فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث

 بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت

 English Version
الصفحة الأولى  صور  خرائط تاريخ شفوي حق العودة 101 نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع  الصراع للميتدئين إتصل بنا من نحن
برتقالة من يافا ... -كتاب عرب - مصطفى سكر
شارك في تعليقك
أرسل لصديق  
العودة إلى يافا

مشاركة  Dr. Mostafa Sokkar في تاريخ 22 نيسان، 2008

أحن إلى خبز أمي ..

وقهوة أمي
ولمسة أمي ..
وتكبر فيّ الطفولة
يوما على صدر أمي
وأعشق عمري
لأني أخجل إذا مت ..
من حزن أمي
ومن دمع أمي ! ..

( من قصيدة إلى أميّ ـ للشاعر الفلسطيني ـ محمود درويش )






نشرت بعض المواقع الإلكترونية الفلسطينية ، وأكدته صحيفة معاريف الإسرائيلية أمس 22/12/2..6م ، خبر وفاة الدكتورة سلمى عبد الحليم الكوردي ، الناشطة الحقوقية المعروفة في حقوق الإنسان ، وصاحبة ومديرة مكتب الكوردي الحقوقي بمدينة يافا ، وقد صلىّ على جثمانها بعد صلاة ظهرأمس ، لفيف من الوجهاء والمشايخ ، وجمع غفير من المصلين ، بجامع حسن بك بيافا !

وكانت الدكتورة الكوردي قد أصيبت بداء الكبد الوبائي ، من الفئة (C) ، ولم تفلح العلاجات التي أخذتها في الإبقاء على حياتها ! ..
والكوردي حاصلة على الدكتوراة في القانون من جامعة لندن يونيفرسال كولدج ، وكانت متزوجة من شاب أرجنتيني من أصل عربي توفى في حادث طائرة في أوروبا ، وأنجبت منه إبنها الوحيد زكريا ! ..

أنا / زكريا .. أو .. زكرياس راؤول إبرام خوسو ، إبن الكتورة المتوفاة ..
اليوم سلمتني إبنة خالتي رباب ، بعد أسبوع من الوفاة ، دفتر مذكرات أمي قائلة بحزم : " فصلت لك الصفحات التي تحمل أجوبة الأسئلة التي طرحتها علىّ ! بقصاصات صفراء لاصقة Post it)) ، ولي عندك رجائين إثنين ، أولهما أن تقرأ فقط الصفحات المعلّمة ، وتترك الصفحات الأخرى ، لأنها تحوي حوادث شخصية تخص أمك وحدها ، لا داعي لفضها الآن على الأقل !
ثانيهما ألا تشغل نفسك الآن بغير دراستك الجامعية ، فلم يبق لك غير عام واحد ، تحصل بعده على الشهادة ، وبعدها يحلها ألف حلاّل ، إتفقنا يا(زاك) ؟
قلت لها إحتراما : " إتفقنا " ـ فهى تكبرني بأربعة عشر عاما ، وكانت تعمل مساعدة لأمي في مكتبها القانوني ، وأصبحت بعد وفاة أمي ، السيدة الأولى ! ..
***


الفاصل الأصفر الأول :
الثلاثاء
14/7/1987م.

