فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
'Aqraba - عقربه : قتل الحضارة وابادة التاريخ

شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى عقربه
כדי לתרגם עברית
مشاركة  حمزة ديرية  في تاريخ 10 شباط، 2010
بسم الله الرحمن الرحيم



قتل الحضارة وإبادة التاريخ
"طرقات على جدران الخزان"
حمزة ديرية
5\2\2010





إن وجود الشواهد المادية لهو دليل على الحضارات، ولا يُمكن لأيٍ كان ادعاء وجود حضاراتٍ مُعينةٍ إلا بتقديم الشواهد الحقيقية التي تُبين وَتُؤكِدُ تلك الحضارات.
هذا ما يُؤكده علماء الآثار دائماً، وهو ما يُصر عليه الدكتور إبراهيم الفني عالم الآثار الفلسطيني، إذ لطالما حاورته وحاولت إقناعه بوجود حضارات قديمة في قرية عقربا قبل الفترة الرومانية، وأن المنطقة شَهدت أحداثاً ومحطاتٍ تاريخية مُهمة، غَير أن الدكتور الفني كان في البدء يُصر على أن تاريخ عقربا لا يتجاوز الفترة الرومانية وأنها كانت مدينة عريقة وذات أهمية كبيرة في تلك الفترة.
ولما كُنت عاجزاً عن تقديم أي شاهدٍ مادي يعود لتك الفترة غير بعض النصوص الواردة في الكتب والتي لم تُفلح في تغيير قناعات الدكتور الفني ، لإصراره على موقفه المبني على علم الآثار الذي يؤمن بالدليل المادي لإثبات أي حضارة.
هكذا إذن ، فلا بُد من الاحتفاظ بالشواهد الحضارية لكل موقع أثري وحيثما تواجد وذلك لتحديد وتبيان تاريخ وحضارة ذلك الموقع، فبدون هذه الشواهد المادية لا يُمكننا القول أو الإدعاء بأن هذا الموقع يعود لتاريخ كذا أو حضارة كذا. فعلم الآثار لا يؤمن إلا بمشاهداته على أرض الواقع ولا يَقنَعُ إلا بالمحسوس من بقايا تلك الحضارات التي لا تَزالُ دَفينة ً في باطن الأرض.
وبالحديث عن قرية عقربا فانه يُمكنني القول قطعاً أنني قدمت الدليل المادي الذي يُؤكد وجود حضاراتٍ سابقة للفترة الرومانية في عقربا وذلك من خلال بعض الفخار الذي أُتيح لي نَقله لأهل الاختصاصِ من أهل علم الآثار كالدكتور الفني فتأكد لي ولهم وجود تاريخ عريق في قرية عقربا . وكان بعض الفخار الذي تم فحصه يعود إلى الفترة البيزنطية والرومانية واليونانية وبعضها للعصر الحديدي والأهم من كل ذلك وجود فخار يعود إلى العام (3300) قبل الميلاد أي في العصر البرونزي المُتقدم وهي من أقدم الحُقب المعروفة للتواجد البشري في بلادنا.
لكن يؤسفني القول بأنني قدمت الدليل من خلال بقايا الأطلال التي تناثرت وتطايرت بفعل الإجرام والفوضى التي أُحدِثت في هذه القرية، إذ اُرتُكِبَت جرائم إبادة حقيقة بحق الحضارة الإنسانية وبحق التاريخ البشري الضارب جذوره في عُمق تُربة وأرض قرية عقربا .
وإن الذي حدث ويحدث في قرية عقربا لَهُو جَريمةٌ ليس بمقدورنا السكوت والإعراض عنها، فَقد نَفِذَ الصبر أمام كَثرةِ المُشاهداتِ والجرائم التي مُورست خلال فترةٍ لم تتجاوز بضع سنوات.
فالجرائم التي مُورست تستدعي الصُراخُ عالياً في كل المحافل ذَاتِ الاختصاص والمسؤولية عما جرى ويجري، عَلّنا بِذلك نَستطيعُ إدراكَ ما بَقي من تاريخٍ وآثار دون التخريب والتدمير، ولننجو كذلك من لعنة التاريخ والأجيال التي ستردم باللعنات سيرة من أهمل وقصر في حماية التراث وبقايا الشواهد الحضارية.
