فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
في الطريق الى غزة بقلم فتحي خليل محمد عبد اللطيف البس
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى الفالوجة
כדילתרגם לעברית
مشاركة محمد عبد الكريم أيوب في تاريخ 5 حزيران، 2008
مع الحياة -
انثيال الذاكرة (70)
في الطريق الى غزة

وجدت صديقي يحيى يخلف، أبو هيثم، يستعد للمغادرة الى غزة لمتابعة معرض فلسطين الدولي الأول للكتاب. فوجئ أني لست هناك. شرحت له أن مكتب الرئيس لم يحصل لي على تصريح وأني يئست وسأعود الى عمان لأبدأ التحضير لافتتاح دار الشروق- رام الله. أحتاج الى تأمين المال، واختيار الكتب.
قال، ستذهب معي. كان يملك بطاقة V.I.P كوكيل وزارة تخوله اصطحاب مرافق وسائق. ضحك قائلاً: ستكون سائقي. طرت فرحاً وعلقت: ستكون سابقة، أن يسوق الناشر بمؤلف.
اتفقنا على أن أقود السيارة عند وصولنا الى معبر ايرز. لا أعرف الطريق لكني اكتشفت فوراً أننا نخرج من مناطق السلطة الفلسطينية عندما أصبحنا نسير في شوارع غاية في الترتيب والنظافة والاتساع.
انظر مشدوها الى وطني السليب، أسأل بين فينة وأخرى: أين نحن؟. حدثني أبو هيثم عن صدمته يوم عاد. قرأت تجربته عندما نشرت روايته "نهر يستحم في بحيرة". اجتاحتنا مشاعر الحديث عن المنافي وآلام الطريق الى العودة، وأحلام توحيد الوطن، ومسألة الهوية الوطنية، والصراع المقبل الطويل، ومكابدات اللاجئ الذي يعود الى وطنه دون مسقط رأسه.
انتابنتي فجأة حالة وجد وحزن فريدة. أشعر أني اقترب من الفالوجة. طلبت من أبي هيثم أن يتوقف عندما شاهدت دبابة محترقة على باب مخفر عراق سويدان. بدأت أبكي بصوت عالٍ أردته أن يصل الى الفالوجة التي تبعد عن المكان ثلاثة كيلو مترات حسب معلوماتي. تشنجت وكدت أغيب عن الوعي. أبكي وأتذكر حديث الشيخ محمد صلاح البس"ابو علاوي"، ابن عم والدي عن معركة مركز عراق سويدان. كنت آنس الى مجالسته، يحدثني عن تجاربه في الثورة. انضم أبو علاوي الى الثورة منذ عام 1936. كان أحد مجاهدي الجنوب، يردد دائماً قصيدة الشهيد عبد الرحيم محمود، الذي تعرف عليه خلال الثورة:
سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تسر الصديق واما ممات يغيظ العدى
أخلى البريطانيون يوم 15 آيار1948 مخفر عراق سويدان ذي المركز الاستراتيجي الهام والذي يتحكم بالطريق من بيت جبرين الى المجدل.
قاد ابو علاوي مجموعة من سبعة ثوار. تمركزوا في المخفر فور اخلائه. هاجمتهم بشراسة عصابات الاحتلال. سيطر الغزاة على البلدة، لكنهم عجزوا عن احتلال المركز فأخلوا البلدة. دافع عنه المجاهدون بضراوة بما يملكون من بنادق وعتاد جمعوه بشق الأنفس. ردوا كل الهجمات عليه حتى جاء الجيش المصري، وتمركز فيه. انسحب المجاهدون الى داخل الفالوجة لينضموا الى المدافعين عنها. صمد المخفر ستة أشهر. أخلاه المصريون بعد هجوم واسع بالطائرات والدبابات. أبقى الاسرائيليون احدى دباباتهم المدمرة في المعركة على باب المخفر تمجيداً لانتصارهم المكلف او اعترافا بضراوة المقاومة.
الفالوجة على مرمى البصر، تقوم عليها مستعمرة كريات جات. روى لي ابو علاوي صفحات مضيئة من الصمود. رافقه في كفاحه عبد الله مهنا، وعبد الرحيم الشلف وعبد العزيز رصرص، وعبيدة ( اسم رمزي) من عائلة السعافين، وآخرون من أبناء البلدة. حوصر الجيش المصري في جيب الفالوجة. لجأ الى القرية عدد كبير من سكان القرى المجاورة وخاصة كرتيا والمسمية الكبيرة والصغيرة وحتا وغيرها من قرى الجنوب. بكى بحرقة وهو يروي لي كيف لجأ الى بيت جدي مختار المسمية الصغيرة سلمان الحوراني مع زوجتيه وأبنائه، رجل مهيب ربطته بوالدي صداقة حميمة.
عجز المهاجمون الصهاينة رغم محاولاتهم المجنونة عن احتلال البلدة، فاستخدموا الطائرات. سقطت احدى قنابلهم على البيت. استشهد سلمان الحوراني وابنته وابنه، ومعهم عمي اسماعيل، كان يرتاح من مناوبة الحراسة التي نظمها الجيش المصري بالتناوب بين أبناء البلدة.
أبكي وأتذكر.
