فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت English Version
الصفحة الأولى    صور     خرائط  تاريخ شفوي حق العودة 101 نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع الصراع للميتدئين إتصل بنا
حامي النّاصرة الشّيخ ظاهر العمر الزّيدانيّ/ حسين منصور
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى الناصرة
כדילתרגם לעברית
مشاركة Haytham G. Zeidan في تاريخ 1 شباط، 2010
حامي النّاصرة الشّيخ ظاهر العمر الزّيدانيّ/ حسين منصور

“….
وصف فولتي الفرنسيّ الشّيخ ظاهر بقوله: “لم تر سورية مثيلا لظاهر العمر في الأزمنة الّتي توالت عليها لأنّه كان داهية في السّياسة حكيمًا محنّكًا ولكنّه كان طمّاحًا طمّاعا ومن صفاته الحسنة أنّه لم يكن ليميل إلى التّحيّل والدّهاء بل يجاهر بمكنونات صدره ولو تكلّف ما لا يطاق وأحبّ النّصارى ورفع منزلتهم وحكم بالعدل في رعيّته”…”

* مقال بقلم حسين منصور من قرية الرّينة.

حامي النّاصرة

الشّيخ ظاهر العمر الزّيدانيّ

بقلم: حسين منصور[*]- الرّينة

معركة المنسيّ:

بعد أن عيّن ظاهر أولاده جميعًا كلُّ واحد في مدينة، إنتخب لذاته مسكنًا في مدينة النّاصرة المقدّسة. وبدأت حكومة ظاهر تنمو رويدًا رويدًا وتنتشر في قضاء النّاصرة حتّى زادت قوّته وأصبح الحاكم الوحيد المتحكّم في هذه البلاد، الأمر الّذي جعل عرب الصّقر ومشايخ جبل نابلس يحقدون عليه ويحاولون سلخ مرج ابن عامر عن ظاهر. وقد جمعوا جنودهم وجاءوا لمحاربته كيّ يملكوا مدينة النّاصرة وجوارها. وما أن وصلوا حدود الأراضي الخاضعة له، أخذوا يدمّرون القرى وخاصّة مدينة النّاصرة ويعيثوا فيها فسادًا وأعمالاً فظيعة. فلمّا بلغ الخبر الأمير ظاهر جمع رجاله من قضاء النّاصرة وصفد وجوارها متّكلين على الله تعالى وقابلين الموت لأنفسهم دون الحياة، خير من أن يجرى بحريمهم وبناتهم ذلك الأمر القبيح.

تحصّن جيش أهالي جبل نابلس وعرب الصّقر جنوب نهر المقطع قرب “تلّ المنسيّ”، بينما تحصّن ظاهر وجيشه شمال النّهر.. عبر ظاهر النّهر وهاجم النّابلسيّة قرب المنسيّ وقتل شيخهم لإبراهيم الجرّار في المعركة.

حشد ظاهر العمر ثلاثة آلاف مقاتل من المغاربة وأهل بيته وحاشيته ومن النّاصرة وما حولها. وبعث في الوقت نفسه إلى عرب الصّقر ليوافوه إلى مكان ما في مرج ابن عامر صباحا لمساعدته على جيش جبل نابلس. ولكن عرب الصّقر الّذين وعدوا بالمساعدة لم يفوا بما وعدوا. ففي الصّباح جاءه رجل من الصّقر اسمه “أبو حلاّق” وقال له: “أنا من الّذين دعوتهم ليأتوك صباحًا لسلامة خبرك، وعلمت أنّك لم تدرِ بما هم عليه فجئت لأخبرك أنّ قومي اتّحدوا مع النّوابلسيّة عليك، وعند الصّباح مرادهم يحتاطوك، فخُذ حذرك منهم وأنا راجع الآن على عقبي خوفًا على دمي من أن يدروا بي…”

إنزعج ظاهر من خيانة عرب الصّقر فتشاور مع أخيه سعد وقائد عسكره محمّد العلي واتّفقوا على محاربة النّوابلسيّة وعرب الصّقر. قسّموا الجيش إلى ثلاثة أقسام: الدّنكزلي مع نصف من معه يكمن شمالا. محمّد العلي يكمن يمينًا بخمسمائة مقاتل. وظاهر العمر يتقدّم ومعه ألفين من المقاتلين، يناوشهم ويُكْسَر أمامهم حتّى إذا ساروا بين الكمينين خرجا عليهم وتحالفوا، فإمّا النّصر وإمّا الموت في المرج ومضوا على ذلك وهم في رعب شديد.