ولكم يُؤلم وَيُؤرقُ مَشهدُ عشرات المعالم التي اُّقتُلِعت من أرضها وَزُجَّ بها إلى عالم الاتّجار والسمسرة لِتُصبِح في نهاية المطاف في يد قتلة البشرية ولصوص الحضارة, تجار اليهود.
ولا يَقل عن جرم الاتّجار بالآثار وبيعها، جُرم الهدم والتجريف وتدمير أهم الآثار بهدف البناء محلها وتشييد أبنية جديدة. فهذه كتلك جريمة لا تُغتَفر ولا يمكن السكوت عنها وتناسيها.
إن قرية عقربا - للأسف الشديد- تعتبر النموذج الأكثر جنوناً وحماقتاً عبر التاريخ في تدمير التراث وإنهاء معالم الحضارة. ولم أرَ ولم أقرأ عن قوم أسوء من هؤلاء في التخريب والتدمير لقيمهم الحضارية والإنسانية.
هذه الظاهرةُ التي عُرفت ومورست لعشرات السنين في القرية كانت ظاهرة عامة في النطاق الطبيعي لأمراض البشرية منذ القدم والتي لم تكن وليدة الأحداث في فلسطين فحسب. وقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى مثل هذه الظواهر في عصره. لكنها لم تعد خلال السنوات الأخيرة في قرية عقربا ضمن النطاق المعقول والذي يُمكن السكوت عنه وتركه يسير في مجراه وذلك لاستفحال أمر الظاهرة وخروج خطرها وشررها إلى أبعد حدٍ ومدى.
ففي السنوات العشر الماضية تغيرت جغرافية الأرض وطبيعتها المعروفة وحدثت تبدّلاتٌ في المظهر والمبنى، وكل ذلك ليس بفعل زلازل أو هزاتٍ أرضية، ولا بفعل الاحتلال وقنابله النووية.. إنها التغيرات الناتجة عن التنقيب والهدم غير الشرعي للمباني والخرب الأثرية، بحثاً عن الذهب واللُّقى الأثرية.
فأصبحت الأرض غير الأرض والأماكن كلها باتت خرائِبُ وأماكِنُ أثريةً بَعد أن كانت نَسياً منسيا، فاقتُلِعت البلدةُ القديمة وأُزيلت عشرات المعالم والدور الأثرية حتى باتت القرية كفراءَ خاليةً من كَثيرٍ مما كان فيها من المواقع الأثرية.
فالحضارة التي كانت مَطمورة ومدفونة في باطن الأرض لمئات السنين كان مصيرها الخروج عُنوَةً لِِتُباعَ خِِلسةً من وراء الأستار للتجار والسماسرة، وبذلك أُضيعَ التاريخ للأبد ودُمِرت الحضارة وأُنهي بقية الأمل في توثيق حضارات وشواهد تنتمي للإرث الإنساني عبر التاريخ.
حدثت مئات الجرائم بل مئات الآلاف، والقصص والمشاهدات أكبرُ من أن تُدون وَتُحكى ، وما يُنكَرُ أكثرُ مما يُصدق، وبدأت حركة نشطة للبحث والتنقيب غير القانوني بمشاركة العشرات من أبناء قرية عقربا يَصحبُهم آخرون من مناطق ومدن شتى كالخليل وجنين. وبات التخريب والتدمير صورةَ كُلِ مَوقعٍ يَحُل به هؤلاء القوم. فهم لا يَكتفون ببيع ما يستخرجونه بل يُخربون الموقع ويُدمرونه ويَجعلونه حُطاماً غَير قابلٍ للانتفاع والبحث الأثري والعلمي من قبل أهل الاختصاص لاحقاً .
كانت الجرائم كثيرةً وَتُعَدُ وَتُذكَرُ في كُلِ مَجلسٍ ومحل، غير أن أحداً لم يُحرك ساكناً ولم يُسكن متحركاً في ما يَخُصُ هذا الشأن، وكأن شيئاً لم يَحدث، وبات للتخريب عناوينٌ ورموز وخُبراء لِكثرةِ ما نَقبوا وأطالوا في العمل بهذه الصنعة والمهنة، وبات عَدُّ الخرب والمواقع المُنقبة والمُخربةِ يُجهِدُ ويُتعب إذ خلال ست سنوات من البحث والتوثيق المتواصل لم أستطع حتى اللحظة إنها وتوثيق كُلِ الخرب والمواقع الأثرية التي تم نبشها والتنقيب بها، ففي كل يوم أجد الجديد وأسمع عن الكثير، لكن وللأسف الشديد أنها كُلها دُمرت وانتُزعَ ما فيها وباتت قاحلة من كل شاهدٍ حضاري يُؤكد أو يُشير إلى طبيعة انتمائها وتاريخها، وكلها كذلك بيعت لتجار سيكون آخر محطات اتجارهم اليهود طبعاً، الذين سكتوا عن هذه الظاهرة وشجّعوها لأنهم المُستفيد من هذا التخريب والتنقيب.
