فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
Burqa - بُرقه : من بقايا الذاكرة : صخرة على مفترق الطرق

شارك بتعليقك  (3 تعليقات

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى بُرقه
כדי לתרגם עברית
مشاركة Dr. Louckmann في تاريخ 13 أيار، 2008
مــــن بقــايـا الـــــذاكــرة
صخرة عند مفترق الطرق

08 / 08 / 2007

انبلج صبح جديد لأحد أيام الصيف ، حاملا معه الخير الكثير للآدميين في هذه البقعة من الأرض ومفرجا همومهم بوفرة الغلال ، فملأ هذا الصباح الدنيا جمالا ودفئا . أنه موسم تفرح له الخلائق وتبتسم بعد طول غياب لأنه يتكرر ويتجدد ويزداد بهجة مع مرور الزمان . انه موسم الفاكهة التي تتميز بها هذه المنطقة من العالم ، كالتين والعنب والخوخ والجرنك والصبر والتوت والتفاح ، اللذيذة الطعم ، المبردة طبيعيا ،التي يجلبها الفلاحون من البساتين المظللة وسفوح الجبال المهيأة ، وكذلك فأنه موسم الخضار والحبوب بجميع أنواعها وأصنافها كالبطيخ والشمام والبندورة والخيار والملفوف والباذنجان والبطاطس والقمح والعدس والسمسم والفول وما أكثرها وهو أيضا موسم الحصاد الوفير للقمح والشعير والكرسنة والسمسم والفول والبقوليات الخ .. .
لقد استيقظت مبكرا كعادتي ، أفرك عيني ، وأمط يدي على امتدادهما، متثائبا متثاقلا ، ومرتديا ملابس النوم الزرقاء الفاتحة ، فتصطدم مقلتاي أولا بمنزل جارنا جميل الدرباس المتهالك ، الذي تركه ليلتحق بأولاده في مدينة الناصرة أيام الاحتلال ولم نعد نراه إلا لدقائق معدودة أيام الأعياد بتصريح خاص ، حيث أغلقت الحدود مع فلسطين 1948 إلى الأبد ، حاملا معه بعض البرتقال اليافاوي المعروف والمشهور في جميع أنحاء العالم ، حيث كانت تلك الأوقات العصيبة من حياتنا مثقلة بالعوز والمآسي . وكالمعتاد فـقـد أفـقـت من نومي على أصوات العباد ، من بني جـلدتي وبني بلدتي ، الذين قد اعتادوا المرور من أمام بـيـتـنا الـمتواضع الذي بناه جدي رحمه الله ، الذي ولـدت فـيـه وترعرعت وغمرني بكل أنواع الحنان ، حتى أنهيت دراستي الثانوية ورحلت مكرها وبامتعاض إلى بلاد الله الواسعة طلبا للعلم والرزق ومازلت لغاية هذه الساعة بعيدا عن وطني الجميل المطبوع في مخيلتي ، والذي أحببته أكثر من نفسي ، بكل عنفوان بل وبكل جنون ، وأحلم به باستمرار إلى درجة العبادة ، ولقد منعـت من الوصول إليه والتمتع بمناظره وخيراته كرها وظلما وغدرا ، وأصبح للغرباء من أوروبا وجميع أنحاء العالم ، الذين لا ينتمون إلى هذه البلاد بأي صلة ، الصولة والجولة فوق تراب وطني بخيراته ونسائمه العذبة ، هم السادة ، وهم الحكام ، وهم المـعـتدون ، وهم الآمرون والناهون . هم القتلة ، هم المغتصبون للأرض والزرع والماء والنماء، يهدمون ويدمرون كل شيء ، ليل نهار ودون توقف منذ ستين عاما ، ولهم القول الفصل في نهاية المطاف . ضاعت حقوقي الواضحة وضوح الشمس ، بجرة قلم بقدرة المكـر الاستعماري البريطاني والغربي . إنها المأساة الحقيقية وإنه الظلم بعينه الذي لا يطاق وما زال جاثما على صدورنا منذ تاريخ الاحتلال البغيض والذي طال الملايين من بني جلدتي ولا أحد هنا أوهناك ينبس ببنت شفه دفاعا عن الكرامة الإنسانية والعربية والمبادئ السامية التي هي وقود الجنس البشري على امتداد الكرة الأرضية ، فصبر جميل ، والله المستعان .

