فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
فتحي البس يتذكر
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى الفالوجة
כדילתרגם לעברית
مشاركة محمد عبد الكريم أيوب في تاريخ 6 تموز، 2008
فتحي البس
من الحياة-
انثيال الذاكرة
غور نمرين ...مقهى وغضب وظهور الفدائيين

وصلنا إلى المخيم الجديد، مخيم غور نمرين.
خيم أكبر، تبدو أكثر متانة، كأنه الاستعداد لاقامة طويلة مرورا بالشتاء الآتي. المنطقة "غورانية"، يكون شتاؤها تماما كأريحا، لكن الخيم الجديدة توحي بأن وكالة الغوث، تعرف أننا سنقيم طويلا هنا.
نصبت الخيم بتوزيع مرتب. المخيم الجديد اكثر نظافة. نشأ في الأسبوع الأول سوق من الخيم على ما بدا أنه شارع رئيسي. فهمت عندها لماذا اختار والدي، وأصر- ودخل في مشادات كثيرة مع آخرين-على ان تكون احدى خيمنا هناك..تحولت الخيام على طول هذا الشارع إلى بقالات، وفي وسطها،، تحولت خيمة والدي إلى مقهى. اشترى بالمال القليل الذي ادخرته والدتي من "تجارتنا" في مخيم الكرك عدة "القهوة"، كراسي وطاولات بسيطة، لوكس للإنارة، عدة صنع الشاي والقهوة، وبابور الكاز.
قلت محتجا لوالدتي، لماذا القهوة!!؟ نحن نخسر ما لدينا من مال قليل. أجابت أن والدي لا يتقن أي مهنة، وهو يتذكر ما كان لنا في الفالوجة.
قالت إن جدي كان غنيا، وكان والدي يملك عام 1948 سيارتين للنقل. كان مدللا، فهو الابن الأكبر لفلاح غني . كان يسهر في يافا، ويتباهي في سوق "الخميس" المعروف في الفالوجة، بأنه لا حاجة له بأن يقف في السوق، فهو مالك "الخان" حيث يضع فيه رواد السوق دوابهم وينامون فيه، ومحلات أخرى مؤجرة، ومقهى، تبيع الماء أيضا. كان سوق الخميس في الفالوجة مناسبة للفلاحين، والبدو، وأهل المدينة لتبادل السلع. كأن والدي انتبه أن "القهوة" كانت تدر دخلا جيدا، ولا تحتاج إلى مهارة.
استرسلت والدتي لتشرح لي تركيبة عائلات الفالوجة. فهي من عائلة "صالح" فخذ من أفخاذ عشيرة أولاد أحمد. تزوجت من عمي اسماعيل وهي في الثالثة عشرة من عمرها والذي استشهد في جبهة الفالوجة عندما كان يحرس مع الجيش المصري، مخلفا بنتا واحدة، شقيقة الروح لي طيلة العمر حتى وفاتها السنة الماضية، فكان لابد ضمن العادات، أن يتزوجها والدي، الأخ الأكبر للشهيد، لرعاية ابنته، ولضمان عدم تسرب أرضنا إلى غرباء في حالة زواجها من عائلة أخرى، وخاصة، من اقربائها. فنحن من عائلة البس قليلة العدد، مرهوبة الجانب، وننتمي أيضا إلى عشيرة اولاد أحمد. كانت والدتي تتباهى أنها من بنات "السما العالي".
لكنها ظلت إلى حين وفاتها، ترى في ابناء عمومتها واقاربها المباشرين من اولاد صالح، غير أوفياء، فهم تخلوا عنها وعن شقيقاتها. ولم يقوموا بواجبهم تجاهها. وظلت تفخر دائما بأخويها، يونس، الذي توفي في غزة، بعد سنوات قليلة من الهجرة، وحسن شبانة، الذي طالما كان شهما وشجاعا وسندا لها ولشقيقاتها، رحمهم الله جميعا، كانت سعيدة أن أختين لها ،هيجر وجميلة، قريبتين منها، الأولى معنا في المخيم والثانية في مخيم الكرامة. كان اولاد خالتي هيجر، وخاصة محمود رحمه الله - رفاق الصبا .محمود هو الأقرب والأحب، لتقارب العمر بيننا، جمعتنا صداقة حميمة ومغامرات مراهقين جميلة ومقالب كثيرة، منذ كنا جيرانا في عقبة جبر.
التحقت للدراسة في الصف الأول ثانوي في مدرسة الشونة الجنوبية. ننتقل مع اقراني إليها مشيا على الاقدام. وفي مرات قليلة في الباص اذا توفرت الأجرة. بعد دوام المدرسة، انضم إلي والدي لمساعدته في المقهى.
يبدأ العمل فيها من الصباح يأتيها العاطلون عن العمل مبكرا وينضم اليهم من يعمل في مزارع الغور مساء. كنت اراقب الوجوه المتعبة والحزينة. واستمع الى الصراخ عندما يخسر احدهم اللعبة، فيكون مضطرا لدفع قيمة الطلبات كلها. يناقشون الأحوال والتطورات. ويستمعون إلى الأخبار من الراديو الذي اشتراه والدي مستعملا، لجذب المزيد من الزبائن.
