة . ينتشر الماء، يُدعى ماء السبيل في الزير الموضوع في حفرة في حائط الشارع في مكان مُظلّل حتى يشرب منه العابرون صيفاً. وفي الصيف، حيث موسم العنب، ترحل العائلة من البلدة إلى العريشة الصيفية في الكرم الغربي. العريشة غرفةٌ واسعة، مبنيةٌ من حجارة الكرم، سقفها من القشّ وأغصان الأشجار الجافة. وفي مقابلها يُبنى حَمَّام، وأحياناً كان الحمَّام هو الهواء الطلق. وهناك بئر ماء صافٍ نظيف، لولا زَرَق الطيور، ونقنقة بعض الضفادع. بالدلو ننشل الماء، بارداً في عزّ الصيف. عاصفةٌ من العصافير، تملأ السفح والبقيع. وهناك أمكنة للنحل والدبابير تلسع. وبسبب حبّ الفضول الطفولي، كنّا نَسْتَفِزُّ وكر الدبابير، فنهرب، وقد يلحقنا دبّور، فيلسعنا، فيبقى مكان اللسع في الجسد متورماً لأسابيع. يكتمل نضج العنب في آب اللهّاب، عندئذٍ يصبح بيع العنب طازجاً دفعةً واحدة، أمراً صعباً. لهذا يحاول أصحاب الكروم تصنيع هذه الفاكهة وتقديمها إلى السوق بأشكال أخرى: الدِّبْس، الملبن، الزبيب، الشدّة، المخلّل، العنبيّة العَنْطَبيخ وغيرها. وما تزال هذه الأشكال من التصنيع، تُصاغ بطريقة شعبية، تدعمها الروح الجماعية والتعاونية في العمل، إذْ لا تستطيع العائلة الصغيرة وحدها إنجاز العمل:
قبل يوم قطاف العنب، يعلن صاحبُ الكرم عن نيّته في البدء، أمام الجيران والأقارب والأصدقاء، عندئذ يرسلون أولادهم وبناتهم وزوجاتهم، لمساندة صاحب الكرم، ويُسمّى هذا النوع من العمل: العونة (= التعاون). يذهبون في صباح اليوم التالي مبكّرين، قبل طلوع الشمس سَرْوَة إلى الكرم. يتفرقون في مجموعات: قسمٌ لقطف العنب لوضعه في سلال ومقاطف، وهو ما يقوم به رجال، ذلك أن عملية القطاف، تحتاج إلى قوّة ومهارة ورشاقة ودقة، حتى لا تتأذّى الدالية، ولا تتكسّر أغصانها. وهم عادة لا يقتربون من العنب الجندلي ، المتأخر النضج، لأنه لا يصلح لصناعة الدِبْس.
وهناك قسمٌ آخر، يقوم بعملية نقل العنب إلى مكان التصفية، وهو ما يقوم به الفتيان والفتيات. يتكوّن الكرم الخليلي في سفح الجبل من أقسام كثيرة على هيئة مُدرّجات، تدعى: حَبَلات (مفردها: حَبَلة)، أو قِطَع مستطيلة، ليسهل الاعتناء بالكرم، وحتى لا تنجرف التربة في الشتاء. ويروي النعيميّون الريفيون، نكتة عن طيبتهم وبساطتهم، أنّ تاجراً ماكراً، أراد أن يشتري محصول العنب. فقام التاجر بالعَدّ: حبلة، حَبَلتين ، ثمّ وقف على الحبلة الثالثة، وقال: والثالثة، أين يا بني نعيم !! فقال الريفيّ النعيميّ: هي في مؤخرتك أيّها المُرابي!! ، أي أنّك أكلت محصولها مُسْبقاً بالربح الربوي.
يحمل الناقلون العنب في السلال والمقاطف أمام العريشة، وتسمّى مْعرّشية ، وفي العادة تُسمّى عملية الرحيل صيفاً إلى الكرم التَعْزيب (نُعزّبُ، وهي مشتقة من العِزْبة ). تبدأ النساء والأطفال، بتنقية قطوف العنب من العوّار ، وهي الحبّات الفاسدة، و الدمدمون ، أي الحبّات الجافّة.
وعندما تتم عملية التنقية، ويتم التأكّد أن القطف قد أصبح نقياً، يرسلونه إلى المعصرة. والمعصرة عبارة عن حفرة اسمنتية عليا، يوضع فيها العنب، تليها حفرة اسمنتية سُفلية، تتلقى العصير الصافي، فهي مصفاة. يخلط العنب في الحفرة العليا، بتراب رملي، يُدعى الحِوَّر ، يساهم في تنقية العنب من الشوائب، بعد أن يتم دعسه بالأرجل النظيفة. وعادة ما يقوم بهذه المهمة، رجلُ ثقيل الوزن، نشيط القدمين، ليقوم بعملية التدعيس والتفغيص . يتصفّى ماء العنب بفضل الحِوّر في القاع. ينقل عصير العنب من المصفاة إلى القدور التي أُعدّت للطبخ. يقوم بعض أصحاب الكروم، بجمع قشور العنب وتفله، ويحيطونها بأغصان الدوالي الخضراء على شكل دائرة، ويقف عليها رجل الوزن الثقيل مرّة أخرى، حيث ينتج عن هذه العملية، بعض العصير الإضافي. أمّا العُرْمُش ، أي ما تبقى من قطب العنب بعد استخراج العصير منه، فيُرمى للدواب لتأكله. بعد أن نضع عصير العنب في القدور، نبدأ بإشعال النار تحتها لعشر ساعات، وغالباً ما تراقب النساء عملية تحريك العصير في القدور، حيث يسهر الرجال منذ غروب الشمس، حتى أذان خطيب المسجد. قبل يوم قطاف العنب، يكون الرجال والفتيان، قد جهّزوا الأخشاب والأشواك وعيدان الحطب في أطراف الكرم، ويسمونه يوم القَشيش (مشتقٌّ من القشّ). وغالباً ما يستأصلون عيدان شجيرات العنب الجافّة لهذا الغرض، وتُسمّى في بلدة بني نعيم الخليلية: عيدان العِبْري، التي تُحرق تحت القدور، وكلّما خفتت النار، ألقموها حطباً إضافياً، وهم ينشدون:

أطعموا اللّتّون جاعْ... أطعموا بيض القلاعْ .

والمعنى هنا رمزي، لأن اللّتون، بلغة أهل بني نعيم، هو الحفرة الكبيرة، التي توضع فيها الحجارة، وتُشعل بالنار القوية، لإنتاج الكلس (الشيد) الذي تُطلى به البيوت باللون الأبيض. وتردّ الجماعة الأخرى: أطعموا اللتّون جاع، أي أنه يحتاج إلى حطب إضافي. وهنا تزداد حماسة الرجال، لإشعال مزيد من الحطب، لكي ينضج الدبس. وفي الصباح يحمرُّ عصير العنب، ويجمد، ويتخثّر، ثم يبقى على ما تبقى من النار، أي من دون إضافة نار جديدة لمدة ساعتين. بعدها يوضع في الجرار الفخّارية، ويُسمّى مفردها: زَرَويّة، أي جرّة فخارية، يضعون الطين على بابها حتى فصل الشتاء، حيث يستخدم الدبس للإفطار، وتحرص الأمّهات على أن يشرب أولادهنّ قبل الذهاب إل المدرسة كأساً من الدبس، لأنه يقوّي الدم وينقّيه، أو حسب بعض الأمهات: يجلب الذكاء، وهي محاولة لإجبارنا على شربه في الصباح الباكر.

