فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
حسن الممروش لم يتناول عشاءه ذلك المساء - القسم الرابع
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى كفر عنان
כדילתרגם לעברית
مشاركة Raneen G. في تاريخ 20 أيلول، 2009
( 4 )


بقلم ابرهيم مالك
2008

خلص حسن الممروش الى فكرة، أخافته حتى من نفسه.
قال:
أية حالة وصلناها، بلاد يدفعها بعض ناسها الى منحدر، أين منه الجرف الحاني على وعرة الدّبة في منبسط المرجة.
أخذت معدته الخاوية تنقلب على ذاتها، تقزّزت نفسه، تكاثرت الافرازات الحمضية. ود لو يتقيّأ قليلا. غمره شعور قوي، وكأن أيد خفية لم يرق لها هيئة جلسته. كان لا يزال جالسا، يتكيء على يساره أمام بيته، الذي بناه في وعرة الدبة لاجئا وعاش فيه لاجئا، وأمام عينيه صحن عشائه الذي لم يتناوله ذلك المساء. شعر وكأن هناك من يدفعه دفعا ليعتمد يمينه في القعدة المتكئة قليلا على يساره. انقلب مرغما، ورغم ما كان من آلام.
ارتدّ يعتمد على يمينه، مع ما في هذه الجلسة من آلام، خبرها طويلا.
حدّث نفسه، ولكن همسا هذه المرة، هذي بلاد يحكم سماءها بواشق بيض،غير مرئية، تنتف ريش من لم يكن على شاكلة لونها ومن يتجاوز فضاءها، تقتله أو في احسن الأحوال توقعه أرضا وتتركه يتخبط في وجعه.

***

ودّ لو ينام قليلا. أحس أنّ التعب بدأ يشتدّ عليه. ولكنه ذلك المساء لم يذق طعم النوم،انتصف الليل واشتد ّالقلق عليه.
وما ان غادر طيف أبي يعقوب البعناوي عينيه وعقله حتى جاءه وبشكل مفاجىء طيف مفلح الهزيمة.
عرفه، قبل ذلك العام المشؤوم، قبل سنوات طويلة. وكان خبر أمره وعهد فيه رجلا طيّبا، شهما وكريما.
ولكن ماذا دهاه؟ سأل نفسه.
وماذا دهى أولاده وأحفاده؟
أحزنه غرورهم! كيف يبدّل المرء لونه ويتغيّر؟ أو هكذا يصوّر الأمور لنفسه المتبدّلة؟

***

كان مفلح الهزيمة صاحبه القديم وابن جارهم، قاسمه العيش والشقاء والحلم، كما يصح أن يقال، لكنّ ما رآه قبل سنين في عكا، جعل الصداقة تفتر وتبرد.
كان ذلك في العام الخامس للهجيج المجنون عن كفرعنان. رآه، هو وولديه وحفيديه، يمشون في استعراض كشفيّ، يذرع المدينة، ابتهاجا بالهجيج وبما ترتّب عنه، يتقدّم ذيل طابور العرض الكشفي، يرتدي زيّا مُبْهِجاً، وقد لفّ حو ل خاصرته بندقية، قيل ان أحمد الفاضل، من أقرباء مفلح الهزيمة، سلمها، مرغما، للجنود المنتصرين، على ما كان من جسدي عمقا وكويكات في ذلك العام المشؤوم، وكان أحمد الفاضل قد قال بعدها لزوجه:
خذي عباءة المشيخة وخبئيها في الخزانة، فلا يراها أحد بعد اليوم. هذا زمن يبول فيه الجرو على الأسد. سُمِعْتُ في حيفا ورأيت ما يراد لنا، شيء يشيب من هوله الأطفال.
ويحكى انه بكى، يومها طويلا. ومن يومها لازمه حزن المغلوب على أمره، حتى مات. لام حسن الممروش نفسه، وكان يدرك أنّ بعض الملامة أشدّ من القتل. كان يجب أن يصارح مفلح الهزيمة ويكاشفه، فما كان، ما كان ليجوز. كان عليه، هكذا ظنّ ليلتها، ذلك المساء، أن ينبهه صراحة لحقيقة ما يريدون له ومنه. ولكن سرعان ما أيقن أن ثمّة من هو أقوى منه ومنهما، يدفعه، هو وولديه وحفيديه، دفعا الى ما كان يراه، خيوط شباك العنكبوت.
حدث ذلك صدفة.
حصل حسن الممروش على فرصة، لا تفوّت، فرصة الحركة، بحرّية، ساعات معدودات. وكان كاد ينساها، وان ظلّ يتعشّقها، حلالا وحراما. طالما ظل يطلب لنفسه حرية الحركة في وطن، شاء له الغالبون أن يتنكر لانتمائه اليه، وقد تبدّل فيه الناس وتغيّرت الأسماء والتوت الألسن في أعناقها.
ما أجمل حرية ا لحركة ؟ همس بألم، وكان يحاول طرد الألم من نفسه.
ذهب الى عكا، فأحزنه ما رأى ، لم تعد عكا ما كانت.
فوجىء بصاحبه، من كان صاحبه، مفلح الهزيمة، يلبس حزاما، شديد البريق، يزهو بألوانه الخمسة ويخطرُ في مؤخرة الطابور.
لم يفهم يومها، كيف ظهرت هذه الألوان وهل تعني شيئا؟وكيف جرى أن استبدل مفلح الهزيمة موقعه؟ ومنذ متى؟.
أثقلت عليه الأسئلة، التي أخذت تتزاحم في رأسه. اسئلة كثيرة ومحزنة. خاف أن يُجاهِرَ بها، فبعض الأسئلة، أجوبتها لا ترحم.