ولو أردتُ ذكر نماذج لما تم تدميره وتخريبه في وسط القرية فقط . لأُصِيبَ البعض بالصدمة لِغَرابة ما سَأذكُره وأورده، ولولا تأكدي مما حُكي لي أو شاهدته دون أن يُسمح لي بتصويره لما تجرأت على الصدح والصراخ في أكثر من مَحفل مُطالباً بالعمل على إنهاء ظاهرة التدمير والتخريب والبدء بالصيانة والترميم لما تَبقى من تلك المباني والآثار.
كانت أحداث الإبادة والمجازر البشعة بحق المعالم الأثرية في عقربا تسير بوتيرة متسارعة ومخيفة، فخلال سنوات معدودة هُدم أكثر دور البلدة القديمة في القرية وأزيلت أقدم المنازل المسكونة في القرية وخصوصاً في المنطقة المعروفة قديماً بالعطايشة واقتُلِعت عشرات المعالم المميزة والمهمة ومنها :
أجمل لوحة فسيفساء رَسمتها يد إنسان أو كثالث نموذج فسيفساء في فلسطين على الإطلاق كما أكد الدكتور حمدان طه وكيل وزارة الآثار الفلسطينية، إذ أنها من النماذج القليلة والنادرة في فلسطين. وكانت بشهادة جملة من علماء الآثار كفيلة بجعل عقربا مركزاً سياحياً وَبَحثِياً لِما تمثله اللوحة من فن وجمال وَحُسن رسم ومظهر.
وكذلك بيع مئات القطع والمكتشفات الأثرية والتي كانت كفيلة بإدخال القرية عالم المواقع الأثرية الأهم فلسطينية ومن ذلك تمثالان من حجر بنقشٍ جميل يُمثل كلٌ منهما رأس أسد، وتمثال من حجر أيضاً لرأس إنسان، وآخر لإنسان كامل وقد صُنع من عاج، وكلها طبعاً بيعت بثمن بخس لا يَصِلُ لقيمتها وأهميتها التاريخية والأثرية.
وأكثر من ذلك بيع مجموعة من القطع النقدية والأختام القديمة والقطع الفخارية والحجارة التي تَحمل كتابات ونقوش يُعتَقد بأنها يونانية أو رومانية.
أما الأختام فأحدها من العاج والأخر من الحديد وقد نقش عليه رسم غزالين يتوسطهما حرف قائم الزوايا.
والتدمير أكبر من أن يُسجل أو يُحصى ففي كل يوم تستجد أمور وتتغير أخرى في البلدة القديمة وفي الخرائب التي تحيط بالقرية. كل ذلك وأهل الاختصاص في غفلة من أمرهم . بدءً من البلدية ثم الشرطة وأخيرا دائرة الآثار، وكأن الأمر طبيعي وضمن الإطار القانوني.
في خِضم هذه الجرائم بحق الحضارة والإرث الإنساني في قرية عقربا بات يلزم وقفة جريئة وشجاعة لتحمل المسئولية أمام التاريخ والأجيال، ولنكون جديرين بالانتماء إلى ذاتنا ووطنا، فلم يَعُد مقبولاً على الإطلاق السكوت عما جرى ويجرى. والتقصير الذي بدا من الجميع سابقاً لم يََعُد مَقبولاً ولا مُستساغاً الآن إذ بِتنا على مَوعِدٍ مع تَشييع آخر معاقلنا الأثرية والتاريخية في قرية عقربا التي كانت ذا دور تاريخي مهم قديماً وبها عشرات الأطلال والبقايا الأثرية التي أثبتت عمق انتماء المنطقة للتاريخ وللتواجد الإنساني القديم على هذه الأرض.