قام ظاهر العمر من الفجر العميق، صلّى ورتّب الكمينين وتقدّم فوصل إلى النّاصرة، ومرّ من أمام كنيسة العذراء في النّاصرة فنزل عن جواده وسجد أمام باب الكنيسة ورفع يديه وهما مملوءتان ترابًا وعفّر بهما وجهه وقال: “هيّا يا ابنة عمران جعلت اتّكالي عليك بعد الله إن أنت نصرتني فلآخر حياتي لا أنسى لك هذه الآية. ويكون زيت قنديلك من عبدك”.

ثمّ ركب جواده وتقدّم نجو المرج فوجد النّوابلسيّة هاجمين مع عرب الصّقر، فناوشهم قليلا وتأخّر فتبعوه إلى أن صاروا بين الكمينين، وذلك في مكان بالمرج يسمّى “الرّوحة” جنوب المنسيّ فارتدّ ظاهر عليهم وكسرهم، ففرّ عرب الصّقر وقتل ابراهيم الجرّار في المعركة. وتبعهم ظاهر وجيشه يقتلون ويأسرون من النّوابلسيّة لأنّ أكثرهم كانوا مشاة، فلم يرتدّ عنهم حتّى بلغوا عين جنين، حيث في ذلك الموضع قد قتل من النّوابلسيّة وعرب الصّقر أكثر من 30000 مقاتل. ومرج ابن عامر قد أنتنت رائحته من كثرة أجساد المقتولين. وإنّه يوجد في المرج قطعة أرض منخفضة قد قتل فيها حينئذ في الحرب 8000 مقاتل من جيش جبل نابلس. وذلك جرى أنّه لمّا بلغ الأمير علي بن ظاهر العمر ذلك المكان مع قسم من جيشه حيث كان نازلا جيش جبل نابلس حالا أحاطهم على غفلة من جميع الجهات وأهلكهم جميعًا. وقد بقيت تلك الأرض عشرين عاما لا تصلح للفلاحة من كثرة عظام الّذين قتلوا فيها.

كانت نساء وبنات النّاصرة في وقت الحرب يحملن جرار الماء إلى المرج ويسقين جيوش الأمير حتّى يستمرّوا في الحرب ضدّ النّوابلسيّة. وعدا ذاك كنّ يشجّعن الأمير ظاهر وأولاده مع جيوشهم الكثيرة العدد بتلك الأغاني المطربة واللّذيذة الّتي تجعل الضّعيف قويًّا. كما أنّ البنات العذارى من خوفهنّ على ذواتهنّ كنّ يهتفن للأمير ظاهر وأولاده ” ترفّق بنا يا أبا فلان”.

وفى ظاهر العمر بوعده لكنيسة العذراء في النّاصرة فكان يرسل كلّ عام إلى كهنتها قناطير من زيت الزّيتون إلى آخِر أيّام حياته. وقاتل أمامه أهل النّاصرة في معركة المنسيّ حتّى رأى العجائب من بسالتهم ومن ذلك الوقت صار يحبّ النّصارى ولا فرق بين الإسلام والنّصارى في المدينة. كما قام ظاهر العمر باقتطاع كرميّ زيتون أحدهما في قرية كفر كنّا والآخر في قرية المجيدل وقْفًا على الكنيسة يدرّان عليها كثيرا من الزّيت كلّ سنة. وقام بتنظيم العلاقات بين مختلف الطّوائف في المدينة ووضع الأسس لنظام اجتماعيّ عادل وقضى على أعمال السّلب والنّهب في الطّرقات ووطّد الأمن في النّاصرة، وشجّع الهجرة إ‘ليها وأطلق الحرّيّات لجميع الطّوائف وعامل المسلمين والمسيحيّين على قدم المساواة، وهذا شجّع الكثير من العائلات للسّكن في النّاصرة.

