فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
حسن الممروش لم يتناول عشاءه ذلك المساء - القسم الثاني
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى كفر عنان
כדילתרגם לעברית
مشاركة Raneen G. في تاريخ 20 أيلول، 2009
( 2 )

بقلم ابراهيم مالك
2008


كان أبو يعقوب البعناوي انسانا طيّبا، حسن السلوك والسمعة. طيبته وليست قراءاته هي التي حددت قناعاته، مسلكه العام، وفيما بعد، قناعاته وصحبته. وجد بيئة، تغلب عليها الرومانسيّة المتنوّرة والحلم بعالم جميل، تسوده العدالة الاجتماعية ومساواة الناس وتنتفي منه كل الشرور، حنا لابراهيم، رمزي الخوري، حسن البكري وحسين العابد. لقي نفسه واحدا منهم، فأخذ يثقف نفسه ويقرأ أدبا جميلا بصدقه وانسانيته.
عرفه حسن الممروش منذ كانا ولدين، يدرسان في الناصرة، خبر فيه طيبة، احترمها كثيرا، كان طالبا نجيبا، مجتهدا، يساعد الآخرين وطموحا في كل ما أتى. وفي العام الذي أسمياه"عام الشر" جمع بينهما صدفة مصير، ارتبطا بعده بشكل أوثق. جمعهما المُ ما كان ولا يزال.
حدّثه أبو يعقوب، قال:لن أنسى ما حييت.
في ربيع ذلك العام الحارق، جاؤوا من الغرب، من طلعة الليات، عند وادي القرار الواقع تحت مجد الكروم وفوق البروة وشعب، يسبقهم في جنون الريح نبأ المجزرة، التي وقعت في دير الطنطورة. لم يكن ثمّة ما نحتمي به ونحمي به انفسنا غير الكنيسة ومقام الأسد فهربنا الى الكنيسة، وهرب كثيرون الى دير الأسد المجاورة، التي ثبت أنها لم تكن احسن حظا من البعنة. قال أبو يعقوب، وكان يمسح دمعة عاندته فانهمرت رغما عنه، أذكر، جمّعونا، يومها،عند عين البلدة، في ملتقى الطريق الترابي، الذي كان يجمع بين القريتين. أُخرجتُ من الكنيسة حافيا. وكان بعضنا في قمصان النوم، شبه عراة. واختاروا منا أربعة شبان، قتلوهم عند العين، اثنين من البعنة واثنين من ديرالأسد، اختارهم عن معرفة رجل، أسميناه "رجل الخيش"، وبعدها صدرت الأوامر:
كبار السن ومعهم النساء والأولاد الى سوريا ولبنان، اما الشباب فاقتيدوا غربا، وكنت بينهم، الى معتقلات "كردانة"و"عتليت" و"صرفند".