قبل أن تصل الطائرة إلى نهاية المدرج .. كانت قد ركبت الهواء .. وأخذت تنطلق مثل السهم المارق إلى عنان السماء ..
كانت أنوارها الداخلية باهتة .. أصوات ركابها المشدودين بأحزمتهم إلى الكراسي .. هامسة
وخافتة .. لا يقطع السكون الحذر في داخلها إلا صرخة طفل .. أوطرقعة أصبع المضيفة الجالسة .. لتنبه ذوي طفلة شاردة !
بعد أن صعدت الطائرة إلى الإرتفاع المطلوب .. وبدأت تميل إلى الوضع الأفقي .. إنهمر سيل الهواء البارد الذي كان ضنينا .. ولعلعت الأضواء التي كانت شاحبة .. وقامت المضيفات من مجلسهن يهرولن ..
أطفئت إشارات ربط الأحزمة .. علت الأصوات والكلمات والصيحات والضحكات .. بعد أن زال القماط الضاغط الذي كان يجعل الكل مشدودا ! ..
- Miss.. Miss can I change my seat now? " ـ هذا ماقالته بإلحاح البنت التي تجلس جواري ، بعد أن جذبت يد المضيفة المتعجلة ! ..
قالت المضيفة وهى تضحك : " O yeh .. Give me a second .. " ـ ثم إنطلقت في إتجاه المقعد الآخر !
من قبل أن تقلع الطائرة والبنت تلح عليها .. في تبديل مكانها مع شخص آخر .. هذا الآخر يجلس بجانب رفيقها في مقعد أمامنا .. في الصف الآخر من الردهة ! ..
لا أعرف مالذي حدث عند ترتيب المقاعد في (الكاونترات) ؟ ولماذا وضعوها بجواري ؟ فأصبحنا في هذا المقعد فتاتين .. وفي المقعد الآخر شابين ! ..
إنه فصل تعسفيّ بين الجنسين لم نتعود عليه .. وكأننا في أحد دول الشرق الأوسط المحيطة بدولتنا ؟! ..
إنحنت المضيفة عليهما وأخذت تهمس وتشير بيدها نحونا .. لوى أحد الشابين عنقه نحونا .. ثم هز رأسه وغمغم لها ببعض الكلمات .. أتت المضيفة مسرعة إلينا ، كنحلة تنتقل من وردة لأخرى .. دون كلل لتؤدي وظيفتها ! ..
هذه المرة كلمتني أنا : " Do you mind if the young man comes and sits next to you ?"
بادلت إبتسامتها بإبتسامة أجمل من إبتسامتها وقلت : " I have no objection at all ! " .. فماذا يعنيني أنا إن كان من يجلس جواري .. شاب أو فتاة .. هذه أشياء عادية دائما ما تحدث في الطائرات .. تعودت عليها من كثرة أسفاري .. وتعودت كذلك على ألا يشغلني أحد عن قراءاتي أو عن أفكاري ! ..
كان نظري متجها إلى النافذة القريبة مني .. حين قدم الشاب وأخذ يحوم حول المقعد .. في إلتفاتة سريعة وجدته شابا أنيقا .. يلبس بذلة رمادية وربطة عنق بخطوط مائلة من نفس اللون .. كم أعشق اللون الرمادي على الرجال .. إنه يعطيهم وقارا ووجاهة وجاذبية .. أظنهم يعرفون ذلك ؟ ..
- " اللون الرمادي لا يختاره إلا رجال الأعمال ! " - هذا ما قالته لي صاحبتي كارين المشرفة على قسم الملابس ب (ديزنجوف مول) بتل أبيب !
سحب الشاب المنضدة التي كانت مطوية .. في ظهر الكرسي المقابل أمامه .. وضع فوقها علبة ملفوفة بعناية .. إعتقدت أنها هدية نفيسة إشتراها من تل أبيب .. ليهادي بها أحد معارفه .. أطرقت إلى النافذة ، أقول في نفسي :
" لماذا لم يضعها في حقائبه ، أوفي حقيبة يده التي دسها بالدرج العلوي ؟! ..

أتأمل نتف السحب الرمادية المنتشرة على غلالة السماء .. ثم أهوي بنظري بين الفينة والأخرى إلى حصيرة الماء الداكنة البعيدة للبحر المتوسط .. رأيت باخرة تلمع وهى تشق حصيرة الماء في هدوء .. خلفها شريط أبيض طويل من الماء ناتج من إختراقها للجته .. الباخرة من علوّنا في حجم ظفر الأصبع .. ترى كم عليها من بشر ؟ ..
وكم من أطنان البضائع ؟ .. وهل ضمن بضائعها برتقال مدينتي ؟! ..
حين ركبت طائرة (العال) من مطار بن جوريون .. بتل أبيب !
كنت قبلها وأثنائها مشغولة بهذه الرحلة .. أكثر من أى رحلة أخرى قمت بها .. فهذه أول مرة أذهب في رحلة تستغرقني عامين .. أقضيهما في بريطانيا .. سفرة دراسية للحصول على شهادة الدكتوراة ! ..
كنت قد حصلت على شهادتي الجامعية الأولى .. من جامعة (بارإيلان) الموجودة ببلدة (رمات غان) قرب تل أبيب .. ثم إنتقلت إلى جامعة تل أبيب وحصلت على الماجستير .. عينت بعدها معيدة بقسم الجغرافيا .. إلى أن رشحني الدكتور رومان رئيس القسم .. لبعثة الدكتوراة في بريطانيا ! ..
إمتننت لصنيعه فشددت على يده فرحة وهو يبشرني .. قائله في عرفان : " أعرف أني عاجزة عن رد جميلك ، لكني لن أنسي صنيعك ! "..
أجاب الدكتور بتواضع جم ، بمقولة لخليل جبران : " " There are those who give with joy, and that joy is there reward ! " ..
ـ " البعض يعطي بإبتهاج ، وذاك الإبتهاج هو جائزته ! " ..