ملامح وصفات ظاهر العمر:

كان ظاهر العمر أبيض اللّون مشوب بحمرة، لا ممتلىء الوجه بل واسع الوجه والعينين، ذا فم صغير رقيق الشّفاه إلاّ السّفلى كانت أغلظ من العليا. حواجبه طويلة وذا أنف محدود ومعتدل. طويل الذّراعين والأصابع، وكان نحيف الجسم مربوع القامة. خفيف الذّقن والشّوارب، أسود الشّعر ذا لحية مدوّرة وأكثر شبها بصورة ولديه العبّاس وعلي. كان حليمًا جدّا شديد الإنتقام، كما قال فيه عبد الحليم الشّويكي:

“إن حلمت لستَ تبقي لحليم أو بطشتَ لست تبقي للسّباع”.

ورد في مخطوطة ميخائيل الصّبّاغ القصّة التّالية الّتي توضّح مدى الحلم والتّسامح الّذي كان يتمتّع بهما ظاهر العمر:

“… كان ظاهر وهو ابن خمسين، سمع عن ابنة شيخ من مشايخ الصّقر وصفوها له بالجمال، فأرسل وخطبها من أبيها.. وكان لها ابن عمّ عاشقا لها، وكان يرجّي نفسه بزواجها.. فلمّا خطبها ظاهر استهاب الأمر وسكت على عواه إلى ليلة زفافها في النّاصرة. دخل ظاهر عليها وأقام معها مدّة شهرين وكان ينظر من شبابيكه أكثر أيّامه رجل شابّ من عرب الصّقر، عليه لوائح المرض وهو لا يبرح ناظرا إلى شبابيك قصره، فترك الأمر إلى ليلة دخل في الغروب إلى بيته عندها على غير ميعاد، فكانت غير منتظرة له فسمع قبل أن يدخل المقصورة الّتي هي بها صوت رجل فتوقّف ونظر من خلال الشّبّاك فوجد معها الرّجل الّذي كان يراه يوميّا تحت شبابيك قصره. فرجع وجلس بمقصورة أمام المقصورة الّتي هما بها، فاتّفق أنّ الجارية أرادت أن تدخل إلى سيّدتها بأمر فمنعها من الدّخول وقال لها دعي الأمر إلى أن تدعوكِ، فمضت الجارية وأقام هكذا إلى أن خرجت امرأته لأمر فدعاها وقال لها اضطررت للحاجة الفلانيّة فظننتك نايمة فما كان أمر لأيقظك لأجله وها أنا خارج في طريقي ولكن أرصدي مجيئي ربّما يمكنني، ثمّ خرج وجعل ينتظر خروج الرّجل إى أن خرج بعده فأتاه ومسك بيده وقال له: أتعرفني؟ قال: نعم، أنت الشّيخ ظاهر، قال: من أين خرجت؟ قال: من بيتك. قال: اصدقني صدق أخ، واعترف لي اعتراف مريض لطبيب واسترشدني كأب وعليّ القيام بواجبات كلّ من هؤلاء لك. فقال له الرّجل: سلني. قال: ممّن أنت؟ قال: أنا من الصّقر ابن الشّيخ فلان، فقال له: فإذن عروسي ابنة عمّك. قال: نعم. قال: ورأيتك مرارا تحت شبابيكي وليلة هذه وجدتك معها في غرفتها، فقال له: والله يا شيخ أنت أكرم من أن تسمح، أمّا الحبّ بها شديد من زمان مديد، ومنعني من زواجي بها اختيارك لها فمنعونيها قومها أولاد عمّي، والحبّ ما أبقى لي عقل فجعلتُ آتي تحت شبابيكها أبرِّدُ فؤادي بذلك، وأمّا كون وجودي في غرفتها فوالله ما تعدّيت من النّظر لها. فقال له ظاهر: أنتَ أهلٌ للجميل، قال أظنّك تزرعه بأرض المرج، قال: امضِ معافى ولا تبدِ شيئا من هذا، ثمّ دخل واجتمع بها وكان شديد الغرام بها، فرفعت يدها وقالت له: ما الخبر يا شيخ؟ قال: خيرًَا إنّي قبلا كنت بعلك والآن أنا أبوك، أصدقيني هل تحبّين أحدا من قومك؟ قالت: نعم أصدقك الله إنّي أحبّ ابن عمّي لا للخنا لكن لعشرة الصّبا فقط. فقال لها: أترغبينه بعلك وأنا أبوكما وكانت الصّبيّة شاعرة فصيحة فوقعت على رجليه تقبّلهما وتقول: بأبي وأمّي أنت من حلم وكرم، فقال لها: ادعي أبوك غدا ومتى أتاك اشكي إليه من شراسة أخلاقي وأشكيك له فأطلّقك وأدعو ابن عمّكفأحسن حالته وأزوّجك به، فكان ذلك. وعند الصّباح طلّقها بمحضر أبيها مع أنّ ظاهر كان يستعيب الطّلاقجدّا ودعا ابن عمّها فرتّبه عنده من بعض ملازمه ورتّب له معاشا وقطّعه أرضًا وزوّجه بها حينما استوفت عدّتها، ولظاهر في مثل هذه الحكاية من الحلم والكرم ألوف…” (هكذا ورد النّصّ في المخطوطة).

