فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
كيفما شئت سهلا كنت أم جبلا / مهداة للشاعر إبراهيم نصرالله / بقلم د. سمير أيوب
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى الفالوجة
כדילתרגם לעברית
مشاركة Dr. Sameer Ayyoub في تاريخ 20 تشرين ثاني، 2008
صفحة من مرآة الروح إلى إبراهيم نصرالله/

كيفما شئت سهلا كنت أم جبلا


قرأت مؤخرآ في جريدة القدس العربي (في السابع عشر من تشرين الثاني الجاري) نصآ إبداعيآ شعريآ مبهرآ للشاعر والروائي والفنان التشكيلي إبراهيم نصرالله, والقصيدة كانت بعنوان "لست سهلآ ولا جبلآ".

أحب هنا ومن باب إسترجاع الماضي الجميل; أن أذكر كيف تعرفت على شاعرنا المتميز إبراهيم نصرالله قبل ثلاثة عقود (1978), ولا أظنه بالطبع يذكرني, فأنا حينها كنت فتى في الرابعة عشر من عمري, وهو كان شابآ يكبرني بعشر سنين وكان صدر له آئنذاك ديوانه الشعري الأول.

كان قد عين مدرسآ في مدرستنا في مخيم الوحدات وقدمني إليه أستاذي وصديقه وصديقي لاحقآ فايز النجار. وكنت في تلك الأونة قد فزت لعدة مرات في مسابقات أوائل المطالعين على مستوى مدارس المملكة الأردنية الهاشمية. ولكوني من متذوقي الشعر ومحبيه فقد دار بيننا نقاش عابر قرر بعدها إبراهيم أهداني نسخة من ديوانه الأول "جسدي كان الغربال" وإسترعى إنتباهي حينها قصيدة رائعة يقول في مطلعها:

سكبت لكم حنين القلب أغنية وصغت لكم من النبضات ألحانآ

ولكم كان وقع هذه الكلمات على قلبي وعقلي جميلآ ومؤثرآ. وكأني أرى أمامي الأن ذلك الشاب المتعدد المواهب الإبداعية, الذي كان يعج عنفوانآ وألقآ وجمالآ وأملآ وطموحآ وثقة بالنفس, مختلطة بذلك النوع من الكبرياء الضروري لإضفاء تلك الهالة الإسطورية على صورة المبدع والفنان والشاعر بالذات, وها أنا أراه مرة ثانية وقد إزداد حضورآ طاغيآ ووقارآ وكاريزما ونصه إزداد خبرة ونضوجآ.

في تصوري أن شاعرنا يعتبر من أهم الأصوات الشعرية التي ظهرت في جيل الثمانينات على الساحتين الأردنية والعربية, وهو أيضآ علامة فارقة (من جيل شعراء القضية الفلسطينية ) تشكل إمتدادآ لعطاء العمالقة التي يتربع على عرش الشعر فيهم الراحل العظيم الساكن في قلوبنا وعيوننا "محمود درويش", وجيل نصرالله يحتل فيه شاعرنا مكانآ مرموقآ وسامقآ. كما في عقدنا هذا الذي أستقبلنا فيه القرن الواحد والعشرين من الجدير بالذكر أن علامته الإبداعية الملفتة للنظر والخاطفة للأضواء هو بلا شك الشاعر الشاب المتألق تميم البرغوثي.

لي لقاء أخر لاحق مع نصرالله بعد ذلك في عام 1983 في أمسية فنية شعرية (على مسرح كلية الحسين) كنت أنا من منظميها وعريف الحفل فيها ضمن نشاطات وفعاليات كلية القدس الثقافية.

صفقنا له طويلآ في تلك الأمسية الجميلة, كما صفق هو معنا أيضآ لأغاني وطنية وقومية لفرقة بلدنا الموسيقية الملتزمة التي غنت لراية شعبي المرفوعة في غزة وفي مرج عيون و غنت للمدن العربية في فلسطين والأردن ومصر ولبنان وسورية وللشعب العربي الواحد من وهران وبورسعيد والقاهرة وعمان لجبال عجلون الحبيبة الأبية ورسمنا كما يقول في قصيدته الأخيرة

„نجوماً، وأكثرَ من ألفِ شمسٍ, بلاداً بلا عسكرٍ وطغاةِ..."