كانت نتف السحاب الرمادية قريبة إلى حد ما تحتنا .. لكنها الآن تباعدت وتفرقت وبعدت .. ذكرتني ببلداتنا وقرانا العربية في إسرائيل ! ..
كانت هذه البلدات والقرى ترصع أرضنا الطاهرة ، مثلما ترصع نتفات السحب الآن هذه السماء المباركة ! ..
كانت الأرض تتسع لكل البشر من كل لون وجنس .. بخور بركات أرض الأديان السماوية .. كانت تجمع الكل في حب وسلام ووئام ! ..

لكن الحروب الكونية والأطماع الكولونية والمؤامرات الصهيونية ، غيرت كل شيئ ! ..

أبتليت أرضنا ببلية إسمها (الإنتداب) .. فزرع في تربتنا الطيبة .. عقيدة بغيضة سمم بها سلامنا .. عقيدتة هذه هى (فرق تسد) بين الأقوام المسالمة ! ..
إضمحل السلام وإختفى الوئام .. بعد أن تشكلت عصابات إجرامية .. قامت بمذابح عنصرية .. بأغراض توسعية .. وأصبح القتل على الهوية .. هو شريعة الغاب الجديدة لهذه الأقوام التي كانت تعيش في سلام ووئام ! ..
كثيرا ما ساءلت نفسي : " لماذا تشعر بعض الأقوام بالتميز على الآخرين ؟ .. ومن ذا الذي يغذي هذه الشعوب بهذه النعرة القبيحة ؟! " ..
هذا أبيض وهذا أصفر وهذا أسود .. فإن كانوا من لون واحد .. فهذا شيوعي وهذا رأسمالي ! ..
فإن كانوا من عقيدة واحدة .. فهذا مسلم وهذا مسيحي وهذا يهودي .. فإن كانوا من دين واحد ! ..
فهذا سني وهذا شيعي وهذا درزي .. وإن كانوا من مذهب واحد .. فهذا فهذا سيد وهذا شريف وهذا عوام ! ..
عالم غارق في التفرقة العنصرية إلى أذنيه ..
والمضحك المبكي .. أنه يحاربها ويغذيها في نفس الوقت ! ..
الله وضع لجميع الأديان ، خريطة طريق واحدة .. إن تمسكوا بها لن يضيعوا أبدا ! ..
وهى مذكورة بصيغ مختلفة مفادها : " إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " ، وليس لتتمايزوا أو لتتباغضوا أولتتقاتلوا ! ..
الحروب تخلف وراءها كوارث إنسانية .. كما حدث للعنصر اليهودي .. في الحرب الكونية الثانية على يد الزعيم النازي هتلر ! ..
وكما حدث لشعبنا في نكبة 48 م على يد ذات العنصر ! ..
حاول الأوربيون أن يتطهروا من خزاياهم .. فمكنوا اليهود تحت إنتدابهم من أرضنا .. بهكذا شرع اليهود التسلل في هجرات كبيرة .. إلى أرضنا .. أرض ( الميعاد) كما يزعمون ! ..

مع حملة الناصر صلاح الدين الأيوبي .. جاء جندي .. جندي من كوردستان .. جاء مع جنود الناصر لتحرير الأرض المقدسة .. من الغزو الأوروبي الذي يحمل لواء الحرب الصليبية ! ..
رسمة هذا الجندي الذي صار عميدا لأسرتنا .. مازالت معلقة على جدار بيتنا العتيق .. بقرية بيت دجن (دجانا) .. التي تبعد عن يافا بتسعة كيلومترات ! ..
بالسروال الكوردي ذو الحجر المدلّى .. والحزام العريض .. والقميص الخشن ، وصديريته المطرزة .. وأحزمة نطاق أسلحته المتقاطعة .. وعمامته المشدودة على رأسه .. وشاربه الكثيف الذي يغطي بسمه زهو .. وثقة وإفتخار عفيف .. توارثتها عنه أجياله .. وما زالت تذكرنا بماضي تليد إشتهر به الأيوبيين .. وملامحها ظاهرة حتى الآن على جنود البشمركة من البرازانيين ! ..
هذا الجندي الفلاح الخشن القادم من أعالي جبال كوردستان .. تزوج بفلاحة رطبة لينة يافاوية من فلسطين .. جذورها راسخة في أديم أرضها .. وفروعها باسقة ومشرعة في السماء الصافية ! ..
أنجبت الزيجة كمّا من البنين والبنات .. وبمرور الزمن صارت عائلة الكوردي .. عائلة كبيرة منتشرة في أرياف يافا ! ..
أنا كدارسة متخصصة في الجغرافيا .. وملمة بالتاريخ .. وأعرف القانون .. ملمة بكل جغرافية بلدي .. وبالأخص مدينتنا الحبيبة يافا .. وما يحيط بها ! ..