سرايا ظاهر العمر في النّاصرة سنة 1730 م:

بنى ظاهر العمر في النّاصرة سراي مؤلّفة من عدّة بيوت على قطعة الأرض القائم عليها بناية البلديّة القديمة وملك عمر أسعد العبّاس من الزّيادنة.

لم يكن للمسلمين جامعًا يصلّون فيه فقد أذِنَ ظاهر العمر للمسلمين بالصّلاة في أحد بيوت السّرايا والأذان من على سطحه. واستمرّ المسلمون يصلّون في ذلك البيت إلى أن بنى علي باشا الخزندار أحد مماليك أحمد باشا الجزّار وكتخدا سليمان باشا الكرجي الّذي تولّى عكّا (سنة 1804-1819) الجامع الأبيض والمأذنة بجوار سرايا ظاهر العمر من الجنوب وأوقف له كرم زيتون وولّى عليه عبد اللّه الفاهوم قاضي النّاصرة في ذلك الوقت. وقد تمّ بناء الجامع الأبيض بعد أن أتمّ علي باشا بناء جامع كفر كنّا وذلك سنة 1812م، يقال أنّ علي باشا قام ببناء جامع الرّينة في تلك الفترة. كما أنشأ خان النّاصرة المعروف بخان الباشا.

وعلى أثر بناء الجامع الأبيض في النّاصرة سنة 1812م أهملت سرايا ظاهر العمر وظلّت مهملة حتّى خصّصت تركيا الأقسام الغربيّة والشّرقيّة منها لسكن أسعد بن عبّاس وأخيه حسين، ثمّ استقرّ آل عبّاس في النّاصرة وسكنوا بها وأنشأوا عليها الأبنية المحيطة بالجامع الأبيض. وأولاد أسعد عبّاس الظّاهر ثمانية وهم: عبّاس، علي، صالح، الكنج، أحمد، ظاهر، عمر، وابنة تسمّى غنطوسة تزوّجها عبد السّلام عون الله.

كان حسين العبّاس قائم مقام النّاصرة في عام 1850م. وآنّ أسعد وحسين ولدا عبّاس الظّاهر كانا قد ورثا عن أبيهما عبّاس بقايا سرايا ظاهر العمر في النّاصرة والبستان المعروف (المقبيّ) أمّ قبيّ الواقع غربيّ النّاصرة.