تقع بلدتنا كما حدثني والدي وأبو علاوي وآخرون على بعد 30 كيلومتر من غزة، تقريباً في منتصف المسافة بين الخليل وغزة. اسمها الأصلي زريق الخندق، نسبة الى نبتة زرقاء "الترمس".
نزل فيها الشيخ شهاب الدين الفالوجي احد ابناء فلوجة العراق، من المتصوفة الذين رافقوا صلاح الدين في قتاله الصليبيين. أنجب أحمد، ابناً صالحاً، تقياً ورعاً وصاحب كرامات. فسميت البلدة على اسمه. بنى أهل القرية على ضريحه مسجداً لا زالت آثاره موجودة. يجيء الناس الى الضريح يبتغون كراماته، وليفصل أحياناً بينهم ان اختلفوا. كانوا يأخذون من يظنون أنه كاذباً أو سارقاً أو مذنباً اليه ليقسم أنه بريء، يصل الى الضريح ينهار نفسيا ويعترف خوفا ورهبة. يعلقون الحجب أو الأماني على جدران الضريح، فيتحقق لهم ما يتمنون.
روت والدتي أن عائلتنا الكبيرة "أولاد أحمد" تنتسب اليه، لذلك حظيت باحترام واسع.
سجلت معها حواراً قبل وفاتها بأسابيع. وصفت لي الوادي العميق الذي يشق البلدة ويفصل السكن عن أرضنا الواسعة في الزريق. كانت تسوق جملها لتنقل الأغلال من أرضنا هناك منذ كانت طفلة تتبارى مع النساء، وتتفوق على الرجال في عدد الأحمال التي تنقلها في اليوم الواحد. ذكرت لي انها يوم خطبتها الى عمي اسماعيل كانت تلعب على "الجرن" فجاؤوها بملابس جديدة و"بكمشة حامض حلو". ظنت انهم يكافئوها على نشاطها ولم تعرف انه حلوان خطبتها الا بعد ذهاب الجاهة.
فاضت ذاكرتها في وصف سوق الخميس حيث يلتقي البدو والفلاحون واهل المدينة لتبادل البضائع والغلال. تضحك وهي تروي بعض طرائف اهل الفالوجة في السوق. جاء بدوي يشتري دواء للبراغيث. باعه احد التجار كمشة من طحين فتكاثرت. عاد اليه يشكو ان دواءه لم ينفع فسأله كيف استعمل الدواء، اجابه البدوي انه رشه حيث تتكاثر، فغضب منه موجها اياه ان الدواء لا يستعمل بهذه الطريقة:يجب ان يلقي القبض على البرغوث ويضع الدواء في فمه. انتعشت وهي تروي ان بدويا انفرد باحد ابناء البلدة في منطقته فاوسعه ضربا. رد عليه مهددا "بجيبك خميس". انتظر سنوات طويلة حتى جاء البدوي الى السوق فاخذ بثأره مرددا قلت لك "بجيبك خميس". تستطرد في سرد حكايات طريفة عن بيع الماء وعن استعمال الارجل في وزن البضائع وعن الرجال ذوي المهابة يبيتون في "خاننا" ويقضون وقتهم في مقهى "البس" ويتعللون في مجلس جدي. تنسى نفسها فتغني كما انها في عرس او عيد ايام الفالوجة، تصف المناسبات والاعياد بفرح يسكن ذاكرتها. تروي باسى كيف استشهد عمي اسماعيل فترملت وهي لم تبلغ بعد. ترك لها ابنتها فتحية في سنتها الاولى من العمر.
تتفتق جراح الذكرى، وأبي هيثم ينتظر. يتركني في حالة ذهولي وآلامي دون تدخل. يرجع في داخلي صدى أحاديث أهلي عن الضبع الأسود، قائد الجيش المصري وبطولاته، وعن عبد الناصر، اليوزباشي الدمث، الصامت، الصبور الذي يدون كل ما يحصل عليه الجيش المصري من السكان من غلال أو مواشي. قيل أنه بعد وصوله الى السلطة، استدعى من عرف من أصحابها ودفع لهم قيمتها.
سقط المئات من ابناء البلدة والجيش المصري دفاعا عن الفالوجة. بادلها الجيش المصري ببيت حانون في اتفاقية رودس 1949 وحمل معه عددا كبيرا من سكان القرية الخائفين من الانتقام. اجبر الصهاينة من بقي في البلدة بعد انسحاب الجيش المصري على الرحيل الى منطقة الخليل بعد ان غادر عدد منهم مع الجيش المصري الى غزة. دمروها لكنهم لم يقتلعوا شجر الكينيا ونبات الصبار ولم يزيلوا انقاض مسجد الفالوجي ولم يردموا بير الماء. اتخيل صبايا الفالوجة يملأن جرارهن من البير تتوسطهن امي زينة النساء. يا لوجع الذكرى والتخيل!!!
مر وقت طويل قبل أن أعود الى نفسي وأتماسك. اعتذرت لأبي هيثم، ورجوته أن نبقى دقائق أخرى في الموقع اذ لا يسمح لنا بالدخول الى الفالوجة.
قرأت الفاتحةعلى أرواح شهداء فلسطين، وقرأتها مرة أخرى لشهداء الفالوجة، مصريين وفلسطينيين.
للاطلاع http://www.alhayat-j.com/search.php


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى الفالوجة
 

شارك بتعليقك