***

تذكّر حسن الممروش، ذلك المساء، ما رواه أبو يعقوب البعناوي، قال:
كان المعتقل سجنا كبيرا، نقيم فيه، وسط خيمة مفتوحة على الفضاء ولكن سدنتها كانوا يحصون كل أنفاسنا. كان المعتقل عذابا وجوعا، وكان مهانة وقملا. وشاءت الصدف، يومها، أن لم يرتحل الكثيرون من اهل البعنة وديرالأسد بعيدا، شمالا وشرقا، بقوا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، في منطقة "المحوز"، الواقعة بين يركا،المطلّة على مشهدية الخليج الرائعة غرباوعلى وادي المجنونة شمالا والغافية عندأول الجبل،وبين الوادي الذي يحتضن في أعلاه كسرى ويانوح، اللتين كانتا من المعاصي وباتتا مشرعتيّ الأبواب أمام الشبح الطالع ممّاعرف بأدغال يانوح وترشيحاوقداشتهرتا بعنبهما المشهّي، ويضم في مرتفعه ما كان من عرب الزنّار،الذين باعهم، بمراعيهم وحواكيرهم العامرة،منباعهم في ليلة لم تعرف ميلاد قمرولم تشهد تساقط نجوم.
قال أبو يعقوب البعناوي،يومها،لحسن الممروش،الذي خبرالمعتقل،هو بدوره:
ما أمرّ أن يفقد المرء حريته ولو تحت قبة السماء المفتوحة.أن تنتزع حرية المرء،أفظع من أقسى عقاب.
هزّ حسن الممروش،حينها،رأسه وردّ في حزن بالغ:
ولكن ما أقسى منه هو أن تنتزع حرية المرء ويؤخذ ما كان له،تعسفا. ما أفظع أن يبدو القا تل قتيلا ، فيبدو القا تل وكأنّه القتيل!وتقع البلبلة المتعمّدة.وما أمرَّ أن تحاول الضحيّة اثبات أنها ضحيّة،في وقت يكثر فيه الجناة والصامتون .
ولفّهما صمت شوّشته ضربات شواكيش المحجر.
وبعدفترة وجيزة،روى أبو يعقوب البعناوي،متابعا حديثه:
أفرج عنا وعدنا الى البعنة،عدت الى العمل في التعليم.ولكن سرعان ما فصلت منه ،أنا وزملائي، قال،فعملت في محجر صخري،بقيت أرضه لأهلي صدفة. وقدالتقينا في مظاهرة،أنت وأنا،قال، وتوطدت معرفتنا.جمعنا الألم والمصيروها قد ضمنا سقف واحد–المحجر.
اغتصب ابو يعقوب البعناوي ابتسامة،أفلتها ليُرَفّه َعما فيهما من ألم.
وصارت زمالة المدرسة رفقة قناعة وصحبة عمل.أكد حسن الممروش،مكملا ما ابتدأه أبو يعقوب البعناوي.

***

كان حسن الممروش يحترم مشغّله أبا يعقوب البعناوي،دفع،بداية، ثمن قناعاته ودفع،لاحقا،ثمن انتمائه.وفي الحالتين كان الثمن مكلفاوصعبا.لم يسىء له يوما ونشأت بينهما علاقة زمالة،فلم يشعر أنها علاقة مشغّل وشغّيل،فكانا يخلوان طويلا،في ساعة القيلولة،يد خّنان سيجارةويتبادلان أطراف الذكريات،خصوصاما كان وصار.
حقا، تبدّل حاله، صار مشغّلا مجتهدا، وكثر ماله. وكثرة المال والجري طمعا به مفسدة وأية مفسدة . ولاحظ أن بعض صحبه تبد ّل وتغيّر وظهر أصدقاء كثيرون. تبصرهم، كالفطر بعد المطر أو كالقطط في شباط، شديدة الرائحة، يكثرون حيث يظهر المال. فله رائحة مذهلة، تشدهم اليه. ولاحظ كذلك أن بعض مسلكياته تغيّر. لكنّه، رغم تبدّل أحواله، ظلّت فيه طيبة، لاحظها حسن الممروش، فظل يحترمه، وقد علقت به منذ الطفولة، منذ كان صغيرا، يدرج في شوارع قريته، ظلّت تلازمه.

***

في لحظة، نسي أبو يعقوب البعناوي نفسه ومن يكون؟.
خاف حسن الممروش، فصارح أبا يعقوب البعناوي، كان يعزّه، فاتحه وكشف ما كان يخيفه حقا. حذّره مما كان يبيّت ضده. قال له حسن الممروش:
ليس العيب في أن تغتني، ولكن الخوف من أن تصبح أسير بحثك، الذي لن يعرف الحدود ساعة يبتدىء، عن مزيد من المال.
زاد خوف حسن الممروش، حين سمع أبا يعقوب البعناوي يتحدّث عن جسور، يريد بناءها بين من أخذوا كفر عنان وبين من هم على شاكلتهم من عرب الصحراء، فأولئك، أكّد حسن الممروش لأبي يعقوب البعناوي، لا يريدون جسرا بين الناس، كل الناس، يعبرون عليه في الاتجاهين، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، فما يريدونه ممرات تعبر عليها عصيّهم الطويلة، متى شاؤوا.
قال حسن الممروش لمشغّله، زميل ألمه، ان أولئك، مَنْ يعيشون في تخوم الصحراء، ومن يحكمون قلب الصحراء لا يريدون الخير لناسهم، فكيف يحلمون بالخير لغيرهم. عضّ على شفتيه، آلمه كثيرا الجرح المدميّ الذي يوجعه منذ رحّلوا عن كفر عنان، وسكت طويلا.