التّسامح الدّينيّ عند ظاهر العمر:

كنيسة البشارة:

عندما ازداد عدد الرّوم الأورثوذكس في النذاصرة مع الزّمن، أصبحوا يرون أنّهم بحاجة إلى كنيسة خاصّة بهم دون أن يكون لأحد حقّ في أن يشاركهم فيها. وقد شرع أبناء الطّائفة الأورثوذكسيّة ببناء الكنيسة، لكن رهبان طائفة اللاتين منعوهم من البناء، حتّى أنّه أخيرًَا استحصلوا على فرمان بمساعدة ظاهر العمر ببنائها رغمًا عن رهبان اللاتين الّذين منعوهم عدّة مرّات. لكنّ النّزاع ظلّ قائمًا بين الأورثوذكس والفرنسيسكان (اللاتين) إلى أن سوّيَ الخلاف على يد ظاهر العمر في تشرين الثّاني سنة 1741م وذلك من خلال حجّة تسليم كنيسة البشارة للرّوم الأورثوذكس في النّاصرة.

في أواسط شهر رمضان سنة 1154ه حضر إلى النّاصرة صفورونيوس مطران الرّوم الأورثوذكس في عكّا يرافقه قنصل الإنجليز المدعوّ جان بادينو والرّاهب حناينا ترجمان دير الرّوم في القدس من جانب الطّائفة الأورثوذكسيّة وعرضوا على الشّيخ شكواهم ضدّ رهبان الإفرنج بسبب استيلائهم مؤخّرا على معبد الرّوم القريب من عين النّاصرة. وطلبوا من الشّيخ ظاهر أن يرفع يد الفرنسيسكان عن هذا المعبد ويعيده إليهم. وعندما اقتنع ظاهر بحججهم أخرج معبد العين من يد الفرنسيسكان وسلّمه بمفتاحه إلى المطران صفورونيوس مع تعليمات خاصّة بشأن خوري الطّائفة وحرّيّة العبادة.

كما نشب خلاف بين رهبان الإفرنج والرّوم الكاثوليك استمرذ أكثر من عشرين سنة إلى أن تدخّل في فضّ هذا الخلاف الكاهن سمعان الصّبّاغ وقريبه ابراهيم الصّبّاغ وزير ظاهر العمر. فتقرّر نهائيّا سنة 1769م بأمر من ظاهر العمر بأن يكون موقع القاعة (دير الفرنسيسكان) معبدًا خاصًّا بطائفة الرّوم الكاثوليك في النّاصرة.

كما يرجع الفضل في وجود كنيسة الموارنة في النّاصرة لإلى ظاهر العمر الزّيدانيّ عندما توسّط وزيره ابراهيم الصّبّاغ عن طريق البطريك الغسطاني والتمس منه أن يتّصل بظاهر ويرجوه أن يمنح طائفته في النّاصرة أرضًا يبنون عليها كنيستهم ويقيمون فيها شعائرهم الدّينيّة بحرّيّة. وبنيت كنيسة الموارنة في الحارة الغربيّة من المدينة وتكرذست باسم مار أنطونيوس سنة 1774م.

نهاية ظاهر العمر:

عندما استقرّ ظاهر العمر في طبريّا، بدأ يستولي على البلاد الّتي حولها شيئا فشيئا ويطلب من والي صيدا التزامها مدّعيًا أنّه يحميها من العربان “التّركمان والصّقر”. توسّع ظاهر نحو قلعة “جدّين” وكان واليها أحمد الحسين الّذي كان يحكم بلاد البشارة.

جرت الحرب بين ظاهر العمر وأحمد الحسين، فانتصر ظاهر وقتل أحمد الحسين في المعركة، ودخل ظاهر القلعة واستولى عليها ولم يأخذ شيئا من مال أحمد الحسين. حين دخل القلعة رأى من المتجنّدين عند أحمد الحسين فتى حديث السّنّ من بلاد المغرب العربيّ، جميل الصّورة، حسن الهيئة فدعاه وكلّمه فأبان عنه لسان ومنطق فقال له:

ما اسمك؟

قال: الدّنكزلي.

