فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
حسن الممروش لما يتناول عشاءه ذلك المساء - القسم الثالث
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى كفر عنان
כדילתרגם לעברית
مشاركة Raneen G. في تاريخ 20 أيلول، 2009
( 3 )

بقلم ابرهيم مالك
2008


ذكر ابنه ، فتذكّر شبابه. استعاد في ذاكرته بعض ما كان. في ذلك العام كان يعمل مدرسا. أرسله أبوه الى مدينة الناصرة للتعلّم في احدى مدارسها. كان يومها من قلة قليلة انهوا الصف التاسع، فلم يكن ثمّة مدرسة في كفر عنان. وكان على الراغبين حقا في التعلم أن يذهبوا الى الناصرة أو الى صفد أو الرامة القريبة. كانت الخيارات الممكنة قليلة ومكلفة. ولكنّه تعلّم رغم ضيق الحال وصعوبة السير في تلك الأيّام وصار مدرّسا في مدرسة القرية التي أقيمت بعد جهد جهيد.
تأمّل، هكذا ظنّ في البداية، أنّهم سيقبلونه في وعرة الدبّة، التي وصلها قسرا، وكانت وعرة صخرية مهجورة، وبعد أن أبعدوه هو وأهله عن كفر عنان.

***

كان ما زال لم يفقد الأمل في أن يعمل مدرّسا، فقد الوطن، لكنّه ظلّ يتعلّق بحبال الغريق. بيد أنّه سرعان ما أدرك أنها حبال واهية، فمن يأخذ الكثير يعطى القليل، وان أعطى فبشروط. وسرعان ما أدرك أن الريح في هذه البلاد، بعد أن تغيّر حالها وناسها، تجري خلاف ما يريده البحار.
ملكه شعور، خاف منه، فهل يعقل:
فقد البحر وفقد السفينة.
كانوا صريحين معه:
سيقبل في جهاز التعليم، اذا ما تنازل عن أرض أبيه وبيتهم في كفر عنان، أوله شرط وآخره
اغتصاب.

***

خرج يومها من المقابلة يائسا وحزينا. ولكن أكثر ما أحزنه أن الذي كان ينقل له العرض، بعربيّة سليمة اللفظ والمعنى، جاء من قرية التلّة المجاورة، وكان يعرفه قليلا، أما الذي كان يحدّد شروط العرض، فكان يجلس في زاوية الغرفة. كان يَرى ولا يُرى.
حدّث نفسه، مغلوبا على أمره:
لا يقطع الشجرة، الاّ ما كان يوما فرعها.
قال:
ضرب الفأس موجع، لكنّه يصير قاتلا حين تطول يداه. والعود لا ينخره الاّ سوسه.
شعر، بعد المقابلة، أن ألما شديدا يطال كل أطراف جسده. وكان لا يزال في جلسته يعتمد يمينه، الذي طالما لعنه، في السرِّ والعلانية، لما سبّب له من آلام.
أحس، لأول مرّة، كأنّه يشبه ذلك الذي انتزعوا في غفلة منه بعض لحمه ورموه بقطع كانت يوما من.
شعر برغبة شديدة في البكاء. وآلمه كثيرا، حين أدرك، أنّه لا يستطيع البصاق على أحد، فاللحم، الذي يُضرَبُ به، كان بعضا من لحمه .
ما أمرّ وأصعب أن يكون الطامع فيك قد وجد عونا عليك من بين أهلك وناسك.
قال، متألما لاكتشافه بعض الحقيقة، وهي مُرّة، لا تؤخذ القلعة الاّ من الداخل.

