فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English
القائمة الصراع للمبتدئين دليل العودة صور  خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English
من نحن الصراع للمبتدئين    صور     خرائط  دليل حق العودة تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا

إسقاط الحاضر على الماضي: كيف أعاد "وعي النكبة" تشكيل تاريخ الأثرياء اليهود والصهيونية؟

English
تهجير أهل الفالوجة العام 1949 بعد فك الحصار

يقع الكثير من باحثي التاريخ ومتابعي الشؤون السياسية اليوم في فخ معرفي يُعرف بـ "الإسقاط الزمني" (Anachronism). وهو محاكمة أحداث الماضي بعيون الحاضر، وتعميم واقع اليوم على مسارات تاريخية كانت شديدة التعقيد والتناقض. إن النتيجة الحتمية والدعم المطلق الذي يقدمه الأثرياء والمنظمات اليهودية الغربية لدولة الكيان اليوم، لم يكن سوى نتاج تحولات متأخرة جداً. فالواقع التاريخي يؤكد أن الصهيونية لم تحسم أمرها وتفرض سيطرتها الكاملة على القرار المالي اليهودي إلا بعد النكبة بعقد أو عقدين من الزمن. أما قبل الحرب العالمية الأولى، فكان المشهد مغايراً تماماً.

 الريبة والتشكيك: موقف كبار الأثرياء من هرتزل

حين أطلق ثيودور هرتزل مشروعه الصهيوني في نهاية القرن التاسع عشر، لم يجد أبواب السلاطين والأباطرة موصدة بوجهه فحسب، بل وجد صدوداً أشد وجفاءً من كبار عائلات المال اليهودية في أوروبا، وعلى رأسهم عائلة "روتشيلد" (Rothschild) وعائلة "واربورغ" (Warburg).

لم يكن هؤلاء الأثرياء صهاينة بالمعنى الأيديولوجي، بل إن أغلبهم نظروا إلى الحركة الصهيونية الناشئة بعين الريبة والتشكيك. كان الدافع المحرك لهؤلاء المتمولين يرتكز على أمرين:

  1. الخوف على مكانتهم: خشوا أن تؤدي دعوات الصهيونية لإنشاء "وطن قومي" إلى اتهامهم بـ "ازدواج الولاء" (Dual Loyalty) في بلدانهم الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) حيث كانوا يجهدون للاندماج الكامل.
  2. النزعة النخبوية والعنصرية: كان الأثرياء في أوروبا الغربية ينظرون بنوع من التعالي والعنصرية الاجتماعية إلى يهود أوروبا الشرقية (روسيا وبولندا) الفارين من المجازر القيصرية. لم يكن دافع الأثرياء "قومياً"، بل كان دافعاً "إغاثياً" مشوباً برغبة حثيثة في توطين هؤلاء المهاجرين الفقراء في أي مكان في العالم، شريطة ألّا يأتوا إلى أوروبا الغربية أو أمريكا فيفسدوا على الأثرياء استقرارهم الاجتماعي والاقتصادي هناك.

وعد بلفور والروتشيلدز: المبالغة الشائعة والظلم التاريخي للحقائق

لاجئون فلسطينيون من الجليل الأعلى في طريقهم الى لبنان-1948

تتمثل ذروة "الإسقاط الزمني" والخلط التاريخي في القراءة السائدة لوعد بلفور عام 1917. إذ يظن الكثيرون أن توجيه الرسالة إلى "اللوَرد ليونيل والتر روتشيلد" يعكس تواطؤاً أيديولوجياً كاملاً وصهيونية متجذرة في العائلة، أو أن العائلة هي من "اشترت" هذا الوعد بمالها. وهذه قراءة تظلم الحقائق التاريخية وتتجاهل الانقسام الحاد داخل العائلة والمجتمع اليهودي البريطاني آنذاك.

الحقيقة أن "والتر روتشيلد" الذي استلم الرسالة كان استثناءً داخل عائلته، ولم يكن يمثل التوجه العام للمؤسسة المالية لآل روتشيلد. لقد قوبل هذا الوعد بمعارضة شرسة وعنيفة من قطاعات واسعة داخل العائلة ومن النخبة اليهودية البريطانية الحاكمة. وعلى رأس هؤلاء المعارضين كان "إدوين مونتاغو"، وهو ابن عم والتر روتشيلد والوزير اليهودي الوحيد في الحكومة البريطانية حينها (وزير شؤون الهند).

كتب مونتاغو مذكرة شهيرة للحكومة البريطانية وصف فيها الصهيونية بأنها "عقيدة سياسية مؤذية" تؤسس لمعاداة السامية وتجعل اليهودي غريباً في بلده الأصلي. إن الحكومة البريطانية لم تصدر الوعد إرضاءً لآل روتشيلد، بل استخدمت اسم "والتر روتشيلد" كواجهة وقناة تواصل لخدمة مصالح الإمبراطورية البريطانية الاستعمارية في شرق القناة، مستغلةً رغبتها في كسب تأييد اليهود في روسيا وأمريكا خلال الحرب العالمية الأولى، متجاوزةً الرفض القاطع لأغلبية عائلة روتشيلد والنخبة الثرية للسياسة الصهيونية.

