فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
فلسطين: أمل العودة إلى الأرض الحلم باق كما الحكايات : المفتاح والطابو ما تبقى في الذاكرة الهش
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى الفالوجة
כדילתרגם לעברית
مشاركة محمد عبد الكريم أيوب في تاريخ 6 تموز، 2008
يوسف الشايب



رام الله ؟ "لم أكن أتوقع يوماً أن تكون نهاية جدي الذي كانت تجاعيد وجهه تعبر عما بداخله من مرارة وألم وإصرار، جدي الذي ولد في قرية الجورة غرب مدينة عسقلان، والتي هجر منها العام 1948 على أيدي العصابات الإسرائيلية مثله مثل باقي المواطنين في القرى والمدن الفلسطينية، أن يتوفاه الله بعيداً عن وطنه وأرضه التي لطالما حلم بها كثيرا ولم تفارق صورتها عيناه يوما واحدا. كان دائما يجمعنا أمام باب بيتنا، أنا وأخوتي حوله، ويبدأ بحديثه عن قريتي وما بها من خيرات سلبت على أيدي العصابات الصهيونية، وكانت الدمعة تذرف من عيونه كأنه يعلم جيداً أنه سيموت بعيدا عنها . لن يعود ولن يرى أرضه مرة أخرى لأنه كان في حينها في الثمانين من عمره".. بهذه الكلمات بدأ الشاب مصطفى صيام حديثه عن حكايات جده الذي قضى ولم تنقض، وكأنها لا تزال ناقوساً يقرع في الذاكرة الهشة، كي يبقى الأمل بالعودة إلى الأرض الحلم. ويقول: كلماته البسيطة التي كان يقولها لنا كانت تحمل معاني كثيرة وكانت بمثابة التجسيد الحقيقي للإنسان الفلسطيني ليزرع في قلوبنا وعقولنا حب الوطن والأرض والتمسك بها، وعدم التفريط بأي شبر مهما كلفت التضحيات.

ويتابع صيام حديثه: يحضرني في إحدى المرات عندما كنت أجلس معه، قال لي: "يا بنيّ، ذرة تراب من أرضك تسوى كنوز الدنيا وما فيها وأوعى تفكّر في يوم إنك تتخلى عن أرضك" .. كانت هذه الكلمات بمثابة الشرارة التي ألهبت مشاعري وزادتني قوة وإصراراً على التمسك بالأرض لأنه كان يعلم جيداً بأننا ولدنا بعيدا عن أرضنا، وكان يراوده الخوف أننا سننسي هذه الأرض بعد وفاته وأترابه".

ويتذكر صيام: في انتفاضة العام 1987، اعتقل أخي في سجن عسقلان .. كنا في كل أسبوع نقطع طريقا طويلة لنزوره، وفي إحدى هذه الزيارات ذهبت أنا وأمي وجدي لزيارته في السجن القريب من قريتي "الجورة". وفجأة فقدنا جدي، وبدأت البحث عنه ولم أجده، وبعدما انتهينا من زيارة أخي رأيت جدي يسير من بعيد ويحمل على ظهره جذع إحدى الأشجار، فسألته أين كنت يا جدي كل هذا الوقت، فأجابني، بعد أن أمسك بدموعه وبيدي بقوة، "مش قادر يا بنيّ كل شي راح كل شي مش موجود" .. لم أفهم هذه الكلمات، كنت حينها في الثانية عشرة .. "قلت له أنا مش فاهم يا جدي"، فتنهد ووضع يديه على رأسي وقال لي" أنا كنت في أرضي لكن ما قدرت أقعد فيها لأن اليهودي طردني منها".. وبعد سنين تذكرت كلمات جدي وفهمت ماذا كان يقصد بالضبط.

ويضيف صيام: "مفتاح الدار وأوراق الطابو" .. كلمات كان يرددها كثيراً في جلساته معنا، كان مفتاحه في يده يملؤه الصدأ، وأوراق قديمة عفا عليها الزمن لا تفارقه، لكنها كل ما يملك، وميراثه الذي سيورثه لنا، فهما الأرض والتراب والبيت والحق الذي سلب منا، وهما الدليل الوحيد على حقنا وملكيتنا في أرضنا التي هجرنا منها.

ويتذكر الشاب خالد الحلبي: كنت يومها في العاشرة من عمري، عندما اصطحبني والدي معه إلى مستشفى الخضيرة لعلاج جدي. ونحن عائدون طلب جدي من أبي أن يمر على قرية البطاني الغربي، بلدته التي هجر منها العام 1948، وعندما دخلنا إلى البلد التي لم أكن يومها اعرف عنها الكثير طلب جدي من أبي أن ينزل، وبالفعل استجاب أبي وانزل جدي ونزلت معه.. كانت نظراته حائرة، وعيونه تتحرك في كل مكان وكأنها تبحث عن شيء ما، فجأة بدأ يتحرك وأنا انظر إليه بدهشة، يدقق في الأرض، ويبحث عن شيء يعرفه جيدا .. على بعد حوالي 60 مترا كانت هناك شجرة جميز كبيرة وقف بجانبها، ومن عندها بدأ يتحرك إلى أن وصل إلى منطقة معينة، ونزل إلى التراب يقبله ويبكيه بحرقة وأنا لا أدرك ما يفعل .. اتجه إليه والدي وامسكه وهدأه من روعه ..اقتربت منه فحملني وقال لي كلمات حفرت في عقلي "هذه بلدك يا جدي هنا كان بيتنا، وهناك بيت النواحجة، وهناك بيت آل المدلل، وهناك آل فرحات وهناك... إياك يا جدي أن تنسى، إياك أن ترضى بغيرها .. إن مت يا جدي ولم اعد، فلا تنسَ كلامي ولا تنسَ أرضك، ثم قبلني وأنزلني وعدنا لنركب السيارة، ومضينا في الطريق وأنا أفكر في كلماته التي لم أدركها جيدا.

