فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث

 بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت

 English Version
الصفحة الأولى  صور  خرائط تاريخ شفوي حق العودة 101 نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع  الصراع للميتدئين إتصل بنا من نحن
من يافا كانت البداية --شفيق الحوت
شارك في تعليقك (تعليق واحد)
أرسل لصديق  
العودة إلى يافا

النسخة الأصلية كتبت في تاريخ 30 آب، 2007

وثيقتان رسميتان تثبتان أني ولدت في مدينة يافا في فلسطين، وذلك في الثالث عشر من كانون الثاني/ يناير 1932، وأن اسمي "شفيق"، واسم والدي "إبراهيم"، واسم والدتي "تحفة"، وشهرة العائلة "الحوت".

والوثيقتان صادرتان عن حكومة الانتداب البريطاني لفلسطين: الأولى عن دائرة الصحة، وهي شهادة الميلاد، أو ما كان يسمى "الكوشان"؛ الثانية عن دائرة الهجرة والسفر، وهي جواز السفر الفلسطيني الذي كان يحمل الرقم 212023.

وليس في حيازتي الآن أي من الوثيقتين؛ فقد خلفت "كوشاني" في درج مكتبي في منزلنا في يافا عندما غادرنا المدينة فجأة تحت وطأة الإرهاب الصهيوني سنة 1948. أمّا جواز سفري فقد صادره الضابط الإسرائيلي من درج مكتبي في منزلنا في بيروت عندما اقتحم الصهاينة القطاع الغربي من العاصمة اللبنانية في سنة 1982.

(1)

كانت والدتي، التي لا أدري لماذا كان يثير اسمها دهشة من يسمعه أول مرة، والتي توفيت في سنة 1992، تؤكد هذه المعلومات وتستحلي استعادة ما أحاط بها من تفصيلات كلما كانت تسنح لنا فرصة اللقاء واستحضار ذكريات أيام زمان.

مما قالته إن ليلة مولدي كانت ماطرة، وإن المخاض جاءها وهي تجلس حول الطبلية مع والدي ومن سبقني من إخوتي لتناول العشاء. ولمّا سألتها إن كانت تذكر ماذا كان طبق العشاء تلك الليلة، ردت والابتسامة تملأ وجهها الجميل: "ملوخية"، وعندئذ فقط اكتشفت لماذا تنتابني نوبة من العطس كلما أكلت هذا الطبق اللذيذ، أو هكذا أظن على الأقل.

تضيف الوالدة أن ولادتي كانت ميسرة، لا لأني كنت سابع بطن لها، وإنما لأني كنت أول من ولدته وهي مستلقية على فراشها وأمامها لأول مرة قابلة قانونية تحمل شهادة رسمية وترخيصاً لممارسة المهنة. إن طيف تلك السيدة، وكان اسمها "زينب قباني" ما زال يراود خيالي لما كان يثيره حضورها من فضولي، إذ كانت كثيرة التردد على منزلنا وأشرفت على ولادة من لحق بي من بطون. كانت أول سافرة عرفتها في حياتي، وبدلاً من الملاءة السوداء والحجاب، كانت تلبس معطفاً طويلاً وتلف شعرها داخل شال من الحرير الأبيض. كانت تدخن وتتشاوف على من حولها بـ "بز" السيجارة الطويل. في تلك الأيام لم يكن الصراع مقصوراً على الحجاب والسفور بين النساء، وإنما الرجال كذلك كانوا قد بدأوا خوض المعركة بين القمباز والبنطلون، أو بين العربي والفرنجي. والدي وحده صمد حتى آخر عمره في نيسان/ أبريل 1971، من القرن الماضي، ولم يخذل القمباز وملحقاته بينما لحق جميع أشقائه، وهم أصغر منه، بالموضة المستجدة.