إن خطورة الحدث تستوجب التواصل مع الجميع والعمل الجدي والفوري لإيقاف ظاهرة التخريب والتدمير لتاريخنا وحضارتنا الضاربة جذورها بعمق التاريخ، وذلك علامة انتمائنا الوطني ودلالة صدقنا مع قضيتنا الفلسطينية.
وإنني أوجه أكثر لومي وعتابي لبلدية عقربا التي عَجِزت حتى اللحظة وعلى مدار أكثر من عشرة سنوات عن البدء بالترميم والإعمار للبلدة القديمة " من مسجد الخلافة شرقاً- حتى مقام الشيخ أحمد غرباً- ومن مقام المسيد جنوباً حتى قلعة الحصن شمالاً" وكذلك تقصيرها ببناء المتحف الذي يَجمع أدوات التراث، وإن كل الأعذار التي قد تقدمها لن تكون كفيلة بتبرئتها أمام الله وأمام الأجيال وأمام حُماة وَرُعاة الحضارة والتاريخ.
أما المؤسسات الرسمية فإن ما أستطيع قوله عن تقصيرها وسماحها بالهدم للمواقع الأثرية واستحداث الأبنية مكانها، وتقصيرها في ملاحقة مخربي التاريخ ومدمري الحضارة لَيُعَدُ أمراً من كبائر الأمور.
لكنني وبعد تواصلي مع الدكتور حمدان طه وكيل وزارة الآثار وتقديم مجموعة من الصور والمعلومات عن أهم المواقع الأثرية أرجوا أن يَحدُث تغيير بهذا الشأن وخصوصاً بعد تعهده بالترميم ورعاية التراث في القرية.
وكذلك الحال مع ضبط ظاهرة التدمير والتخريب إذ أنني تواصلت بالتعاون وزارة الآثار مع الرائد سميح نزال مدير شرطة السياحة والآثار فوجدت تعاوناً وتفهما منه للوضع، وَوُعِدت بتغيير الحال وإنهاء هذه الظاهرة المؤلمة والخطيرة..
إذن فإن على الجميع في هذه المرحلة تحمل المسؤولية والبدء بالعمل المُشترك لإنهاء تلك الظواهر السلبية التي أساءت لتاريخنا وحضارتنا والعمل على تشكيل لجنة تتولى رعاية التراث والآثار ونشر الوعي المُفضي إلى رفض ونبذ كل المظاهر التي تؤدي إلى تخريب وتدمير التراث والآثار. وهذا بالنص الحرفي كان مَطلب وزارة الآثار عبر وكيلها الدكتور حمدان طه، كأول خطوة للترميم ورعاية التراث من قبلهم.
إنني اليوم وعبر هذا المقال أقول للجميع وبصوت عالِ بأنه لم يعد بالمقدور السُكوت عما جَرى ويجري ولذا على الغيورين على البلدة ورموز حضارتها وتاريخها الصُراخُ بالترميم والاعمار ووقف الهدم والإزالة لأي مبنى داخل البلدة القديمة أو لأي موقع أثري في محيط القرية، بغض النظر عن ردة فعل البعض واعتراضهم لاعتقادهم أنهم متضررون من منع الهدم أو البناء في البلدة القديمة، وما دَرِيَ أولئك أننا سَنتضرر جَميعاً حين يَهدمون التاريخ والآثار، لأن ما سَيهدمون ليس مُجرد بناء عادي، إن ما سَيهدمُون هو تَاريخنا وامتِدادُنا بالماضي، ولن نَخجل أو نَستحي بالدفاع عن تاريخنا وماضينا وحضارتنا.

إن جُرمنا وذنبنا عظيم وإن ما دُمر لا يُمكن استعادته أو إصلاحه أو حتى نسيان وَبالِه وحسرته، لكن عَزائنا يَتَمثلُ بإدراك ما بَقِيَ من تُراثٍ وآثار، وإن الموقف يَتَطلبُ رجالاً على قدر المسؤولية فيبادروا بالعملِ لأجل خدمة بلدتهم والتكفير عن عظيم الجُرم والخطيئة التي ألحقناها بسيرة بلدتنا وآثارها وحضارتها. إذ أن ما بَقي من تراث القرية لا يتجاوز 20% لكنه كفيل بإظهار وجهها المشرق الحقيقي الذي يتلاءم مع مكانتها ودورها التاريخي. وهذا أقل ما يُمكننا فعله اليوم لقريتنا وتاريخنا وإرثنا الحضاري.




إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

 

شارك بتعليقك