جغرافيا الإنقاذ: من الأرجنتين وأوكرانيا إلى تركيا

تثبت حركة الأموال التاريخية أن وجهة الأثرياء اليهود لم تكن فلسطين كخيار أوحد أو مفضل. لقد دعم "البارون دي هيرش" و"عائلة روتشيلد" مشاريع استيطانية كبرى لتوطين اليهود في الأرجنتين عبر (جمعية الاستعمار اليهودي). كما سعوا لتوطين مجموعات أخرى في أراضي الدولة العثمانية (تركيا) خارج فلسطين.

وفي سياق متصل، ركزت عائلة "واربورغ" البنكية الشهيرة، عبر منظمة "الجوينت" (JDC)، جهوداً هائلة وملايين الدولارات لتوطين وتنمية مئات الآلاف من يهود أوروبا الشرقية داخل مشاريع زراعية في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. لقد كانت فلسطين مجرد "مشروع فرعي" ضمن بدائل جغرافية متعددة، ولم يدعم الحركة الصهيونية سياسياً من بين هؤلاء سوى قلة قليلة جداً حادت عن الخط العام للعائلات الثرية.

المستوطنات المبكرة: نموذج يافا وجوارها

حتى الاستثمارات والأراضي التي اشتُريت في فلسطين قبل الحرب العالمية الأولى، كانت تحمل طابعاً استيطانياً زراعياً وتجارياً صرفاً، ولم تكن تهدف في ذلك الحين إلى محو أو إبادة السكان الأصليين من عرب فلسطين.

كانت تلك المستوطنات المبكرة تشبه إلى حد كبير المستوطنات الألمانية المسيحية التي أقامتها جماعة "الهياكل" (Templars) في يافا وحيفا (مثل قريتي سرونة و ولهلمة في يافا). كان المستوطنون اليهود في تلك المرحلة المبكرة يتعاملون مع المحيط العربي كواقع ديموغرافي واقتصادي؛ فلم يترددوا في العمل مع العرب، وتبادل التجارة، واستئجار العمالة المحلية. وعلى الرغم من أن العلاقات لم تكن ودية بنسبة مئة بالمئة وشهدت توترات ميدانية، إلا أنها لم تكن عدائية استئصالية كما أصبح عليه الحال لاحقاً بعد تغول الفكر الصهيوني العسكري.

حافة الانهيار المالي وصفقة "الهافارا"

تتجلى المفارقة التاريخية الكبرى في فترة الثلاثينيات؛ فمع صعود النازية في ألمانيا، واجهت الوكالة اليهودية والحركة الصهيونية أزمة مالية خانقة كادت تعصف بالمشروع برمتّه وتؤدي إلى انهياره الفعلي والسبب في ذلك أن يهود أمريكا وأثرياءها أوقفوا أو قلصوا دعمهم المالي بشكل حاد نتيجة الكساد الكبير من جهة، وعدم قناعتهم بجدوى المشروع الصهيوني من جهة أخرى.

وفي هذه اللحظة الحرجة، جاء الإنقاذ المالي للمشروع الصهيوني من مفارقة تاريخية سوداء: "اتفاقية الهافارا" (Haavara Agreement) عام 1933 بين الوكالة الصهيونية والحكومة النازية بقيادة هتلر. بموجب هذه صفقة، سمح النظام النازي للمهاجرين اليهود الألمان بنقل جزء من ثرواتهم إلى فلسطين على شكل بضائع وسلع ألمانية، مقابل أن تقوم الحركة الصهيونية بكبح جماح حركات المقاطعة الاقتصادية الدولية التي كان ينظمها يهود أمريكا وأوروبا ضد ألمانيا النازية. لقد أنقذ هتلر --وليس أثرياء اليهود-- عبر هذه الصفقة الاقتصاد الصهيوني الناشئ، ووفر له شريان الحياة المالي والعدد العلمي في وقت كان الأثرياء اليهود التقليديون يديرون ظهورهم للمشروع.

الخاتمة

إن القول بأن أثرياء اليهود كانوا دوماً العقل المدبر والتمويل المطلق للصهيونية هو قراءة مسطحة تسقط "الصهيونية المالية" المعاصرة على تاريخ كان فيه هؤلاء الأثرياء أكبر المشككين بالصهيونية. ولم يتحول المشهد لصالح الهيمنة الصهيونية الكاملة على المؤسسات المالية اليهودية إلا بعد النكبة بقرابة عقدين، بعد أن سحقت الحرب العالمية الأولى البدائل الأخرى، وأعادت الصهيونية صياغة السردية التاريخية لتبدو وكأنها كانت الهدف الوحيد للمال اليهودي منذ البداية.

 

شارك بتعليقك

 
American Indian Freedom Dance With a Palestinian


الجديد في الموقع