فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين  خرائط 
القائمة الصراع للميتدئين دليل العودة صور
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  دليل حق العودة تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا

السميريه: Testimony

مشاركة Raneen G. في تاريخ 7 أيار، 2009

صورة لقرية السميريه - فلسطين: : بيت هدمه الصهاينة في القريه -1987 أنقر الصورة للمزيد من المعلومات عن البلدة
شهادة لاجيء

أبو جميل (اسم مستعار)، ولد عام 1935 في قرية السميرية، يسكن في إحدى قرى الجليل. تحدث معنا عن ذكرياته وأعطانا أوراقاً كتبها بنفسه عن تاريخ بلده وعن حياته، ثم رافقنا في جولة بين أطلال قريته. ما زال يذكر موقع المنزل الذي ولد وكبر فيه ومكان منزلهم الجديد الذي بدأ أبوه بتعميره قبيل النكبة. يحكي عن ألمه وعن خيبة أمله من أمته ويدافع عن جيل النكبة المتهم بضياع الوطن. خلال سنيّ حياته داخل إسرائيل بنى علاقات عمل مع جيرانه اليهود وطلب منا عدم كشف هويته.

رنين جريس وعمر اغبارية
نيسان 2009

حياة بسيطة
عاش أهل البلد حياة شبه بدائية، فكان الناس فقراء وكان المرض متفشياً ويفتك خاصة بالأولاد الصغار. كل عائلة تقريباً فقدت ولداً أو ولدين بسبب مرض العيون ومرض الملاريا. بيتنا كان يقع في مركز البلد جامع وأمامه ساحة مساحتها ألف متر مربع تسمى المراح أو الحوش. كان أهل البلد يحضرون مواشيهم إلى الساحة في ساعات الصباح ليسلّموها للراعي الذي يأخذها للرعي في الحقول. كنا نسمي قطيع المواشي "العجـّال". لا أنسى ذلك المنظر عندما تقوم النساء بجمع روث الحيوانات من الساحة بعد خروج القطيع وكنّ يعملن من الروث أقراصاً صغيرة ينشرنها في الشمس حتى تنشف وبعد ذلك يستعملنها كوقود للطبخ أو الخبز أو تسخين الماء وكانوا يسمونها أقراص "جلـّة". كان قسم من الناس فقراء، عائلات كثيرة لم تأكل خبز القمح واكتفوا بخبز الذرة. خبز الذرة يجف بعد ساعتين ويسمى الكردوش ( كراديش ذرة ).
كانت أغلب البيوت بدائية. ومبنية من قناطر وبين قنطرة وأخرى يضعون أخشاب غير متناسقة يحضرونها من الجبال ويضعون على الأخشاب "البلاّن"، أي أغصان شجر، وفوقها يضعون التراب بسمك 50 سم مع طبقة مجبولة مع التبن. في كل بيت كان يوجد اسطبل مع مِدوَد لوضع أكل للحيوانات. كانت الحيوانات تنام داخل البيوت. أما بيتنا فلا، لم نكن من مالكي المواشي، أبي كان يعمل حجّاراً وكان يقتطع الحجارة من منطقة الساحل وكان يستعملها الناس عرباً ويهود لبناء البيوت قبل أن يعرفوا حجارة الطوب "بلوك". أذكر أن الأفاعي كانت منتشرة في بلدنا. كانت الأفاعي تصل سطح المنزل وأحياناً كانت تسقط داخل البيت، وأحياناً كان ذلك يحدث في الليل والناس نائمة.
عائلات
أسماء العائلات التي سكنت السميرية هي: بشير، اليوسف، أبو الخير، رشيد، الصياح، باب الله، دعبس، حليحل، منصور، الغريب، أحمد عبد الرحيم، سرية أبو فؤاد، عائلة حجير وهي سابقاً من الطيرة، طيرة حيفا.
تاريخ وجغرافية
كانت مساحة قرية السميرية 7935 (حسب الكتب) وتمتد أراضيها من وادي الجزمة في الجنوب حتى مستوطنة "شافي تسيون" ومستوطنة "رجبه" في الشمال، ومن البحر غرباً حتى حدود أبو سنان شرقاً. تفصل بين أراضي البلدين طريق المعترضة وهو طريق ترابي يصل الكابري وباقي القرى مع عكا ويمر جنب "نس عميم" اليوم.