في ذلك الصباح سمعـت ألائك الفلاحين وهم يتقاطرون من أمام بيتنا وهم يهللون ويستغـفـرون ويدعـون الله عـز وجل بالخير والبركات مرحبين بيوم جديد قد هل ، والظلام يكاد ينجلي شيئا فشيئا والضياء القادم من خلف الجبال العالية ، يشيع في كل مكان ، أنهم يرفعون أكفهم ويرجون المولى تعالى بقـلب خاشع ، أن يمن عليهم من نعمه ونعمائه في هذا اليوم الجديد من أيام شهر آب أغسطس


من صيف عام 1952 ، أنهم يدعون الواحد الأحد وهـم في طريقهم إلى أعمالهم ، ويرطبون ألسنتهم التي لا تتوقف عن الدعاء بالتضرع للبارئ خالق الأكوان وموزع الأرزاق ، ويقولون بصوتهم المسموع من تحت الكوفية والعقال ، غطاء الرأس التقليدي ، مرتدين الثوب (الديماية ) المخطط بالخطوط السوداء أو الزرقاء على أرضية بيضاء وآخرون يرتـــــــدون (الروزة ) ذات اللون الأصفر الفاتح والموحد والمربوطة برباط حول الخصر أي بحزام من نفس القماش ، أو السرطلي وهم يقولون : (يا قاضي الحاجات ومهون الشدات ، أن ترزقنا ) ، اللهم لا تنسانا من فضلك واحرسنا من أعدائنا وأعدائك بجبروتك وقدرتك ! وهم دائبين على ذلك ، لا ينفطر لهم لسان. وبينما أنا كذلك إذ بالنسيم العليل يمر على أدمتي متأنيا كأن العالم قد توقف لحظة ، فشعرت وقتها بالانتعاش ، أنه الزمن الذي يزحف علينا متثاقلا كالسلحفاة ، وهنا وبعد دقائق تدفقت جموع الحيوانات القادمة من ناحية الحارة الجنوبية تتدافع عنوة في الأزقة ، وأصواتها تملأ الطريق :
كخوار الأبقار والعجول وصياح الديكة وصهيل الخيول ونهيق الحمير وهديل الحمائم ومأمأة الخراف وثغاء الأغنام ونباح الكلاب ومواء القطط وحنين البعير. وإذا خرجت يا صاحبي إلى الأزقة فأنك سترى الغبار قد لف المكان والطريق، وروثها قد رصف الأرض في هذه الأزقة الترابية ، فأضاف عليها ألوانا جديدة . لأنها مازالت محرومة من معاول الحضارة والتطور منذ مئات السنين ، وبسبب ضيق ذات اليد ، لا كهرباء ولا هواتف ، ولا طرق معبدة ولا يحزنون، كأننا نعيش في القرون الوسطى منسيون، كما نسينا العالم في حـرب عام 1948 وما يزال ، وخاصة أولاد العمومة في طول وعرض بلادنا العربية المترامية الأطراف ، فعلا لا أحد يعرف عنا شيئا ، أنها عين الغرابة ، وأن الله ليس بغافل عما يصنعون . أنها قريتي التي تحلم كل ليلة بالخلاص من هـــذا الاستعمار الاستيطاني وهذا العدو الغاصب الرابض على صدورنا كأنه استحلى المقام ، ولكن على أرض الواقع لم يتحقق لها حلم جميل بعد . نعم فأن الحضارة ما زالت مغيبة عن تلك التخوم الآسرة بجمالها ومناظرها الأخاذة . تـنـقـصها الطرق المعـبدة وشبكات المياه والكهرباء والهاتف والمصانع والورش من كل الأنواع .أن هذا العجال ( أي القطيع الكبير من الحيوانات ) يهدر بأصوات الحيوانات فيه على الدوام . وعند انقشاع الظلام باكرا ، تستعد هذه المخلوقات لتغادر زرائبها وأماكنها كل صباح ، وبصفة يومية، لكي تقتات من أعشاب الجبال المحيطة بالقرية وتعود لإنتاج اللبن الحليب والرائب والجبن لجميع أهل البلدة والذي ستستدفئ به الخلائق الآدمية من زمهرير الرياح الباردة ، في فصل الشتاء القارص ، الذي يوقف الدماء في العروق وترتعش منه الأطراف ، ويكاد أن يوقف النبض وعلى وجه التقريب أن يشل عضلة القلب عن الحركة . وأعود فأقول بأن هــــذه الحيوانات قد أوكل همها إلى شخصين من أبناء القرية الوادعة لرعايتها ، لتعود في المساء بعد أن أخذت كفايتها من الطعام وقد امتلأت بطونها من خيرات وربيع تلك المنحدرات ، حينئذ تقفـل راجعة إلى أصحابها لتطعم الجياع من أطفال البلدة وكهولها من لبنها الصافي الذي يدفئ القلوب المتلهـفة ، وينعش الأجساد المثقلة بالهموم والأحزان والمسئوليات الجسام . ما أجمل تلك الأيام في بساطتها وعنفوانها ، وحلوها ومرها ، وشقائها وحرمانها ، وأمطارهـــــا وثلوجـــــــها وعواصفها. أنها جميلة حقا بالرغم من المكـدرات والمصائب والفـقـر والحرمان الذي يلف هذا العالم الصغير بحجمه ، الكبير بمعنوياته والذي هو جزء من بقاع هذه الأرض المعطاءة . ولهذا فأنك يا صديقي العزيز ما فتئت ترتع من ربوع هذا الوطن الذي أبدع الخالق تصويره ، الذي يبـز كل الأوطان بسحره وجماله، ويحمل عنك