يافا من أقدم المدن التي عرفت في فلسطين .. فهى تقبع في منتصف الساحل الغربي .. المطل على البحر المتوسط .. وتشتهر بمينائها البحري الذي يعتبر من أهم الموانئ .. في تصدير أو إستيراد البضائع .. أو في إستقبال أو توديع المسافرين ! ..
وتشتهر يافا أيضا بحمضياتها .. فأرضها الخصبة وبياراتها السخية .. جعلت لبرتقالها شهرة عالمية طارت شرقا وغربا .. وأؤكد أنه لا مثيل له على وجه البسيطة .. لا في الشكل ولا في الرائحة ولا في اللون ولا في الطعم ! ..
يسألني طلبتي أحيانا عن مدينتي يافا .. لماذا لا تتطور .. لا تتقدم .. لا تتعصرن .. مثل تل أبيب ؟! ..
أقول بقهر إنها الأم ! ..
تنجب الأم من رحمها الأولاد .. ترعاهم وتربيهم .. تنسى نفسها فتهرم وتتأخرعنهم .. يتقدم أولادها عنها .. يجافونها ثم ينسونها .. لكنها تظل تذكرهم مع كل دمعة عين تسقط من مآقيها ! ..
حين أنظر إلى صورة حفيده .. عيسى الكوردي .. الذي هو جدي .. أرى على إلتماع عينيه تضاريس يافا كلها بأحيائها وقراها ونجوعها .. أى أقرأ التاريخ ! ..
كانت يافا مأوى وحضن حنان لكل أبنائها .. من العرب المسلمين والمسيحيين ومن اليهود .. لكن تغيّرا (ديموغرافيا) حصل في سنوات قليلة معينة ، في قيلولة من جفن الزمان ! ..

حتى عام 1886م لم يكن في يافا .. غير عدد قليل من اليهود .. لم يكن يشعر بهم أحد .. لأنهم كانوا يعيشون متفرقين في أحياء متباعدة ! ..
لكن في وقت من الأوقات .. بتخطيط أو بدون تخطيط ! ..
وجدوا أن من مصلحتهم أن يتقاربوا .. فأخذوا ينتقلون تباعا إلى مبان متجاورة ومتلاصقة ! ..
بعد أربعة عشر عاما فقط وبحلول 19..م .. أصبحوا يعيشون في حيّين متجاورين .. هما حىّ الصداقة (نيفي صادق) وحىّ السلام (نيفي شالوم) ! ..
في 1909م قامت ستون عائلة منهم .. بشراء قطعة أرض (13. دونما) .. بقرض ميسر من بيت المال اليهودي .. الأرض تقع غرب الطريق إلى نابلس .. وتبعد نصف ميل فقط عن الحد الأقصى ليافا ! ..
ثم بنوا عليها إثنان وستون منزلا ! ..
الأرض كانت فوق تلة تعلو مستوى يافا .. ورياح البحر التي كانت تهب .. تهب أولا على بساتين يافا ثم تصعد إليها .. حاملة أريج أزهارها ورائحة برتقالها .. فلهذا سموا منطقتهم (تل الربيع) .. أى تل أبيب بالعبري ! ..
ولم يبلغ عدد المنازل التي أنشأت .. في السنوات الخمس (حسب إحصائية معتمدة) سبقت الحرب الكونية الأولى .. أكثر من مئة وخمسين منزلا .. لأن الحكم العثماني وقتها لم يكن يشجع على التوسع اليهودي ! ..

لكن ما كادت الحرب تضع أوزارها .. والعلم البريطاني يرفرف فوق فلسطين .. حتى راحت تل أبيب تطالب بالإنفصال عن يافا .. فإنفصلت في 1922 ! ..
وراحت بعد ذلك تنمو وتتسع بسرعة .. إلى أن وصل عدد سكانها في 1947 .. عند صدور قرار التقسيم .. إلى مائتيّ ألف نسمة ! ..
وكانت تحدث كثيرا من المناوشات والمجازر ، بين عنصر يهوديّ يريد أن يتمدد .. وعنصرا عربيّا يقاوم هذا التمدد .. وبمرور الوقت أخذت موازين القوى تتغير .. اليهود يساعدهم العالم فيزدادون عددا وعدة .. والعرب ؟! .. ..

