فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت English Version
الصفحة الأولى    صور     خرائط  تاريخ شفوي حق العودة 101 نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع الصراع للميتدئين إتصل بنا
مجدل الصادق بقلم الحاج محمد خالد عمر
شارك بتعليقك  (31 تعليقات

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى مجدل يابا/الصادق
כדילתרגם לעברית
مشاركة khalid في تاريخ 11 كنون أول، 2007

مجدل يابا

(مجدل الصادق)

إعداد وتأليف:

الأستاذ محمد خالد عمر ( أبو خالد)

ليسانس لغة عربية وآدابها

مراجعة لغوية وتقديم

هالة ذياب قزع

الإهداء

أهدي هذا العمل المتواضع والوصف الذي جادت به الذاكرة لكلّ مخلص لدينه وأرضه.....

أهديه لأرض فلسطين والمسجد الأقصى ثالث الحرمين الشريفين

ولكل شاب وشابة حتى لا ينسى....

محمد خالد عمر

التقديم:

الحمد لله على نعمائه، والشكر له على آلائه، وصلاته وسلامه على الصفوة من أنبيائه، وعلى آله وصحبه وأوليائه، أما بعد:

كثيراً ما كنت أسمع عن قريتي وموطني الأصلي من هنا وهناك، وأصدقكم القول لم يهزّني الحنين ولا الشوق إليها، فقد ولدت وترعرعت بعيدة عنها، لا أعرف منها سوى الاسم، ولكن ما إن قرأت هذا الكتاب حتى وجدتني أقف افتخاراً واعتزازاً، فهذا الكلام المليح حرّك فيّ المشاعر الدفينة، فجّر العواطف المخبوءة، وهدهد الخاطر الحزين......

هذه الكلمات الملتهبة، المؤثرة، الصادقة، تحسّ بطعمها وحرارتها وتأثيرها تعبّر أصدق تعبير عن معاناة كاتبها والتياعه، عن شوقه ولهفته وحبه.

فأول ما يلفت القارئ هذا الحب الشديد والوله وحس الانتماء، الذي يغلف سطور الكتاب، ثم ما يتمتع به الكاتب من ذاكرة قوية على الرغم من مضي السنين الطويلة التي ما استطاعت أن تمحو من مخيلته جمال وبهاء تلك القرية، وذكريات الطفولة.

تحسّ من خلال كتابته ووصفه الدقيق أنك أمام مشاهد حيّة، تمرّ بك، تتحفك إلى حد الدهشة وتعبر بك أزماناً ومسافات، ولكنها ما تلبث أن تضعك أمام واقع حيّ مرير، فقد درست المنازل، وبادت الحدائق، وفنيت الأموال، وهلك الرجال، ثم سرعان ما ترى بصيص الأمل يلوح في الأفق، فالذكرى ما تزال خالدة في العقول والقلوب، لا تفتأ تحرك الأحاسيس وتشعل الوجدان وتشحذ الهمم، فيبقى الإنسان دائماً في اندفاع وتوثب، لا يهدأ له بال ولا يقرّ له قرار حتى ينال مطلوبه ويجد مرغوبه.

حقا لا بدّ أن ينصهر قلبك بحب ما تصبو إليه، ويضطرم فؤادك بقضيتك وتتألق نفسك بمرادك، تفكراً وتأملاً ومعايشة، عندها ستحلّ قضيتنا ونسترد أرضنا المسلوبة.

فالهدف السامي من تأليف الكتاب هو تعريف الأجيال بقريتهم، برسم صورة واضحة تقرّ في الأذهان، بالكلمات الصادقة المعبرة حيناً، وبالصور حيناً آخر، يساهم في تحفيز الأجيال الصاعدة على القيام بما لم نقدر عليه، راجين أن يكون النصر على أيديهم ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده﴾.

هي فكرة جيدة تروق لي، وأرجو من كل من يملك هذه المهارة في الكتابة والتذكر أن يكتب عن بلده أو قريته، يصفها وصفاً دقيقاًًًًً معبراً، فتغدو شاخصة للعيان، وتخلد في الأذهان، آملين أن تحرك الأجيال فيهبوا لنصرة الأوطان، بإذن الواحد الديان.

هالة ذياب قزع

التعريف بالكاتب:

لا بدّ لكل قارئ أو مطلع أن يتعرف على صاحب المعلومة التي يود الاطلاع عليها ولهذا فإنني أقدم نفسي وقليلاً من سيرة حياتي لمن سيقلب هذه الصفحات ويطلع على ما تحويه من معلومة ووصف لقرية (مجدل يابا) .

لقد كان مولدي ومسقط رأسي على أرض هذه القرية سنة ألف وتسعمائة وسبع وثلاثين، وعند بلوغ السن القانوني للدراسة دخلت مدرسة القرية الابتدائية، حتى توصلت إلى ما يقرب من أربعة أشهر في الصف الخامس .

كانت كلها أيام طفولة بحلاوتها وبساطتها، ألهو مع أقراني وأصحابي، حتى أغلقت المدارس في فلسطين أبوابها بسبب شدة الأحداث, وبعد حلول النكبة وهجرة السكان انتقلت إلى إحدى القرى الشرقية المجاورة لقريتي، كانت هذه القرية محرومة من وجود مدرسة فيها، فانقطعت عن الدراسة مدة سنتين التحقت بعدها بمدرسة قرية قريبة، ودخلت الصف السابع متخطياً ما يقرب من السنتين الدراسيتين، ثم تابعت الدراسة الثانوية في إحدى المدارس والتحقت بعدها بدار المعلمين التي كانت فترة التعليم فيها سنة واحدة.

تخرجت من دار المعلمين سنة 1955 وعينت مديراً لبعض مدارس وكالة غوث اللاجئين المتواجدة في الغور الشمالي للأردن، والتي كانت تتبع آنذاك لمحافظة إربد.

بقيت أتنقل في هذه المدارس مدة ست سنوات، حتى انتقلت إلى منطقة نابلس وعملت في بعض مدارس مخيماتها.

في عام 63/64 التحقت بجامعة بيروت العربية التي كانت فرعاً لجامعة الاسكندرية في ذلك الوقت، وتخرجت منها في عام 1967 عند حلول ما سمي بالنكسة.

بسبب النكسة وما حلّ بالسكان من تشريد وطرد وخوف، كان نصيبي من اللجوء الثاني مدينة الزرقاء، حيث بعض الأقارب، فعملت في مدارس مخيمها حتى سنة الاستقالة.

في سنة 1996 تقدمت بالاستقالة وتفرغت للعبادة وقليل من العمل التطوعي في الخدمة الاجتماعية.

وخلال هذه السنوات التي تلت الاستقالة كانت تراودني فكرة التعريف بقريتي، قبل أن تخبو الذاكرة بعد أن شاهدت معظم جيلنا يلتحق بالرفيق الأعلى الواحد تلو الآخر.

أردت أن أعرّف الجيل الصاعد والأجيال اللاحقة من أهلها بمسقط رؤوس آبائهم وأجدادهم.

هذا وأرجو من القارئ الكريم إذا وجد ضعفاً أو ركاكة في التعبير ونظم الأبيات، أو خطأ في دقة المعلومات أن يتذكر أن كاتبها يضع رجله في هذا الوقت على عتبة باب السبعين فيعذره و يغفر له كل هفوة ولله دوام البقاء.

أخوكم محمد خالد عمر

المقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم، الذي خلق الإنسان من طين، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، وقد حبّب إليه الإيمان والحفاظ على الأوطان، أحمده سبحانه وتعالى الذي عمّرني بهذه السنوات التي تطل على السبعين، و حفظ لي حسن الذاكرة والصلاة والسلام على حبيبنا محمد بن عبدالله، النبي الأمي الأمين، الذي أوصانا بمتانة العقيدة، وحب العلم و الجهاد، لنشر رسالته والحفاظ على الأوطان، والدفاع عن الأرض والمقدسات عند تعرضها لمداهمة الأعداء.

فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا اعتدي على أرض المسلمين تخرج المرأة دون إذن زوجها، والولد دون إذن أبيه والعبد دون إذن سيده" أوكما قال : هذا الخروج الذي لايسمح به شرعاً إلا في مثل هذا الموقف.

لقد تعرضت الأرض للاعتداء وغزو الأعداء وخاصة أرض فلسطين التي اغتصبت واستبيحت من قبل اليهود، فشرد أهلها وهجروا إلى خارج مساكنهم وأنا من بين من هجّر قسراً بعد اغتصاب مسقط رأسي قرية (مجدل يابا) مع أهلي وسكان معظم المدن والقرى الفلسطينية.

طال بنا الحنين إلى تلك الأرض، وطالت الغربة وكبر السن، فوجدت شعوراً ينتابني ويدفعني إلى تعريف الأبناء والأحفاد بتراب مسقط رؤوس آبائهم وأجدادهم، مما ألهمني به الله من بقايا الذاكرة.

رأيت أن أعرفهم بقريتهم لتبقى قلوبهم معلقة بها ينقلون هذه المعرفة إلى أبنائهم، ومن سيلحق بهم إن طالت الغربة التي نرجو أن لا تطول.

تدافعت الأفكار في ذهني من أين أبدأ ؟ كيف أرتب الكتاب؟ فاهتديت إلى ترتيب هذا الكتاب في أبواب أدخل بها إلى فصول.

هذا التعريف والوصف يحتاج إلى صور وخرائط، فاستعنت بذاكرتي لرسم مخطط للقرية وكأنها شاخصة أمامي، مشيراً فيها إلى الحارات والأزقة والمواقع البارزة الهامة, كما سأتطرق إلى السكان وحياتهم في ذلك الوقت.

أخي القارىء: أقدم لك هذا الجهد المتواضع بعد أن فكرت ملياً دون أن أستعين بأحد، ولا أدعي الكمال في كل ما ذكر، فالكمال لله وحده.

ولكل من أراد أن يزيدني معرفة وتعريفاً فله الشكر على الاتصال بي، ولا أرفض أي نقد لما ذكرت.

وأخيراً فإنني أرجو المعذرة من أمير الشعراء أحمد شوقي الذي استعنت بأمثال من سينيته المشهورة لتطابق ما حصل للعرب المسلمين في الأندلس وما حصل لفلسطين وأهلها.

والله من وراء القصد

أخوكم البار بوطنه ودينه

محمد خالد عمر(أبو خالد)

الزرقاء ؟الأردن 15-5-2007

تمهيد:

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:

لقد من الله علينا بنعم كثيرة لا نستطيع لها عداً ولا حصراً، وفي قمّتها نعمة الإسلام ومن هذه النعم نعمة العقل الذي ميز به الإنسان عن باقي المخلوقات، وأمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أول ما أمر بكلمة (اقرأ) فالقراءة هي من أهم وسائل المعرفة والتعلم.

بهذا التعلم والعلم والمعرفة وصل الإنسان إلى الاكتشافات والاختراعات الحديثة التي لم ينعم بها سلفه، ولا نريد أن نتطرق إليها جميعها، وإنما أشير إلى ما توصل إليه بما يسمى( شبكة الانترنت) التي أصبحت خزانة واسعة لجميع أنواع العلوم والمعارف فاتحة أبوابها لكل من أراد أن يغرف منها من أي علم أو فن أو معرفة، حتى وإن أراد أن ينقل إلى غيره أو يُنقل إليه أو يتواصل مع أي فرد كلاماً وصورة، ولكن للأسف ليس كل ما بداخلها عسلا ففيها المر، والمالح، والفاسد، حيث أنها منبر لكل من أراد أن ينقل أفكاره ومبادئه الخاصة به، أو سموماً يبثها في عقول خصومه، أو دعاية شخصية لذاته، إذن يترك الأمر والاختيار للمطلع والمشاهد لهذه المعلومات أن يستعين بما أعطاه الله من عقل بمصادر نظيفة طاهرة خالية من التلاعب في العقول ويقارن بعقله بين الغث والسمين، الصالح والطالح.

ومما حفزني على الكتابة ما عثرت عليه في هذه الشبكة بين المواقع المتعددة موقع قريتنا (مجدل يابا) فشاهدت عليها أعمال من صوّر ومن كتبَ فخصصتهم بالشكر وهم غياب؛ لأن عملهم هذا مدفوع بحب قريتهم وبلدهم ليبرزوها معلماً وموقعاً هاماً على أرض فلسطين السليبة، حتى تبقى خالدة في الأذهان والنفوس، يغزو حبها قلوب الأجيال اللاحقة الذين لم ينعموا بطيب الحياة على أرضها، عاملين على تحريرها وتطهيرها من دنس المغتصبين ولتبقى رواية وقصة لهم يتناقلونها جيلاً بعد جيل، حتى يأتي الله بالنصر والفتح العظيم، فتح يعيد الأرض لأهلها بعد أن تكون قلوبهم قد ملأها الإيمان بالله، والعزيمة على الجهاد، والأخذ بأسباب النصر إن شاء الله.

لقد لاحظت وأنا أتصفح ما كتب وما رسم من خرائط ما يحتاج إلى كثير من الدقة والموضوعية والإشارة إلى أمور أكثر أهمية، فحاولت بما أعانني به الله أن أضبط أو أضيف كثيراً من المعلومات، راجياً مرة أخرى من كل من كتب أو تطرق لشيء من المعلومات والخارطة أن يعتبر إعادتي هذه توضيحاً وزيادة بما يعود بالنفع والخير على الجميع، وأشهد الله أني أبتغي فيه وجهه الكريم ، والله الموفق.