سألت والدتي عن سر المشهد الأول الذي يتردد في خاطري كلما تذكرت طفولتي، وهو عبارة عن شجرة "تمر حنة" وارفة الغصون بالقرب من بئر فوقها قبة لها فتحة، وفوق الفتحة سطل يتدلى من طرف حبل يلتف على خشبة، فقالت إن ذلك جزء من "قاع" الدار التي ولدت فيها، والتي تقع في زاروب متفرع من يمين "شارع العالم"، ثاني أهم شارع في "حي المنشية"، على بعد أمتار معدودة من دكان الوالد، الذي كان يمارس التجارة ودور "المختار" نيابة عن والده الذي كان يُعرف بـالمختار "البيروتي"، وذلك لأٍسباب أرى ذكرها الآن استكمالاً لتوضيح هويتي.

في أوائل التسعينيات من القرن التاسع عشر، هاجر جدي "سليم يوسف الحوت" من بيروت إلى فلسطين هرباً من الخدمة العسكرية، وربما سعياً وراء رزق أوفر. واستقر في مدينة يافا حيث كانت سبقته إليها شقيقته الكبرى بحكم زواجها من أحد تجار المدينة المعروفين من آل صابر. ويبدو أن المقام طاب له في المدينة التي كانت تدعى "بلد الغريب" لكثرة من فيها من الوافدين من مختلف الأقطار العربية، وحتى من مدن فلسطين بالذات. ولو أضفت ياء النسبة إلى أي قطر أو مدينة لجعلت منه اسم شهرة لعائلة يافية: المصري؛ اليماني؛ السوري؛ النابلسي؛ الخليلي؛ الغزاوي؛ القدسي؛ البيروتي. فلمّا تطورت أوضاع جدي، وأصبح واحداً من كبار تجار البرتقال في المدينة و"مختاراً" للحي الذي ساهم في إعمار معظم الجديد من بيوته ومرافقه، اكتسب شهرة وشعبية لأنه كان "يختم" المعاملات مجاناً من غير رسوم، بل إنه ترك "الختم" في عهدة والدي ليقوم بالمهمة نيابة عنه كما قلت قبل قليل. وبسبب لهجته البيروتية التي واكبته طوال عمره حتى وفاته، اشتهر بكنية انتسابه إلى بيروت أكثر من انتسابه إلى أسرته.

عندما وافته المنية في أواخر سنة 1948، في بلدة سوق الغرب التي اختارها مصيفاً حتى يعود إلى يافا، جمع أبناءه من حوله وحدثهم عما ينوي القيام به من قلع وزرع في بيارته التي أنشأها وحفر بئرها ـ قبل أن أولد بعامين ـ في قرية "القسطينة" قرب مدينة المجدل شمال ما يعرف اليوم بقطاع غزة. أغمض عينيه، ومات، فرحلت الروح إلى حيث تهوى، وأمّا الجسد فلحق بالسلف الصالح ممن سبقوه إلى مقبرة الباشورة في بيروت، أمثال الشيخين الجليلين محمد وعبد الرحمن الحوت، رحمهم الله جميعاً.

(2)

انتقلنا من البيت الذي أبصرت النور فيه إلى آخر لا يبعد عنه سوى أمتار، لكنه يطل مباشرة على "شارع العالم". كان البيت الجديد متميزاً بحديقة واسعة، على طرف منها شجرة توت قديمة مطعمة بأنواع مختلفة منها الأسود والأحمر، الحلو والحامض؛ وفي الوسط شجرة عناب باسقة. أظن أني كنت في الخامسة سنتئذ لأني لن أنسى أول دخولي المدرسة، وكانت مدرسة خاصة وتابعة لـ "جمعية الشبان المسلمين". لا أنسى ذلك اليوم لأني كنت متهيئاً لدخول المدرسة الحكومية، لكن لسبب تافه لم أعد أذكره، وجدت نفسي في مدرسة غير رسمية. وفي فلسطين، في تلك الأيام، كان الصيت الحسن للمدارس الرسمية لا الخاصة، على الرغم من مجانيتها أو أقساطها الرمزية. على كل حال لم أندم ـ فيما بعد ـ على ما حدث، لأنني عندما تقدمت لامتحان القبول في العام الذي تلا، لم أنجح فحسب، بل قفزت أيضاً عن عام مدرسي كامل، ومن الصف الأول الابتدائي إلى الثالث رأساً، وإلى كتاب "القراءة الجديدة" الجزء الثالث من أعمال المربي العظيم خليل السكاكيني.