***

هي ساعات معدودات، مرّة في كل سنة وفي موعد معلوم. ألفها ناس كثيرون، وليسوا كثيرين. اعتادوا، يعودون الى ما كان يوما قراهم، التي كانت عامرة بناسها حتى سنوات قليلة خلت، في البروة وميعار، هوشة والكساير، أم الزينات وعين غزال، سلمة والشيخ مونّس، معلول والمجيدل، حطين والصفصاف ،السمرا والنقيب، عولم ومعذر،الحسينية والتليل، اقرث وكفر برعم، الغابسية والسميرية، الكابري والبصّة.
أفزعه طول القائمة. كانت تطول في ذاكرته، كلّما ذهب شرقا وغربا، وكلما ذهب شمالا وجنوبا.
رآهم ينبشون التراب، بحثا عما كان من أساسات بيوت، ينظّفون ما كان من شواهد القبور، يمسحون برموش اعينهم ما علق بها من قاذورات، يروون نتفا من حكايا واذدّكارات، للصغار والكبار، كي يبقى من يحفظ زيت الحنين ويقي الذاكرة من عسف الضّياع.

***

غضب حسن الممروش، حقّا، ممارأت عيناه في تلك الساعات المبتورة والحزينة في عكّا التي لم تعد ما كانت:
مفلح الهزيمة يتصدّر ذيل الطابور الكشفي ابتهاجا بليل الهجيج عن كفر عنان.غضب حقّا، لكنّه سرعان ما استفاق من غضبه، بمرور السنين وعمق التجربة، بكل مراراتها وخيبات أملها. فأدرك أن مفلح الهزيمة لم يكن سبب الهجيج، ولم يكن السبب في منع عودته. كانه آخرون . فلن يحمّله مسؤولية ما لا طائل له به، وان يكن يتحمّل بعض الوزر، مثل كثيرين من بدو ظهر الجبل وعرب الصحراء. وما هدّأ غضبه، أنه خرج من صلب مفلح الهزيمة، من اعتاد قولة :
لا.
تلفّت حوله، فكان كمن يسمع، ذلك المساء، أصواتا قليلة، خجولة، لكن واعدة، فاستبشر خيرا.