الأعباء ، وكل الأوزار ، ولا تحس به كما يحس بك . أليس للوطن حق عليك ؟ فلعلك تأتيني بالجواب الشافي والمقـنع عند لقائي بك ثانية يا صديقي العزيز . وهاهو الشاعـر يحرك فينا الإحساس بالأوطان وينادي بأعلى صوته متألما ، من يدفع الظلم عن الحمى ؟ ومن منكم يلتزم ؟ أين الهمم العالية ؟ أين التضحيات ، ولم ينس الشاعر أهمية الوطن وما يتعرض له من نكبات ومآسي على مر العصور حيث يبادر فيقول ، وفي نفسه حرقة وأسى وشوق :

قال أحمد شوقي :
وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي

وقال ابن الرومي :

ولي وطـن آليت ألا أبيعـه وألا أرى غيري له الدهر مالكا (الوطن: يحتله بني يهود )
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحـــنوا لذلكا ( منذ ستين عاما بالتمام )
وقال إيليا أبو ماضي :
وطـــن النجوم أنا هــــــنا حـــــدق أتذكـــــر مــــن أنا ؟

ويبدأ المشهد بالأتساع ، فأسمع العجوز أبو خضر( لاجئ وملاك من بلدة الطيرة ترك أرضه وبيته تحت أزيز الرصاص ، قسرا ، هاربا بجلده وأولاده وعائلته من المجازر الشنيعة ، التي اقترفها العدو الغادر المدرب والمسلح تسليحا عصريا بفضل بريطانيا العظمى عام 1948 ضد أهل الديار المقدسة أصحاب الأرض الأصليين ، أرض الإسراء والمعراج - أنها فلسطين ) أنه يجر أذياله كعادته متكئا على عصاه القوية مارا من أمام منزلنا ، ذاهبا إلى صلاة الفجـر، وفي قلبه بصيص أمل في العودة سالما إلى موطنه ومكان مولده حيث الذكريات الجميلة والحكايات الحلوة التي كان أحيانا يسردها لنا والتي تنم عن ذلك ، وقبل أن يصل إلى الجامع القريب من مكان سكناه ، يستلطفه الجلوس على تلك الصخرة التي تقـبع ملتصقة بجدار منزلنا ، والتي تشبه الكرسي ، قرب البوابة الرئيسية لبيتنا الذي يلتصق ببعض بيوت الحارة من الجهة الخلفية ، لكي يأخذ قسطا من الراحة ، قبل أن يستأنف المسير إلى الجامع الوحيد الذي يقع وسط البلدة . أن هذه الصخرة هي محطته للراحة والتقاط الأنفاس في الذهاب والإياب . وكان طيب المعشر قصير القامة ، يحب الدعابة وكان يدعــــى أيضا ( أبو دحدول ) لقصر قامته واتساع خصره يلبس لباسا أبيضا ويرتدي حزاما سميكا من قماش يزيد ه بدانة على ما هـو من سمنة ناحية البطن ، ويضع عمامة بيضاء على رأسه ، تقي هامته من الحر والبرد على السواء . وهذه الصخرة التي تريح من يجلس عليها بعد عناء السير ، خاصة كبار السن ، تعد بالنسبة إلى أبو خضر ، هبة من السماء . وكانت هذه الصخرة دائما نظيفة لأننا كنا نغســـــلها باستمرار، حتى يتسنى لكل عابر سبيل أن يستريح عليها ولو لبضع دقائق قبل أن يتابع المسير إلى مكان سكناه . والذي يميز عائلة أبو خضر عن بقية أهل البلدة ، أنهم ينطقون القاف مفخمة بشكل ملفت للسمع ( أي أن القاف عندهم تساوي أقة ) على خلاف أهل البلدة الذين ينطقونها مثل الكاف ويشعرون بأنها غريبة عليهم وعلى لهجتهم المحلية
رحم الله تلك العائلة الطيبة إن كانوا أحياء أو أمواتا خاصة بعد أن احتل الكيان الغاصب القادم من بلاد الثلــــــج ( أوروبا وروسيا ) بقية الأرض المقدسة ، فلسطين ، فتشتت الناس أكثر فأكثر