الباب الأول:

1- أول بنائها وتسميتها

2- الموقع الجغرافي

3- حدودها

4- طرق المواصلات

5- الموقع التاريخي

أول بنائها وتسميتها:

كانت الأمم والشعوب في الأزمنة القديمة تختار مواقع سكناها في أماكن مرتفعة لمشاهدة الغزاة والمحاربين، أو لتكون قريبة من مصادر المياه أو البحار، أو السهول الصالحة للزراعة أو غير ذلك، كل هذه الاختيارات المتميزة كانت من نصيب هذا الموقع، أي موقع هذه القرية.

عندما غزا الامبراطور اليوناني الاسكندر المقدوني أرض مصر وبلاد المشرق العربي وجد في هذه التلة التي تشرف على البحر الأبيض المتوسط مع توفر المياه، موقعاً جيداً لبناء حصن يؤمن له السيطرة على معظم الطرقات، فأقام قلعة عظيمة على هذه التلة وأطلق عليها (مجدل ياا) حيث حرفت أخيراً إلى( مجدل يابا) وكلمة المجدل تعني في لغتهم (برج) ومن المحتمل ان هذه التسمية تعني (برج ياڤا) حيث أنه كان قريباً من مدينة يافا الساحلية ويشرف عليها.

انظر صور البرج(القلعة) من جوانب متعددة

البرج من الجهة الجنوبية

البرج من الجهة الشرقية

البرج من الجهة الغربية

البرج من الجهة الشمالية

بقي هذا البرج شاهداً على آثارها على مدى فترات التاريخ، والذي تعرض طيلة هذه الفترات إلى كثير من الأحداث، ومن الدلائل على عمارتها في حقب التاريخ القديم كثرة المغارات في الجزء الشمالي منها في طرف الحارة الشامية.

أما تسميتها (مجدل الصادق) فقد تعرضت القلعة للخراب في عصر متأخر في التاريخ وبقيت مهجورة كباقي الآثار القديمة من الحصون والقلاع في الوطن العربي، إلى أن لجأ إليها رجل يدعى الصادق مع أسرته، فسكنها وأقام فيها وخلفه من بعده ذريته فأطلق عليها جيرانها هذا الاسم (مجدل الصادق) وعرفت بعد ذلك بهذين الاسمين.

ثم شاركه فيها آخرون قدموا من قرى بعيدة أو مجاورة لها، وتوسعت وعمرت من جديد إلى أن سقطت في أيدي اليهود فأصابها الخراب والهجران مرة أخرى والذي سنشير إليه في موضعه من هذا الكتاب.

الموقع الجغرافي:

إذا نظرنا إلى خارطة فلسطين ودققنا النظر فإننا سنشاهد موقع القرية في الوسط الغربي من هذه الخريطة، يمر بها خط العرض 32:04 شمال خط الاستواء وخط الطول 34:57 شرقاً، وتقع على تلة مرتفعة قليلاً عن سطح البحر بحوالي مائة وثلاثة عشر متراً (113) أو 339 قدماً، تشرف على السهل الساحلي، وترمق البحر بعينها الذي لا يبعد عنها أكثر من عشرة كيلو مترات، كما تبعد عن منبع نهر العوجا كيلو مترين اثنين.

رسم توضيحي يبين موقع القرية على الخارطة

هذه التلة وهذا الموقع يفصل السهل الساحلي عن المنطقة الجبلية التي تبدأ من أطرافها الشمالية والشرقية والجنوبية التي تمتد شرقاً حتى تصل غور الأردن.

كانت في زمن حكومة الانتداب البريطاني تتبع قضاء الرملة الذي هو ضمن لواء اللد، حيث كانت فلسطين تقسم آنذاك إلى ثلاثة ألوية: لواء الجليل، ثم لواء السامرة، فلواء اللد، وجميع المعاملات الرسمية للسكان كان تخليصها في مدينة الرملة.

حدودها:

إذا أردنا أن نتتبع حدود القرية فلا بد لنا أن نتطرق إلى ذكر المدن والقرى والخرب التي تحيط بالقرية، وأن نعرج على طرق المواصلات الرئيسية والفرعية وسكك الحديد.

تحدها مدينتا اللد والرملة من الجنوب، ومن الغرب مدينة يافا التي لا تبعد عنها أكثر من عشرة كيلو مترات، أما مدينة اللد والرملة فحوالي سبعة عشر كيلو متراً، أما من الشمال والشمال الغربي، فمدن قلقيلية وطولكرم وحيفا، ومن الشرق تطل على مدينة رام الله، حيث كانت تشاهد منها أعمدة إذاعة فلسطين آنذاك.

أما القرى التي تحيط بها فهي قرية (فجة) ومستوطنة (بتاح تكفا) من جهة الغرب وقرية (المزيرعة) من الجنوب، ومن الشرق قرى (دير بلوط)

و( الزاوية) و( رافات) ومن الشمال قرية (كفر قاسم).

كما يتبع قرية (مجدل يابا) كثير من الخرب ذات الآثار القديمة التي كانت مأهولة في أزمان التاريخ ببني البشر، ولكنهم رحلوا عنها، فأين من بنى وشيد على ظهرها وعمرها بحضارته؟ أين من ساد ثم باد؟ لقد طحنهم الثرى بكلكله، ثم مزقهم بطوله، وأصبحت بيوتهم خاوية تعمرها الذئاب العاوية بسبب ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

من هذه الخرب التي تحيط بالقرية ولا يزال اسمها محفوراً في ذاكرة السكان، وآثارها أمام العيون، خربة(ذِكْرين) من الجنوب، ومن الغرب قلعة رأس العين التي سنأتي على ذكرها بتعريف أوسع، ومن الشمال خربة (سرطة) أما من الشرق فالخرب كثيرة حيث المنطقة الجبلية منها: خربة (أم التينة) وخربة (أم البرّيد) وخربة (مسمار) و( قُرنة الحرمية) ثم خربة (أم الحمّام).

كانت هذه الخرب متقاربة جداً مما يدل على كثافة السكان في فلسطين مدى فترات التاريخ فسبحان الله القائل ﴿وما عمروها أكثر مما عمروها صدق الله العظيم.

يطلق على القرى الممتدة من اللد جنوباً إلى قرية مجدل يابا شمالاً

( العرقيات) لأنها تقع على عرق المنطقة الجبلية التي تربطها بالسهل الساحلي.

ومما تمتاز به القرية نهر العوجا الذي ينبع من رأس العين التابعة للقرية إذ تتجمع الينابيع في جداول لتكون النهر الذي يجري إلى الغرب ليصب في البحر الأبيض المتوسط إلى الشمال من مدينة يافا، يمتاز هذا النهر بمياهه العذبة الصالحة للشرب، ولري المزروعات على جانبيه، وبسبب عذوبة مياهه فقد مدت حكومة الانتداب أنابيب ضخمة لتضخ من إحدى ينابيع النهر والتي كانت تسمى (عين مريم) ما تروي به مدينة القدس عاصمة فلسطين الحبيبة وقد امتدت هذه الأنابيب لعشرات الكيلومترات حتى تصل إلى أفواه الشاربين.

صورة جوية لمنبع نهر العوجا

أقامت حكومة الانتداب بالقرب من هذا المنبع معسكرات لجنودها على أراضي القرية وبعض أراضي القرى المجاورة، كانت قد وضعت يدها عليها اغتصاباً وبحكم قوانين الاحتلال الجائر.

مناخ القرية حار قليلاً صيفاً ومعتدل شتاء، كثيرة الأمطار، تصل أمطارها إلى نسب عالية جداً، تهب عليها الرياح الغربية والجنوبية الغربية المحملة بالأمطار.

طرق المواصلات:

تقع القرية في منطقة تصلها شبكة كبيرة من المواصلات الرئيسية والفرعية فهي ملتقى طرق حيث يربطها بمدينتي اللد والرملة ومطار اللد، طريق رئيسي يتجه نحو الجنوب، وطريق يلتقي مع ذلك الطريق السابق ليصل القرية بمدن يافا وتل أبيب غرباً حيث يمر بقلعة رأس العين، ومن رأس العين يتجه شمالاً إلى مدن قلقيلية فطولكرم ثم حيفا حتى شمال فلسطين ويدخل إلى لبنان.

وفي رأس العين أي في أرض القرية محطة للقطارات التي كانت من أهم المواصلات في فلسطين القادمة من الشمال والمتجهة إلى مدينة اللد، ثم تصل وتدخل الحدود المصرية جنوباً، ومن رأس العين يذهب فرع آخر ليتجه غرباً ويصل مدينة يافا.

كانت هذه الشبكة من أهم وسائل نقل البضائع والمعدات من الشمال إلى الجنوب وبالعكس.

أما الطرق الفرعية فكانت غير معبدة، وكانت وسائل النقل عليها بواسطة الدواب تصلها بقرية كفر قاسم والقرى الشرقية.

يسير على جانبي القرية من الشمال والجنوب واديان عظيمان، الشمالي يسمى

( وادي رباح ) والجنوبي ويطلق عليه ( أبو لجة) ينحدران من المنطقة الجبلية شرقاً وتتوسطهما القرية ويدخلان إلى السهل الساحلي وهما يحملان المياه الغزيرة التي تمدهما غزارة الأمطار على تلك الأرض حتى أنهما كانا يتسببان بالفيضانات على الأرض الواقعة على أطرافهما، يتجه هذان الواديان غرباً ليصبا مياههما في البحر الأبيض المتوسط.

كانت القرية تملك رقعة كبيرة من الأرض تقدر بحوالي (26632) دونماً في المنطقة السهلية الخصبة، بالإضافة إلى آلاف الدونمات في المنطقة الجبلية التي كانت أراضي أميرية يطلق عليها اسم (مشاع).

الموقع التاريخي:

ذكرنا سابقاً أن البرج بني على تلة مرتفعة قليلاً تطل على السهل غرباً والجبل شرقاً وتشرف على مدينة يافا ومينائها على البحر الأبيض المتوسط كما أنها كانت عيناً لمراقبة الجيوش الغازية التي تأتي من الشمال إلى الجنوب وبالعكس، والسيطرة على القوافل التي تسلك السهل الساحلي، هذا الموقع الهام استراتيجياً كما يسمى في الوقت الحاضر، بالإضافة إلى توفر المياه التي يزخر بها نهر العوجا، جعل القرية مهوى سيطرة القادة والجيوش حتى يكون أعداؤهم تحت مراقبتهم، كما كانت تشاركها الأهمية قلعة (رأس العين) والتي يقال إن الامبراطور الروماني (هيرودوتس) هو الباني لها في زمن ميلاد المسيح عليه السلام، هذا الموقع وأهميته جلب لها الويلات في جميع فترات الحروب في التاريخ واستيلاء الغازين عليها، فكانت تتمتع بعمارة السكان تارة، وبالخراب من الأعداء تارة أخرى، متوارثة تاريخها القديم حتى وقتنا هذا.

قلعة راس العين علـى منبع نهر العوجا

ولا أريد أن أتوغل في تاريخها القديم كثيراً، وإنما أحب أن أعطي للقارىء حادثتين تاريخيتين مختصرتين، الأولى كانت بعد سقوط الدولة الأموية واستسلام بلاد الشام ومنها فلسطين إلى الجيش العباسي في زمن الخليفة أبي جعفر المنصور، إذ يحكى أن قائده على بلاد الشام عمه عبد الله بن علي جمع سادة ووجهاء فلسطين في وليمة أقيمت في قلعة رأس العين على نهر العوجا ليشعرهم بالنصر عليهم والحصول على ولائهم، وقبل أن يتناول المدعوون الطعام، دخل عبد أسود وألقى قصيدة بين يدي عبد الله بن علي جاء فيها:

لا يغرنك ما ترى من رجال إن تحت الضلوع داء ثوياً

حكّم السيف والنطع حتى لا ترى فوق ظهرها أمويا

وكما يروي التاريخ أن القائد دخل خيمته متجهماً فهمس أحد المدعويين في أذن جاره: والله لقد قتلنا العبد الأسود، ثم أمر القائد بقطع رؤوسهم قبل أن يتناولوا طعام الضيافة.

أما الأخرى ففي زمن الحروب الصليبية والحملات المتوالية على بلاد الشام عامة وفلسطين خاصة التي تعرضت لاستيلاء الصليبيين عليها، ولكن عندما قدم صلاح الدين لتحرير البلاد المقدسة من شرهم ووصل إلى حصار عكا أرسل قواده لفتح الحصون المجاورة فكان نصيب القرية أخاه الملك العادل، الذي توغل في السهل واحتل يافا ثم حصن المجدل، وبقي هذا الحصن في حوزة المسلمين، ولكن لأهميته كان الصليبيون يحاولون الكر عليه مرات ومرات وهو يستعصي عليهم، حتى أن ريكاردوس (قلب الأسد) بعد أن خفت مشاكله قليلاً عاد ليوجه الضربات ضد المسلمين، فاستولى على قلعة الداروم

(دير البلح) عام 1192 ثم توجه نحو حصن المجدل، وحاول الاستيلاء عليه

ولكن المسلمين ردوه مع جيشه خائبين بعد أن أنزلوا بهم خسارة فادحة.*

*لاحظ أخي القاريء أهمية هذا الحصن في عقول الغزاة وذلك لتوجه ريكاردوس إليه بعد دير البلح مباشرة بالرغم من بعد المسافة.

الباب الثاني

يتطرق هذا الباب إلى

1-السكان

2-الحارات

3-رسم تقريبي للقرية

السكان:

لا نريد البحث في عدد سكانها في فترات التاريخ، حيث أن عددهم كان يتفاوت بين مد وجزر بسبب الازدهار أحياناً، والأخطار والويلات أحياناً أخرى، ولكن بعد سكناها وهي قلعة خربة من قبل الصادق، بدأ عدد السكان يتنامى ويزداد إلى أن وصل قبل احتلالها عام 1948 إلى ما يقرب من ألفي نسمة جميعهم عرب مسلمون.