***
قطع حسن الممروش نهاره، فلم ينعم، كما أمِلَ، بيومه ولم يستنفذ فرصة حرية الحركة في ذلك اليوم، فعاد محزونا الى وعرة الدبة وقد فاجأه مفلح الهزيمة، وفاجأه حال عكا، التي لم تعد ما كانت.
وما ان استراح من حر ذلك اليوم ومن مفاجآته، حتى بانت له الحقيقة، كما خبرها.
كان مفلح الهزيمة انسانا ساذجا، يسهل التغرير به. ووقّع من وقّع باسمه، فسقط في شِباك العنكبوت. كانت خيوطه محكمة.وكان هو وولداه وحفيداه على استعداد للسقوط في شباك العنكبوت. وقد سقط فيها كثيرون.
وأيقن حسن الممروش أن ما هو أقوى من الصداقة ومن الخبز والشقاء والحلم والأشياء الكثيرة، التي كانت وجمعت بينهما، كانت تشدّه الى خيوط العنكبوت.
تأكّد مع الزمن أن مفلح الهزيمة لم يكن عدوّه، وما كان يريد ذلك. خشي الأمر، للحقيقة، وكان لاحظ ضعف مفلح الهزيمة وأنّ هناك من أراده أن يقول، ذات ليل:
أكلت يوم أكل الثور الأحمر!

***

خاف مثل هذا المصير، خاف على مفلح الهزيمة وعلي. وعزّ عليه أنّه استحال عبأ "، يثقل أمر عودته الى كفر عنان. واستحال عصا يرفعونها في وجهه متى رغبوا!
واذا كان ثمّة من أمل في استعادته، يوما، فقد ضعف هذا الأمل، حين علم أن بعض أولاد وأحفاد مفلح الهزيمة، قبلوا طواعية أن يوكل بهم وبغيرهم من بدو ظهر الجبل أمر حراسة أراضي كفر عنان، وقد أسهموا في نهب بعض ما بقي فيها من حجارة. وضعف الأمل كثيرا، وهو بعض ما أحزنه ذلك المساء، حين علم كذلك أنهم رضوا وسكتوا ، حين نسبت اليهم ما كانت من فظائع عند وادي القرار فوق شعب وعند مجد الكروم وفي وادي الحبيس، شديد الانحدار، عند مدخل حرفيش وفي وسط الطريق الذي كان يربط، ذات يوم، بين ما كانتاه سحماتا ودير القاسي.
خطر له كل ذلك وكان لا يزال يحاول النوم، في ذلك المساء الذي طال، فجأة، ولم يلتفت فيه الى ما أعدّت له زوجته من عشاء، فلم يتناول عشاءه ذلك المساء.

***

كان الليل مقمرا، جميلا وكان الهواء منعشا بليلا، لكن جسده كان متعبا، فلم يجد الى النوم سبيلا.
فالحزن، الذي بعثته في نفسه هواجس ذلك المساء، والخوف من أن يفقد عمله في المحجر، بعدما أصاب ابا يعقوب البعناوي ما أصاب، وبعد ما آل اليه مفلح الهزيمة وبعض عرب ظهر الجبل، كل ذلك وصورة كفر عنان حال دون نومه واستراحته.
تذكّر كل ذلك وغيره ذلك المساء.
وممّا زاد في حاله سوءا، وزاده غمّا، أنّه كلّما نظرو راء، نظر الى وراء قليلا، هالته العيون المختبئة خلف مفلح الهزيمة، ولديه وحفيديه، وهاله الطابور المتطاول خلف بعض عرب ظهر الجبل. وقد انضم اليهم ولد صديقه القديم، عيسى القرعة، من قرية التلة المجاورة، ومحمود المذموم، من فرّاضية.
سأل:
ماذا دهى الناس؟
شيء يطيّر النعاس!

***

ثبت ذلك لحسن الممروش:
أنّ الكثيرين لبسوا قبعهم ولحقوا ربعهم.
أخذ يتحسس ما تبقّى من عقله وكاد يصيح :
أيّ فلتان؟
وقد تأكد ممّا نحن فيه، يوم قهر حزنه وشارك في بعض أعراس الدبة.
يومها سأل نفسه خجلا:
هل يعقل أن تكون عندنا قضيّة، أن نكون أصحاب قضية ؟ وعندنا كل هذا الضجيج، وكل هذا
البتر في الأعراس ؟
سأل نفسه وبكى.
كان ذلك قبل عشرين سنة. وحدث ما حدث، بعد خمس سنوات من رؤيته لحال مفلح الهزيمة. من يومها تغيّر كثيرون. ولا يزال اليوم، ثلاثين عاما، بعد الهجيج يسأل نفسه! السؤال ذاته لم يتغيّر. فلم يتبدّل الحال الاّ بما هو أسوأ منه!


***


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى كفر عنان
 

شارك بتعليقك