احتل هذه البلاد غزاة كثيرون، مثل الرومان والفرس والبيزنطيين والصليبيين، وأقاموا فيها وتركوا وراءهم آثاراً ما زالت موجودة حتى اليوم. من الآثار التي بقيت منذ زمن الصليبيين والبيزنطيين هي قلاع حماية طرق المواصلات مثل قلعة المزرعة وقلعة السميرية، يقال إن الحامية التي بناها الصليبيون كان لها عدة أسماء: "سلريا" أو "سوميليريا" أو "سمريا" وبعد ذلك سمّاها العرب السميرية. سكن العرب الحاليون قرية السميرية كما يبدو قبل حوالي 250 سنة، وأقاموا بيوتهم على أنقاض القلعة. توجد عين ماء للشرب تبعد عن القلعة حوالي 150 متر من جهة الشمال الغربي في مكان تكثر فيه الزهور لذلك كان يسميها أهل البلد عين قطف الزهور. ومن الآثار التي بقيت حتى الآن قناة الباشا التي أكمل بناءها حاكم عكا سليمان باشا عام 1814 ابن أحمد باشا الجزار حاكم عكا المشهور في قترة الحكم العثماني. أنشئت القناة المبنية على قناطر لإيصال الماء من قرية الكابري إلى مدينة عكا، يبلغ طولها 12 كيلومتر.
آثار في بيتي
بعد النكبة عملت مع منقب آثار ألماني كان يسكن في مدينة نهريا. ذهبنا للتنقيب عن الآثار في بلدي. وجدنا قرب المسجد، 50 متر شرقي المسجد، فرن بدائي لصهر الزجاج وتمكنا من رفعه وترميمه ثم نقلوه إلى متحف إسرائيل في القدس. لا أدري من أي زمن هذا الفرن.
في إحدى المرات كنا ننقب عن آثار، وقفت قرب تلة وشرحت لمنقب الآثار الألماني أنه كان هنا بيت وهنا كانت غرفة وهناك ساحة ....إلخ. سألني "وكيف تعرف"؟ فقلت له لأن هذا كان بيتي.
زراعة
بعد سنة 1900 وحتى 1948 زاد سكان البلد من زراعة البيارات والبساتين وحفروا الآبار حتى بلغ مجموع الآبار التي حفرها أهل السميرية قرابة 35 بئراً، وكان عمق البئر من 8 إلى 13 متراً. كل بئر مع محرك "موتور" لسحب الماء. رغم فلاحة الأرض وزراعة الخضروات بقي أغلب الناس فقراء، كان أسلوب الزراعة بدائياً وأحياناً كان المحصول يهلك بسبب الحشرات والأمراض.
أذكر أن ثلاث عائلات ألمانية كانت تسكن في أرض السميرية، ليس في داخلها، بنوا بيوتاً واشتروا أراضي، كانت لهم مزارع ورود من جميع الأصناف للتجارة وكانوا يربون الخنازير. كان الناس يقولون أنهم كانوا عيوناً لدولة ألمانيا في المنطقة.
علاقة مع اليهود
كانت علاقتنا مع اليهود قبل الحرب علاقة جيدة. لم نتحرش بهم ولم يتحرشوا بنا. كنا نشتري من عندهم شتل وأشياء للزراعة وكانوا يشترون من عندنا حجارة للبناء. أرضهم كانت قرب أرضنا ولم تكن بيننا مشاكل. لم يتحدثوا العربية ولا حتى العبرية، كانوا يتحدثون الألمانية. لما كنت ولداً صغيراً، أذكر أن لأحد سكان مستوطنة "شافي تسيون" كان حمار، كان هذا الحمار يهرب منه دائماً وكان والدي يطلب مني أن أعيده لصاحبه، وكل مرة كان هذا الألماني الضخم صاحب الحمار يقول لي "دانكيشه" أي شكراً بالألمانية ويعطيني خمس قروش فلسطينية، فكنت أتمنى أن يهرب الحمار كل يوم.
ما زاد الأزمة كان هجوم جيش الإنقاذ على قافلة "يحيعم" قرب الكابري وتسبيب خسائر كبيرة لليهود.
أغلب الناس كانوا بسطاء ولم يفهموا يالسياسة ولم يكونوا على دراية بما يحصل حولهم. مع وصول جيش الإنقاذ بدأنا نستوعب الأزمة. جيش الانقاذ كان يأتي إلى تلّة قريبة من البلد ويطلق النار على مستوطنة "رجبا" ثم يعودون إلى عكا. قبل ذلك لم يعتدِ اليهود على السميرية. أهل البلد لم يشعروا بالخطر. صحيح سمعوا عن دير ياسين ولكن لم يستوعبوا أن الحرب ستصل هنا.
احتلال