من أراد الدخول إلى القرية فعليه أن يطرقها من الطرف الغربي بطريق معبدة، أما الجهات الأخرى فبواسطة طرق ترابية تحيط بها من باقي الجهات.

هناك شارع رئيسي يمر بها قادم من زاوية انحراف الطريق القادم من اللد والرملة، وينحرف غرباً إلى رأس العين، وينطلق هذا الشارع شرقاً ليقسمها إلى قسمين، ثم ينتهي بعد خروجه من القرية بطرق ترابية لا تعبرها إلا وسائط النقل بالحيوانات، وينتهي حيث توجد الكسارات ومعامل الكلس التي تصلها سيارات نقل الحجارة ونتاج الكسارات.

نعود مرة أخرى إلى القسمين الحاصلين بمرور الشارع الرئيسي لنذكر ما فيهما من حارات، وسكان، ومجمعات يسمى الواحد منها( حوش).

القسم الشمالي:

يطلق على هذا الجزء( الحارة الشامية) أي الشمالية، وتسكن هذه الحارة العائلات التالية مع ذكر الأماكن التي قدموا منها:

1- عائلة (آل عمر) الذين كانوا يشكلون العدد الأكبر من سكان هذه الحارة، وقد قدم جدهم من قرية ترقوميا قضاء الخليل ولا تزال جذور أجدادهم فيها حتى الآن.

لهم ديوان خاص بهم يسمى ديوان آل عمر يجتمع فيه رجال العائلة مساء بعد عودتهم من أعمالهم ليأخذوا قسطاً من الراحة، ويتبادلوا أحاديث السمر، كما كان يفد إليهم بعض رجال العائلات الأخرى يشاركونهم ليالي سمرهم.

كان هذا الديوان ملجأ يجد فيه الغرباء الذين تتقطع بهم السبل بسبب انعدام المواصلات ليلاً، مكاناً يقضون فيه ليلهم، وينالون ضيافة الطعام والشراب.

2- عائلة السلع وهم جيران آل عمر وأكثر قرباً منهم، قدم جدهم من قرية دير غسانة قضاء رام الله.

3- عائلة أيوب قدم جدهم من قرية شويكة قضاء طولكرم.

4- عائلة عليان تعود جذورهم الى مدينة معان.

5- عائلة الرياحي قدموا من قرية رنتيس قضاء رام الله.

6- عائلة الأقرع (شما) قدموا من قرية قولة قضاء الرملة.

7- عائلة الدقروق قدموا من قرية سلفيت قضاء نابلس.

8- عائلة أبو صفية قدموا من قرية دير غسانة قضاء رام الله.

9- عائلة العجلة قدموا من قرية كوبر قضاء رام الله.

10- عائلة أبو ربيع قدموا من قرية سلفيت قضاء نابلس.

11- عائلة حجازي

12- عائلة أبو كاملة والمدني

إذا ذهبنا إلى الجهة الشرقية من القرية والتي تقع على طرفي الشارع الرئيسي، نجد أن ساكنيه هم عائلة (ضمرة) حتى أنها كانت تسمى باسمهم لا يشاركهم فيها أحد.

قدم جدهم من قرية المزارع قضاء رام الله، وكانوا ينتهجون إحدى الطرق الصوفية لذا كان لهم مكان يجتمعون فيه يقيمون صلواتهم ومجالس الذكر وتلاوة الأوراد على ضرب الطبل والصنج الذي كانوا يسمونه (الكاس) وذلك على طريقتهم الخاصة.

وهذا المكان كان يسمى ( الخلوة).

القسم الجنوبي من الشارع:

كان يقسم إلى أحياء متلاصقة، وفي وسطه توجد القلعة (البرج) على الربوة المرتفعة وكانت تسكن هذه الأحياء العائلات التالية:

1- عائلة ريان: كانوا يقيمون في داخل البرج وعلى أطرافه الملاصقة له، وقد قدم جدهم من قرية (جماعين) قضاء نابلس، وكانوا يشكلون العدد الأكبر من سكان الوسط، ويحكى أن قسماً منهم قدم من قرية (السلوخ) قضاء رام الله. لهم ديوانان، ديوان (سالم) وديوان (دار محمد).

2- عائلة العابد: يشكلون الترتيب الثاني من حيث العدد بعد ريان، قدموا من قرية (عينبوس) قضاء نابلس، وفي طرف حيهم الشمالي كانت المطحنة التي كان يملكها أحد أفرادهم، وكان لهم ديوان خاص بهم.

3- عائلة الخطيب: كانوا يجاورون آل العابد من الغرب وقد قدموا من قرية ( بيت ريما)، حتى أن واحدهم كان يطلق على نفسه بالريماوي، ومنهم شيخ الطريقة الشاذلية التي كانت الطريقة الصوفية الثانية في القرية.

لهم مكان يجتمعون فيه مع أتباع طريقتهم يسمى (الزاوية)

4- عائلة سمارة: قدموا من قرية (رنتيس) قضاء رام الله، وبينهم وبين الرياحي صلة قرابة.

5- عائلة الساحلي: قدموا من قرية (رنتيه) قضاء اللد، وكانوا بجوار العابد والخطيب.

الحارة القبلية:

سميت بهذا الاسم لأنها تقع في الطرف الجنوبي من القرية، أي من جهة القبلة

وكانت تسكنها العائلات التالية:

1- عائلة حميدان: الذين كانوا يشكلون العدد الأكبر من سكان الحارة، وقد قدم جدهم من قرية (برفيليا)، لهم ديوان خاص بهم يجتمع فيه معظم رجالات الحارة، وكان بعضهم يعتني بتربية الأغنام.

2- عائلة قزع: جيران حميدان، قدموا من قرية دير غسانة قضاء رام الله وكانوا يشاركون حميدان في ديوانهم وضيوفهم.

3- عائلة يحيى: قدموا من دير غسانة

4- عائلة الأعرج: قدموا من دير غسانة كذلك، ولهذا نلاحظ صلة المصاهرة بين هذه العائلات أيام القرية وذلك لأنها تشترك في مكان قدومها.

5- عائلة غيث: قدموا من قرية( المزيرعة) جنوب المجدل.

6- عائلة شهيل: قدموا من قرية كفر عانا

7- عائلة الطريفي: قدموا من دير طريف قضاء الرملة.

8- عائلة الجعافرة

9- عائلة محمود الصالح قدموا من دير غسان.

إذا عدنا إلى وصف داخل القرية فإننا نشاهد أن معظم السكان كانوا في تجمعات يسمى كل تجمع كما ذكر سابقاً (حوش)، يتواصلون فيما بينهم بواسطة طرقات ضيقة ترابية متعرجة تصل كل حوش أو بيت بالآخر.

كانت البيوت تبنى بالحجارة السميكة والكلس وتسقف على شكل قباب منبسطة قليلاً يسمى الواحد منها (بيت عقد) هذا قبل انتشار وتواجد الإسمنت بكثرة، ثم انتقل البناء من الكلس والقباب إلى البناء الجديد بواسطة الحديد والإسمنت، كانت البيوت تبنى على شكل غرف منفردة مفتقرة إلى الطراز الحديث.

يتخلل القرية البساتين (الجنائن) الصغيرة المنتشرة داخلها، ومعظم جهات القرية محاطة بأشجار الصبر ذي الشوك الكبير الذي كان يستعمل سياجاً يصعب تجاوزه فضلاً عن التلذذ بثمره الطيب.

وصف ربيع القرية:

تغنى الشعراء والأدباء بجمال الربيع أينما وجد وشوهد، ولو أنني أجيد دقة الوصف ما بخلت على وصف قريتي في فصل الربيع.

الذين يجيدون الوصف يبهرهم منظر الطبيعة الخلابة ووجود الماء وعذوبته حتى قالوا: الماء والخضراء.

كل ما يحتاج إلى جمال الوصف يتوفر في هذه القرية، فالنهر وانتشار الآبار الارتوازية، وبيارات البرتقال كلها تفيض في نفس الكاتب عبارات وصف الجمال.

إذا نظرنا إلى القرية ومحيطها في فصل الربيع نشاهدها وقد اكتست بحلة خضراء من حولها، حلة قشيبة محلاة ومطرزة بجميع ألوان الزهر.

في هذا الفصل تجود البيارات بأزهار الحمضيات التي تعبق الأنوف بعطرها الفواح الذي ينتشر في جميع أنحاء السهل الساحلي.

إذا نظرت إليها ماذا ترى؟ تراها تجلس على كرسي مرتفع وسط هذا الجمال وكأنها عروس تجلت وقد تحلت بأبهى حلة موشاة بالورود، والعطر يعبق من أزهار البرتقال الفواح، أليس هذا ما تتمناه كل نفس تعشق الجمال؟

رسم خارطة القرية علماً بأن مقياس الرسم تقريبي ولا يمثل المساحات الحقيقية للأراضي

الباب الثالث

الحياة العامة من حيث:

الزراعة، والعمل، والتعليم، والخدمات، والحياة، الاجتماعية والعادات والتقاليد

الحياة العامة:

كان سكان القرية يتمتعون بحياة سعيدة ونفس مطمئنة على أرضهم الطيبة التي كانت تدر لهم لبناً وعسلاً كما يقال، يتنسمون بهوائها العطر الفواح يعيشون بتقاليدهم وقيمهم الرفيعة كمعظم أهل فلسطين على ما تنتجه أراضيهم وبما تكد به أيديهم.

هأنا أغوص فيما ذكر لأستخرج منه بعض ما تسعفني به ذاكرتي إن شاء الله ليطلع عليها قارئي العزيز ويعرف حياة أبيه وجده كيف كانت تحت ظل وطنه وحرارة شمسه، ونور قمره، ووفرة مطره، كيف كان يغني الأهازيج التي يمتع بها نفسه وهو يعمل أو يجلس مع أسرته .

أبحث في الزراعة والعمل والتعليم والخدمات والحياة الاجتماعية من تعاون ومشاركات في الأفراح والأتراح، كل ذلك سأتطرق إليه ولو باختصار فيما يسعني من جهد.

الزراعة:

ذكرت في الباب الأول أن القرية كانت تملك رقعة واسعة من الأراضي الزراعية الصالحة الطيبة المعطاء، معظمها في السهل الساحلي ذي التربة الحمراء الخصبة التي تشبه الحناء الذي يزين الأكف والمعاصم، فكانت تلك التربة الحمراء تزين سطح الأرض وتمنحها الخصب والعطاء، عدا عن المنطقة الجبلية التي كانت مشاعاً تتقاسم العائلات زراعتها.

وبسبب جودة مناخ المنطقة، وتساقط الأمطار الغزيرة عليها، والآبار الارتوازية المنتشرة على أرضها، بالإضافة إلى مياه نهر العوجا الذي نسج على جانبيه جنة خضراء، فقد توفرت للأهالي ثروة زراعية مميزة، عمل فيها قسم كبير من السكان في زراعة الحبوب كالقمح والذرة والسمسم بالإضافة إلى أنواع القطاني مثل الحمص والعدس والكرسنة، ولا ننسى بيارات البرتقال والليمون وأشجار الفاكهة التي كان لها حظ وافر.

كانت وسائل الزراعة في ذلك الوقت بدائية، يعتمدون على الأبقار والخيول في الحراثة، كما يعتمدون عليها في درس المحاصيل التي كانت تجمع على البيادر.

كانت المحاصيل تجنى بأيدي الحصادين الذين كانوا يستعينون بأهازيجهم لتخفيف التعب وبث النشاط في النفوس، بعدها تنقل على ظهور الجمال إلى البيادر.

بهذه المحاصيل كان الزراع والمالكون للأرض يسددون حاجاتهم، وما زاد يذهب إلى الأسواق المجاورة أو يباع في داخل القرية لمن لا يملك أرضاً زراعية تسد حاجته.

أما تربية الماشية فقد كان لها حظ آخر بعد زراعة الأرض، فكانت معظم البيوت لا تخلو من اقتناء بعض الأبقار التي كانت تجمع صباحاً في قطعان يذهب بها الرعاة إلى المنطقة الجبلية، أما تربية الأغنام فقد كان يختص بها أشخاص قليلون مثل آل عمر وحميدان وضمرة، وكانت بأعداد جيدة.

تعيش جميع هذه المواشي على الأعشاب الكثيفة في فصول السنة إلا في الشتاء فقد كان غذاؤها هشيم نبات القمح والشعير (التبن).

كان نتاج هذه الحيوانات من الحليب والجبن والزبدة والسمن يستهلك داخلياً من قبل المالكين، أو يقدمون بعضه هدايا للأصحاب الذين يفتقرون لمثلها.

للنحل نصيب كبير من اهتمام بعض السكان، فقد كانت خلايا النحل تربى في أوعية فخارية كالجرار في الساحات القريبة من البيوت، هذه الخلايا كانت ثابتة لا تنقل إلى أماكن أخرى في فصول السنة وذلك لتوفر الغذاء من أزهار الحمضيات والأشجار والحقول المنتشرة بالقرب من القرية.

من أشهر العائلات التي كانت تهتم بتربية النحل عائلة آل عمر التي كان لها النصيب الأكبر في هذا المجال، وعندما يجنون العسل يأخذون حاجتهم منه وما تبقى لا يبخلون به على الجيران والأصحاب يقدمونه هدايا لهم في أوعية فخارية صغيرة.

