صــــالـــح الــعــرمـــيـط
من أبطال المقاومة الشعبية في فلسطين
حمزة أسامة العقرباوي
2/8/2011
الحديث عن صالح العرميط وصاحبه أبو جلدة هو الحديث عن الأساطير الشعبية الفلسطينية المرتبطة بمقاومة الاحتلال والوجود البريطاني في فلسطين . حيث خرج من رحم المقاومة الشعبية آنذاك أساطير بطولية مجدت عدداً من الشخصيات التي قارعت الاحتلال ونسجت حولهم المخيلة الذهنية قصصاً منبعها الحب والاحترام والاعجاب. ومن هؤلاء الأبطال الشعبيين الذين رويت سيرهم للاجيال: أبو كباري وأبو سرهد وأبو جلدة والعرميط وغيرهم .
وقد تكون سيرة أبو جلدة وصاحبه العرميط هي الأشهر من بين الأساطير الشعبية التي تم تناقلها وحكايتها للاجيال. وأبو جلدة والعرميط فلاحان بسيطان ينتمي الأول لبلدة طمون شرق نابلس والثاني لبلدة بيتا جنوب نابلس.
وقد غدت سيرة هذين البطليين على كل لسان ودخلت قصصهما وحكايتهما في الأشعار والأهازيج الشعبية ولذا كُنا نسمع:
قال أبو جـلـدة وأنا الطموني ... كـل الأعادي ما بهموني
قال أبو جلدة وانتا العرميطي .. وأنا ان متت بكفيني صيتي
قال أبو جلدة يا خويا صالح . اضرب لا تخطي والعمر رايح
قال أبو جلدة وأنا العرميطي ... والله من حكم الدولة لفطي
وأبو جلدة ماشي لحاله.. والعرميط راس ماله
وأبو جلده والعرميط .. ياما كـسروا برانيط
ولد صالح أحمد مصطفى العرميط في بلدة بيتا نهاية الحكم العثماني لفلسطين، وكان وحيداً لوالديه إذ لما يرزقا بغيره، عُرف بنشاطه وحيويته وجرأته مُنذ الصغر وكان يُعد الأقوى بين أبناء جيله وأقرانه. له شخصية قوية وجسم ممتلئ متين ذا بأس وقوة. وكان عمله في الزراعة والفلاحة كسائر عائلته وأهل بلدته. وقد وصفه صدقي نجاتي في مذكراته :((رجل قوي البنية ، شديد البأس، عينه أبو جلدة نائباً له مُطلق الصلاحيات)). وذلك لما التقى به صدقي نجاتي في السجن مع رفيقه ابو جلدة قبل أن ينفذ بهما حكم الاعدام.
والعرميط تفرر قبل الثورة على خلافات ومشاكل وكان مطلوباً للاحتلال البريطاني . لكنه مع نهاية العشرينات التحق بصديقة المُفرر ورفيق العمر أبو جلدة وبدأ الشباب يجتمع من حولهم لتتشكل عصابة قوية اشتهرت في بداية الثلاثينات باسم (عصابة أبو جلدة). وكانت من أوائل الحركات الكفاحية ضد الوجود البريطاني في فلسطين.
حاول الاحتلال استمالة العرميط واغرائه بالعفو العام مقابل تسليم أبو جلدة أو ارشادهم لمكانه، حيث طُلب من خاله(سليم حسن عديلي) احضاره لمبنى الكشله بنابلس للمقابلة وفق ضمانات للافراج عنه.. وقد ماطل العرميط بالاجابه ليتمكن من الخروج وكي لا يُغدر به ويتم اعتقاله، ومن ذكاءه أنهم قدموا له الشاي فامتنع عن شُربه ولما أصروا أخذ الكوب الذي قدم للضابط البريطاني.
وبحكم الخلفية التي تفرر عليها صالح العرميط ورفيقه أبو جلدة فقد أُلصقت بهما تهمة الشقاوة واللصوصية وقطع الطريق، وهي ذات التهمة التي ألصقها الاحتلال بقادة الثورة لاحقاً كالقائد العام لثورة 36 عبد الرحيم الحاج محمد .
وعند الحديث عن العرميط ودوره في عصابة أبو جلدة علينا أن ندرك بأن العرميط رفيق أبو جلده ونائبه ذو الصلاحيات المطلقة وهو بالتالي شريكه بكل المفاخر البطوليه والقصص الشعبية التي رويت لأبو جلده وعصابته .
وقد وصف صالح العرميط عبر الرويات الشفوية بأنه حارس أبو جلده والرفيق الأمين له ومن ذلك، أن الاحتلال جند أحد البدو ليلتحق بأبو جلده ثم يقوم بقتله أو تسليمه عندما تحين له الفرصه.. وبعد شهرين من رفقته لهم حيث تعاملوا معه كواحد منهم ، استغل هذا الرجل نوم الجميع وحاول الغدر بأبو جلده أثناء نومه ، فانتبه العرميط للمؤامرة فأنقذ صاحبه .
بدأت عصابة أبو جلدة تأخذ حيزاً ومكانة لدى عامة الناس وباتت سيرهم وأخبارهم متناقلة من شمال البلاد لجنوبها، وقصص معاركهم وما يتعرضون له من ملاحقة وكمائن حاضرة في كل المجالس الشعبية.
لاحقت برطانيا عصابة أبو جلدة وجندت العملاء للوشاية بهم ولاحقتهم ونصبت لهم الكمائن وبذلت كل الوسائل للامساك بهم ، وقد أنشئت مراكز بوليس في عدة مناطق منها مخفر البوليس في قرية عقربا. غير أن ابو جلده ورفاقه كانوا على وعي كافي لما يحاك ضدهم فغيروا أماكن تواجدهم وتنقلوا بين الشمال والجنوب فمكثوا في غور عقربا بين فصايل والجفتلك مدة طويلة وكانوا في الصيف يختبئون في خربة يانون شمال عقربا . وقد وجد أبو جلده والعرميط ورفاقهما المساعدة والعون من قبل الفلاحين ، وكانوا يقدمون لهم الطعام والشراب والمأوى والمبيت، وذلك اعجاباً بهما وبشجاعتهما ومواقفما المشرفة والمجابهه للاحتلال .
اشتهرت هذه العصابة وباتت تشكل مصدر ازعاج للسلطات البرطانية وزادت الشكاوي على أبو جلدة وعصابته وكثرت العمليات التي يتبناها هؤلاء الفرارات وقد توزعت عملياتهم بين الغور وجنين ومرج ابن عامر وشمال فلسطين . وفي منطقة الحولة وما حولها حيث توجهت العصابة بقادة أبو جلده والعرميط وقارعوا اليهود الوافدين لفلسطين .
في العام 1933 وقع الأبطال في كمين محكم نُصب لهم بالتعاونن مع أحد أقرباء أبو جلده، وقامت بريطانيا بإستدعاء خال العرميط (سليم حسين عديلي) لإخراجه وصاحبه أبو جلده ومن معهم من المغارة التي احيطوا أثناء اختبائهم فيها . وهكذا اقتيد الأبطال الى الاعتقال وهناك مكثوا في السجن بانتظار حكم الاعدام .
ومما يؤثر عن صالح العرميط أنه طلب من والدته أن تحضر له في الزيارة الأخيرة خنجراً ليدخله معه في قبره ليطعن الخائن الذي وشى به للاحتلال.
قٌدم الأبطال أبو جلده والعرميط للمحاكمة ونفذ بهما حكم الاعدام في سجن الكشلة في القدس . لتسدل الستاره على صفحة مجيدة من بطولات هذا الشعب العظيم.


شارك بتعليقك