وفي بيتنا الجديد هذا أحسست بأول تماس مباشر مع "مشكلتي" كفلسطيني، وكنت في السادسة أو السابعة من عمري. ففي فجر ذات يوم من صيف سنة 1938، صحوت مذعوراً نتيجة طرق على باب منزلنا، من جانب زمرة من الجنود البريطانيين، بصحبتهم مجندة يهودية. أمر ضابطهم أبي وأشقائي الأكبر مني بمغادرة المنزل إلى ساحة الحي حيث كان سبقهم إليها العشرات من شباب الحي ورجاله. وأومأ أحد الجنود إليّ بحربة بندقيته كي أجلس على حصيرة كانت مفروشة قرب الحديقة، ففعلت وعيناي معلقتان بوالدتي التي كانت تتعارك مع المجندة رافضة السماح لها بأن تفتشها لأنها صائمة ومتوضئة! قلبوا البيت، ومزقوا الفرش، وخلطوا الزيت بالرز وبالدقيق والكاز، وسرقوا ما عثروا عليه من القليل الذي كانت والدتي تدخره وتعتز به من ذكريات عرسها.

بعد غروب الشمس، ومضي ساعات طويلة وهم تحت شمس الصيف المحرقة، أفرج الجنود عن الموقوفين في الساحة وعاد الرجال إلى منازلهم، بمن فيهم والدي وأشقائي، فاستقبلتهم الوالدة بحمد الله وشكره على سلامتهم. وبعد أن اجتمع الشمل، وتأكدنا من رحيل الجنود من الشارع، أخرجت والدتي من صدرها جسماً غريباً وسألت: "ما هذا... ولمن هو منكما"، مشيرة إلى أخويّ الأكبر مني، مصطفى وجمال.

"هذه قنبلة". قال والدي وهو يتناولها من والدتي، بينما أنكر أخواي أي علاقة لهما بها. غير أني غريزياً كنت واثقاً بأنها تخص الأصغر منهما، أي "جمال"، وكان لا يزال في الرابعة عشرة من عمره. وتأكدت من ذلك عندما رأيته يبكي بصمت وهو يرى والدنا يتسلل ليخفيها بعيداً عن البيت.

تلك الليلة استشعرت أننا في خطر، لا كأسرة، وإنما كشعب، وأن لنا أعداء، وأنهم قساة لا يرحمون... كما استشعرت أن من الممكن مقاومة هذا العدو، وهناك من يقاومه فعلاً، وأن أخي واحد منهم. عندما صحوت في اليوم التالي كان "جمال" قد أصبح مثلي الأعلى بعد أن ترك بصمة لن تمحى على مسار حياتي.

ومن يومها اتسعت دائرة فضولي، فصرت أكثر فهماً لما أقرأ في الصحف، وأتابع الإذاعات، وأستفسر عما لا أدركه من أخي. وكانت الحرب العالمية الثانية قد اشتعلت. وبات الكل ينتظر نهايتها، والناس في المقاهي تتابع نشرات الأخبار باهتمام وانتباه وصمت، تقطعه بعض همسات الدعاء بالنصر لهتلر، أو "أبو النمر" كما كان يسميه البعض من قبيل التمويه. شعار الناس كان بسيطاً وساذجاً وهو "إن عدو عدوي صديقي"، وبريطانيا حليفة الصهاينة عدوتنا. لم يكن يومئذ ثمة وعي على فرق بين يهودي وصهيوني أو ألماني ونازي. إن المشهد الذي لا يفارق ذاكرتي، هو تلك الحلقة من بسطاء الناس في المقهى القريب من منزلنا، مساء كل يوم للاستماع إلى أخبار "أنقرة" التي كان حيادها يسمح لها بإذاعة أخبار يستحيل بثها من الإذاعات العربية. أما أخبار "برلين" والاستماع إلى يونس البحري وهو يلعلع بصوته "حي العرب"، فكان من المحرمات في المقاهي وتقود المتلبس بارتكابها إل معتقل "صرفند" أو سجن "عكا" من دون تحقيق.