هناك مجال آخر في الزراعة يأتي في الدرجة الثانية بعد زراعة الحبوب ألا وهو زراعة الحمضيات كالبرتقال والليمون وكافة أنواعها في بساتين تسمى البيارات هذه الكلمة اشتقت من كلمة بئر وذلك لضرورة وجود بئر ارتوازي لكل بيارة ليمد أشجارها بالماء العذب حتى تسقى وترتوي، وأشجار الحمضيات معروفة بحاجتها إلى كمية وافرة من الماء فسبحان الله القائل ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾.

هذه الحياة التي كانت تتمتع بها تلك الأشجار كانت تمد صاحبها بالنشاط، وحب خدمتها، والأمل الذي يعقده على محصولها.

كان المزارع يذهب مبكراً إلى بيارته بعد أن يستريح ليلته، يحلم بما يرزقه الله منها في الغد القريب، يذهب إليها ليتعهدها بإزالة ما يشاركها ماءها وغذاءها من النباتات الغريبة، ويطفىء ظمأها من الماء الذي كان يحصل عليه من باطن الأرض.

عندما يصل إلى أشجاره أول ما يبدأ به هو تشغيل موتور الماء، وكان يطلق عليه (بابور الماء) الذي يسحب الماء من موطنه في باطن الأرض ويضعه خارجها ليجري في قنوات كالشرايين التي تمد الإنسان بدم الحياة.

تصل هذه القنوات إلى كل شجرة لتطفىء ظمأها، وصاحب الأشجار يلاحق هذا الماء ليعدل به بينها، يتنقل تحت ظل هذه الأشجار وهو يصغي إلى لهاث ذلك البابور وهو يجهد في سحب الماء.

هذا اللهاث يستمتع به المزارع فيعلم أن بابوره لا يزال في خدمته ولم يتوقف يقضي نهاره يعمل ويكدح تملأ قلبه الغبطة والمسرة وهو يشاهد خضرتها ويتنفس رائحة العطر الفواح من أزهارها، يراقب هذه الأزهار والبراعم وقد انتفخت وأخرجت من باطنها الحبة الصغيرة التي تكبر يوماً بعد يوم ثم تصبح حبة بلونها الذهبي الأصفر فيزداد سعادة وأملاً.

وأخيراً يأتي الفرح الأكبر يوم قطف الثمار، يوم تجمع هذه الثمار في كومة بالقرب من البابور ليصفها العمال المهرة في صناديق، لتحمل إلى موانىء فلسطين وخاصة ميناء يافا فترسل سفيرة إلى بلاد الغرب ناقلة ذهب الشرق وخيره، تقول هذا إنتاج دفء الشرق وجمال أرضه، ويطلق عليه الغربيون يافاوي.

بالإضافة إلى المحاصيل الزراعية التي كانت من فضل الله يتذوق طعمها أهل القرية هناك محاصيل أشجار الفاكهة كالتفاح والجوافة والتين والعنب، هذا إضافة إلى الصبر الذي كان يزرع في البساتين داخل القرية أو في محيطها.

بعض السكان كان يهتم بزراعة البطيخ والشمام والخيار ولكن على نطاق بسيط.

نعود قبل أن ننهي كلامنا عن الزراعة لنذكر أنه في السنوات الأخيرة وقبل سقوط القرية، دخلت الوسائل الحديثة لاستخدامها في الحراثة وجني المحاصيل كالجرارات والحصادات، وآلات الدرس (تقوم باستخراج الحبوب من السنابل).

العمل والعمال:

بالإضافة إلى العمل في ميدان الزراعة، كان مجال واسع آخر في ميدان العمل لمن لا يملكون الزراعة والأرض، ولكسب وسائل العيش والحياة الكريمة.

كان لموقع القرية كما ذكرنا على حافة المنطقة الجبلية أهمية كبيرة لاحتوائها على النوعية الجيدة من الثروة الصخرية، التي ترفد المنطقة التي حولها حتى مدينة يافا بما تحتاج إليه من هذه المادة، فشقت المحاجر وأخذت منها الحجارة للبناء ونصبت بجانبها الكسارات التي تطحن هذه الحجارة التي كانت تستعمل في كثير من الخدمات، كما أقيمت معامل الكلس التي تشوي الحجارة وتحولها إلى أكسيد الكالسيوم ومن ثم إلى هيدروأكسيد الكالسيوم أو ما يعرف( بالشيد) هذا الشيد كان بدلاً من الإسمنت يستفاد منه في البناء وفي القصارة بعد مزجه بقليل من المادة الصخرية الناعمة الناتجة من طحن الحجارة بالكسارات.

كانت هذه المحاجر والكسارات ومعامل الكلس كلها، تحتاج إلى أيدي عاملة كثيرة فقد كان يفد إلى القرية أعداد كبيرة من العمال العرب واليهود، بالإضافة إلى عمال القرية، فكانت الحركة في محيطها أشبه بخلية نحل تنتشر باحثة عن رزقها، وكل يعمل في مجال اختصاصه.

كان نتاج هذه المحاجر والكسارات يرسل إلى مناطق واسعة من فلسطين لعمل البناء ورصف الشوارع والطرقات التي كانت ترصف آنذاك بالحجارة، ثم الإسفلت بعكس ما هو معمول به في تعبيد الشوارع في الوقت الحاضر.

حاول العمال اليهود أن تكون لهم السيطرة على مجرى العمل، وعلى النصيب الأكبر من الأجر، حيث أنهم كانوا ينتسبون إلى جمعية العمال (الهستدروت) اليهودية التي تدعمهم، وكانت تحصل بينهم وبين العمال العرب مشاكل على هذا التمييز، مما حدا بعمال القرية الانضمام إلى جمعية العمال العرب الفلسطينيين ومركزها مدينة حيفا وأسسوا فرعاً لها داخل القرية، يلتقون ويعقدون اجتماعاتهم فيه.

هذا التحول في الارتقاء العمالي أزعج العمال اليهود، فبدأوا بوضع العراقيل أمام خطوات العمال العرب.

هذه العنتريات اليهودية حدت بالعمال العرب اللجوء إلى الإضراب، والتوقف عن العمل، فمنعوا العمال اليهود من القدوم إلى أماكن عملهم في القرية، وبقيت المحاولات لفك الإضراب تبوء بالفشل حتى اندلاع الاشتباكات بين الفلسطينيين والعصابات اليهودية، إلى أن سقطت القرية في أيديهم.

التعليم:

مما يؤسف له أن التعليم لم يكن له نصيب ولا اهتمام كبير عند السكان، فقد كان للقرية مدرسة أميرية، أي مدرسة بغرفة واحدة، يقوم بالتدريس فيها معلم واحد.

لم يكن في القرية للإناث حظ من التعليم، فقد كان مقصوراً على الذكور بسبب العادات والأفكار الرجعية التي كانت سائدة في ذلك الوقت، حتى أنه في الآونة الأخيرة بنيت غرفة لفتح مدرسة للبنات، ولم تفتتح إذ لم يتقدم أحد لدفع ابنته إليها فحولت إلى الذكور قبل احتلال القرية بسنة، وزيد عدد المعلمين إلى ثلاثة.

كان عدد الذكور الذين يقبلون على الدوام المدرسي وقتها لا يزيد على الثمانين طالباً.

بسبب عدم الارتقاء في الصفوف الابتدائية، كان على من ينهي الصف الرابع إذا أراد أن يواصل تحصيله، أن يذهب إلى القرى التي تنال حظاً أوسع في

المرحلة الابتدائية، أي حتى الصف السابع الابتدائي، ولم يكن الوصول إلى المرحلة الثانوية أمراً سهلاً.

الخدمات:

لقد حرم الاستعمارُ البريطانيُ لفلسطينَ، جميعَ القرى ومعظم المدن من الخدمات التي كان يتمتع بها المستوطنون اليهود، اللهم إلا من التعليم المجاني.

كان العرب يدفعون الضرائب، والخدماتُ تقدم لغيرهم مثلما يقول المثل العامي (خيري يذهب إلى غيري).

قرية مجدل يابا مثل باقي صاحباتها من القرى، ليست أحسن حظاً منها، فلا شوارع معبدة بداخلها، ولا كهرباء تضيئها، ولا شبكة مياه تصل إليها وترويها، ولا خطوط للصرف الصحي، حتى الحمامات ودورات المياه كانت مفقودة، فشوارعها كانت ترابية معظمها أزقة لا تستطيع السيارات الدخول إليها إلا إلى القليل منها.

كانت مياه الشرب تنقل من بئر ارتوازي غرب القرية على رؤوس النساء أو علىظهور الدواب، أما الآبار الداخلية والتي كانت تملأ بمياه الأمطار فكانت تستغل في سقاية الدواب، أو غسيل الدور وساحاتها.

افتتح في الآونة الأخيرة في القرية مستوصف صحي لتقديم الإسعافات الأولية يشرف عليه بعض الممرضين، ويزوره طبيب مرة في الأسبوع، والمريض الذي يحتاج إلى عناية أكبر كان يحول إلى مستشفى يافا لتلقي العلاج اللازم.

في القرية كذلك مطحنة يستفيد منها السكان في طحن حبوبهم كالقمح والذرة بدلاً من الذهاب إلى بعض القرى الأخرى التي يتوفر فيها مثل ذلك تخدم هذه المطحنة أهالي القرية وبعض القرى المجاورة.

لم يكن في القرية فرن (مخبز) يجهز الخبز لمن يريد أن يشتريه، حيث كان الأهالي يخبزون خبزهم بواسطة مايسمى بالطابون، الذي كان لا يخلو منه أي بيت أوحوش تشترك فيه النساء، فالحرارة التي كان يستمدها الطابون كانت من احتراق روث الحيوانات، أو من بقايا هشيم نبات القمح الخشن الذي كان ينتج بعد عملية درسها.

بعض الدكاكين كانت مفتوحة في وسط القرية يشتري منها الناس حاجاتهم البسيطة.

نأتي إلى طرق المواصلات الداخلية والخارجية، حيث كانت القرية موصولة من الجهة الجنوبية بطريق رئيسية تصلها باللد والرملة وجميع جنوب فلسطين حتى الحدود المصرية، وكذلك من الجهة الغربية والشمالية الغربية حيث تصلها بمدن يافا وطولكرم وحيفا وعكا ممتدة شمالاً، وتربط جميع المدن فيها حتى الحدود اللبنانية.

كما أن لسكة القطارات الرئيسية دور مهم في هذه المواصلات حيث كان لها محطة غرب القرية على أرض رأس العين.

هناك خدمات أخرى لا بد من الإشارة إليها لعدم الاستغناء عنها وهي:

1- المقبرة:

كان للقرية مقبرتان عامة وخاصة، فالعامة كانت على الطرف الشمالي من القرية تخدم معظم السكان في دفن موتاهم، والثانية كانت شرق القرية خاصة بآل ضمرة.

وعند ذكر الأموات لا يسعني إلا أن أدعو لهم بالرحمة والمغفرة من الله سبحانه، وأن يجمعنا بهم في جنات النعيم، بعد أن حرمنا حتى من النظر إلى قبورهم وزيارتها، إنه الكريم الرحيم.

2- أماكن العبادة:

لم يكن في القرية مسجد عام يقيم فيه الناس صلواتهم ويجتمعون خلف إمام واحد، إلا قبل سقوط القرية بسنتين تقريباً، حيث شيد مسجد كبير في الطرف الغربي من القرية وافتتح وأقيمت الصلاة فيه، وليته بقي يجمعهم ويجمع قلوبهم ولم يتعرض لحقد الأعداء، حيث هدم مثله مثل باقي منازل السكان في القرية.

كان هناك مكانان خاصان بالطريقتين الصوفيتين يقيمون فيهما صلواتهم ومجالس الذكر، وتلاوة الأوراد الخاصة بهم وهما:

- الخلوة: هذا المكان كان يخص آل ضمرة

- الزاوية: حيث كان لأصحاب الطريقة الشاذلية

من الجدير بالذكر أن أتباع هاتين الطريقتين يقدر بحوالي عشرين بالمائة من سكان القرية تقريباً.

العادات والتقاليد:

امتاز الشعب الفلسطيني كمعظم الشعوب العربية بعادات وتقاليد ترضاها النفوس وترتاح لها القلوب، ومن هذا الشعب العربي العظيم كانت هذه المجموعة القليلة التي تقيم في قرية مجدل يابا بعددها القليل الذي أتى القرية من أماكن متعددة.

تمتع أهل القرية بقيم عظيمة وعادات وتقاليد طيبة تجمع بينهم المحبة والسلام.

من أطيب ما أتذكره وأنا فتى من فتيانها أن لياليها ملاح زاهرات، ليال تمتاز بالتواصل بين الناس والأقارب، ليال يحلو فيها السمر في الدواوين، ونهارها كله كد وسعي في طلب الرزق الذي كان كثيراً ومتوافراً.

الأهالي طيبون قانعون بما كان ينعمه الله عليهم، ليس هناك من يشكو الفقر أو الحاجة وذلك بسبب مد يد العون من الغني المالك إلى صاحب الحاجة التي يفتقدهاغيره.

من صور هذا التعاون والتكافل ما كان يحدث في الأفراح والأعراس، إذ يجتمع معظم شباب القرية مساء، يشاركون أصحاب العرس فرحتهم، يتغنون في الساحات الواسعة على ضوء المشاعل أو ضوء القمر، حيث لا كهرباء في قريتهم.

كانت أهازيجهم وهم يقفون أو يسيرون متلاصقين تبعث فيهم المحبة وصفاء النفس.