احتلال الجليل بدأ من السميرية على أساس انه اليهود بدهن يفتحوا الطريق وكان لازم ينقذوا سكان الجليل اليهود. والسميرية كانت موجودة بموقع اللي بعرقل التحرك اليهودي.
بتاريخ 14 أيار صمم اليهود على احتلال الجليل، قرروا مهاجمة السميرية وفتح الطريق للشمال على المستعمرات اليهودية. وأجت القافلة من جهة القبل (الجنوب) وهيك راحت البلد.
الناس سمعت قصف، خافت وطلعت، في كم شخص من أهل البلد قاوموا. اليهود هجموا بالأول من جهة "ميجا"، وين قناطر الباشا، وكان الهدف انهم يلهوا أهل البلد حتى ييجوا من القبل (الجنوب) من جهة عكا. في واحد صادفوه بنص البلد وقتلوه، وفي واحد كان رايح يجيب نجدة على البسكليت ولاقوه بالطريق وقتلوه، هذا بكون أبوه لجوز أختي.
اليهود هجمت الصبح قبل طلوع الشمس، وصاروا يطلقوا النار من تحت قناطر الباشا والمسلحين من أهل البلد حوالي عشرين مسلح التهوا فيهم. سلاحهم كان سيء، جابوه من سوريا. مدة إطلاق النار كانت قرابة الساعة.
لما صار اطلاق نار، أنا هربت من البلد، ولما هربت صادفت القافلة اليهودية، اللي أجت من القبل، صادفتها جنب "يد نتان" وعرفت إنها قافلة يهودية، وين الكليـّة اليوم. القافلة كانت تمشي وتطخ شمال ويمين، الرشاشات كانت تضرب على الشمال وعلى اليمين.
لما مرّت القافلة كنت أنا ومحمود أبو شنب قراب من بعض، هو نزل من المنشية وأنا من السميرية، كانت المسافة بيننا حوالي 200 متر، لما شفنا وسمعنا القصف، أبو شنب راح تخبَّى بالعبـّارة وأنا قفزت وتخبّيت بمحطة البنزين من الغرب، هاي أول محطة بنزين من جهة عكا.
تهجير
كان اليهود بهديك اللحظه صاروا محتلين البلد. أنا وعائلتي رحنا على عكا يوم وبعدها رحنا على عمقا يوم ومن بعدها على يركا. ما بعرف ليش رحنا على عكا، العالم كانت تتصرف بطريقة عفوية، ما كانت تفكر، ما بعرف شو صاب العالم، صار في هوس، جنون الإشاعات، والناس صارت تدوّر وين في أمان اكثر. يعني لو احتلوا تل نابليون والساحل صارت عكا غير آمنه ويركا آمنه أكثر. ليش حسب رايك زعيم كفرياسيف ينّي ينّي هرب على يركا وأنا شفته هناك. بس لانه بيركا كان في آمان اكثر.
تدمير
بيوت السميرية هدوا معظمها بنفس يوم القصف وما سكنوا فيها يهود. وعلى فكرة في واحدة اسمها زينب باب الله، ختيارة بقيت بالسميرية لحد ما ماتت هناك وكان أولادها وبناتها وأهل البلد يروحوا ويهتموا فيها.
الناس ما حاولت ترجع على بيوتها تسكن فيها بس رجعوا قسم من العائلات واخدوا أغراض من بيوتهم.
يركا
بهديك الفترة وبعد مدة، الطائفة الدرزية شافت إنه الوضع بدأ يتدهور وصار يميل لصالح اليهود وأن سكان القرى تركوها، اتصلوا باليهود وقالوا لهم انه إحنا بدنا نعمل هدنة لعدم الاعتداء علينا. ولما فات اليهود على يركا، فاتوا بأجواء احتفالية وطلق رصاص.
تجمعوا اللاجئين بيركا، كان عددهم حوالي 2500 نسمة، وأهل البلد ألف نسمة، فصاروا 3 آلاف و 500 نسمة، غير المواشي والبقر والحمير. يركا كانت تعيش على بيارة مي، والمي محدودة، أجوا عليها كتير لاجئين من البصة والكابري والسميرية، من الزيب وعكا وغيرها. ولو هاي اللاجئين وجموعهم بقيوا بيركا أسبوع واحد لكانت نشفت المي ولكانت الناس قتلت بعض.
بعد ثلاث أو أربع أيام من وجود اللاجئين بيركا، خافوا من عدد اللاجئين الكبير واخترعوا معركة وهمية وخيالية واقنعوا الناس انه اليهود بدها تهجم، الناس خافت وهربوا حوالي 1500 شخص من يركا باتجاه الشرق بين الجبال. الإشاعات كانت السبب الرئيسي في المصيبة الكبيرة اللي أصابتنا.