هذه القصيدة التي إختار لها شاعرنا عنوانآ مثيرآ "لست سهلآ ولا جبلآ" متمردآ ومحبطآ متناقضآ صارخآ ويائسآ , هذا النص الذي ينقلك عبر تباريح وجدية وأجواء تخيلية مركبة وتجليات روحية تمخر عباب العمر والتجربة والهم اليومي المعاش والصراعات المجتمعية والعولمة والحداثة وتداعيات الزمن الغابر, الذي نالوا من جماليته, وحرموك في إسترجاع شخوصه وذكرياته من شجن الحنين النوستالجي المزمن, والغرق في غياهب الحلم الوردي التائق للأنعتاق نحو الوطن والحرية والحب والجمال وكل ما حرم منه المواطن العربي, ذلك المواطن الذي يولد مطاردآ مشردآ هائمآ تائهآ في بحر التناقضات والفتن والفقر الجهل والأمية; مقهورآ منكوبآ مسحوقآ منسيآ مغيبآ مكمم الفم واليد واللسان مقموعآ مسجونآ, فهو لم يختر قدره ولم يحدد معالم واقعه ومستقبله.

حين يستهل الشاعر قصيدته بمحاولة مقاربة صورة الانسان في عيون الأخرين فيتحول من شخص فاعل ووحدة متكاملة (يجب أن يتعامل معه من يراه ككائن جسماني روحاني متكامل) إلى جزيئيات شيئية يقع عليها الفعل ويكون هدف وفريسة لمن حوله للأستفادة منه وإستغلاله:

فالحلاق لا يرى فيه سوى شعره,
والحائك سوى ثوبه,
وصاحب الحانوت سوى مقاسه,
وسائق التاكسي سوى هيئته وهندامه الخارجي,
والنشال سوى جيوبه,
والجلاد سوى جسده المستباح وعنقه المقطوع,
وجراح التجميل سوى الأنف أو الشفتين أو الوجنتين المؤهلتين لتدخل المبضع والمشرط فيهن لكي يحاول أن يغير من تفاصيل وتقاسيم وتقاطيع إمتدت إليها يد القدر وأفسدها الدهر بتصاريفه,
والمرأة سوى جاذبيته وأناقته وسحره ورجولته,
والمرآةْ سوى ضوءه الذي تروم إنعكاس صورته من خلالها,
وطبيب العيون لا يرى سوى عينيه ومقلتيه وقرنيتيه وملتحمتيه,
والشرطي سوى رسغيه لكي يضع فيها قيوده...
إلى أخر هذه العلاقة الجدلية.

وينتقل إلى صورة شعرية أخرى يعكس فيها تناقض الأنسان وتلاشي هويته وضياعه في البحث عن ذاته المعذبة وطفولته المحرومة المفقودة التي ظلت تلازمه رجاءآ أن يأتي يوم يمارس الإنسان حقه الحياتي المجتمعي الفسيولوجي المتدرج في مراحل عمرية كباقي البشر في المجتمعات الغربية من الطفولة حتى الشيخوخة بكل ما لهذه المراحل من مستحقات ومتطلبات, ولكن أنى له أن يعيش تلك الطفولة وهو المحكوم عليه بالنكبة والنكسة والترح والحزن والفتنة والفساد والردة والتشرد واللهاث الأبدي وراء الرغيف والعمل والصحة والتعليم والوطن والسكن ولكن وكما قال المتنبي:

بم التعلل لا أهل ولا وطن ولا نديم ولا كأس ولا سكن
أريد من زمني ذا أن يبلغني ما ليس يبلغه من نفسه الزمن
لا تلق دهرك إلا غير مكترث ما دام يصحب فيه روحك البدن
فما يدوم سرور ما سررت به ولا يرد عليك الفائت الحزن
مما أضر بأهل العشق أنهم هووا وما عرفوا الدنيا وما فطنوا
تفنى عيونهم دمعا وأنفسهم في إثر كل قبيح وجهه حسن
ما في هوادجكم من مهجتي عوض إن مت شوقا ولا فيها لها ثمن
يا من نعيت على بعد بمجلسه كل بما زعم الناعون مرتهن
كم قد قتلت وكم قد مت عندكم ثم انتفضت فزال القبر والكفن
قد كان شاهد دفني قبل قولهم جماعة ثم ماتوا قبل من دفنوا
ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

ومع أن هذا البيت الأخير وهو من أشهر أبياته مأخوذ من قول الشاعر الزاهد إسماعيل بن القاسم الشهير بأبي العتاهية:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه رب إمرئ حتفه فيما تمناه

إلا أن كلا البيتين لم يفقد أهميته البيانية والبلاغية والتي تعكس عمق تجربة هؤلاء الشاعرين العظيمين ومستوى إبداعهما.