في الأعوام الخمسة التي صرفتها في مدرسة "المنشية للبنين" الابتدائية، تضاعف وعيي وازدادت أسئلتي عن كل ما كان يثير فضول صبي ما بين السادسة والحادية عشرة من عمره. تناوب مديران على إدارة المدرسة: الأول لبناني من صيدا هو الأستاذ سعيد الصباغ، الذي لا تزال أطالس الجغرافيا التي خططها ورسمها تطبع حتى هذه الأيام؛ والثاني هو الأستاذ جمال العلمي، وهو فلسطيني من غزة. وكان الاثنان شديدي الصرامة ونكاد نرجف إذا ما صادفناهما في الملعب، أو في الطرقات، أو بين الصفوف. كانت "العصا" واحدة من أهم أدوات التربية في تلك الأيام، ويتفنن بعض الأساتذة في اختيار خشبها ومدى طولها وعرضها!

كثيرون هم الأساتذة الذين علموني في تلك الفترة ولا أزال أذكرهم بالخير، غير أن واحداً منهم كان الأكثر تأثيراً فيّ، وربما في كثيرين غيري، وهو الأستاذ زكي الدرهلي، وذلك لشخصيته الودودة على الرغم من صرامتها، ولأنه ـ وهذا هو الأهم ـ كان من أشهر لاعبي كرة القدم في النادي الرياضي الإسلامي في يافا. كان يلعب "جناح أيمن"، ويلقبه المعجبون به بـ "أبو الرجل الذهبية". وكان معروفاً بوطنيته، وسقط شهيداً في حادث إرهابي صهيوني مجرم أدى إلى نسف أحد مراكز الدولة الرسمية في يافا سنة 1947.

ومن أفضال هذا المدرس علينا ترغيبنا في ممارسة كل أنواع الرياضة الممكنة، على الرغم مما كانت تفتقر المدرسة إليه من وسائل ومعدات وملاعب، ولا سيما للعبة كرة القدم التي كان الكل يعشقها. ومن حسن الصدف أن كان هناك ساحة كبيرة مهجورة تفصل ما بين أحد أطراف حيّنا وتل أبيب. وكانت باستمرار ميدان صراع بيننا وبينهم. وكان ثمة اتفاق غير مكتوب فرضته موازين القوى بين صبياننا وصبيانهم، يقضي بأن نتركه لهم ليلعبوا فيه يوم السبت، يوم عطلتهم. فلمّا انتظم فريقنا واستدعت الحاجة إلى ملعب مناسب، ألغينا الاتفاق واحتكار اليهود للملعب يوم السبت، وذلك بتحريض من أستاذنا باعتبار أن الأرض أرضنا ... وليست لأحد غيرنا.

(3)

كنت قد بلغت الثانية عشرة عندما بدأت عامي الثانوي الأول. وكانت "العامرية" واحدة من أحدث الثانويات في فلسطين وأجملها، ولم يكن من ثانوية رسمية غيرها في يافا ومحيطها من القرى المجاورة. لذلك كان يتجمع فيها نخبة الطلاب المتفوقين في الابتدائية من عشرات المدارس، ويعمل فيها نخبة من المعلمين المتخرجين من أعلى معاهد التعليم في فلسطين، ومن جامعات مصر، وجامعة بيروت الأميركية. وقد كانت "العامرية" واحدة من أهم محطات حياتي الثقافية والوطنية، وإني واثق بأن كل من رافقتهم من زملاء يشاركونني هذا الرأي ويؤكدونه.