- " مدام ، بلابلابلا .. ! " ـ ( كلمات بالإيطالية أو التشيكية) أطلقها جاري .. فهمت من إشاراته أنه يريد الذهاب إلى الحمام .. ويرجوني مراقبة صندوق الهدية ! ..
قلت له مبتسمة والدهش يرفع حاجبى : " أوكي ! " ..

عجيب أمر هذا الشاب الحليو .. يظهر أنه من يهود أوروبا الشرقية .. من بولندا أو تشيكيا .. لأنهم مشهورين بالأناقة والدماثة وغرابة الأطوار ! ..
ترى ما الموجود بهذه العلبة .. التي يوليها عناية قصوى .. أهى قنينة عطر غالية .. أم نجمة داوود قيمة .. أم تحفة سيراميك فنية رائعة ..أو شمعدان يهودي متسع .. أم .. ياللهول قد تكون قنبلة جاهزة للتفجير.. وضعها وإنصرف و ستنفجر وتقضي علينا في الجو ! ..
إنحنيت برأسي نحو العلبة حبا للإستطلاع .. قلت لو سمعت أى تكتكات لساعة تفجيرها .. سأصرخ بعلو صوتي على من في الطائرة .. حتى ينتبه رجال الأمن ويحضروا ويخلصونا منها ! ..
طرطقت أذناي وأرهفت سمعي ، لكني لم أسمع آية تكتكة ! ..
إعتدلت بسرعة حين سمعته يقول مبتسما : "Muchas gracias " .
أجبت بالإنجليزية : " ? You welcome .. Are you Italian " .
فأجاب : " " Sorry, I am not, I am Argentinean, and our language Spanish, as you know !" .
وعلى هذا إشتبكنا في حوار بالإنجليزية .. لأنه لا يعرف العربية .. وأنا لا أعرف الأسبانية - " أنت من إسرائيل ، أم كنت في زيارة إليها ؟ ..
- " بل كنت في زيارة وبالذات لمدينة يافا ! "..
مندهشة : " يافا ؟! لماذا يافا ؟ "..
ببساطة : " لأن عائلتنا في الأصل من يافا ! "..
بفرح : " نحن أيضا من يافا .. يالها من صدفة عجيبة ! "..
مندهشا : " أحقا ما تقولين ؟! حسنا .. هذه أول زيارة لي لدولة إسرائيل .. ولمدينة يافا .. فإني ولدت بدولة الأرجنتين ! "..
سالته بشوق : " وهل والداك اللذان هاجرا مازالا يذكران يافا ؟ " ..
بأسف : " والدي توفي منذ سنين .. لكن والدتي مازالت حية .. كبرت ومرضت وتغيرت كثيرا .. صارت تذكر وطنها في كل وقت .. وأخيرا طلبت مني بإلحاح .. أن آتي لها ببرتقالة طازجة من مزارع يافا .. حاولت أن أثنيها وأقنعها بأن البرتقال متوفر بأسواقنا .. لكنها رجتني على وجه الخصوص .. بتحقيق رغبتها .. والإتيان بالبرتقالة التي تريدها قبل أن تموت .. ولما كنت ولد أمي .. وحب أمي .. وعشق أمي .. وفخر أمي .. وسر أمي .. وحضن أمي .. فقد أحببتها من كل قلبي ! ..
وصارت عندي أغلى من الدنيا .. بل هى الدنيا .. إذا غضبت لشيئ غضبت .. وإذا مرضت شقيت .. وإذا ضاقت بها الدنيا ، لإسعداها سعيت ! ..
أمي هى كل حبي .. أجيئ إليها متعبا فتأخذني في حضنها .. حضنها ينسيني تعبي ! ..
إن أردت الحديث والفضفضة .. أذناها وعاءا عميقا لهمومي .. ولسانها لا يتوقف عن نصحي .. ولا بالدعاء الحارمن الله بنجاحي وتوفيقي ! ..
تفعل كل شيئ لإسعادي .. دون أن تنتظر مني رد .. وتسهر على راحتي بكل ود ! ..
وأشياء أخرى كثيرة .. لهذا فأنا دائما أحن إلى صدر أمي .. وإلى حضن أمي .. وإلى رائحة أمي .. وإلى نظرة من عين أمي الحنونة ! ..
ولهذا حين طلبت .. لم أفكر .. لم أمحص .. لم أدقق .. بل تركت كل أعمالي وحضرت خصيصا لتحقيق رغبة أمي ! "..
أخذني العجب من هذا التعلق الشديد .. فقلت متعاطفة معه ...
- " كلامك عن أمك بهذه الطريقة الفريدة .. ذكرني ب محمود درويش ! " ..
- " ومن هو محمود درويش ؟ " ..
- " شاعر فلسطيني مشهور عندنا .. من قرية البروه .. كتب قصيدة تتطابق مع نفس أحاسيسك الجياشة تجاه أمك ! " ..
- " إسرديها علىّ إن كنتي متذكراها ؟ " ..
- " طبعا متذكراها .. يقول ولهانا مثلك بأمه .. والأم هنا ممكن أن تكون أما حقيقية .. أو أما مرمزة .. أى بلدته .. أو حتى فلسطين كلها .. يقول :
" أحن إلى خبز أمي .. وقهوة أمي .. ولمسة أمي ! ..
وتكبر فىّ الطفولة يوما ..على صدرأمي .. وأعشق عمري ! ..
لأني أخجل إذا مت .. من حزن أمي .. ومن دمع أمي ! " ..
قبل أن أنتهي لا حظت تغيرا حدث على قسمات وجهه .. وإلتماع دمع بدأ يترقرق في
عينيه .. فقررت أن أبعده بسرعة عن حنينه لأمه ..
- " وهل أحضرت لها ما طلبته ؟ "..
بجدية واضحة : " طبعا .. برتقالة الوالدة التي طلبتها محفوظة بعناية فائقة في هذه العلبة التي ترينها ! "..