قال له: ما صنعتك؟

قال: كنت في بلدي حطّابا بفأسي وأمّا الآن عسكريّ عند مولاي الشّيخ أحمد الحسين.

قال له: أتريد أن تخدم عندي؟

قال: ومن يأبى العزّ؟!

قال له: أتعلم المطلوب منك لي إذا خدّمتك؟

قال: نعم، الأمانة والشّاهدان على ذلك الله ورسوله والقاضي سيفك.

قال له: أحسنت. أتعلم أحدًا من هذه البلاد من جنسك؟

قال: لا يخلو.

قال له: جعلتك آغا معي، من تعيّنه عندك فعيّن ممّن تجد.

قال: سمعا وطاعة.

ورتّب له ظاهر راتبا وصار يرافقه أينما توجّه.

وبعد وقت قصير عيّن عنده أكثر من ألف مغربيّ، فاشتدّ ظاهر بهم وقوّى جيشه واعتمد عليهم اعتمادًا كلّيًا وكان ذلك سنة 1736م. واستمرّوا في خدمة ظاهر مدّة 40 عاما وبعدها خانوه واغتالوه في 29 آب- أغسطس 1775م.

في هذه السّنة حاصر حسن باشا عكّا، قام ظاهر وطاف حول أسوار عكّا وأبراجها، وأمر الدّنكزلي بإطلاق المدافع على المراكب السّلطانيّة، لكن عثمان بن ظاهر اتّفق مع الدّنكزلي بألاّ يطلق المدافع على المراكب السّلطانيّة، فصار الدّنكزلي وجنوده يضربون المدافع بطريقة عشوائيّة بحيث لا تصيب المراكب السّلطانيّة. عندها تأكّد ظاهر أنّ المغاربة خانوه فقرّر أن يخرج مع أهله وعياله وحريمه إلى قلعة تبنبن.

كان الدّنكزلي وبعض مغاربته رابطين في موقع يدعى “أبو عتبة” بعيدًا عن عكّا مقدار ربع ساعة. فلمّا وصل ظاهر إلى هذا الموقع، نظر في حَرَمه فلم يجد حُرْمَتَه فسأل عنها، كلّهم قالوا: ما رأيناها، خرجت معنا لكن تأخّرت.

فقال: إنّ من العار في مثل هذا الوقت أن يترك الرّجل عرضه. فرجع وهو على جواده، فوجدها قادمة مشيًا على الطّريق، فأراد أن يصعدها ويركبها خلفه، فطأطأ وأخذ بيدها، وهمّت ليركبها، وكان ظاهر شيخًا كبير السّنّ تجاوز السّتة وثمانين عامًا، قد ضعف فوقع ووقعت تحته، والدّنكزلي ومغاربته أسرعوا إليه، وأطلق الدّنكزلي عليه النّار من طبنجته فخار في دمه وقال ظاهر: ” اللّهمّ أحمدك عليها شهادة لعرضي”.

فاستلّ الدّنكزلي سيفه وقطع رأسه ومضى بع إلى حسن باشا. ولمًا وصل الدّنكزلي إلى حسن باشا بالرّأس تأمّل حسن باشا الرّأس وكان ملطّخًا بالدّم والتّراب، فأمر بغسله ونُصب على كرسيّ أمامه وقد ظهر في وجهه إشارات الغمّ والحزن. وجعل يفكّر مطرقا رأسه في الأرض يفكّر ويتلاعب في ذقنه مقدار ربع ساعة، والدّنكزلي واقف أمامه.

ثمّ رفع راسه وقال للدّنكزلي:

من أيّ بلاد المغرب أنت؟

قال: من تاهرت.

قال: وما كانت صنعتك هناك؟

قال: حطّابا بفأسي.