سمعتهم يتحدثون عن قرار جديد للأمم المتحدة قد يعيدنا إلى الضفة. يلعنون في حالة اليأس الحكام العرب، وينتقدون الجيوش العربية .ويتساءلون عن هذه الحياة القاسية في المخيم. هم على بعد كيلومترات قليلة من الضفة الأخرى، لكنهم ينظرون إلى الغرب بأسى وحسرة. هناك مدنهم وقراهم، لا يستطيعون الوصول إليها. ينتظرون بلا أمل.
بعد انتهاء العمل في المقهى، انظفها وأرتبها، واتخذ منها مكانا للنوم على فرشة من الاسفنج ،أدرس وأحل واجباتي في اصرار دائم على التفوق في المدرسة. كانت خلوتي في االمقهى، توفر مكانا مريحا لي. الإنارة الجيدة من "اللوكس"، وتوفر الشاي والقهوة للسهر الطويل، وسماع الأخبار من الراديو، بما فيها بعض الأغاني التي تثير فيّ الشجن.
بدأ الحدث في المخيم، عن الفدائيين الذين يردون على الهزيمة بشن الحرب على اسرائيل. يعبرون النهر، ويضربون هناك، معلنين رفض الهزيمة، ومنتقدين الجيوش التي خسرت المعركة.
بدأت اسمع عن حرب التحرير الشعبية، وعن رجال اسطوريين، يقاتلون اسرائيل. في ليلة من ليالي تشرين الثاني 1967، وقد انتهيت من ترتيب القهوة، وأمامي كباية شاي كبيرة، استعد للدراسة، دخل إلى "الخيمة المقهى" ثلاثة رجال، يلبسون ما يشبه الملابس العسكرية ويلفون الكوفية السوداء المرقطة على رقابهم، يحملون اسلحة، وقنابل.
بعد التحية، سألوني عن امكانية شرب الشاي، والبقاء في القهوة إلى حين. بلهفة وبسرعة حضرت الشاي، وفردت على الطاولة ما يتوفر لدي من أرغفة خبز، وبعض الجبنة وعدة علب من السردين. كنت أريد ان اتعرف، فقد استقر في خاطري أنهم فدائيون.
حدثوني عن "فتح" وأنهم سيعبرون تلك الليلة النهر في الساعات الأخيرة من الليل، من نقطة يعرفونها على النهر، في دورية يحاولون خلالها الوصول إلى عمق الضفة، إذا لم يصطدموا بكمائن للعدو أو كانت المياه مرتفعة حيث يريدون العبور.
حدثوني عن الثورة، عن الكفاح المسلح، أمل الشعوب في قهر الاحتلال. قالوا إن الجيوش الرسمية لا تستطيع هزيمة اسرائيل مهما كان عددها أو تسليحها. فهي تتفوق عليهم، وحربا 1948و 1967، شاهدتان على ذلك. أما هم، الفدائيون، يستطيعون ان يضربوا اسرائيل، في حرب عصابات تنهكها وتجبرها على الانسحاب، وصولا إلى تحرير فلسطين. كل فلسطين. كنت اسمع، وأكاد أطير من الفرح أنني ألتقي بمثل هؤلاء الرجال.
قبل انطلاقهم، قالوا إنهم سيعودون، وسيتخذون من "قهوتي" قاعدة متقدمة. خفت من النتائج، لكني لم أرفض. لم أنم تلك الليلة، فقد سمعت اطلاق نار غزير من الضفة الأخرى، رأيت قنابل ضوئية تضيء السماء والمنطقة. لم يعد الرجال. ولم أعرف هل نجحوا في دوريتهم أو أنهم استشهدوا. بكيت لان إحساسي قال إنهم لم يصلوا إلى هدفهم ....انهم لن يعودوا.
سمعت الأخبار في اليوم التالي. أعلنت اسرائيل عن قتل مخربين عبروا النهر.
دار حديث كثير عن قواعد للفدائيين تنتشر في غور الأردن. وعن صدامات متفرقة مع الجيش الأردني يتم احتواؤها. بدأت اسرائيل تقصف شرق النهر، ومحيط مخيمنا..كرد على عمليات الفدائيين.
ظل الوضع كذلك، فرح بالفدائيين، دراسة، عمل في المقهى، وانتظار لأي أخبار تحمل أي أمل بالعودة. بدأ القصف الاسرائيلي يشتد وطال بعض انحاء المخيم.
لم تقع خسائر، لكن أهل المخيم بدأوا يخافون من اجتياح اسرائيل للضفة الشرقية.
اجتاحت اسرائيل المنطقة و عبرت النهر. فر معظم أهل المخيم قبل معركة الكرامة بأيام قليلة واكتمل الفرار مع معركة الكرامة.
وجدت نفسي في مخيم آخر. مخيم البقعة.


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى الفالوجة
 

شارك بتعليقك