(كان يشاع بين الطلبة في مدرسة ابن رشد في الخليل، أنَّ أستاذ اللغة العربية يَسْكَرْ!! ، وهم يؤكدون ذلك، بأن الأستاذ له عيون محمرّة، يطلب من الطلبة كتابة النص الذي على اللوح، ثمّ يضع رأسه بين يدين مربوطتين، ويغفو خلف المكتب. وفي أحد الأيام، تبيّن أن معظم الطلبة قد شربوا الدبْسَ الصباحي، وعندما طلب الأستاذ نسخ النص عن اللوح، نسخناه، وغفونا جميعاً، انتبه الأستاذ وصاح بنا: هل أنتم سُكارى!!.. وضحكنا بلؤم).

أما العنبية العَنْطبيخ، أي طبيخ العنب، أو العنب المطبوخ، فتوضع حبّات العنب في القدور مباشرة بعد فرط الحبّات النقية، ويُرمى العُرمش خارجاً، وتوضع في قدور عديدة، تشتعل النار تحتها لمدة عشر ساعات على الأقل. وعندما تزداد كثافة العنب المطبوخ، يقلّ حجمه، عندئذٍ تُختصر القدور في قدرين أو ثلاثة، حسب الكمية المطلوبة. وأهم عملية هنا، هي عملية التحريك، بعمود خشبي، حتى لا يشيط، أي يحترق، حيث تتم عملية المراقبة الحثيثة، بمراقبة النار والتحريك. ثمّ يتمّ تبريده، ويخلط بالصنوبر والقريش، والفستق أحياناً، ويوضع في جرار الشتاء.

أمّا الملبن فيصنع بأن يوضع عصير العنب في القدور، ويضيفون السميد والصنوبر والقريش وتشعل النار تحته لمدة ثماني ساعات، وبعد أن يقترب من النضج يبرد ويصب على الملاحف البيضاء، وهي كنايةٌ عن قماش طويل وعريض أبيض يشترونه خصيصاً، يسكب الملبن على الملحفة بِسُمك نصف سم، ويترك خمسة أيام في الشمس حتى يجف ويقشر، فيقتطعونه ويقسمونه إلى أقسام تسمى صفطات . يكون خلال هذه الأيام الخمسة رجل يسهر في الكرم على الملبن ويحرسه من الكلاب والعابثين.

أما الزبيب ، وهو أهم مشتقات العنب فيصنع كالتالي:

يُنقّى العنب من الشوائب، وبعضهم يفرط القطف ويضع حبات العنب الصالحة في القدر، أو يبقي القطف بعرمشه مع إزالة العوّار والدمدمون. أما حبات العنب الصغيرة الشقراء فيضعونها في قدر خاص لأنها تباع بسعر أغلى وتسمى بنات شام : يغسل العنب بالزيت والصودا في أوعية، وبعد غسله يوضع على أرض سهلة تسمى المسطاح ، وهو المكان المعد لهذه الغاية، يظل العنب عشرة أيام تحت الشمس، ويغطى ليلاً خوفاً من الندى الذي قد يجعله يميل إلى السواد، ويحاول أصحاب الكروم أن يستعجلوا صنع الزبيب خوفاً من شتوة المساطيح ، أي المطر المفاجئ الذي يسقط في أواخر أيلول، فيفسد الزبيب وهم يقولون:

أيلول... ذنبو مَبْلول .

يفرك الزبيب من التراب ويوضع في أكياس للبيع.

ومن الأغاني المصاحبة للعنبية والدبس والملبن عند إنزال القدور: أغنية النشامى، حيث يتقابل أربعة رجال، كل اثنين من جهة يمسكون بحلقة القدر وهم يغنون:

النبي صلّوا عليه.... صلوات الله عليه
وألف صلاة على محمد.... وألف صلى الله عليه
يا نشامى شيلوا شيل.... ما ينفع بتيت الحيل أربعة شالوا جملْ.... والجمل ما شالهم... .