وبما أن ألأهازيج من التراث الشعبي والشعوب تتباهى بتراثها فقد ارتأيت أن اذكر للقارئ بعض الأمثلة:

فبعد اخراج العريس من غرفة الحمام في بيت من كان يستضيفه لحمامه يقولون:

طلع الزين من الحمـــام

الله واسم الله عليـــــه

مبارك حمامك يا عــريس

مبارك حمامك يا زيـــن

وهكذا ثم يسيرون خلفه إلى إحدى ساحات القرية بأهازيجهم:

درج يا غزالـــي

يارزق الحـلالــي

جنينه حامله رمــان

صابر بالله يا عرسـان

يا عريس يا ابن العـم

في هالساعة لا تهتــم

وفي الدبكه كانوا يقولون :

على دلعونا على دلعــونا

نسم يا هوى الغربي الحنونا

والله ما فوتك يا نور العينــا

لو قطعوني لحم بصحـونـا

تلك كانت اهازيج الرجال اما أغاني النساء فمنها عند دخول دار العرس كن يقلن:

آويها وعدتنا يا قمر تضوي ليالينا

آويها ونسقيك يا دار من دمع عنينا

آويها نفرش حرير ونضوي الشمع بايدينا

آويها والحمد لله هالفرحة تمت لاهالينا

أما عند إخراج العروس من بيت أبيها فكن يقلن:

قومي اطلعي قومي اطلعي شو همك

واحنا حطينا شروط ابوك وعمك

قومي اطلعي قومي اطلعي من حالك

إحنا حطينا شروط ابوك وخالك

وعند السير بالعروس كن يقلن:

مشوها عامهلها (ياعروس) (يذكرن اسمها)

مشوها عامهلها يا لا لا

مشوها عامهلها يا عروس

مشوها عامهلها يا لا لا

أما عند تمام بناء البيوت فكان يجتمع عدد كبير من الرجال لمساعدة الجار الذي يقوم بالبناء، مساعدة عن طيب خاطر دون أخذ أجر على هذه المساعدة.

وفي حالة الوفاة كان يتوقف جميع الرجال عن أعمالهم في ذلك اليوم، ليقفوا بجانب أهل الميت يشاركونه في العزاء وتقديم الطعام لعدة أيام آخذين بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم

( اصنعوا لآل جعفر طعاماً...)

ومما يزيد الناس تواصلاً وألفة ومحبة ما كان عليه الناس في شهر رمضان المبارك وقت تناول الإفطار، كان رجال الحي أو العائلة يجتمعون في الدواوين قبل الأذان الذي يعلن عن وقت الإفطار، كل واحد يأتي بما صنعته له زوجته من طعام ليتناوله مشاركة مع إخوانه المسلمين الصائمين، وبعد تناول الإفطار يقيمون صلواتهم ويجلسون للذكر والدعاء.

ما أجمله وما أطيبه من تأثير في النفوس، عندما كنا نتمتع بهذه المشاهد ونحن صغار.

وعند انقضاء شهر رمضان وفي صبيحة يوم العيد، سواء عيد الفطر أو عيد الأضحى المبارك، بعد قضاء الصلاة يذهب الرجال في جماعات إلى بعضهم البعض يسلمون على بعضهم، ويقدمون التهاني بهذه الأعياد المباركة التي تسعد فيها النفوس. حيث لا نكد ولا هموم ولا معيشة ضنكا، يلتقون في الدواوين ثم يذهبون بعدها لزيارة القبور في جماعات مهلّلين ذاكرين الله في الطرقات، تلك سنة نفتقدها في هذه الأيام.

الباب الرابع

يشمل هذا الباب:

1- تدفق الغاصبين على أرض فلسطين

وبدء المقاومة لدى العامة، وأهل القرية خاصة

2- احتلال القرية

3- هجرة السكان

4- خراب القرية

5- النكسة

هجرة اليهود إلى فلسطين:

قبل بدء الحرب العالمية الأولى وإبان الحكم العثماني لفلسطين، لم يكن عدد اليهود فيها يتجاوز بضع آلاف، وعندما وضعت الحرب أوزارها بدأت الجيوش الغازية تخرج أقذارها.

قسمت بلاد الشام بين دولتين غازيتين هما فرنسا وانجلترا، فكانت فلسطين من نصيب إنجلترا، اختارت هذه الحصة لتحقق وعد وزيرها المشؤوم، الذي سيبقى ذكره النكد على مدى تاريخ فلسطين، ذلك الوعد الذي سيعطي به صاحبه ما لا يملكه إلى غيره.

كان قد وعد اليهود بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وإبان الاستعمار البريطاني لفلسطين، بتسهيل عمليات هجرتهم من بلادهم ومسقط رؤوسهم الأوروبية، ومن شتى بقاع الأرض إلى أرض فلسطين، وكأن فلسطين لا أهل لها ولا ملاك.

بدأت الحملات الغربية تتوالى وترسخ أقدامها على أرض غيرها فضيقت الحكومة البريطانية على أصحاب الأرض اقتصادياً وسياسياً بغطرستها وجبروتها لتجبر الفلسطينيين على ترك الأرض.

أخذ السكان يشعرون بالخطر الذي يلاحقهم وما ستأتي به الأيام القادمة من عواقب فأعدوا العدة للمقاومة، ولكن الإنجليز أحاطوهم بكل أسباب الخوف والقتل وضيق العيش، حتى أن الفلسطيني كان يعدم لمجرد وجود رصاصة واحدة في بيته.

مع كل هذه المضايقات استيقظ الأهل، وبدأت المقاومة في ثورات متواصلة أشهرها ثورة 1936.

المقاومة كانت ضد المستعمر الإنجليزي، وضد الغريب المستوطن اليهودي إذن فهي تناضل على جبهتين، وخلال تلك الفترات كانت تعقد المؤتمرات وتعطى الوعود الكاذبة من المراوغ الإنجليزي.

كان لأهل القرية دور في هذا النضال فسقط منهم الشهداء، وفي عام 1938 هاجمت عصابات اليهود القرية تحت بصر قوات الاحتلال وسمعها وبحمايتها، وعاثوا فيها القتل والإذلال والتخريب، ولم يغادروها إلا عند حلول المساء بعد أن طهروا الأرض بدم بعض الشهداء اذكر منهم كايد محمود عمر، داود ابو حمد.

اندلعت الحرب العالمية الثانية، وأعلنت الأحكام العسكرية المشددة على شعب فلسطين، فتوقفت المقاومة على تجمد وعود كاذبة.

بعد انتهاء الحرب الثانية عاود أهل فلسطين الإعلان عن مطالبهم، ولكنهم لم يجدوا آذاناً صاغية، ورأوا بأعينهم كيف كان السلاح ينهال على العصابات اليهودية وهم محرومون منه، فاستيقظت المقاومة من جديد، ولكن الآن ضد المستوطن اليهودي وحده، فحصلت معارك متعددة وفي أماكن مختلفة على الأرض بين الطرفين، كان النصر في معظمها للعرب بالرغم من رداءة السلاح, وقدم البنادق، وقلة العتاد.

كان لأهل القرية دور في المقاومة والدفاع عن الأهل والأرض، فشاركوا في المقاومة التي كانت تشتد يوماً بعد يوم، استمات الناس في الدفاع والصمود حيث كان الواحد منهم يبيع مصاغ زوجته أو ما يملكه من بعض الماشية ليشتري بندقية ينال بسببها شيئاً من شرف الجهاد، حتى الرصاصات كان يشتريها بحساب لعدم وفرتها، كان وهو يصوبها نحو العدو يعاهدها أن لا تطيش خائبة، يعاهدها أن لا تستقر إلا في قلب أحد الأعداء، وأن لا تذهب أدراج الرياح لصعوبة الحصول على غيرها.

سقطت بعض المدن مثل يافا وحيفا واللد والرملة، وكانت قرية المجدل تتلقى الضربات بقذائف (المورتر)، وصليات الرصاص ليلاً ونهاراً، لم تكن تلك القذائف تخيف أحداً حتى الأطفال، فالمعنويات قوية والهمة عالية، أذكر ونحن أطفال كنا نتسابق لجمع مراوح تلك القذائف دون خوف أو وجل لنجعل منها بعض وسائل ألعابنا.

في إحدى الليالي تسللت العصابات الصهيونية واستولت على قلعة رأس العين التي تقع غرب القرية، ولكن الشجاعة تغلب العدد والعدة، فهاجم الأهالي بمساعدة بعض الأبطال الذين صاحبوهم القلعة والمعسكر المحيط بها، وألحقوا بالمحتلين هزيمة عظيمة، فما استطاعوا الثبات فيها أكثر من خمس ساعات فلحقوا بالعدو واضطروه للهرب ليحتمي بمستوطنة (بتاح تكفا)، سميت هذه المعركة معركة رأس العين، وقد استشهد فيها البطل حسن سلامة.

بعد ذلك سقطت القرى الممتدة من اللد والرملة جنوباً حتى قرية المزيرعة شمالاً ولكن المجدل صمدت كعادتها في التاريخ، بالرغم من استمرار رمايتها بالرصاص والقذائف.

صعّد اليهود الرماية للقرية كل ليلة، وفي كل أوقات النهار، وأعين الحراس والمقاومين لا تنام ترد على العدو بقليل من الرماية ليحتفظوا برصاصاتهم لوقت أشد خطراً.

كان حراس القرية يحيطون بمكامنهم جميع الجهات، يشرف على تنظيمهم بعض جنود الجيش العراقي، كان خوفهم أن يستقبلوا الغازي من ناحية الغرب، ولكن وفي ليلة سوداء مظلمة، تسلل الأعداء إلى القرية من الناحية الشمالية الشرقية ، وقد أخلاها الحرس تلك الليلة بعد أن تناهى إلى علم الجيش العراقي أن العدو يبيّت هذه الليلة خطة للاستيلاء على القرية، فكثفوا تواجدهم صوب الغرب، ولكن خطط العدو خانتهم فدخل العدو القرية من الشرق، وبدأ يمطر المقاومين الكامنين في مرابضهم بوابل من الرصاص واحتلوا الحارة الشامية التي كانت تعلو المقاومين.

هنا وجد المقاومون أنهم محاصرون ولا جدوى من المقاومة، فانسحبوا تحت الرماية الكثيفة إلى الجهة الشمالية الغربية نحو كفر قاسم والمنطقة الجبلية.

سقطت القرية وداستها الأقدام القذرة في ليلة الثاني عشر من شهر تموز لسنة ألف وتسعمائة وثمان وأربعين 1948، انسحبوا مع شركائهم من الجيش العراقي تاركين تدبير الأمر للقيادة العراقية في كفر قاسم.

بعد يومين أعاد الجيش العراقي والمقاومون ومن التف معهم من النشامى الهجوم على القرية، فحققوا نصراً مؤقتاً على العدو واستعادوا الطرف الشمالي من القرية، وما لبثوا أن فوجئوا بإحدى الطائرات تلاحقهم بقذائفها مما اضطرهم إلى التراجع بعد أن كبدوا العدو خسائر عظيمة بسبب رماية المدفعية العراقية الكثيفة، وانسحبوا مرة أخرى تحت الضغط الشديد، انسحبوا ليبحثوا عن أسرهم ونسائهم وأطفالهم المشردين في الجبال وتحت أشجار الزيتون.

هجرة السكان:

الشجاعة والفدائية والإيمان بالحق والدفاع عنه لا يكفي في حالات كثيرة للتغلب على القوة الغاشمة، فقد وقعت الواقعة، لم يصدق أحد ما حدث، مجدل يابا تلك القرية الجبارة الشامخة، ذات التاريخ المجيد، التي طالما صمدت صخرة صلبة على مر العصور، عنيدة لا تلوى لها يد، كيف سقطت؟ كيف داستها أقدام الغزاة بهذه السهولة؟

لم يصدق أحد ما حدث، يقول بعضهم للآخر: لا لم تسقط القرية، إن الحرب كر وفر أين المقاومة؟ أين الجيش العراقي؟ أين القيادة العراقية؟ أين السلاح والمدفعية؟ لا يمكن أن يقفوا مكتوفي الأيدي، فالأيدي غير مقيدة، أين الجيوش العرمرمة التي ستلقي باليهود في البحر؟ ونحن نشفق عليهم من هذا الإلقاء.

باتوا بعض الليالي في الجبال وتحت الشجر قريبين من قريتهم على أمل تحريرها وتخليصها ممن داسوها، لم يجدوا بارقة أمل فهاموا على وجوههم نحو الشرق خرجوا وحالهم كما وصف الشاعر أحمد شوقي خروج المسلمين

من الأندلس في سينيته الشهيرة التي قال فيها:

خرج القوم في كتائب صمّ عن حفاظ كموكب الدفن خرس

خرجت الأسر التي كانت تنام في الجبال ليلاً لتعود وتعمر القرية نهاراً خرجوا وتركوا الديار وحيدة.

وإذا الدار ما بها من أنيس وإذا القوم ما بهم من محسّ

هاموا شرقاً وأعينهم تنحرف غرباً تفيض بالدمع حزناً على فراق قريتهم الحبيبة ولكن الأمل يبرق في نفوسهم في بعض اللحظات، الأمل بالعرب بالأناشيد التي حفظوها في المدارس:

ملأنا البر حتى ضاق عنا وماء البحر نملأه سفينا

إذا بلغ الرضيع لنا فطاماً تخر له الجبابر ساجدينا

انتظروا ولم تضق الأرض بالجيوش، ولم تمخر السفن عباب البحر، ولم يخرّ صغار عدوهم سجداً لكبارهم، فبدأ اليأس يدبّ في النفوس يوماً بعد يوم ورأوا أن الإقامة في الجبال، وتحت الأشجار قد تطول، والشتاء يقترب مطره وبرده، فلجأ بعضهم إلى القرى المجاورة والمدن القريبة، وآخرون استتروا تحت ظل الخيام التي وفرها لهم الصليب الأحمر الدولي، والتي تحولت بعد ذلك إلى مخيمات دائمة تشرف عليها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، تزودهم بقليل من الطحين والمواد الأخرى التي تبقي لهم الحياة، وفتحت لهم المدارس في الخيام ليواصل الطلاب دراستهم وأصبحت هويتهم بطاقة التموين.