***

آلمه في ذلك المساء، الذي لم يتناول فيه عشاءه، ما أصاب أبا يعقوب البعناوي. شعر أنّ ما أصاب أبا يعقوب، أصابه، فكان يحسُّ أنّ كليهما في المأساة واحد.
حَزِنَ يومها حزنا شديدا.

***

عرف حسن الممروش حقيقة ما كان ولا يخفى على أحد. سمع مَنْ يحكي:
قيل أنّ سفينة كانت تقلع في البحر يمتلكها من نسي أنّ من حسبهم صحبه
الجدد كانوا من كان يجمل به أن يأمن شرهم، لكنه تهاون فكانت العاقبة
وخيمة .
وكانت السفينة في أول عهدها قارب ورق يطفو في طست ماء، فغضّ من
ظنّهم صحبه، يشاركهم اللعب في الماء، غضّوا البصر قليلا، وحين صارت
سفينة، تمخر في البحر وتنقل القمح، بين البحرين، أو ما كاناه، دسّوا فأرابين
قمحها، فلم يره صاحب السفينة، فسمن هذا وكبر كثيرا، فثقب قاع السفينة
وأغرقها، وكان أول وآخر الناجين.
أحزنه ما وقع وما كان من أمر السفينة، فتذكّر في ذلك المساء أمره:
فقد السفينة والبحر.
وحكي ، ضمن حكايا كثيرة أخرى:
ان رجلا كان يطيّر طائرة ورقية في فضاء لم يحمه كفاية، فتسلل اليه
من حسبهم ظله، فشاركوه اللعب :
تطيير طائرة الورق.
ولكن حين طار بعيدا، وحلّق في الفضاء المحدود، رموه بحجارتهم، فأوقعته
أرضا وتركته لجراحاته، التي طالما ذكّرته بجراحات كفر عنان.
آلمته وقعة الرجل، فشكى وجعا في أضلاعه، هو، جهة اليمين. طلب الراحة لجسده المتعب، فاستبدل يمينه بيساره وارتاح قليلا. اعتمد على جانبه الأيسر، فاطمأنّت روحه، في ذلك المساء الذي لم يتناول فيه عشاءه.

***

حين تذكّر أبا يعقوب البعناوي، وكان كمن أفاق من واقع أخافه، خشي أن يكون فقد أكثر ما جناه، خسر أبو يعقوب تعب العمر. فما أصعب من أن يفقد المرء ما اجتهد وكدّ في تحصيله.
شعر، وكان يتكيء بارتياح على يساره،
أنّ بعض الخسارات لا تعوّض.
فكّر في أمره طويلا، قال، لموت ليس هو الخسارة، فالناس موجع حقا، حين يموتون. لكن في الموت حياة يموت الناس ليخلوا المكان للآتين.
تأمّل حياته، عمل وتعب كثيرا، ربح وخسر الكثير، لكن هدّته خسارة كفر عنان. ففيها خسر البيت والأرض والتعليم، وخسر معها مدارج الصبا والشباب.
أيّة حياة هي هذه؟
سأل نفسه. خاف معها أن يفقد الأمل، فتذكّر ابنه الصغير،الذي ذهب الى الدراسة في ايطاليا وقريبا ينتهي ويعود. كان أمله،كل أمله.


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى كفر عنان
 

شارك بتعليقك