وأخذت أحدق في السماء فأشاهدها مازالت صافية سوى من بعض السحب التي أراها تتسابق في الأفق بيضاء كالثلج لتختفي بعد قليل تاركة وراءها وهج الشمس الذي بدأ يملأ صفحة السماء من
خلف الجبال الشرقية العالية . وقد سرح خيالي في هذا الكون العجيب فأقول، سبحان الخالق ، يرزق مع كل يوم ما يكفي من الأرزاق لجميع الخلائق دون استثناء . أنها دنيا عجيبة ، يتصارع فيها
الإنسان دوما مع أخيه الإنسان على أشياء تافه . ما أغبى هذا الكائن الآدمي الذي يريد أن يمتلك كل شيء في هذا العالم رغـما عن كل العباد دون اكتراث بالآخرين الذين لهم الحق كل الحق في العيش والحياة الكريمة والذين يشاطرونه هذه الأرض . لهذا تدور الحروب ، وتلتهم الضحايا بالملايين . أنها النرجسية المطلقة وضيق الأفق . والنتيجة المرة القاسية على القلوب ، انتهاك الحرمات وتدمير الممتلكات وتفريق العائلات وهجر الأوطان ونشر الأحقاد والعداوات وتوطينها في القلوب .

نهار جديد قد أطل علينا ، أحسبه مليء بالعطايا ، حيث تناولت فطوري كالمعتاد من ثمار التين والصبر وبعض الجبن وجزء من رغيف خبز حار مع زيت الزيتون والزعتر، مصنوع للتو في التنور الموجود في فناء بيتنا (الذي يدعى محليا : الطابون ) أنه خبز صاف كامل نظيف ،
رائحته الجميلة تسيل بسببها اللعاب ، وطعمه اللذيذ يثير الألباب ، ومنظره يغني عن خروف محمر، تفوح منه روائح البهارات الهندية المشهورة ، والذي لم تمتد إليه يد الغش بعد . وبعد الانتهاء من الفطور ، خرجت من بيتي وجلست كعادتي على تلك الصخرة المشهورة ، استأنس بالناس يمرون من أمام ناظري ، كل فرد عنده مهمة يريد تأديتها مبكرا، كعادة أهل البلدة دائما ، وحين مرورهم يسلمون علي ، فأرد عليهم في المقابل ، وآخرين قد يتلطفون فيسألوا عن حالي وحال الوالد والجدة والأهل . أنه جميل أن تسمع ذلك فترتاح النفس ويهدأ الفؤاد .