ولـ "العامرية" توأم، هي "الزهراء" للبنات، وكانت تقع على الرصيف المقابل. لها اللون نفسه، وكان أخضر، واليافطة ذاتها من البلاط البورسلين الأصفر، والأسوار نفسها من أشجار البرتقال والليمون. ولا شك في أن هذه الجيرة كانت حافزاً على الإسراع في إضافة بند إلى أحاديثنا عن ذلك "الجنس" الآخر المختفي وراء تلك الأسوار. إنها بداية المراهقة بكل ما فيها من تغيرات وتحولات وفضول ومشكلات، وليس من مرشد تربوي أو مستشار نفساني، أو حتى كتاب مفيد.

الكتاب الوحيد الذي وقعت عليه أيدينا في "مكتبة" المدرسة كان بعنوان "رجوع الشيخ إلى صباه"، ولا أعرف كيف وصل أصلاً إلى رفوف المكتبة. وعندما سمع عنه أمين المكتبة متأخراً سحبه وأخفاه. وهذا "الكتاب" لمن لم يسمع به، هو من تراث قديم يتحدث عن فنون الممارسة الجنسية بشكل فضائحي يضاهي "أدب البورنو" المعاصر!

كانت بيوتنا لا تقل محافظة عن المدرسة، ولم يكن لنا ـ كمراهقين ـ من سبيل للتعلم غير بعضنا البعض، ولا سيما ممن كانوا "أكبر منا بيوم وأوعى منا بسنة" كما يقول المثل، وأحياناً بتحريك بعض المشاغبين في الصف ـ ولكل صف مشاغبوه ـ لاستفزاز أستاذ الدين أو الشريعة بأسئلة جريئة نسبياً. وأذكر واحداً من هؤلاء الأساتذة كان يحلو له الكلام المباح أحياناً، فيتنحنح عندما يُسأل، ثم يقول بصوت متهدج: "يا شباب لا حياء في الدين"، ثم ينطلق بفأفأة وهمّه الأكبر توضيح ما هو حرام وما هو حلال، لكن من دون أية شروح فيزيولوجية أو نفسية أو اجتماعية للعديد من الأسئلة التي تطرح نفسها مع بدايات وعي الأولاد على الغريزة الجنسية!

غير أن اقتصار تعليمنا على ما هو حلال أو حرام لم يبدد هواجسنا ومخاوفنا من جملة مسائل كانت بحاجة إلى توضيح، أذكر منها أربعاً على الأقل: الأولى عن الاستمناء باليد، وما كان يتردد من مخاطر هذه العادة "السرية"؛ الثانية عن الإصابة بالغونوريا، أو "التعقيبة" كما كنا نسمي هذا المرض. ومن حظ جيلنا أن "البنسلين" كان بدأ ينتشر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، سنة 1945، الأمر الذي جعل العلاج من هذا المرض سهلاً وغير مؤلم كما كان من قبل؛ المسألة الثالثة كانت عن مرض السفلس أو الزهري، الذي كانت سمعته مخيفة كما هي سمعة مرض "الإيدز" هذه الأيام، وينتقل عن طريق الممارسة المباشرة؛ أمّا المسألة الرابعة فكانت عن اللواط واللواطيين، وكان التحذير من هذا الموضوع في منتهى الشدة والصرامة، فهو حرام وعار وشنار ونبع لكل الأمراض الخبيثة. وكنا ننبذ كل من تحوم الشبهة من حوله بأنه شاذ. ولو قيل لأستاذ الدين في تلك الأيام إنه سيأتي يوم تعتبر فيه "المثلية" أمراً مقبولاً يشرعها القانون ويحميها، لشد ما كان تبقى من شعر رأسه واعتبر ذلك من علامات قيام الساعة.

وكما كانت تعكس "العامرية" واقع البلاد الاجتماعي، كانت كذلك تعكس واقعها الوطني، وتشكل في هذا الواقع رأس حربة لجميع مدارس يافا، وربما مدارس فلسطين، في تحريك الشارع الوطني وتحريض الجماهير على الثورة ضد التحالف البريطاني ـ الصهيوني، لدحر الاستعمار والحيلولة دون تحقيق مشروعه بإقامة وطن قومي لليهود فوق تراب فلسطين الوطني.