وعودة لقصيدة إبراهيم نصر الله, فقد أشار لتلك الزيتونة الراقدة فوق تلال بلا خوف ولا وجل, السعيدة بحاضرها المخضر ومستقبلها الأمن المطمئن ومدى إنسجامها مع وسطها وجوها المحيط بها ومدى إرتباط محبيها ومريديها بذلك الحنين القاصي والمتناثر في أفقها. ولا يخفى على الجميع رمزية الزيتونة بكل أبعادها المقدسة والوطنية وتلك التلال الحاضنة لهذه الشجرة والتي ترمز إلى جبل الزيتون, والبارئ في النص القرآني يقسم بالتين والزيتون فهو حسب أغلب المفسرين يرمز إلى فلسطين أيضآ, كما أقسم بجبل الطور وأم القرى والبلد الأمين.

يتدرج نصرالله في قصيدته ليس في تركيبة نصه البنيوية ولا في رمزيته ودلالاته فحسب, بل في إيقاعه وموسيقاه وكثافة صوره الداخلية وجزالة وعمق عباراته وتعقيداتها وما تحمل للقارئ من مفاجأت حري به أن يقف أمامها طربآ وثملآ ومندهشآ.

يؤرجح الشاعر ذاته وذوات القراء بين مراحلهم العمرية, وما تحمله تلك المراحل من فرح ساذج جميل, يسترجعه الشاعر والقارئ معآ على الدوام بشجن وحزن ويآس دائمين, بل ويجتر زاد الذكريات المنصرمة المتبعثرة في تلافيف الذاكرة المتهاوية والمتلاشية تحت طرقات الزمن الذي لا يرحم.

يلاحقك الشاعر وهو يواجه ذاته بالأسئلة الملحة التي يهرب منها الإنسان على الدوام:
- ما العُمْرُ ؟,
- الفناء والموت والغياب إلى الملحِ أوالترابِ,
- الأمل عبر نافذةً تتطلّعُ للضوءِ
-الحب الشقي المحكوم عليه بالفراق في تنهيدةِ العاشقَينِ الصّغيريَنِ,
- الحرية في عصفورةً تتقلَّبُ في الجوِّ
- البراءة والنقاء في تلك الطفلة الضحية أمام طائرات العدو,
-خيبة الأمل واليآس والأسى الذي يقطر دمآ من جراء الهزيمة في تلك الأغنيةً المتسكَّعُة,
-الحنين للماضي والعدل العمري في أطفالُ إمرأةٍ عاشوا ذاتَ يومٍ على وجبةٍ من حصىً,
التضحية بإستشهاد فلذات الأكباد وبراعم الوطن والأطفال الذين أجبروا أن يكونوا رجالآ بدل أن تهديهم علبة شوكولا أو دراجة هوائية تقدمهم قرابين للوطن

وأستوقفني الشك واليأس وفقدان بوصلة الإنسان العربي (والمثقف والمبدع على وجه الخصوص) وسخرية الشاعر المتشحة بالحزن في قوله:

لا أصدِّق هذي البلادَ
ولا كلَّ من يحملُ آسْمَ سعيدٍ
وعاشَ حزيناً
فأنجبَ طفلاً وسمّاه أسعدْ!!
وهو يعجب بالشقي الذي يلد من هو أشقى منه وكل السحب والارهاصات تنذر بالكوارث والهزائم والنكبات, فهو مع ذلك يكرر غلطة أبويه في تسميته هو التعيس "سعيدآ" فيسمى هو بدوره إبنه بأسعد, أهو إمعانآ بالأمل أم بالسخرية أم بمواساة النفس.

على أني لن أبحر أكثر في هذه القصيدة التي تزداد جمالآ كلما إزددنا فيها إبحارآ, وأترك للقارئ أن ينهل من كأس هذا المبدع ويرشف من رحيق شعره وقصيده.

دكتور سمير أيوب

فروتسواف/ بولندا

http://www.linkedin.com/in/drsameerayyoub


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى الفالوجة
 

شارك بتعليقك