فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
حسن الممروش لم يتناول عشاءه ذلك المساء - القسم الخامس
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى كفر عنان
כדילתרגם לעברית
مشاركة Raneen G. في تاريخ 20 أيلول، 2009
( 5 )
بقلم ابراهيم مالك
2008

لم يدر حسن الممروش ماذا أصابه ذلك المساء وماذا دهى الليل، طال كثيرا. وهذا ما لاحظه بقلق. تلفّت حوله، كانت العتمة شديدة. وكانت ساعتها، كما يقولون، على قدر رغبة الحرامي. غرُبَ ضوء القمر المنير من وقت طويل، لم يشعر به. شعر عندها أنّ هواجسه، أفكاره القلقة وتعبه الجسدي المتراكم، خيبات آماله الكثيرة مما يحدث وحدث، ومخاوفه المتزايدة من المجهول، ممّا تخبئه الأيام، كلها جاءت مجتمعة، ذلك المساء، كمن جاءت لتتناوب عليه، فلم تدع للنوم الآمن مطرحا.
كان القمر قد اختفى خلف طلعة الليّات وضاع خلف الأفق المتراجع انحدارا نحو البحر.
شعر لأول مرّة، بعد ليل الهجيج، أن الليل فوق الدبة استحال غولا يهدّد بالانقضاض عليه. كأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. خاف قليلا. بات لا يدري:
أيّ عاصفة ستلي؟ وماذا ستحمل؟ خجل من نفسه، وكان عاهدها طويلا ألاّ يعرف الخوف في حياته وألاّ يترك للخوف متسعا في مسلكيّاته وألاّ يسمح بمتنفس للشكوك، تنوسه؟.
ولكن هذه دنيا، بعض ناسها مخاتلون وبعضهم طامعون، وأكثرهم اعتادوا الصمت فبدوا كالمغلوب على أمره، أو كذلك الذي يعمل، لحساب غيره، في قطع الجذع الذي يجلس مستندا عليه! وقليلهم يبحث عن زيت لقنديل علاء الدين، في تلك العتمة المتزايدة والمشتدّة، التي لحظها طويلا فوق وعرة الدبة، وجعلت المخاوف تتسرّب الى نفسه.
كانت العتمة الشديدة، ذلك المساء، قد باتت تطبق على المكان، أكملت انتشارها، فبات لا يرى شيئا حوله.
كاد يلعن الحالة، التي انحدرنا اليها.
أخذت بصقة كبيرة، شعر بها، تضايقه وكانت، هكذا أحس، مليئة بغبار صخور المحجر. اشتدّ ت عنده حاجة مفاجئة لأن يبول. نهض من حصيره متعبا وراح يقصد الحمَّام.

***
ما ان فرغ من قضاء حاجته وبصق ما علق في حلقه،أحس بقليل من الراحة التي كان جسده المتعب أحوج ما يكون اليها. ولكن بدل ان يعود الى حصيره فوق مسطبة الباطون، وهو ما أراده فعلا، وجد نفسه منساقة تندس ّ في السرير قرب زوجته.
توقّفت هذه عن الشخير، وكانت غطّت في نوم ثقيل ونامت ما فيه الكفاية، قالت لزوجها، بعد أن بللت وجهها بالماء البارد:
ما زال الدرب أمامنا طويلا. ارحم جسدك من السهر والتفكير!. نم قليلا، فصباحا باكرا ستنهض الى العمل، فنحن لا نستطيع العيش بدونه.
وأدارت وجهها الى الحائط ، وسرعان ما عادت الى النوم العميق. أمّا حسن الممروش، فعاد الى هواجسه، التي ملكت عليه حواسه، وأفكار الحياة وهمومها، التي تثقل عيشه. حاول النوم ، لكن لم يستطع.
اندسّ تحت الغطاء الخفيف، وما ان فرغ من اطفاء النور الكهربائي وتغطية جسده، داهمه وجه أبيه الراحل منذ قرابة 29 عاما.
لم يدر من أين وكيف أطلّ عليه؟.
رأى طيفه جليّا. رآه بكل وقار الآباء، حين يفتقدون.
تذكّر ما حدث له ذلك العام، سنة بعد الهجيج عن كفر عنان.
كان في تمام الصحة يومها، ولمّا يبلغ من العمر طويلا. لكنه صار حزينا بشكل لافت للانتباه بعد الهجيج. وفجأة حدث ما حدث، مرض ومات.
قتله الهجيج وأشقاه الحنين الى ما كانته كفر عنان.
وفاجأهم في موته، فكلّما قلبوه على ظهره، انقلب على جنبه، وظلّ شاخصا الى الشرق ، شاخصا الى كفر عنان. فتركوه ، في موته، كأن ّ كفر عنان تسكنه ولم تتركه.

***

على غير عادته، لم يذرف، ذلك المساء الطويل، أيّة دمعة، حين زاره طيف أبيه. ولم يتفوّه بالدعاء، الذي اعتاده سنين، كلّما تذكره. كانت كفر عنان تملأ عينيه، فبدتا شاخصتين شرقا، تماما مثل أبيه. وفي الصباح كانت المناحة الصامتة في وعرة الدبّة.

***

كان ذلك بعد عشر سنين من وفاة حسن الممروش. حضرت أم صابر، الجارة من فرّاضية والتي كانت تقيم لاجئة مثل كثيرين في وعرة الدبة.
حدّثت زوجة حسن الممروش أم صابر، حكت لها:
كانت تلك سنوات صعبة وأليمة، أعقبت وفاة حسن. عرفنا فيها الذلّ والمهانة، وهي اكثر ما في
حياتنا، منذ أبعدنا عن كفر عنان وناسها. ولكن صبرنا. وهانت بعض امورنا، بعد أن أتمّ ولدي الصغير سعيد دراسته، طبيبا، وعاد، يرفع الرأس ويشفي العليل من ايطاليا.
سندي، يا ولدي، سعيد. غمغمت الأم قليلا، وتذكرت في سرها زوجها حسن وكان يحنو عليها وتعبث فرحة بشعره.
قاطعتها أم صابر:
افرحي في عُبِّك ِ ، لم يرحل بعيدا، ولم تسرقه الغربة. لم تخطفه سيقان حوريات روما الجميلات.
قالت زوجة حسن الممروش:
قابر أمِّه، ورث عن أبيه عشق كفر عنان! آثر البقاء في الدبّة، قرب حواكيرها. سمعته ، أكثر من مرّة، يقول لزملاء له ، يزورونه في العيادة:
ما ضاع حقّ وراءه مطالب.
أكّدت أم صابر:
الأمر طبيعي، الوطن قتّال.
وسكتت المرأتان عندها طويلا، فقد شدّتهما ذكرى ما كان في فراضية وكفر عنان.


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى كفر عنان
 

شارك بتعليقك