ولذلك عدة أسباب لا بد من إيجازها، قبل أن اُتهم بالانحياز المبالغ فيه إلى يافا ومدرستها.

أمّا السبب الأول فهو الالتصاق الجغرافي بين يافا وتل أبيب، ولطالما أثارت ضربة كف أو طعنة سكين أقدم عليها عربي ضد يهودي، أو العكس، حالة الاستنفار العام في المدينة فتقوم التظاهرات وترتفع الدعوة إلى الجهاد والكفاح.

وأمّا السبب الثاني فهو كون يافا عاصمة الصحافة الفلسطينية، الأمر الذي منحها دوراً ريادياً في التوجيه الوطني، ولا سيما أنه لم يكن غير الصحافة المكتوبة من وسيلة للإعلام.

وأمّا السبب الثالث فهو أن يافا لم تكن كغيرها من المدن العربية التي تهيمن العائلات الوجيهة على قرارها السياسي نتيجة غنى أو إقطاع موروث، فكان القرار السياسي فيها رهناً بإرادة الهيئات الشعبية، وفي طليعتها الطلبة والعمال، بعيداً عن هيمنة الوجاهة والثراء.

وأمّا السبب الرابع فهو وجود هذا العدد الوفير من خيرة مثقفينا في سلك التعليم، وخصوصاً في "العامرية"، الأمر الذي ساهم في صنع أفكارنا وتوجهاتنا كطلبة يحيون مرحلة التفتح والتلقي، ويستعدون لتحمل مسؤوليات الرجال.

هناك مجموعة كبيرة من أساتذة "العامرية" تركت آثارها الإيجابية في جيلنا ثقافياً ووطنياً، وكان لكل واحد طريقته في أداء مهمته التربوية. من هؤلاء أذكر أول من أذكر المرحوم شفيق أبو غربية الذي كان يعلم الإنكليزية واللاتينية، وهو من الخليل من عائلة كريمة معروفة وشقيق صديقنا ورفيقنا المناضل الكبير بهجت أبو غربية. هذا المعلم عرّفنا على معظم أنحاء الوطن مشياً على الأقدام، أو على الدراجات الهوائية. ولم تفت حصة واحدة من حصصه من دون أن تأخذ "القضية" جزءاً منها. استشهد رحمه الله وهو يجهز إحدى العبوات الناسفة التي كان يمد بها رفاق السلاح في منطقة الخليل.

وأذكر عبد الله الريماوي وأحمد السبع، وكانا يومئذ صديقين متلازمين، ويشتركان في الأفكار القومية نفسها قبل انتمائهما في النهاية الى حزب البعث العربي. الاثنان من خريجي الجامعة الأميركية في بيروت، وتخصصهما بالرياضيات والفيزياء. ولا شك في أنهما ساهما في تشكيل شخصياتنا وكثير من قناعاتنا السياسية.

كما أذكر زهدي جار الله، وكان صاحب أسلوب نقدي في تدريس التاريخ، وله كتاب مرجع عن "المعتزلة" تعتز به المكتبة العربية. الأستاذ جار الله من عائلة منافسة للمفتي الحاج أمين الحسيني، وكان يعتقد أن قريبه الشيخ حسام الدين جار الله كان أولى بمنصب الإفتاء؛ فوفقاً للقانون العثماني كان المتصرف التركي ـ والذي حل مكانه المندوب السامي البريطاني ـ يعين أحد الفائزين الثلاثة الأوائل مفتياً للقدس، وفي سنة 1921 كان هؤلاء هم الشيخ خليل الخالدي والشيخ موسى البديري والشيخ حسام الدين جار الله، وأمّا الحاج أمين فكان ترتيبه الرابع؛ لذلك لمّا انسحب جار الله حل مكانه الحاج أمين، فبادر المندوب السامي إلى تعيينه. نحن لم تكن تعجبنا مواقف المعلم زهدي جار الله كلها، لكنه كان يثير فضولنا ويزرع الشكوك في نفوسنا قبل التسليم بأية مقولة أو شائعة.