بعد توقيع اتفاقية الوحدة بين ما تبقى من فلسطين وما أصبح يطلق عليه بالضفة الغربية، وبين المملكة الأردنية الهاشمية، وهي أول وحدة بين شعبين عربيين، تلك الوحدة التي طالما تغنى بهاالعرب بقولهم:

بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان

هذا النشيد الذي كنا نردده صغاراً ليؤملنا كباراً، ولكن مع الأسف عندما كبرنا واصطدمنا بواقع العالم العربي، لم نجد هذا الاتساع للوطن الذي هو من الشام لبغدان لأنني كأردني لم أجد هذا الوطن الكبير مفتوحاً لي ولأمثالي من أبناء الأمة العربية حيث الحدود السياسية، وإجراءات الدخول والزيارات القاسية بالرغم من أن الأردن بلد العرب جميعا،ً يجد فيه الزائر كل ترحيب وضيافة مما جعلني أراه هو الوطن الكبير الذي أتجول فيه بلا قيود، فقلت:

بلاد العرب أوطاني من الرمثا إلى معان

لأن الوطن العربي باتساعه، وقيم أصحابه السابقين قد ضاق بمن وصل إليه وعوملوا معاملة لا تليق بمعاملة الأخ لأخيه.

بعد توقيع الاتفاقية السابقة الذكر، زحف قسم كبير من اللاجئين ومنهم عدد كبير من أهل القرية إلى الضفة الشرقية، فنزلوا مدن عمان والزرقاء وإربد وأقاموا فيها حتى يأتي الله بالفرج يوم تحرير الأرض، يوم عودة المشردين لديارهم.

خراب القرية:

بعد احتلال القرية، واجهت الحقد واللؤم وسوء الخلق والبعد عن الحضارة الإنسانية من قبل المحتل الغاصب، فقد قاموا بهدم البيوت بيتاً بيتاً، وأخذوا حجارتها لتطحنها الكسارات، ومحوا آثارها وحاراتها، وغيروا معالمها، ولم يبق منها إلا البرج (القلعة) فقد بقي شامخاً ليشهد للتاريخ وللأمم اللاحقة على جرائمهم وعظم حقدهم، لا أدري ما الذي شفع له، ربما لأنه معلم تاريخي.

هذا الحقد الدفين المستأصل في عقيدتهم، تلك العقيدة التي تعلمهم أنهم فوق البشر وأنهم شعب الله المختار، وأن باقي الشعوب خلقوا على صورة آدميين ليكونوا عبيداً لهم وفي خدمتهم، هذه العقيدة غرست في نفوسهم العداء والحقد لغيرهم.

لم يكفهم أن هدموا قريتي (مجدل يابا) بل عمدوا إلى هدم مئات القرى وطمس معالمها حتى لا يبقى أثر لأصحابها السابقين، وليثبتوا لأبنائهم أن هذه الأرض كانت خالية من السكان، فهي ملكهم وهبها إياهم الرب.

ولكن كيف لهم ذلك، وأبناء وأحفاد أصحاب الأرض يتوالدون ويكتبون التاريخ!

وإذا أراد القارئ أن يتحقق في هذا العصر من لؤمهم وحقدهم وعداوتهم لكل شيء فلينظر إلى ما تفعله أيديهم في بعض الأرض التي بقي أهلها عليها يقتلون النساء والشيوخ حتى الأطفال الأبرياء في عمر الورد لم يسلموا من أيديهم، والأخبار تأتينا كل يوم عن مقتل عدد من الأطفال، حتى أولئك الذين لا يتجاوز عمر بعضهم أياماً.

هدموا البيوت فوق متاع أصحابها في قطاع غزة والضفة الغربية، اقتلعوا الأشجار ومنها أشجار الزيتون التي غرست في العصر الروماني، جرفوا البساتين وهدموا الآبار التي عاشت مئات السنين

ربّ بان لهادم وجموع لمشت ومحسن لمخسّ

أعتقد أن كل ما فعلوه ويفعلونه هو من غراس وتعاليم الديمقراطية المزعومة التي يتغنون بها، ويريدون من العالم أن يصدقهم بحملها.

فعلوا ما فعلوه ليضيقوا على السكان، أهل الأرض الحقيقيين ليخلوها لهم فيبقى عنصرهم الخبيث لا يشاركهم فيها أحد.

هذا ديدنهم وطبعهم، يتصنعون الذل والمسكنة، وإذا ما تمكنوا لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، هم العدو قاتلهم الله فلنحذرهم، يضمرون الكره والبغض والعداوة للعرب ويتغنون بنقض العهود والمماطلة، صدق الله القائل:﴿ لتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا أليس هذا وصف الله الذي خلقهم وأدرى بسريرتهم.

النكسة:

أطلق العرب على ما حل بفلسطين وأهلها، وتهجير الناس من مدنهم وقراهم اسم (النكبة)، والنكبة هي المصيبة، والمصيبة يمكن أن يبتلى بها الإنسان ثم تتلوها نعمة يفرح لها وتفرج عنه مصيبته.

إذن بعد هذه النكبة (المصيبة) بقي الأمل في النفوس، وهم يعيشون على صوت المحيط الهادر والخليج الثائر الذي يمنيهم بأن الغضب العظيم آت والعودة قريبة كانت نفوسهم تستريح وتطمئن وهي تستمع إلى الأناشيد القومية التي تملأ النفوس حرارة وقوة وأملاً، كانت أحلى مجالسهم عند أجهزة المذياع مساء، لقد وعد الزعيم بكذا وصرح الرئيس بكذا، وأقر مجلس الأمن كذا.

بقيت حرارة الأمل في النفوس حتى حصل ما حصل، لقد صحا الناس صبيحة يوم الخامس من حزيران عام 1967 على خبر الهزيمة الثانية في معركة لم يعرفوا كيف بدأ أولها وكيف انتهى آخرها، استيقظوا وهم يتنقلون بالمذياع من محطة إلى أخرى علّهم يعثرون على تكذيب لما سمعوا، ولكن خفت الأمل وطاشت العقول، فقد سقطت الضفة الغربية والقدس الشريف وقطاع غزة ولحق بها ما يعادلها من أرض مصر وسوريا، عندها زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وابتلي الفلسطينيون والعرب وزلزلوا زلزالاً شديداً، استيقنوا أن لا محيط هادر ولا خليج ثائر فوكلوا أمرهم لله الواحد القادر.

بدأ صوت العزة والشهامة والرجولة في الإذاعات يخفت شيئاً فشيئاً، ليحل محله صوت الميوعة والخنوع.

أطلق العرب على هذه الهزيمة اسماً جديداً هو ( النكسة) ظانين أن النكسة أهون من النكبة، دون أن يعلموا أنها أحط منها، فالنكس في اللغة يعني أن لا يقوم الرجل من سقطته حتى يسقط ثانية سقطة أشد منها، ونكس الرجل ضعف وقصر عن غاية النجدة والكرم، ومن معانيها قول الله عز وجل في وصف تراجع خلق الإنسان واستبدال قوته بالضعف الذي يؤدي به إلى الهلاك وذلك بقوله:﴿ ومن نعمره ننكسه في الخلق.

خرج قسم كبير من الشعب الفلسطيني سواء من اللاجئين سابقاً أو من أهل الضفة لاحقاً تاركين ديارهم، وقبلتهم الضفة الشرقية من المملكة الأردنية حيث الأمن والأمان، والتحق معظمهم بأقاربهم الذين سبقوهم في الهجرة الأولى.

كان معظم من هاجر من أهل القرية قد استقر في مدن عمان والزرقاء وإربد، وقد أسس من استقر في الزرقاء ديواناً ليبقى التواصل والتعارف والتواد فيما بينهم يشاركون بعضهم في الأفراح والأحزان، وقد سمي ديوان أهالي مجدل الصادق.

بدأ اليأس يدب في النفوس، وأيقنوا أن الأمر سيطول ولا بد من الاستقرار وترجيح العقل على العاطفة، وهم يرقبون شعلة الأمل تخفت قليلاً قليلاً بانقسام العرب إلى أعراب، والدول إلى دويلات، والشعوب إلى قبائل وطوائف، كل يغني على ليلاه يتغنى بحفنة تراب أو قطعة قماش بدلاً من أغاني العزوة والاتحاد، لم يأخذوا بقول الشاعر:

تأبى العصي إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت آحادا

أصبحت كل دولة تُنهش، وأختها ترقبها منتظرة دورها دون أن تحرك ساكناً أين هم من عصر الجاهلية، عصر النخوة والعزة والإباء وعدم قبول الذل.

أذكر حادثة تاريخية في ذلك العصر الذي نسمه بالجهل، وما هو بجاهل عن كرامته ألا وهي( معركة ذي قار) يوم استدعى كسرى عظيم الفرس النعمان بن المنذر بن ماء السماء إليه لمعاقبته بسبب وشاية نقلت إليه من قبل أحد الحاسدين، فوضع النعمان أمواله وسلاحه وحشمه وخدمه أمانة عند سيد العرب آنذاك هانئ بن مسعود الشيباني فألقى كسرى النعمان تحت أرجل الفيلة فداسته حتى قضت عليه، وأرسل إلى هانئ بن مسعود أن يبعث إليه بكل ما استودعه إياه النعمان، ولكن أبى الوفاء والشرف العربي ذلك، مما حدا بكسرى إرسال حملة لتأديب هانئ بن مسعود خاصة، وتخويف القبائل العربية عامة.

التفّ العرب جميعاً تحت راية هانئ وألحقوا بالفرس وجيشهم هزيمة منكرة في معركة ذي قار، وكان ذلك قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات فقال قوله المشهور:( هذا يوم أخذ فيه العرب من الفرس بحق).

وإذا تدرجنا بتاريخنا حتى وقتنا الحاضر نجد أن العرب هم العرب، والدماء هي الدماء، ولكن الحمية ليست الحمية، والعزة ليست العزة، والإيمان ليس الإيمان فرفض الذل أصبح تهوراً، وتغيرت أساليب التربية إلى تلهية، ليست كما تربى عليها عنترة الجاهلي الذي يقول:

لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظل

وغابت الأناشيد التي تلهب المشاعر وتوقظ الأحاسيس مثل:

عالميدان يا ابن الأردن عالميدان ......

أو والله زمان يا سلاحي ....

أو فحملت رشاشي لتحمل بعدنا الأجيال منجل ....

غابت وتلاشى صوتها وحلت محلها أغاني الميوعة والانحلال، وضاق الفضاء الواسع بفضائيات الساقطين التي تنشر السموم ليستنشقه الجيل الجديد الذي يريده الأعداء جيلاً مائعاً مستهتراً.

نرجوالله سبحانه وتعالى أن ينطفئ بريق تلك الفضائيات الهابطة التي لا يصدق المشاهد أنها من البلاد الإسلامية، وأن تنقلب قوانين التربية وأساليب التعليم إلى خلق رجال صالحين يسيرون على الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، ويعيدوا الأمة إلى عزها وقوتها ومنعتها، وليس ذلك على الله بعزيز.

الباب الخامس

- عودة الأمل

- الحنين إلى الوطن

- زيارة القرية

- قصيدة

ذكرنا ما استولى على نفوس الشعب الفلسطيني من قنوط بعد الهجرة الثانية أو ما يطلق عليها (بالنكسة) وسمي من نكسوا باسم جديد وهو (النازحون)، فحمل الفلسطيني شعاراً آخر يعلق فوق كتفه، ولا أدري أهو أكبر أم أقل رتبة من اللاجئين.

أهل القرية جزء من هذا الشعب فحمل معظمهم الرتبتين دون أن تضعف منهم الهمم فعمل بعضهم في التجارة وآخرون هاجروا إلى بلاد مختلفة لطلب العلم وكسب العيش.

عرف الناس أن لا وسيلة للعيش والحياة الكريمة الفاضلة إلا بالعلم، فأقبلوا على طلبه وحصلوا على الدرجات العلمية العالية والمتوسطة آخذين بقول الشاعر:

العلم يبني بيوتاً لا عماد لها والجهل يهدم بيت العز والكرم

فهم أصحاب بيت عز وكرم، أبوْا أن يهدم الجهل نفوسهم كما هدمت قريتهم غرفوا من هذا المنهل العذب الذي تميزوا به بين الشعوب العربية، فنالوا بعلمهم وأخلاقهم أرقى الدرجات مع إخوانهم في الأردن ودول الخليج العربي.

امتاز اهل قرية مجدل يابا بحسن الخلق، وطيب القلوب، مسالمين ليس فيهم شاذ ولا عاق لمن أحسن إليه ولسان حالهم يقول:

لا تعادي الناس في أوطانهم قلما يُرعى غريب الوطن

وإذا ما شئت عيشاً بينهم خالق الناس بخلق حسن

فخالقوا جيرانهم ومن تعايش معهم بالمحبة والمودة والصلة يشاركونهم الألم والفرح.

عودة الأمل:

طال الزمان وكثرت التقلبات الدولية والسياسية في العالم، والتي انعكس على الشعب الفلسطيني بعض منها، وكما يقال: (اشتدي أزمة تنفرجي) فقام الشعب بانتفاضات أحيت البحث في القضية الفلسطينية من جديد.

لم يجدوا ضالتهم في القرارات المتوالية، والوعود الكاذبة، قرارات كتبت مع وقف التنفيذ، رأوا أن القرارات الدولية لم يلتزم بها إلا الضعيف الذليل، أما القوي المستبد فيرمي بها عرض الحائط، غير آبه بمساءلة أو محاسبة.