ومن مشتقات العنب الأخرى الشدّة : وهي عبارة عن عصير العنب والقمح المجروش المقلي على النار مع الكمون واليانسون، وهناك مخلل السفرجل والتفاح، ويصنع من عصير العنب مع قطع التفاح والسفرجل المقشر، ومن العادات المعروفة أن تترك بعض الدوالي أو شجيرات العنب في آخر الموسم ويسمونها قيظية الأولاد ، حيث تظل حتى أواخر شهر تشرين الأول أحياناً، عندما يبدأ المطر.
تاريخ العنب
يقول المهندس الزراعي طه الشيخ حسن (في موسوعة كرمة العنب )، إنّ الكرمة قد وُجدت على سطح البسيطة منذ العصر الطباشيري أو الكريتاس، حيث ظهر في هذه الحقبة من الزمن، الجنس سيستيس (Cissties)...
وتؤكد الدراسات الحديثة أنّ هذا الجنس يعد الأصل البرّي القديم لجنس الكرمة الموجودة حالياً في العالم، الذي يتبع الفصيلة النباتية إمبيليديا . وترى بعض الدراسات أن الموطن الأصلي للكرمة، هو المنطقة الواقعة في جنوب شرق الأناضول. وهناك آراء أخرى ترى أن موطنه هو المناطق الواقعة على سواحل بحر قزوين والبحر الأسود، وتمتدّ إلى إيران وتركيا وبلاد الشام. ويقول طه الشيخ حسن إنّ هذه المناطق هي الموطن الأصلي للعنب المسمّى ؟يتس ؟ينيفيرا (Vitis vinifera)، حيث أنه من هذا العنب، نتجت كلّ أصناف العنب المزروعة في العالم، وذلك قبل اكتشاف أميركا بقرون طويلة. وقد عرف الإنسان القديم زراعة الكرمة في مصر وبلاد الشام منذ سبعة آلاف سنة، ثم انتشرت لاحقاً في اليونان وإيطاليا. وكان الإنسان القديم، يسمّى الكرمة راكا (Raca)، وتطورت الكلمة، حيث أصبحت لاحقاً في اللاتينية: راسيموس (Racemus)، أي: كرم.




إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

 

شارك بتعليقك

مشاركة ابو عيسى بغداد العراق  في تاريخ 20 شباط، 2012 #141843

كلام جميل ويشبع قهر تداعي الذاكرة شيئ مؤلم دوام الحال من المحال الحنين الى الصبا يؤجج نارنا يذكرنا بالزمن البسيط الآمن الجميل السهل الله يابساتين ديالى ورائحة القداح التي تنعش القلب والعقل ورائحة البرتقال التي تأجج نار العشاق والورد الجوري وتمر التبرزل والخستاوي والبرحي والبربن وحليب البقر الطازج والرمان السليمي والتين الاسود الوزيري والعنب الكمالي --كلها ظاعت كيف ظاعت لست ادري -قام الاميركان بتدميرها بالكامل ظاعت احلامي التي كنت اعاودها بانتظام ( يدار العز ليش الدهر على الطيبين بدل = وعلى الي يسحنون الهيل بالدل = زماني والدهر وياي بدل = آني الجانت الناس تلوذ بيه كمت الوذ بالمالو ذرى
مشاركة ساجدة التميمي في تاريخ 12 نيسان، 2011 #132713

قصيدة يا عنب الخليل يغنيها المطرب المقدسي مصطفى الكرد ومطلعها :سمعتك عبر ليل النزف أغنية خليلية.
مشاركة ساجدة التميمي في تاريخ 12 نيسان، 2011 #132712

هذا هو الجزء الاول فقط من الدراسة..أين هو الجزء الثاني المنشور في مواقع الكتروني أخرى.لقد أصدر الشاعر الفلسطيني الكبير عزالدين المناصرة عام 1968 ديوانه الأول ..يا عنب الخليل..فأصبح عنب الخليل منذقصيدته رمزا لمقاومة الاحتلال...خليلي أنت يا عنب الخليل الحر لا تثمر-وإن أثمرت كن سما على الأعداء لا تثمر.
مشاركة amador في تاريخ 20 شباط، 2008 #29520

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جزاكم الله خير الجزاء وبارك لكم وفيكم.اللهم اجمع شملنا ببلادنا وبأهلنا في الخليل وجبل الخليل

احمد ابو هريره من الدوايمه قضاء الخليل