فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
قصة: حسن الممروش لم تناول عشاءه ذلك المساء - القسم الاول
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى كفر عنان
כדילתרגם לעברית
مشاركة Raneen G. في تاريخ 20 أيلول، 2009
حسن الممروش
لم يتناول عشاءه ذلك المساء


بقلم ابراهيم مالك
2008
( 1 )




في مكان ما على الطريق العام، الذي لم يعد ملك أصحابه والصاعد من عكا الفينيقية والواقعة غربا على البحر،عند القرن الشمالي من صخرة الخليج ،الى مدينة صفد الكنعانية الممتطية، بشموخ، ظهر جبل كنعان والمطلّة على وادي عامود، الذي كان عشا للنسور والرعيان من بدو ظهر الجبل والغني بمائه العذب قبل أن تغمره المياه العادمة–كريهة الرائحة– لمدينة صفد الجديدة، تقع وعرة الدّبة التي ابتنى فيها وعلى مرتفعها حسن الممروش بيته الجديد، بعد أن أبعد قسرا عن كفر عنان في ذلك العام الذي يحزنه كثيراما كان فيه فلا يحب تذكره وذكره.
ألقى حسن الممروش بجسده المتعب على الحصيرة التي افترشتها زوجته عند مسطبة الباطون أمام مدخل بيته.
كان الطقس، في ذلك المساء الجليلي، لطيفا وباردا بعد نهار شديد الحرارة.
أحس حسن الممروش بتعب العمل، ذلك النهار، في المحجر الذي بقي لأبي يعقوب البعناوي والواقع على الطريق الوعري في منتصف الدرب الترابي القديم، الذي يربط بين قريتي نحف وساجور، على أرض مصادرة، لم يعد أحد يتذكر أهي من نحف ام ساجور، أم البعنة أوالدير،وقد باتت، بقدرة قاهر،ملكا لشازور وكرمئيل المشيدتين حديثا.
لم يتمكن حسن الممروش في ذلك المساء الجليلي الجميل النوم كالعادة. وقع فجأة فريسة أفكار وهموم، ازدحمت في مخيلته وأبعدت عنه النوم الذي كان جسده المتعب في أمسّ الحاجة اليه.

* * *

هبّت، ذلك المساء،ريح خفيفة، داعبت جسده المتعب وكادت تنسيه حر ذلك النهار وتريحه قليلا من تعب العمل في المحجر وكادت تدفعه الى أن يصيح بأعلى صوته:
ما أجملك يا وطن.
لكنّه لم يفعل ذلك، فلم تغب عن باله ذلك المساء وكل مساء حقيقة أنهم سرقوه. وظلّت الأفكار ترن في عقله وأذنيه وتزدحم أمام عينيه، التي هرب منهما النعاس، صور شخوص يعرفها جيدا وأخرى يعرفها قليلا، لكنها حضرت مجتمعة ذلك المساء:
أبو حسين لمباركي من النهر، حميد أصلان من أم الفرَج، حسن هواش من البروة، أبو خليل دباجة من عمقا، أبو بدر خطيب من كويكات ، سلمان العلي من فراضية وقاسم الشلبي من صلحة وغيرهم كثيرون، اعتاد يلتقيهم عند صلاة الجمعة في جامع الجزارالذي حرمته الأبنية الشاهقة في عكا الجديدة من متعة الاطلالة على مشهدية الجليل الجميل.
كانت الريح الخفيفة، المنعشة قليلا، آتية من موقع المرجة عبرالجرف الصخري، شديد الانحدار، الواقعة عند مفترق الطريق الموصل الى بيت جن شمالا والى البقيعة غربا، المدهشتين بطيبة ناسهما وبجمال طبيعتهما، والواقعة عند أقدام جبل حيدر، الذي التصقت بمنحدره الجنوبي قرية الرامة، التي بدت لحسن الممروش، ذلك المساء، مثل عروس عاشقة وملتهبة العشق ممسكة بأطرافه.

* * *

أدركت زوجة حسن الممروش أن زوجها لم يسترح لسكنى بيته الجديد في الدّبّة ولن يألفه مهما يطل الزمن، بناه حين صار لاجئا وظلّ فيه لاجئا.شعور قوي ظلّ يعيده ويشده الى كفرعنان. وكما أكد لها مرارا:
لاشيء يعدل الوطن. صحيح لم يذهب به الرحيل بعيدا، وما زال في وطنه الأكبر، لكن كفرعنان، قريته الصغيرة، ناسها الذين رحّلوا قسرا، ظلّوا وطنه الذي يفتقد.
حدّثها أكثر من مرّة:
ناسه هم الوطن، أترابه الذين كبر بينهم وقاسمهم اللعب والشيطنة في حواكير كفرعنان والتي خبر جيدا كل تينة وزيتونة فيها وعرف كل موكرة أرانب وأين تقع أعشاش الطيور ومواعيد تفقيسها وأين تقع نبعة الماء، التي يردها العجّال وتردها الصبايا في الأماسي...
هذا العالم ، قال لها مرة، هو الوطن.
وهو ما يفتقده في الدبة وناس التلة، القرية المجاورة. أحب ناس التلة، بعجرهم وبجرهم، بطيبتهم وسيئاتهم، لكنه أحبّ أكثرقريته– كفرعنان،ماءها وهواءها، بيوتها الطينيّة وأزقتها الضيقة، أحبّها بفقرها وشظفها، لأنه أحبّ ناسها ومهد صباه.
في كفرعنان عرف حبه الأول، الفتاة التي صارت زوجه.