بهديك الليلة أمي وأبوي واخوتي الصغار ما طلعنا من يركا، بس اختي طلعت مع جوزها وأولادها وأهل زوجها على لبنان. إحنا كنا ثلاث شباب وبنت وأنا اكبر ولد كان عمري 12 او 13 سنه.
جيش الإنقاذ
بعد مدة من الزمن أبوي اخد شوال ذرة وطحنه بترشيحا، وهو راجع لاقاه جيش الإنقاذ قرب يانوح، قالوا له وين رايح؟ قالهم عند أولادي على يركا، قالوا له انت كذاب، انت خاين وماخذ أكل وطحين لليهود. جيش الإنقاذ كانوا نصّابين. فتشوا أبوي وصاروا يقولوله انت خاين. سمعت إنه في واحد من جيش الإنقاذ قال: اخلوا البلاد وسندمّر المدن على رؤوسهم، وكمان واحد كان في راس الناقوره وقال انه راح يدمر الجليل على رؤوسهم. بما معناه انه الجيش العربي شجع الناس تطلع. هيك كانت الناس تسمع. برأيي نحن انقدنا بشكل أعمى وراء جيش الإنقاذ، وتبين أن جيش الإنقاذ لا يستطيع أن ينقذنا بل زاد الأمور تعقيداً وكان السبب في مصيبتنا.
لجوء
الناس طلعت على لبنان عن طريق الجبال وتوجهوا من الشرق عن طريق الجش، وقسم من الأغنياء رحلوا قبل الهجوم على البلد، رحلوا عن طريق شارع بيروت بالسيارات حتى يقضوا شهر زمان في بيروت ويرجعوا. بيتنا كان على الشارع وأنا شفت كل واحد طلع من الشارع. من بداية ال 47 بدأت العائلات اللي وضعها منيح تطلع من السميرية.
أهلي اليوم في لبنان، اختي مريم من بعد ما طلعت مع زوجها وأولادها الاثنين سمير وسميرة، كانت حبلى، هي كانت البنت الوحيدة بالبيت، أمي خلفت 12 طفل، كلهم مرضوا وماتوا وبقي أربعة من 12. اهلي سمّوها مريم تيمّناً بسيدة النساء مريم ابنة عمران أم المسيح عليه السلام. لما وصلت اختي على لبنان كانت توقف كل يوم على الطريق وتسأل الناس عن أهلها، الناس ما قدرت تساعدها، وفكرت إنه اليهود قتلوا أهلها مثل ما عملوا بدير ياسين، وصابها صراع وجنون، وهيك نفسيـّتها انهارت، ولما راحت تخلف بعد ما صارت بالشهر الثامن ماتت بالمستشفى مع الجنين. أنا تأثرت كتير لما ماتت لأنه عشت أنا وإياها، هي تجوّزت بسنة 1943 وانجبت ولما طلعت كانوا أطفالها صغار.
أمي تأثرت من موت اختي وفاتت بضغط نفسي رهيب، وحسّت بالذنب، ودايما كانت تقول لو انها طلعت على لبنان، وما بكفي انها دفنت ثماني أولاد بالسميرية، كمان فقدت بنتها.
أختي فكرت انه إحنا راح نلحقها، بس إحنا بقينا بيركا، إحنا بقينا لأنه كان ساكن جنب المعصرة اللي سكنّا فيها بيركا امراة درزية اسمها وضفة العلي، قالت لإمي خليكِ هون جنبي، واللي بصير عليّ وعلى بناتي بصير عليكِ وعلى أولادك. أمي اطمأنت لهاي المرأة وظلت بيركا، ولو ما كانت هاي المرأة كنا إحنا طلعنا على لبنان.
أصابع اتهام
أشدّ ما آلمني أن أولادي وأحفادي يوجهون أصابع الاتهام إلينا نحن جيل النكبة، يقولون إننا السبب في ضياع فلسطين وأننا بعناها ولم نحافظ عليها، وصفونا بالجبناء وأننا نخاف من اليهود، ولا يحق لنا أن نعطي نصائح أو أن نكون قدوة لهم. إنهم يحمّلوننا سبب معاناة الشعب الفلسطيني على مدى 60 عاماً، نحن بنظرهم سبب الويلات والمصائب.
أنا أقول أن الأسباب التي أدّت إلى نكبتنا بدأت قبل ذلك بعشرات السنين وليس في عام النكبة نفسه. لقد كنا هزمنا قبل ذلك اجتماعياً وسياسياً وحضارياً ودينياً، وهذا ما أدى إلى مصيبتنا.



إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

 

شارك بتعليقك

 


الجديد في الموقع