زر علىّ الضحك فكركرت بصوت مسموع لدرجة التدمع .. وخجلا منه إستدرت بسرعة نحو النافذة .. حتى أداري رد فعلي القبيح .. ولا يظن أني بما فعله هازئة ! ..

لما توقفت الطائرة في مطار هيثرو .. أسرع جاري بالقول : " أتمنى أن تقبلي مني دعوة عشاء ، قبل أن أسافر راجعا إلى بلدي " ..
فكرت قليلا ثم أجبته : " لا بأس " ..
وهكذا أعطيته رقم تلفون صاحبتي (منى) ، التي سأنزل ضيفة عليها ..
منى صحافية عربية معروفة .. فلسطينية .. تعمل في الصحافة العربية المهاجرة .. ولا أرتاح إلا عندها حين أكون في لندن ..
فعلا إتصل بي (راؤول) وقال أنه سيمرني في السابعة مساءا ..
حضر بسيارة ألمانية مستأجرة ، وذهبنا إلى مطعم (مامونيا) ..
حين جلسنا وأثناء تناولنا لبعض العصائر ، بادرته باسمة : " تصور ياراؤول أني لا أعرف إلا إسمك الأول ؟!
" وأنا أيضا لا أعرف من إسمك إلا سلمى ؟ " ..
أردفت بسرعة : " سلمى الكوردي " ..
- " راؤول خوسو " ..
ذهبت ببصري أتجول في جنبات رستوران مامونيا .. أعمدته المخملية وحشاياه الحريرية .. وديكوراته البهية ، التي ترحل بك إلى الأجواء العربية المغاربية .. شموع .. بخور .. أضواء ناعمة .. موسيقي مكسيكية حالمة .. وأجواء مغرقة في الرومانسية ..
سألته على سبيل التفكه : " أين تركت البرتقالة ؟ " ..
- " في البراد " ..
بدون تمهيد .. بحت له بما هداه تفكيري : " إسمع ياراؤول .. يخيل إلىّ أو يتهيأ لي .. أن والدتك المريضة .. حين طلبت منك بإصرار .. أن تجلب لها برتقالة من يافا .. لم تكن تعني الشيئ ماديا .. لكنها كانت تترمز ؟ " ..
مندهشا : " تترمز على ماذا ؟ " ..
- " قبل أن أوضح .. أرجوأن تساعدني .. وتصارحني ببعض الأمور .. التي توضح لي غموض الرمز في ذهني ؟ " ..
- " بكل ترحيب " ..
- " فلنبدأ من البداية .. من أين أنتم من يافا ؟ " ..
أنزل راؤول كأس العصير من يده .. ثم مرر يده على شعره القصير عدة مرات .. ثم قال على مهل : " نحن من ناحية (كرم صوان) في طرف يافا .. ووالدي هو إبراهيم حوسو الذي كان مسؤولا عن الدفاع الشعبي في الكرم .. وأمي ..هى ناريمان خورشيد .. البنت الوحيدة التي كانت تدافع معهم عن يافا ! ..
لكن حين صارت الغلبة لليهود في عام 1948.. تزوجا وهربا بجلدهما من ملاحقة العصابات اليهودية .. التي عزمت على قتلهما ! " ..
- " ثم ماذا ؟ " ـ سألت لأستحثه بعد أن توقف ..
- " سافرا إلى أمريكا .. لكن السلطات إوقفتهما في المطار ولم تسمح لهما بالدخول .. فأكملا إلى الأرجنتين .. رغم جهلهما باللغة الأسبانية .. وإستقرا في بوينس أيرس ..
جاهدا طويلا في الرزق وفي تعلم اللغة .. تعرف أبي على شخص مهاجر من مصر كان يبيع القهوة والشاى بالشارع .. دلّه الشخص على عنوان الكافتيريا التي كانت تقع في بلازا دي ماجو بوسط البلد .. ومن يومها كان يذهب صباحا ليتسلم (طورمسات) القهوة والشاي والشوكلاتة ثم يبدأ دورتة بالشوارع .. ينادي على بضاعته على أبواب المحلات .. وعلى عمال البناء .. كانت الدورة تجعله سائرا على قدميه طول اليوم .. قال لنا أنه إتخذ طريقا يوميا يبدأ من الكنجرسو ناسونال إلى شارع بلجرانو إلى شارع بويدو إلى باتريكيوس إلى سان كريستوبال إلى سان تيلمو إلى 25 دي ماجو إلى مونتسيرات .. هذه الأسماء الغريبة يصعب تقدير طولها بالضبط بمجرد السمع .. لكني حين كبرت قطعتها بالسيارة في عدة ساعات ! ..
بعد هذه الدورة في الشوارع يعود مورم الرجلين .. فتقوم أمي بتدليك رجليه .. رغم كونها هى الأخرى ترجع منهكة من خدمتها في بيوت الغير بالأجر ! ..