إن الدعامات الأساسية التي تقوم عليها الأمم المتحدة، والتي منها: المحافظة على السلم، وتنمية العلاقات الودية بين الأمم، والعمل على زيادة احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، لهي أمور مزعومة، فأي سلم هذا والقوي يغزو الضعيف ويأكله ويدوسه تحت عجلات دباباته، ينهب خبراته ويتركه هيكلاً عظمياً يتلوى من الجوع.

أين المحافظة على حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في ظل هذه الظروف؟

ليس ما يحدث في معظم أرجاء الوطن العربي والإسلامي كفلسطين والعراق والسودان وأفغانستان والصومال وكثير من البلدان إلا دليلاً على كذب تلك الدعامات الاساسية وزيفها.

وكل هذا والشعوب ما زالت تتململ لا تدري أنه:

إذا شب الحريق بدار جارك فبيتك قد يصير إلى السعير

ولكن بدأت بعض الشعوب تصحو مع بعض قادتها، وبدأت الدعوات للتقارب العربي والتنسيق المشترك فيما بينها آملين أن يستمر هذا التواصل، وأن يأخذوا بقول الشاعر العراقي عبد المحسن الكاظمي:

أيها العرب تعالوا نلتقي في طريق المجد حتى نصلا

نلتقي تحت لواء واحد سجّل النصر له إذ سجلا

ونولي الأمر فينا قائداً يبعث العزم ويحيي الأملا

قائداً إن أبهم الأمر سطا أو دجا الخطب أنار السبلا

يدفع الظالم عن أوطاننا ويقيم العدل أو يعتزلا

نرجو الله أن يخرج المارد العربي من قمقمه، وأن يتحد العرب تحت راية واحدة راية لا إله إلا الله، وقيادة مؤمنة تبعث الإيمان في القلوب ليصبح ويصبحوا من جند الله الذين لا يغلبون كما قال الله تعالى:﴿ وإن جندنا لهم الغالبون هذا وعد من الله والله لايخلف وعده.

ندعوك إلهنا بأسمائك الحسنى وبوعدك الحق الذي لا يخلف أن تحقق آمال هذه الأمة بالنصر على الأعداء، وعودة الأوطان والحقوق، ربنا طالت الغربة وفيك الأمل فانصرنا على القوم الكافرين، قال تعالى:﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾.

فهنا نحن نشاهد إقبال الشباب على الدين الحنيف بأعداد كبيرة، والمساجد قد غصت بالمصلين، وظهر بصيص من النور الإيماني مما يبشر بمستقبل أفضل إن شاء الله.

تململ المظلومون ليدفعوا الظلم عنهم فانتشرت المقاومة ضد الظالم في بقاع العالم العربي الإسلامي.

فلا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر

الحنين إلى الوطن:

ما من غريب وإن أبدى تجلده إلا سيذكر عند الغربة الوطنا

هذا هو حديث كل لاجئ فلسطيني مع أخيه في كل مجلس سمر، أو اجتماع أسرة أو مجلس علمي أو سياسي، حتى أهازيج الأفراح والأعراس كلها تتغنى بالوطن تلك الأهازيج التي تهز المشاعر، وتلهب العواطف، وتدمع العيون لها طعم لذيذ في النفوس، فهي تمني بالعودة، وتغرس في القلوب ذكرى الوطن وعدم النسيان.

لقد عشت ما يقرب من ستين عاماً بعيداً عن قريتي مجدل يابا، عشت هذه المدة الطويلة وهي شاخصة أمامي ببيوتها بحاراتها بأزقتها ببساتينها وجنائنها، وكأني أتجول في تلك الحارات وأطرق أبواب الأصدقاء، وأركب العصا التي كنا نتخيلها حصاناً نتراكض خلف بعضنا البعض، يصفّ كل منا حجارة صغيرة حول نفسه نتلهى بها.

عشنا تلك السنوات القصار لا يشغلنا إلا مرح الطفولة، أذكر كل ذلك، وتلك المشاهد لا تغيب عن مخيلتي وكأنها حاضرة أمامي كما قال الشاعر أحمد شوقي:

شهد الله لم يغب عن جفوني شخصها ساعة ولم يَخْلُ حسي

أتذكر أيام الدراسة، أتذكر رفاق الصف والصفوف الأخرى، أتذكر ونحن نقف صفوفاً في ساحة المدرسة وننشد:

بلادي بلادي بلادي لك حبي وفؤادي

تلك الذكريات راسخة في الذاكرة ولا تنسى أبداً، لأن الحزن قد ينسى مع الزمن ولكن الحب والعشق كما تروي الروايات لا يموت إلا بموت أصحابه.

زيارة القرية:

يا بلادي أرشفيني قطرة كل ماء غير ما فيك كدر

تكلمت عن الحب الذي لا يموت إلا بموت حامله، فمات آباؤنا وأخذوا حب البلاد والشوق إليها ليدفن معهم في قبورهم، لم يشاهدوا لها أثراً بعد مغادرتها, وكذلك نحن يبرحنا حب قريتنا ومشاهدتها ولو بزيارة قصيرة.

بقيت هذه الرغبة تراودني وتشعل النار في نفسي حتى سمحت الظروف بعد معاهدة السلام، فخفت القيود التي كان يفرضها المحتل على الزيارة قليلاً، كما منحت بعض التسهيلات للزائر حتى يتمكن من الذهاب بسيارته الخاصة.

وفي سنة 1998 أي قبل انتهاء القرن العشرين بسنتين دفعني الشوق لزيارة الأقارب وصلة الأرحام والحلم بزيارة قريتي، إلى الاستعداد للسفر، فعملت الإجراءات المطلوبة وركبت سيارتي حتى دخلت الحدود، وأي حدود؟ حدود فلسطين القريبة في القلب والمسافة، البعيدة في المنال.

وصلت مدينة نابلس، وحللت ضيفاً على أهلي وأحبابي، ثم استأذنتهم يوماً أن أذهب لزيارة قريتي المجدل ومشاهدتها لأطفئ قليلاً من نار الشوق إليها.

توجهت بسيارتي نحو الغرب، وقلبي يخفق طرباً حتى دخلت ما يسميه الأعداء الخط الأخضر، ثم انحرفت لأدخل القرية من الجهة الغربية، من الشارع الرئيسي الذي سبق ذكره، الذي يقسم القرية إلى قسمين، لكن يا هول ما شاهدت وما وقعت عليه العين فلا حارات ولا بيوت ولا أزقة كل ذلك أصبح أثراً بعد عين، فالبيوت مهدومة وقد نقبت حجارتها، ولم تر العين إلا كتلاً من الإسمنت الممزوج بالتراب قد أكله الدهر أصبحت هذه أعشاشاً للأفاعي والحشرات التي شاهدتها تتلوى بين الركام وفي الجحور أسراباً.

تجولت فيها فلم أجد إلا بقايا آثار تدل على وجود إنسان كان قد عاش عليها.

أين البيوت؟ أين ملاعب الصبا؟ أين الأشجار والبساتين؟ كل ذلك قد اختفى حتى المقبرة لم أعرفها إلا بكل صعوبة.

تابعت الأسئلة لنفسي، أين الأهل والأصحاب؟ أين من بنى وشيد؟ أين من زخرف ونجد؟ كل هذه الأسئلة تتزاحم في نفسي لكن لا مجيب، أردت أن أبحث عن آثار بيتي، البيت الذي هو مسقط رأسي لأقبل ترابه، فلم أعرف له أثراً، فتمثلت بقول الشاعر زهير بن أبي سلمى مع اعتذاري بتغييرالشطر

الثاني من بيته الذي يقول فيه عند وقوفه على أطلال محبوبته:

وقفت بها من بعد عشرين حجة فلأياً عرفت الدار بعد توهم

فقد عرف الآثار بعد توهم، لكني لم أعرف حتى بعد تمعن فقلت:

وقفت بها من بعد ستين حجة وما قد عرفت الدار بعد تمعن

استدرت بنظري نحو القلعة فإذا هي شاهقة مكانها ثابتة بأقدامها شاخصة ببصرها نحو الشرق، حيث غادر الأهل والأحباب ترقب عودتهم إليها ليعيدوا إليها البسمة ويسمعوها الأهازيج العذبة، تقف شامخة لتشهد على جرائم الغاصبين، إنها الشاهدة الصادقة التي شهدت على مدى فترات التاريخ، شهدت على كل جرائم الأعداء الذين تداولوها بتدنيس شرفها، تشهد أمام قضاة الأجيال على ظلم الإنسان وهي تحفظ بشهادتها:

وما من يد إلا يد الله فوقها ولا ظالم إلا سيبلى بأظلم

نعم سيمكن الله للمظلوم من الظالم ولو بعد حين.

حوّلت العين إلى كل الجهات وثبت نظري نحو الغرب والشمال الغربي من القرية فماذا رأيت؟ رأيت المساكن قائمة على أرض القرية الزراعية الممتدة من رأس العين غرباً حتى الدخول في المنطقة الجبلية شرقاً، وقد بدأت تزحف نحو القرية من الغرب، مساكن تعج بالغرباء المستوطنين الذين قذف بهم الغرب، والعم سام الفاجر ليتخلص من شرهم، ألقى بهم في أرض لا يملكها.

هذه هي أخلاق وقيم الحضارة الزائفة، حضارة الاستعلاء والاستعمار حضارة الاستقواء على الضعيف، حضارة الحقد على الإسلام والمسلمين.

هذه المساكن جمعت في مستوطنة أطلقوا عليها بلغتهم ( راش ألين) أي راس العين حتى الاسم استولوا عليه وغيروه، أصبحوا هم الأهل، والأهل هم الغرباء، حتى الزيارة والمشاهدة أصبحت تحتاج إلى موافقتهم.

أحرام على بلابلها الدوح حلال للطير من كل جنس

ذهبت إلى القرية والحب والحنين يملأ قلبي، وغادرتها وقد حلت محلهما الحسرة والألم، معللاً النفس بالأماني والآمال كما كنت.

قصيدة

الحنين إلى المجدل

خلال كتابتي لهذه الصفحات التي أصف فيها قريتي، جاشت نفسي بعاطفة الحنين إليها وأنا أصف الحياة فيها، فنظمت هذه الأبيات والتي أرجو من القارئ الكريم أن يعذرني بنقده إن وجد ركاكة في التعبير أو لحناً في القافية فقلت:

فاض الحنين بدمع العين والسهر

لمجدلي طاب نظم الشعر بالدرر

حييت يا مجدل الأجداد من بلد

فيك الشموخ مدى التاريخ والأثر[1]

حييت من بلد يزهو الجمال بها

يروي سهولك نبع العين والنهر[2]

يا قرّة العين لا ننسى ملاعبنا

يوم الطفولة والألعاب في الصغر

فكم لهونا صغاراً في مرابعها

ولا نبالي بلفح الشمس والمطر

نلهو على التلة الخضراء ناشرة

عطراً يفوح من الأعشاب والشجر

هل تذكرين من الفتيان يا بلدي

أتذكرين الفتى ابن الخالد العمر[3]

يا حبذا مارضعنا منك من عسل

فهل تظنين أن ننساك في الكبر

كانت بيوتك والحارات تحضنها

ترنو إلى البحر والوديان والحجر[4]

كانت لياليك أفراحاً تقام على

مشاعل النار أو ضوءٍ من القمر

حتى وفي ليلة سوداء حالكة

من شهر تموز قد جاءتك بالقدر[5]

وقد أفقنا على صوت وزمجرة

صوت الرصاص يجيء الناس بالنذر

وقد هجرناك والأحزان تؤلمنا

كان الشعور بأن العرض في خطر[6]

إنا بنوك وليس الهجر شيمتنا

لولا البلاء بطول البعد والسفر

وداس أرضك صهيون بزمرته

وأصبح الماء بعد الطهر في قذر

لا تحسبي أمّنا الهجران أورثنا

عُقّاً وما الهجر في طبع من البشر

إنا على العهد يا ملهى طفولتنا

لا يخلف الوعد غير الكاذب الأشر

إنا سنرجع والرحمن علمنا

تقلب الأمر والأيام فانتظري[7]

وسوف نرجع في عرس وزغردة

نزين أرضك بالأزهار والعطر

يوماً يلاقي بنو صهيون ملحمة

تطهر الأرض من رجس ومن شرر

خاتمة الكتاب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:

الحمد لله الذي أعانني على أن أنهي هذا العمل المتواضع في وصف قريتي الحبيبة مجدل يابا، وفيه ترجمة الذكريات التي طالما انتابتني طيلة هذه السنين التي عشتها بعيداً مشرداً عنها.

مرت أيام في التفكير وإعادة هذه الذكريات وجمعها حتى أمسكت بالقلم وبدأت بكتابة هذه الصفحات ليشاركني القارئ ابن القرية في الغوص والتمعن بما أوردته خلالها عله يتذكر أو يذكرني بما هو أصح وأقرب للحقيقة منه ليروي ظمأه بخبر ووصف قريته ومسقط رأس أبيه وجده.

بدأت بالكتابة وتدرجت قليلاً قليلاً، وعاطفة الشوق والحنين تتزاحم مع الأفكار لتسبق كتابة الحروف والكلمات، مما يدفعني أن أتسوّل من القارئ المعذرة إن كان له نقد أو ملاحظة، أو وجود خطأ أو نسيان لذكر شيء هو يعرفه ويحتفظ به ولا أعرفه.