ولا أنسى حسن الدباغ، ابن المناضل علي الدباغ، رجل المفتي في يافا. فضل الدباغ علينا كان أكاديمياً وخلقياً، وكان همّه أن يصنع منا رجالاً أكفاء ومميزين. كان أكثر من غيره اهتماماً بالمستقبل وبالتخطيط المسبق، ويرى أنه ربما كان في البلاد ما يكفي من المقاتلين، لكن المؤكد أنها بحاجة ماسة إلى آلاف المتعلمين وأصحاب الاختصاص. وأعتذر عن عدم ذكر جميع هؤلاء المربين المميزين، وكلهم جدير بالتحية والتقدير.

أمّا إدارة "العامرية" في عهدنا، ما بين سنة 1944 وسنة 1948، فقد عرفت اثنين: الاول هو الأستاذ علي شعث الصارم المتزمت في صرامته، وهو فلسطيني من غزة؛ والثاني الأستاذ عبد اللطيف الحبال، اللبناني البيروتي، الذي كان شخصية غير تقليدية يصرف معظم وقته في "منجرة" المدرسة أو في ملاعبها، لابساً "أوفرهول" وكأنه أحد العمال لا مدير المدرسة. من خلال سلوكه ولهجته تعرّف كثيرون منا على لبنان وطبيعته وأهله.

(4)

إلى جانب "العامرية" كمرجع وطني سياسي، كان لنا في يافا عدد من الأندية الرياضية والاجتماعية والثقافية. ومن أبرز الأندية التي كانت تهتم بنشاطاتنا الوطنية، وتمدنا باللوجستيات اللازمة لهذه النشاطات، كان نادي الشبيبة الإسلامية. فهناك كنا نجتمع لنضع الخطط ونعد "اليافطات" والرايات والأعلام، ونجري اتصالاتنا الهاتفية بزملائنا من مسؤولي الطلبة في بقية المدارس لتنسيق المسيرات والاتفاق على الشعارات وغير ذلك. واللافت أنه على الرغم من كثرة الأحزاب في فلسطين، فإنه لم يكن لها مقارّ ثابتة خارج القدس، باستثناء الحزب الشيوعي، أو عصبة التحرر الوطني ـ فيما بعد ـ التي كان مركزها في يافا. كان رجالات العصبة معروفين بنضالهم الوطني العريق، من أمثال فؤاد نصار وإميل توما ورشدي شاهين ومخلص عمرو وغيرهم، يواظبون على إقامة الحلقات التثقيفية التي كنا نحرص على المشاركة فيها وطرح الأسئلة وممارسة الحوار الديمقراطي بأبسط أشكاله. وكنا احياناً نساهم في تسويق جريدتهم "الاتحاد" التي لا تزال تصدر حتى يومنا هذا، من مدينة حيفا، الشقيقة الحلوة ليافا.

في العام الدراسي 1947/1948 كنت وأبناء دفعتي في الصف الرابع الثانوي، آخر صفوف المرحلة الثانوية لاجتياز امتحان شهادة "المتريكوليشين" التي تؤهل حاملها لدخول العام الجامعي الأول، أو ما يعادل "السوفومور" في الجامعة الأميركية في بيروت.

ولم يكن اجتياز هذا الامتحان بالأمر السهل، ونسبة النجاح فيه محدودة ـ وهذا في الأيام العادية ـ ومن الطبيعي أن يصبح أكثر صعوبة خلال الأجواء المقلقة التي كانت تعم البلاد وتملأ سماءها بسحب سود تنذر ببوادر اضطرابات وحروب.

