فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت English Version
الصفحة الأولى    صور     خرائط  تاريخ شفوي حق العودة 101 نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع الصراع للميتدئين إتصل بنا
من يطفئ نجمة القلب؟!
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى المُزيرعة
כדילתרגם לעברית
مشاركة Shahd في تاريخ 17 آب، 2010
فـــاروق وادي


من يطفئ نجمة القلب؟!


" اتخذت المزيرعة شكل نجمة،
إذ راحت منازلها المبنية في معظمها بالطوب تمتد على
جوانب شبكة الطرق التي تصلها بسواها من المناطق الريفية"

وليـد الخـالدي
" كي لا ننسى"

خمسون سنة، وقلبه ينوء بحملها، نجمة بعيدة تلقي ارتعاشات ضوئها الكسير في عتمات زمن وحشي، وأزقة منافيه الموحشة..

خمسون سنة وهي تتألق بلا انقطاع لتضيء زوايا ذاكرته.. فتبدّد صقيع البعاد وقطعان النسيان.

خمسون سنة، وإذا ما انهار جزء من الذاكرة مع انشغالات النهار.. أو أصابه عطب خفيف، فقد كان يمضي الليل حتى هزيعه الأخير.. يلملم أطراف المكان القصي، يطوِّقه بساعديه، يرتقه، يشتغل عليه.. ليعيد تأثيثه بالبشر والشجر، فيتوثّب المكان بالحقول.. والبيادر.. والبيوت.

منذ أن حمل على كتفه وزر الرحيل، قبل خمسين سنة، حمل "سليمان" هموم المنافي.. وكان القلب يردد رجع صدى الأغنيات التي تنزف أشواقها.. ولحن حنينها الأسيان.

كان المكان ينأى عن المكان.. يبتعد مع سطوة الزمان وضراوته الكاسرة، فيزداد اللقاء المحتمل وهناً على وهن.

في الخامس من حزيران 67، كان يقف على خط الجبهة مدججاً بالنجوم والأحلام، تعلو به جبال الخليل. وكانت أمسيات الليالي الصيفية تطلق وعوداً من الورد، فتجعل النجوم كلها ترقص في الفضاءات الرحبة للحلم الشفيف. غير أن حلم الاقتحام ووجه آنذاك بكابوس التقهقر الفاجع، حيث خبت النجوم، ضاعت عن سمائها.. هبطت رويداً رويداً في بحر الظلمة الكثيفة التي خطفت منه الأحلام بسرعة البرق.


* * *

مرّت ثلاثة عقود أخرى منذ ذلك اليوم، ولقد ضاق ذرعاً بوصف الخيال لما آلت إليه نجمة القلب، فاتكأ على عكاز خمسين عاما من الغياب، وقرر أن يذهب إليها بنفسه، بعد طول عناد، كي يراها في المكان.

بلا دليل أو خرائط، قاده قلبه إلى المكان. كانت فجيعته الأولى في أنه لم يجد النجمة في نجمتها على الأرض : أيعقل أن تكون الذاكرة خوّانة بعد كل هذه السنين؟ أيعقل أن تضيع الأقدام عن مكان سكن الحنايا طوال العمر؟

طرق عريضة تتعالى على الطرق القديمة المتغلغلة في شرايين الذاكرة، تتناهبها وحوش آلية تمزِّق سكينة القلب وتنتهك هدوءً ظل طويلاًّ يلف المكان، وثمة ورشات بناء.. وحجارة تعلو لتزحف بيوتها فوق أرض يوغل ترابها في اغترابه عن هذا الحجر!

لوهلة، أحسّ بالضياع.. انحرف عن الطريق، وسار يبحث عن نجمته. ولولا شجرة التوت التي زرعها صغيراً أمام الدار واخترقت جذعها رصاصة ما زالت متشبثة فيها، لظن أنه اخطأ المكان، ولما كان قد استهدى إليه.

كانت شجرة التوت تعاني نزف وحدتها ووحشة السنين، تجاهد للاحتفاظ بنسغ خضرة أخذت تتسرب من عروقها العتيقة المتعبة.

قال:
ـ فجأة وجدتها.. فوجدت نفسي، ما أن أمسكت شجرة التوت في يدي، حتى نهضت القرية من هجعتها الطويلة. كل البيوت انتصبت أمامي، والحقول، والسناسل، والشجر. هنا كان البيت..وهنا الجيران، هناك المدرسة.. وهذا الدرب يوصل إلى البلدة القديمة.. وهناك بئر اليمن، هناك سكة الحديد، وهذا مقام النبي يحيى ما زال هناك!

لم يلحظ، إلاّ بعد حين، أن نقاط النفط المتسرِّبة من آلات البناء قد تحالفت مع ذرات الأسمنت المذاب في الماء وامتدت إلى جذع الشجرة، التي شرعت تدبّ في أجزاء من أغصانها حرائق الجفاف، بلونها البني الداكن الذي يشبه الفناء.

قال:
ـ كأنما كانت تنتظرني طوال خمسين سنة، حتّى تريني جراح وحدتها، وسم امتزاج النفط والأسمنت الذي أخذ يسري بسرعة في عروقها. رأتني ورأيتها. رأيت فيها أول الموت. رأيت الذاكرة، سر الحياة.

كانت شجرة التوت، رغم خضرتها الذاوية، هي نقطة الهداية إلى أول المكان، وها هي الآن تلفظ خضرتها الأخيرة أمام عينيه العاجزتين.. فالدمع المالح لا يروي الشجر ولا يعيد خضرة محكومة بالغياب.


* * *


في الصباح المبكِّر، مع إطلالة الشمس، كان يقف للمرة الثانية إلى جانب الشجرة نفسها، التي استشرى فيها الجفاف عن الأمس. لكنه هذه المرّة لم يكن وحيداً..

كان مشحوناً بالإصرار على أن يأتي هذه المرة مصطحباً أحد شباب القرية، ممن ولدوا في المنافي. جاء به ليورثه ذاكرة مرممة، ويصون معه مكاناً كان هنا في هذا المكان..

معاً أمسكا أغصان الشجرة، نفضا عنها ما استطاعا من غبار الاسمنت وغبار السنين، تحسسا ما تبقى لها من أوراق تجاهد أمام غزو الفناء.

كان "سليمان" يعيد لعيون الشاب بناء المكان، فتنهض القرية أمامهما من جديد، كما كانت هناك.. ذات يوم.. على الأرض..

يقول:
ـ إنهم، قادرون على احتلال الأرض، محو البيوت، تبديد المعالم، إقامة المباني الحجرية الغريبة للقادمين الغرباء.. ونحن، قادرون على الاحتفاظ بالوهج الدائم لنجمتنا التي هناك..

..هم قادرون على الكثير، ولكن.. من منهم يقدر على أن يطفيء نجمة في القلب؟
.. من منهم يقدر على أن يطفيء نجمة.. يرثها القلب عن القلب؟!


إذا كنت مؤلف هذه  قصه وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى المُزيرعة
 

شارك بتعليقك