لكن .. ومن سخرية القدر .. إنه وبتوصية من تاجر يهودي غير صهيوني شرب قهوة من يديه .. إلتحق بعمل في مصنعا للنسيج .. يملكه عربيّ من الشام .. كان قد رفض سابقا حتى مقابلته ! ..
بعد سنوات قليلة طرده من العمل .. فقرر أن يبدأ عملا منفصلا .. والمدهش أيضا .. أن ذات الشخص اليهوديّ ساعده مرة أخرى بإعطاءه محلا خربا في منطقة تسمى (بوكا) .. أمام محطة قطارات شحن (لابومبونيرا) ..
بدأ أبي العمل بنول صغير للنسيج كان مستعملا .. وبإجتهاده وبتشجيع صديقه اليهودي العم سمعان .. كبر العمل .. وأصبح مصنع لابومبونيرا للنسيج في سنوات من أكبر المصانع في بوينس أيرس ! ..
أمي وأنا وأخي كنا نعمل معه أثناء دراستنا .. فلما تخرجت أنا من الجامعة تفرغت للعمل في المصنع .. ثم لحقني أخي (إزاك) بعد عدة سنوات .. وما زلنا ندير العمل سويا .. بعد وفاة والدنا وتقاعد أمي لمرضها ! ..
- " أنتم الآن ميسورين .. أليس كذلك ؟ " ..
- " بالتأكيد " ..
- " وأين تسكنون ؟ " ..
- " بيت العائلة في حى سان تلمو القريب من بوكا .. وعندنا بيتا صيفيا في أجمل شواطئ الأرجنتين .. في (ماردل بلاتا) أى شاطئ الفضة .. وأمام البيت يقف على المرسى زورقنا الكبير الذي سماه والدي يافا ! ..
- " سؤال آخر .. أمتزوج أنت ؟ " ..
- " لا " ..
- " بصراحة أكثر .. هل لك علاقات نسائية ؟ " ..
نظر إلى نظرات ساحرة .. ومالت شفتاه ببسمة ماكرة ..
- " الشغل الشاغل للرجال في الأرجنتين .. مركز على أربعة أشياء .. الكره والشواء والشرب والنساء ! " ..
عجبتني صراحته وسرتني جراءته .. فقلت له بنفس الجراءة ونفس الصراحة ..
- " الآن يمكنني أن أجيب على تساؤلك .. عن معنى الترمز .. أعتقد جازمة أن أمك العجوز المريضة .. أحست بدنو أجلها .. فجرفها الحنين إلى مسقط رأسها .. ولما كان من المستحيل عليها أن تعود .. فقد طلبت أن تذهب أنت إليها وتأتي لها (ببرتقالة) ..
برتقالة من وطنها ياحضرة الذكيّ ! " ..
- " عجيب .. لقد فعلت هذا حقا ! " ..
- " أخطأت " ..
" أخطأت ؟ .. كيف أخطأت ؟! " ..
- " أنظر عميقا في عيني .. ركز كل طاقتك على وجهي .. وحين أرفع أصبعي .. إسألني بسرعة خاطفة .. من أنتي ؟ " ..
بعد مدة رفعت أصبعي ..
- " من أنتي ؟! " ..
- " أنا برتقالة يافاوية ! " ..
علق ضاحكا وهو يصفع جبهته بيده : " Estoy perdido ! " ..
- " بالإنجليزية ياراؤول لأفهمك ؟ " ..
- " I'm lost ! " ـ أنا ضعت ..