* * *

عرفت زوجة حسن الممروش زوجها جيّدا، خبرته طويلا، فقد ربط بينهما العيش والملح والاولاد ولذّة افتراش الأرضيّة والتحاف العراء في الليالي المعتمة. وربط بينهم حلم جميل بعالم سعيد طال انتظاره ولمّا يلح فجره في الأفق. قاسمته مرارة الحياة وقليل حلوها، ترحها وفرحها ، منغصاتها وهنائها، فصارت تعي وتعرف كل بادرة تنمّ عنه، تقرأ كل اشارة في عينيه وكل حركة في جسمه، الذي طالما انشدّت اليه واحتضنته بشدّة.
لاحظت ذلك المساء أن زوجها يؤثر البقاء فوق الحصير المفروش فوق مسطبة الباطون التي أحاطها بتراب جلبه، خلسة وعلى دفعات، من الأرض، التي كانت لهم، العامرة بكروم التفاح في حضن الوادي الخصيب والواقعة على الطريق الصاعدة الى جبل حازور، الذي يحتضن بحنان أم قرية المغارالمهووسة بعشق بحيرة طبريا، فتديم النظر اليها، ليل نهار، والى ما كان من كروم الزيتون التي ابتلعها الغول، في غفلة من الزمن، هي وشبيهاتها من أرض طيّبة في عين لبون ودير حنا وعرابة وسخنين.
وضعت العشاء على أرض المسطبة، قرب الحصير، الذي افترشه حسن الممروش فور عودته الى البيت متعبا، ورجته أن يتناول عشاءه ساخنا وقبل أن تطاله برودة المساء.
لكنّ حسن الممروش كان مشغولا بأفكاره، التي أنسته أو كادت تنسيه تعب ذلك النهار، فلم يتناول عشاءه ذلك المساء. ولم يقربه، رغم أنّه كان يحب ما أعدت له من طعام عشاء: صحنا من البامية الطازجة مطبوخة بالبندورة وبالثوم – قوي الرائحة –ورغيفا أسمر من خبز القمح، الذي أعدّته في موقدة الحطب جارتهم أم محمّد من فرّاضية،
ورأس بصل وكوب ماء جلبت ماءه المنعش من نبعة الدبة.

***
لم يشعر حسن الممروش كيف غا بت الشمس واختفت وراء الجبل الراكع مثل عابد خاشع أمام قرية مجد الكروم ،العامر بتينه وزيتونه وقد بدأت تمتدّ اليه يد خفيّة ومرئيّة، تطلّ أحيانا من مباني كرمئيل الشاهقة وأحيانا أخرى من فيلا تتسوريت وغيلون المطلة على شعب في الجنوب، التي نجت يومها من مصيرأخواتها–ميعار والرويس والدامون، والمطلة كذلك على مجد الكروم في الشمال.
لم يدر كيف انقضى الوقت سريعا، سرقه دون أن يدري، حدّث نفسه،حين أفاق:
يا زمن، ماذا أنت فاعل بنا؟.

***

استدار بجسده المتعب،عدّل من جلسته واعتمد في الجلوس على يساره. وكان اعتمد طويلا على يمينه الذي أتعبه فاستبدله، علّه يرتاح قليلا. لكنه لم يطل الاعتماد على يساره، سرعان ما عاد الى الاعتماد على يمينه. علّل نفسه بعض الشي. لم يتركه التعب، لكنّه اعتاد الجلوس متكئا على يمينه, فهذه عادة ألفها منذ صغره، أوأنه حمل على أن يألفها. اعتاد الأكل بيمينه والكتابة والخربشات المختلفة بيمينه، اعتاد تحريك عينيه، عند القراءة، من اليمين، حتى أنه ظنّ أن أهل الجنة سيكونون ممن حملوا كتابهم بيمينهم.
شعر أنه ذهب في هواجسه بعيدا، طلبا للراحة، بعد ذلك اليوم المضني من العمل في المحجر.