كثيرون منا حملوا السلاح بعد تدريب بدائي، والتحق كل واحد منا بالمسؤولين عن أمن الحي أو الشارع الذي يقيمون به ليحددوا له مواعيد نوبته في الحراسة والموقع المسؤول عنه. وكان معظم السلاح ذاتياً، أي مِلكاً لمن يحمله، ومن النوع الخفيف مثل البندقية أو الرشاش سريع الطلقات. فكنت ترى مجموعة من خمسة أو ستة أشخاص يحملون تشكيلة قديمة ومتعددة الأنواع والمنشأ، منها العثماني والإنكليزي والفرنسي والألماني، وحتى الإيطالي. أمّا الرشاش الشائع فكان ما يعرف بـ "ستن غن" الذي صنعناه محلياً، و"تومي غن" ذي المشط المدور. ومنا من غادر يافا والتحق بجيش الإنقاذ في دمشق، وبينهم من احترف الجندية وانخرط بعد النكبة في الجيش السوري، ممن أصبحوا فيما بعد نواة أول قيادة لجيش التحرير الفلسطيني.

المؤسف أننا لم نكن ندرك حينئذ أن شعبنا كان من دون قيادة، وأن من كنا نسمع بهم من مسؤولين كانوا في أحسن الأحوال عواجز ما بيدهم حيلة. ولذلك شاعت وراجت قصة الشهيد البطل عبد القادر الحسيني عندما عاد من دمشق محبطاً لفشله في الحصول على ما كان يحتاج إليه مقاتلوه من سلاح في منطقة القدس، وكيف توجه إلى "القسطل" ليخوضها معركة محكومة سلفاً بموازين القوى، فاستردها لساعات، ثم سقط شهيداً وسقطت هي ضحية. كان ذلك في الثامن والتاسع من نيسان/أبريل المشؤوم سنة 1948.

لا أريد أن أقسو على من كانوا مسؤولين عن يافا فيما يسمى "اللجنة القومية"، فمعظمهم كان من ذوي النية الطيبة والسمعة الوطنية، أمثال الحاج خالد الفرخ وكامل الدجاني وأحمد عبد الرحيم والحاج أحمد أبو لبن، لكن كفاءاتهم وإمكاناتهم كانت محدودة، ومواردهم شحيحة. فلم يكن هناك من غرفة عمليات عسكرية، ولا من مكتب إعلامي أو ناطق سياسي. وكنا نعتمد على ما تقوله الصحف، ومعظمه لغو ومبالغات وخالٍ من أي تعبئة منظمة أو أي توجيه مدروس.

كنا نقرأ مثلاً أننا على موعد مع كتيبة من "جيش الإنقاذ" بعد يوم أو يومين، وفيها الآلاف من المتطوعين من شباب العرب المزودين بآليات ومدفعية، ويمر الموعد، لنكتشف أنه لم يصل أكثر من عشرين رجلاً بقيادة ضابط متحمس لكن بلا حول ولا قوة.

إن المرارة التي تغص بها نفسي وأنا أكشف بعض هذه المخازي، لن تمنعني من الإقرار كذلك بأن حكام العرب أمر وشعوب العرب أمر آخر. وما من شعب عربي إلاّ وله مَنْ مثّله في دفع ضريبة الدم من أجل فلسطين. كما لن أغفل دور من جاؤوا باسم الإسلام من مختلف البلاد، وأخص بالذكر أبناء من كان يعرف بالشعب اليوغسلافي، وكلهم من مسلمي البوسنة. لقد شاهدت مجموعة من هؤلاء المجاهدين في الميدان قرب منزلنا في حي المنشية، وما زلت منبهراً بنضالهم البطولي وما تميزوا به من مهارة وشجاعة وإيمان برسالتهم. كانوا جنوداً محترفين، وبينهم من اختار البقاء في فلسطين، أو ما تبقى منها، بعد نهاية الحرب.

في المقابل، كان العدو من موقعه المتقدم علينا في كل المجالات يعرف دقائق واقعنا، ويعرف كيف يستفيد منه في شن حربه النفسية. وجاءت مذبحة "دير ياسين" والترويج "الانهزامي" لها فأدخلا الرعب في القلوب، وبدأت مدافع المورتر الصهيونية ق&#