ويضيف الحلبي: من وقتها، بدأت اسأل والدي عن البلد وعن الهجرة، وبدأ والدي يزرع فيّ الارتباط بها، وأصبحت أقضى معظم وقتي في الإجازة الصيفية في القراءة عن فلسطين المسلوبة، والبطاني الغربي، والهجرة، وبقيت لفترة طويلة وأنا اسأل عن الموضوع، حتى أصبح جزءاً مني .. وكبرت وكبر حبه في قلبي، حتى أصبحت فكرة التخلي عن حق العودة لا وجود لها، ومجرد الحديث عنها يثير غضبي.

وكما صيام والحلبي، آلاف من اللاجئين الشاب، من الجيل الثالث، لا يزالون يعيشون ذكرى "النكبة" بطريقتهم، وإن كانوا لا يبتعدون عن حكايات آبائهم وأجدادهم، فنانسي بوشه من اللد، وهي طالبة في جامعه بيرزيت، في سنتها الرابعة، تعتبر يوم النكبة جزئية أساسية من شخصيتها، وتتحدث عن تهجير أهلها وتقسيم أرضها، وتصف حديث الجدة بأنه الأكثر شجونا، وتقول: لم يكن الألم بافتقاد الأرض والأملاك فقط، وإنما بشعورك بفقدان الإحساس بالبيت، الذي هو المرادف للإحساس بالأمان .. رغم ذلك الحادث، إلا انه ما زال يكتنف جدتي وجدي وربما والدي أيضا أمل في العودة إلى ما كان، وهو ما يسيطر عليّ أيضاً .. المؤسف إنني ذهبت لزيارة بيت جدي في اللد، وكم كانت صدمتي حين وجدت إسرائيليين يعيشون فيه، ويسرحون ويمرحون .. كنت أعلم أن أسرة يهودية تسكنه، لكن لم أدرك بشاعة ذلك إلا حين شاهدتهم.

وتقول زميلتها أمانى كرنز: قررت ذات يوم أن ازور قريتي "الفالوجة" .. كنت قد رسمتها بألواني، وتخيلتها بيوتا وأناسا متحابين، إلا أن الصورة سرعان ما اسودت لدى إدراكي أن "الفالوجة" تحولت إلى مستوطنة إسرائيلية.

وتعتقد كرنز، أن "في داخل كل لاجئ قطعه من الأرض، ليست فقط مفتاحا حمله ليعود به إلى باب بيته، وإنما قطعة زرعت تكبر كل يوم وتنمو ونأكل منها، وعلى جانبها نهر جار نشرب منه، كما شرب أجدادنا لنبقى على تماس مع الطبيعة".

من جهته يرى الدكتور شريف كناعنة، وهو من ابرز المؤرخين الفلسطينيين الذي تناول موضوع النكبة والتهجير، أن "النكبة فصلت الأمور بشكل أوضح وأعطت الفلسطيني، أو أجبرته على اعتناق فلسطينيته، وأبعدت عنه العنصر العربي الغائب الكبير عن معادلته الحقيقية في هذه الفترة"، ويقول: من الخطأ التعامل مع النكبة وما ترويه هذه الحادثة من معان وكأنها جزء من فلكلور وأدب، فنحن نقوم بذلك بعملية انتقائية لما نود أن نعرفه، فنسمع ما نريد ونتجاهل ما لا نريده وبهذا انتقاص للحقيقة.. إن إيمان المجتمع ككل بعدالة قضيته وبأهمية عودته وبحقه بأرضه جاءت كنتيجة لمنطلقات، ربما هي سياسة، أبقت على ذاكرة متقدة.. مضيفاً: المسألة لم تنته بانتهاء تاريخ النكبة وكأنه تاريخ مقدس، وإنما المعركة موجودة حتى الآن وما زال قتالنا مستمرا لتحصيل حقوقنا، فذكرى النكبة وكأنها فقدان عزيز لم تنته فترة حداده بعد، من ثوره 1930 إلى 1936 وحتى 1948 وليس انتهاء باليوم، عبارة عن معركة واحدة بأجزاء متنوعة لها الهدف نفسه .. إسرائيل نفسها تسلك الطريقة التي بدأت في 1948، لاعتقادهم الراسخ أن مشروعهم لم ينته، وهي تذكرنا أن المشروع لم يزل مستمرا، ولهذا علينا ألا نيأس، وان نحمل الأمل بين أحلامنا .. "ما بيضيع حق وراه مطالب".


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى الفالوجة
 

شارك بتعليقك