***

لفت انتباهه أنّ القمركان بدرافي ذلك المساء. وقد بدأ نوره يتسلل الى البقعة الجميلة طالعا من وراء جبل كنعان، كان جميلا يضيء عتمة البقعة.نظر يتأمل الشارع الممتد بتعرجه الجميل وسط كروم زيتون الرامة القديم وشديد الخضرة. رأه مدهشا بجماله. لاحظ أنه لم ينتبه كفاية الى ما فيه من جمال.تعب العمل اليومي كاد يهدّه، فلم يُبق ِله متسعا من الوقت للتفكير السليم والتمتع بجمال المكان.
اعتاد السير على الشارع مشيا في طريقه لزيارة ما كان يوما بلده، أرضه وقريته. يمر وسط الكروم كل يوم لكنه لم ينتبه لجمال المكان وجلال هيبة الزيتون العماري القديم. كان جمال كفرعنان أكثر ما يشغله.
أمعن النظر قليلا، رآه كيف راح يزحف ببطىء متفرعا الى أماكن عدّة طالما زارها:
وادي سلاّمة الجميل، الذي لم تسلم طواحين مائه من ريح صرصر، فصارت خربة، يسكنها الغربان نهارا والبوم ليلا، والطريق القديم الصاعد الى جبل حازورالغارق في بحر زيتون، والجديد الذي يشق ظهر الجبل، عند كفر عنان، مشرّقا الى حوض البحيرة وسهل الحولة في الغور المنخفض وشديد الحرارة، وذلك الصاعد الى صفد مرورا بعين الأسد وفرّاضية وعين زيتون والصفصاف.
أخرج تنهيدة قوية، طلعت من أعماق صدره المتعب.انتابته حسرة مفاجئة، لكنها مزمنة، كيف لم ينتبه من قبل الى جمال هذا المكان. كل بقعة في هذه الأرض ولها جمالها. كل مكان يجمل في عينيه. يكفي أنه جزء من وطن. لكن تقدّمت به السنون قليلا دون أن يشعر،ليته كان الزمن يتوقف عند كفرعنان.بات يحس با لتعب،ذهب الشباب،يوم رحّلوا شمالا.أخذ تعب العمل واقتطاع صخر المحجر ينال منه ويهده.
شعر لأول مرّة ذلك المساء،أن العمر مرَّ سريعاولم تلح أول الطريق العائدة الى كفرعنان.بلغ من العمرالستين.قضى نصفها في كفرعنان،وقضى النصف الثاني في وعرة الدّبّة مسكونا
بحلم العودة.كان سيتوقف عن العمل، لولا حاجته الملحّة أن يعلم ابنه الصغير في ايطاليا.
وكا نت جامعات البلاد قد أغلقت أبوابها في وجهه بكل أدب.اراد ان يتعلّم احد الفروع
الدقيقة التطبيقية،لكنهم بأدب جمّ رفضوه.
وفي الغربة كان من يتكفّل باقناعه أن يدرس الطب،فقبل مرغما وكان يحب هندسةالطيران.ارتاح حسن الممروش لخيارابنه،فكان خاف عليه أن يصيرمتسكعا في الشوارع أوأن يختطفه الأمريكان فيصبح عبدا لهم وعقلا في أسواقهم،كما أصاب كثيرين.
ارتاح حسن الممروش لخيارابنه، اذ تذكّر يومها ما كان مآل صبيح نعيم الهيب من طوبا.
كان أبوه نعيم الهيب عضوا متطوعا في الفرقة المحاربة الصدامية المسمّاة "بلهيب"، التي عرف جنودها بحسن هندامهم وطلتهم السمراء اللا فتة للانتباه وذقونهم الحليقة وشواربهم السوداء المعتنى بهابشكل خاص وحسن وفائهم للقائد،أيا كان، وحبهم للاستعراضات العسكرية والأعراس التي كانت تشكل لهم مناسبة لعرض ما في حوزتهم من اسلحة واطلاق رصاص بغزارة في الفضاء، واشتهروا في الخمسينات بملاحقة من كانوا يوصفون بالمتسللين، الذين تمادوا، كما كان يقال، بالحنين الى ما كان مهد صباهم.
وبحكم هذا الماضي نجح أبوه في ترتيب وساطة له، فقبل في بار ايلان في فرع الكيمياء النووية وفي السنة التي حصل فيها على درجة الدكتوراة، قتل أبوه، وكان يسوق مختالا، كما يحكون، سيارة جيب تابعة لحرس الحدود فوق الأرض التي كانت مرة سورية. نفر حسن الممروش من مجرّد تذكّر الأمر. قال بغضب مكبوت:
مأساة أن يصبح التعلّم واسطة. وما أزعجه في الأمر كثيرا أن صبيح عمل بعد دراسته معلما في ثانوية القرية المجاورة. وبعد سنين شاع خبر أنّ صبيح وقّع مع الأمريكان عقد عمل، يلزمه عدم الخروج من أمريكا، طيلة عشر سنوات، والعودة الى بلده الاّمرّة واحدة، اختار أن تكون يوم وفاة أمّه وطفة حسان الهيب. ومن يومها لمّا يعد. خاف حسن الممروش مثل هذا المآل. فارتاح لخيار ابنه. المهم أن يتعلّم ويعود، قال محدّثا نفسه.


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى كفر عنان
 

شارك بتعليقك