ليست نهاية الكتابة نهاية للأمل، وإنما جعلتها سراجاً يستضيء به الخلف من السلف حتى لا ينسوا ما عاشه آباؤهم وأجدادهم من نعمة في الوطن، رغم مقارعة الأعداء لهم خلال حياتهم، ومن نقمة في البعد عنها، بالرغم من رغد العيش ووفرة المال ولكنه قضاء الله الذي رضينا به ونرضى به كما قال الشاعر:

إذا بليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو الله

وفي الختام أعتذر مرة اخرى من القارئ إن وجد ركاكة أو ضعفاً في التعابير والجمل، لأنني أردت أن أكتب بهذا الأسلوب البسيط بعيداً عن البلاغة والتعقيد والخيال، حيث أردت أن أتصل بأحبائي على اختلاف مستوياتهم وثقافاتهم، راجياً من الله أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم بعيداً عن الأنانية والشهرة، ومن بعده ذكرى لأهل قريتي الأحباء.

فإن أصبت فمن فضل ربّي الذي منّ عليّ ببقاء الذاكرة، وإن أخطأت في شيء فمن الشيطان اللعين الذي يقعد للإنسان في الطريق المستقيم.

والحمد لله مرة أخرى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



1) الشموخ : المقصود به البرج أو القلعة

) نبع العين: رأس العين. النهر: نهر العوجا2

) ابن الخالد العمر: ناظم الأبيات ومؤلف الكتاب1

) الحجر: المنطقة الجبلية2

) من شهر تموز: ليلة الثاني عشر من شهر تموز 1948 أي يوم سقوط القرية بيد الأعداء1

) العرض: الشرف فقد كان الناس وقتها يخافون على أعراض النساء من عصابات اليهود 2

) تقلب الأمر والأيام: من قوله تعالى ( وتلك الـأيام نداولها بين الناس) 1



إذا كنت مؤلف هذه  قصه وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى مجدل يابا/الصادق
 

شارك بتعليقك

مشاركة إحسان محمود أحمد حجازي في تاريخ 19 كانون ثاني، 2014 #153552

أتمنى من كل قلبي بأن يكون هذا الموقع الذي أبحث عنه من أكثر من 9 سنوات ....... أنا أحاول معرفة جذوري وتوثيقها . فمثلا جد والدي إسمه محمد سالم محمد حجازي وأخوه إسمه يوسف سالم محمد حجازي من المجدل . أريد أن أعرف كيف لي الوصول الى هذه الجذور وتوثيقها فمثلا كيف لى أن أصل الى شهادة ميلاد جد والدي .

أرجوكم ساعدوني ....

إحسان حجازي
مشاركة جمال عمر محمد المدني في تاريخ 15 تشرين ثاني، 2011 #139583

اولا الشكر الجزيل لك يااستاذنا محمد ونحن نذكرك بأنك مربي فاضل ونذكر ايامك الجميله في مخيم بلاطه ونحن نقرأ الكلمات الجميله التي كتبتهاعن قريتنا العزيزه مجدل الصادق التي نفتخر ان نكون من هاذه القريه الطيبه باهلها وعائلاتهاوانت تذكرنا ونحن لا ننساها مادمنا احياء ونورثها الى ابنائناجزاك الله عنا كل خير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مشاركة Khaled El Sala في تاريخ 10 نيسان، 2011 #132634

يقول العم ابو خالد في كتابه : "نرجو الله أن يخرج المارد العربي من قمقمه، وأن يتحد العرب تحت راية واحدة راية لا إله إلا الله"، وها قد جاءت البشرى من تونس ثم من مصر ثم من اليمن وليبيا وسوريا تباعا، فابشر يا ابا خالد فلعلها هذه هي بشائر الاستجابه لما قد رجوت الله، واننا نسأل الله ان يطيل بعمرك ويقر عينك برؤيه قرتنا محرره من رجس الاعداء الغاصبين
مشاركة حسن الناطور في تاريخ 3 آذار، 2010 #105365

اشكر الاستاذ محمد خالد عمر وجزاك الله خيرا على هذا المجهود
ولكن لي سؤال اتمنى ان اجد اجابة عليه حسب معلوماتك عن عائلة الطريفي التى عاشت في المجدل من اين اتو بالضبط ولمذا لجئو الى المجدل وما هو اسم العائلة بالضبط فانا الوالد مواليد المجدل ونحن بالاصل من دير طريف ونحن اسم عائلتنا الناطور ارجو الافادة وشكرا
مشاركة محمد العابد في تاريخ 9 كنون أول، 2009 #97419

بارك الله فيك وجعله في ميزان حسناتك
مشاركة husasam في تاريخ 17 تشرين ثاني، 2009 #95279

بارك الله فيك يا سيدي الفاضل

لقد حركت كل المشاعر من حزن والم وغضب وشوق وفرح وخوف
كم هي جميلة هذه الذكريات كم هي اليمه كم هي حزينة كم هي مشوقه
رحم الله جدي داود رحمه الله رحمة واسعه مات في السعودية وقد قضى كل عمره فيها بعدان هاجر عام 48م من مجدل يابا وكم مرة جلست معه وروى لي عن ايامه حين كان يصول ويجول في ربوع المجل على خيله هو وابناء عموته كم هي جميلة تلك الايام حسبي الله ونعم الوكيل
بارك الله فيك ياسيدي على هذا الكتاب الجميل الذي اعاد لنا الامل والشوق والذي ايقظ فينا الحرقه على ديارنا التي لم نرها نحن الجيل الثالث من النكبه ابنا ومواليد السبعينات وكم نحن محتاجين لمثل هذه التذكره لنا ولاجيالنا ولابنائنا حتى لا ننسى قرانا ومدننا وحتى لو كانت مدمرة واحجارها مبعثرة بإذن الله سوف نعود ونبنيها حجرا حجرا ونعيدها الى سابق عهدها وسوف نهدم بيوت الغربان على رؤوس ساكنيها طال الزمان او قصر فلا يأس ابدا ما دام الدم يجري في عروقنا عربي فلسطيني
كم احرقتني العبارة التي تصف قلعة المجدل بأنها شاخصة ببصرها بإتجاه الشرق نحو من هاجرو تنتظر عودتهم لق اثرت في كثيرا وهزي مشاعري
ان شاء الله سوف نعود قريبا ونعانق هذه القلعة التي بقيت صامدة في وجه السرقه والاغتصاب والنهب

بارك الله فيك وجزاك خيرا
حسام محمد داود بكر
hu7am@hotmail.com
مشاركة ساهر حجازي في تاريخ 9 تشرين أول، 2009 #91394

اشكرك ابو خالد على اهتمامك باصلك ووطنك واامل ان نعمل سويا على انشاء موقع لبلدناالمجدل نستطيع من خلالة الحفاظ على تاريخ البلدوالتواصل بين اهل البلد الاصليين واملين من الجميع السير على خطال
مشاركة احمد فهمي في تاريخ 25 أيلول، 2009 #90017

الرجاء تزويدنا بأصل عتئلة قزع للضرورة
مشاركة احمد فهمي في تاريخ 24 أيلول، 2009 #89869

ارجو ممن لديه اي معلومة ان يجود بها عن عائلة قزع لانه كثرت الاقاويل عنها الرجاء الافادة
مشاركة احمد فهمي في تاريخ 24 أيلول، 2009 #89868

ممكن سؤال بسيط لمن له معلومات ماهي اصل او قبيلة عائلة قزع
مشاركة سوزاناالسلع في تاريخ 22 آب، 2009 #87073

لك جزيل الشكر يا أبو خالد،نحسدكم على تلك الأيام رغم أن ما تبقى منها لم يعد سوى ذكريات و لكننا جيلٌٌٌ لا يحمل حتى الذكريات عن موطننا.
مشاركة حسام اسعد عمر في تاريخ 14 آب، 2009 #86219

اقدم كل الشكر والتقدير والاحترام للعم الحاج محمد الخالد الذي فقل كل هاد التواصل الجميل
مشاركة رنا غسان اسعد عمر في تاريخ 14 آب، 2009 #86215

شكر وتقدير واحترام للعم محمد الخالد على ايصال وبث المعلومة القيمة للتواصل بين ابناء شجرة العائلة و تاريخ بلدتنا في فلسطين الحبيبة ..وعاشــــــت فلســــطين..
مشاركة حسام جهاد حسن بكر عمر في تاريخ 29 أيار، 2009 #78569

شكر كبير على هذا موضوع ونتمنى مزيد من ابداع وتميز
مشاركة حسام جهاد حسن بكر عمر في تاريخ 29 أيار، 2009 #78567

شكر الكبير على هذا موضوع والكتاب عن ارضنا الغالية شكر حسام جهاد حسن بكر عمر
مشاركة  عمر علي الاقرع  في تاريخ 3 نيسان، 2009 #72930

شكرا لكل من شارك في هذا الكتاب وشكر خاص الي الاستاذ الفاضل محمد خالد علي هذه المعلومات الفيمه
مشاركة شافع احمد شحاده في تاريخ 16 آذار، 2009 #71012

انا من فلسطين وقريتي تقع الى الشرق من المجدل الصادق وتبعد عنها 6 كيلو متر
وانا كنت دايما موجود هناك بالحقيقه هي قريه جميله جدا ورائعه ولكن اليوم ما بقدر اروح هناك لانوا الصهاينه جعلوها داخل جدار الفصل العنصري
ولكن انا اراها من منزلنا
مشاركة أحمد وائل جمال محمد آلصادق في تاريخ 27 شباط، 2009 #69038

شكرا جزيلا على هذا الاداء والصور اتمنى ان يبعتو لي صور لي بيوت آلصادق وآلريان وبيت الحاج محمد خضر
مشاركة عبدالحكيم في تاريخ 12 كانون ثاني، 2009 #63321

الشكر الجزيل على هذا الجهد الرائع ونتمنى المزيد مستقبلا.
مشاركة حسن في تاريخ 12 كانون ثاني، 2009 #63319

الشكر للجزيل لهذا العمل الرائع ونتمنى المزيد مستقبلا
مشاركة مهند توفيق أيوب  في تاريخ 19 كنون أول، 2008 #60521

أولا اريد ان أشكر كل من ساهم في هذا الكتاب الرائع والعظيم كتاب بلدتنا الحبيبة مجدل ياباالذي عندما قراته احسست أني اعيش أجوائها بأسلوب الكاتب الجميل و شدني هذا الكتاب للبلده الحبيبة التي كنت لا أعرفها سوى بلأسم واتمنا للكاتب طول العمر والصحة و العافية وللمراجع السيدة هالةوفقها الله تعالى وبارك الله فيكم.
مشاركة لينا ذيب قزع في تاريخ 25 تشرين ثاني، 2008 #57986

انا تفاجأت جدا عندما قرات عن تاريخ مجدل الصادق الذي لم اكن اعرفه سابقا , وما فاجأني اكثر هو الاشخاص الذين قامو بهذا المجهود العظيم (ابو خالد وهالة)
اشكركم على هذا العمل الرائع , وبارك الله فيكم
مشاركة عبد الحليم حميدان في تاريخ 22 تشرين أول، 2008 #55382

الله يجزاك الف خير على هذا المجهود اللذي يعتبر تاريخ معاصر يبقى بالقلب ولن يزول حتى نزول او يبقى انشاء الله فلقد بحثت الكثير والكثير حتى وجدت القصص اللتي كان يرويها ابي رحمه الله عن مجدل الصادق وعن اراضي البرتقال اللتي اغتصبت من قبل الاحتلال رحم الله اجدادنا جميعا ورحم الله الشيخ عبد الفتاح حميدان وانشاء الله راجعين جميعا. ابو عمار
مشاركة rami في تاريخ 6 تشرين أول، 2008 #53928

السلام عليكم ورحمة الله
ربنا يجزيك كل خير على هذا الكتاب الرائع
معلومات اكثر من رائعة....
مشاركة يامن في تاريخ 25 آب، 2008 #50223

بصراحة بعد قراءة كتابتك ارجو من الله انا ازور بلدتي التي لا اعرف عنها سوى اسمها والذي قرأته من ذكرياتك عنها ، وشكرا
مشاركة سمر سمارة في تاريخ 6 تموز، 2008 #44929

يسلموا ايديك عمو ابو خالد لانك عرفت الجيل الجديد ببلدنا مجدل الصادق
مشاركة وائل صالح ايوب في تاريخ 10 كانون ثاني، 2008 #26897

نشكرك على هذا الجهد الممتاز والرائع ، لقد لفت انتباهي ان عائلة ايوب حسبما ذكرت بانها قدمت من قرية شويكة ، وحسب معلوماتنا المتواضعة ان هذه المعلومة غير دقيقة ونتمنى التحري عنها بدقة اكبر ، ونقترح ان يتم الاتصال مع الحج ابو خالد ( عبد اللطيف ايوب وهو من مواليد قرية المجدل)، وتفضلوا بقبول وافر الاحترام والتقدير
مشاركة Adam El-Yousseph في تاريخ 4 كانون ثاني، 2008 #26540

ما شاء الله ، فعلا انجاز رائع نشكر عطائك يا استاذنا
مشاركة Ahmed Patel في تاريخ 18 كنون أول، 2007 #25515

جعله الله في ميزان حسناتك ، عمل رائع جداً نشكرك جزيل الشكر
مشاركة Tawfiq Ayyoub في تاريخ 18 كنون أول، 2007 #25508

بداية نحمد الله على انه يوجد من يهتم بقريتنا التي لولا هذا الانسان (الكاتب) ما كنا قد عرفنا اي معلومة عنها فله جزيل الشكر والامتنان واطال الله عمره على هذا الجهد الميسر لنا .
مشاركة محمد قزع في تاريخ 12 كنون أول، 2007 #25097

الله يعطيك العافيه وبارك الله في جهدك الخير ونأمل ان تتحفنا بالمزيد من ابحاثك ومقالاتك.