***



الفاصل الأصفر الثاني :
الإثنين
21/12/1987م .

يعتبر هذا اليوم في الغرب .. هو يوم التغيّر الشتوي .. أى دخول الشتاء رسميا ..
كنت قد إنتظمت في الدراسة من نهاية يوليو ..
سكنت في مبنى الكلية .. لندن يونيقرسال كولدج .. الواقعة في قلب لندن .. طريق توتنهام كورت .. كنت ضمن كثير من الطلبة المغتربين .. الكلية تعطي كم من التسهيلات لطلبتها .. مكتبات .. حاسبات .. معامل .. محاضرات .. أطقم أكاديمية مؤهلة تذلل كل صعوباتنا ..
بدأت دراسة القانون تحت إشراف الدكتور باوسي ..
في هذا اليوم .. الذي هو بمثابة الإنقلاب الشتوي .. برد ورعد ومطر وغيم .. زاد على ذلك رنين متواصل للتلفون ..
راؤول مرة أخرى .. يرجوني اللقاء لأمر هام ! ..
وأنا في هذه المعمعة .. حاولت التنصل منه لكثرة مشغولياتي .. لكن رجاءاته الملحاحة المستمرة أرغمتني على تحديد موعد للقائه ! ..
حين قابلته بادرته متوجعة " لقد شنيت على حربا بلا هوادة ! " ..
قال ضاحكا " هذا هو أنا .. راؤول .. أنا آسف .. لم أقل لكي سابقا أن راؤول يعني المحارب ! " ..
في هذه الليلة تحاكينا كثيرا فتقاربنا ..
حكيت له قصة جدي عيسى .. وكيف كان سيدمر تل أبيب في 48م .. إذ إبتكر خطة لتفخيخ البلدة من مصارف مجاريها الواسعة التي تصب في البحر عند حى المنشية ..ولولا جواسيسهم لنجحت الخطة .. لأنهم أسرعوا بإغلاقها بالحديد والأسمنت ! ..
ثم مشاركته بعد ذلك للكتان وأخويه .. في صنع ألغام صاروخية من أنابيب البوتاجاز .. وبها دمروا بعض قطاعات من تل أبيب ! ..
لكن الإنجليز بإيعاز من اليهود .. تمكنوا من صيد هذا المدفع البدائي .. وإستطاعت عصابة الأرغون بقيادة مناحم بيجين .. من صيد المخترعين وإغتالتهم ! ..

كان يسمع بإهتمام ويشير بيده رغبة في مزيد من الكلام .. فحكيت قصة أبي عبد الحليم .. وكيف شارك وهو في العاشرة من عمره .. في تدمير مقر قيادة الهاغانا في بيت يام ..
وعرف أن رجالنا كلهم إستشهدوا .. ولم يبق غير أخي أحمد .. الذي هاجر إلى إستراليا وإستقر هناك .. وأن إرتباطي الكبير هو بأسرة أختي الكبيرة عنايات .. وأنهم أقرب الناس إلى وأشدهم إرتباطا ! ..
أخبرني فرحا بصدق نبوءتي .. وبخيبة أمله .. قال ضاحكا " قدمت لها البرتقالة اليافاوية .. فغضبت وألقتها على الأرض ! " .. ساعتها تذكرتك وعرفت أني كنت مخطئا .. وأن حدسك هو الذي كان مضبوطا .. فقد كانت فعلا تترمز ! ..
أمي تريدني الإرتباط بفتاة يافاوية من بني جلدتها ..
تحمل تراثها وطبائعها .. لكن لغبائي .. أحضرت لها الرمز .. برتقالة حقيقة ملفوفة بعناية في علبة فاخرة ! ..

في هذه الليلة .. بعد أن حكينا .