***

ولكن ظل يشغله السؤال، فور خروجه من المقابلة:
لماذا يريدون أن أتنازل عمّا كان لنا وصار لهم، وقد أخذوه عنوة وحرمونا منه؟.
فكيف أتنازل، ألحّ بسؤال نفسه، عمّا فقدت الحقّ في التصرف به؟
كفر عنان ليست مجرد قرية، قال، بيوت من طين وأزقة مهملة ، هذا صحيح ولكن كفر عنان هي الناس، الذين أحبّهم ويحبهم، وهي كل الأشياء التي لا تعوّض، حين يفتقدها المرء. فكيف أتنازل؟.
يومها رفض العرض. قال:
ما دامت القوّة تحكم العلاقة بيننا، فليأخذوا ما كان لنا، فمن كان هذا منطقه، يسمح لنفسه أن يفعل ما يشاء!
حدّث نفسه:
لم ينج من عسفهم حتى الشيخ رباح القابع عند مدخل القرية. كانت أمه تعتقد، وكادت تحمله على هذا الاعتقاد، أنّ الشيخ رباح موكل بحماية ناس القرية وخيرها. فلكفر عنان شيخ يحميها ويقيها كل شر.
وقد ظنّ ذلك طويلا، للحقيقة، مثل أمه وأبيه، ولم يتخلص من هذه القناعة الا بعد هول التجربة.
فحين جاؤوا، يذكر ذلك جيّدا"، قلعوا حجارته وباعوها لبعض جيرانهم في القرية المجاوره. وحين طال بهم المقام، بنوه من جديد. وسبحان مبدل الأحوال، زفر بحرقة، قال:
لا يبقى على حاله أحد،حتى الشيخ رباح صار، في غفلة من الزمن وبقدرة قاهر، رابي شمعون بن عقيبا.
رفع رأسه الى السماء متسائلا ً:
حتى الشيخ رباح لم ينج؟. وكانوا استباحوا دم الناس، فكيف تنجو منهم الحجارة ؟
حدَّث نفسه :
لم يحمِ نفسه ! فهل يحمي الناس ؟ . سألها !
سخر من واقعه، وكاد يسخر، بألم، من قناعة أمه، فالتجربة مؤلمة ومذهلة. علمته أن الطامع لا يعرف حدودا ولا رحمة.
حين تذكّر المصير المحزن لما صاره الشيخ رباح، حضره، بغتة، طيف أمه. ذكرها، ترحّم عليها وبكى قليلا، ماتت وفيها حسرة:
كفر عنان.
تماما كانت مثل أبيه لا تصدّق ما حصل، فجأة خسروا كل شيء، يوم أجلوا عنها. ماتت وكان فيها أمل، بصيص أمل، أن تعود الى ما كان كل عالمها، تخطر في أزقّتها.

***

أخرج من رئتيه زفيرا حارا، كتمه طويلا، لم يشعر بعدها الاّ وهو يقول بحسرة:
الزمن حقا لا يؤتمن، الزمن قلاّب.
لكنه استدرك سريعا، حين تذكر:
الزمن لا عيب فيه، فالعيب في الناس، الزمن هو نحن، فمثلما نكون يكون.

***

وبعد سنين من الجوع والحصار في الدبّة وجد عملا" في المحجر الصخري لأبي يعقوب البعناوي الذي كان فصل يومها من مهنة التدريس وزملاءه حسن الخطبا من الرينة وعبد الحميد من الطيبة
ونمر والياس من كفرياسيف وعيسى اللوباني من الناصرة وشفيق من شفاعمرو. وكان ذنبهم أنهم، كما قيل في حينه، بالغوافي تعليم تلاميذهم الصغار أغنية:
" عليك مني السلام يا أرض أجدادي ".
ورُمُوا كذلك بالتهم الجاهزة:
حب الوطن،ورُمُوا بالشيوعية.
لم يكن حسن الممروش شيوعيا، لكنه مثل ناس كثيرين، يومها، كان يتعاطف معهم، يكبر تضحياتهم وعملهم. فرفض أن يكون معاديا لهم. وكلّما عَرَضَ مَنْ عَرَضَ عليه أن يكون معاديا لهم، خفية أو علنا، كانت تكبر صورة كفر عنان أمام عينيه، كان يتذكّر والديه، يذكر حزنهما وما شعراه بعد الهجيج ، فيرفض العرض باباء وينام بعدها متعبا، ولكن بلا وجع ضمير .
كان يؤكّد في كل مرّة لنفسه:
لا يمكن ولا يعقل الانحياز الى صفوف السلطة، ومن ثمّ ينام ويخلد للراحة.

***

لكنّه في ذلك المساء لم يعرف النوم.ولم يلتفت الى عشائه، فلم يتناوله. لم يدر حسن الممروش، وكان يحدّق في ضوء القمر الذي ألقى بنوره الجميل على ذلك المكان من بقعة الكرم الممتدّة أمام عينيه بخضرتها الأبديّة، كيف ومن أين زاره طيف مشغّله، أبو يعقوب البعناوي؟. حاول أن يبعده عن عينيه المتعبتين، أن يطرده من مخيّلته، لكن عبثا.


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى كفر عنان
 

شارك بتعليقك