قال: وكم لك في خدمة ظاهر؟

قال: ما يزيد على أربعين سنة.

قال: وكم كان دخلك منه؟

قال: سنين كثير وسنين قليل، ولكن أقلّ السّنين لا ينقص عن 200 كيس.

فقال له: تأكل خبز إنسان أربعين سنة ودخلك منه كلّ عام هذا المقدار وتخضّب سيفك بدمه! ينتقم الله منّي إذا لم أنتقم منك لظاهر، ثمّ أشار لملازميه فأخذوا الدّنكزلي وأمر به فخنق ورمي في البحر، وتشتّت أتباعه من بعده.

وهكذا انتهت دولة الزّيادنة. وقد وصف فولتي الفرنسيّ الشّيخ ظاهر بقوله: “لم تر سورية مثيلا لظاهر العمر في الأزمنة الّتي توالت عليها لأنّه كان داهية في السّياسة حكيمًا محنّكًا ولكنّه كان طمّاحًا طمّاعا ومن صفاته الحسنة أنّه لم يكن ليميل إلى التّحيّل والدّهاء بل يجاهر بمكنونات صدره ولو تكلّف ما لا يطاق وأحبّ النّصارى ورفع منزلتهم وحكم بالعدل في رعيّته”.

وفي عام 1776م جاء أحمد باشا الجزّار ليتسّم زمام الأمور بعد ظاهر العمر، أحمد باشا الجزّار أصله من بلاد البشناق من كرسي الحكم وهو ابن علي باشا الحكيم باشا البلد. وكان مولده سنة 1772م من أمّ يهوديّة تسمّى “رينا” وكانت جميلة جدّا أحبّها علي باشا وضاجعها فحبلت منه فلمّا أحسّت بحبلها منه خافت من قومها الرّجم، فأخبرت بذلك علي باشا عاشقها فأخذها غصبًا وتزوّجها فمن بعد أربعة أشهر ولدت ومات علي باشا أبوه وبقي أحمد غير معروف أنّه ابنه وزير، والمرأة رجعت واستسمحت قومها وبقي أحمد ضائعًا بين المسلمين واليهود…










المصادر والمراجع: 1) ابن الكلبي، جمهرة النّسب، تحقيق: محمود فردوس العظيم، الجزء الأوّل. 2) إحسان النّمر، تاريخ جبل نابلس والبلقاء، الجزء الأوّل 1938. 3) أسعد منصور، تاريخ النّاصرة، مطبعة الحكيم النّاصرة، 1983. 4) توفيق معمّر، ظاهر العمر، الطّبعة الثّانية، النّاصرة 1990. 5) حنّا سمارة، مختصر تاريخ النّاصرة، تقديم وتحقيق وتعليق :د. جوني منصور، طبعة 2004. 6) عبّود الصّبّاغ، الرّوض الزّاهر في تاريخ ظاهر، تحقيق د. محمّد عبد الكريم محافظة ود. عصام مصطفى حزايمة. 7) عيسى اسكندر المعلوف، دواني القطوف في تاريخ بني معلوف، المطبعة العثمانيّة في بعبدا لبنان 1908. 8) فريدريك بيك، تاريخ شرق الأردن وقبائلها، الأهليّة للنّشر والتّوزيع، طبعة 1998. 9) محمّد محمّد حسن شراب، معجم العشائر الفلسطينيّة، الأهليّة للنّشر والتّوزيع 2002. 10) محمود العابدي، صفد في التّاريخ 1977. 11) مصطفى مراد الدّبّاغ،ـ القبائل العربيّة وسلائلها في بلادنا فلسطين، 1979. 12) ميخائيل الصّبّاغ، تاريخ الشّيخ ظاهر العمر الزّيداني، محفوظ بالجامعة الأردنيّة رقم 1329. 13) نسيم العكش، العشائر الأردنيّة بين الماضي والحاضر 2004.


إذا كنت مؤلف هذه  قصه وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى الناصرة
 

شارك بتعليقك