وما أن مر وقت ليس بقصير، وكان بجانبي أخوتي الصغار ذوي السنتين والثلاث، أحدثهم ويحدثونني ، وأتسلى معهم بكلام الطفولة البريئة التي تخرج من أفواههم بعفـوية متناهية ، إذ لمحت من بعيد أي في نهاية الزقاق المقابل للصخرة التي أجلس عليها رؤوسا غريبة لم أعهدها من قبل ، وأخذت هذه الأجسام تقترب شيئا فشيئا وملأت الطريق ، أنها ترتدي على رؤوسها عـمائـم ملونة وضخمة تثير التساؤل ، حتى أنها أخافت أخوتي الصغار ، فنظرت أتحسسهم حولي فلم أجد منهم أحدا ، فقد هربوا فزعين مسرعين فارين بجلدهم من هول ما شاهدوا ، إلى داخل بيتنا ، يطلبون النجدة من أمهم الحنون التي لا مثيل لها . أنه فعلا مشهد يثير الاستغراب والإعجاب معا. طابور طويل من النسوة يرتدون الملابس الملونة والمزركشة تعلوا رؤوسهم العمائم الضخمة ، أنه منظر مهيب ، يخيف الأطفال لغرابته ، ويثير الاستهجان لدى الكبار لروعته . وأخيرا علمت بأنهم جاءوا من مدينة السلـط المشهورة ليخطبوا ابنة جارنا السيد / خليل الياس الدرباس ،الذي يرتدي اللباس الشعبي التقليدي ،أي الكوفية والديماي ، هذا الرجل الوقور ( أبو يوسف ) الطيب بهدوئه الذي كان يعمل في المستشفى الإنجيلي في نابلس( وتسميه العامة : السبيطار ) ،والذي لم يغضب أحدا في


حياته ، حسن المعشر ، دمث الأخلاق ، يحب أولاده بقوة ويعمل من أجلهم ، ويرعاهم ويكابد الحياة ، حتى آخر عمره ، من أجل راحتهم ، وتعينه زوجته هنية ( أم يوسف ) في البيت وتعمل أيضا في تهيئة العيادة الطبية كل يوم أربعاء للحكيم والفرمشاني ( الصيدلي ) لعلاج المرضى في البلدة والقرى المجاورة حيث كانت الأدوية تحضر يدويا على عكس ما هو معروف في القرن الواحد والعشرين .
وتدب الحياة في تلك البقعة من العالم ،في كل صباح ، ويزدحم السوق الممتد على طرفي الشارع من أمام الجامع ، الوحيد آنذاك ،ويعج بالبائعين من الجنسين الذين يعرضون بضاعتهم على اختلاف أنواعها ، وكذلك بالمشترين والمارة . أنه فعلا منظر تتوق العين أن تنظر إليه بتمعن ،الكل يريد أن
يشتري ، لينعم بهذه الخيرات الوفيرة الطازجة والمقطوفة في حينها . ولكن هيهات لمن لا يملك ، ولا تتحرك القطع المعدنية في جيبه متصادمة بحركته وسيره ، وليس لها أي رنين ، إنها فعلا حسرة على الفقير ونعمة على الغني ، مع أن كيلو اللحم الضأني لا يتجاوز الخمسة قروش فقط وهذا ينطبق
على بقية المعروضات حيث تستطيع شراء الكيلو من التين اللذيذ الطعم المبتسم والضاحك لقدومك والمبتهج لرؤيتك بقرش واحد فقط ، وأحيانا الثلاثة كيلوات بقرش ، وقــــس على ذلك بقية الفواكــــــه والخضروات . نعم وأنعام لا تعد ولا تحصى . وحتى لا ننسى فأن مغطاس ( وعاء فخاري مخروطي الشكل يتسع لكيلو من الزبادي ) اللبن الرائب من النعاج بخمسة قروش ، ويشبع عائلة بكاملها ، وأما البقلولة ( وعاء فخاري أكبر ) من اللبن الرائب بسبعة قروش فقط . ولكن تلك الأراضي الخصبة التي تعتمد في ريها على مياه الأمطار الموسمية ، فأنها بحاجة إلى إدارة وتخطيط وجمعيات تعاونية لزيادة الإنتاج وتسهيل عملية التسويق وحتى لا يغبن الفلاح في بيع محاصيله بأبخس الأثمان .

أنظر يا أخي ، وليتك تنتبه جيدا معي ، جمهرة من الناس، ملتفين حول رجل طويل، ضخم الهيئة، قوي البنية ، يلتهم بكل نهم صحارة ( صندوق من الخشب يتسع لعشرين كيلو من الفواكه ) مملوءة بفاكهة الصبر( اسمه شهير ) ، والناس ينظرون إليه باستغراب ودهشة ،كوز يتبعه كوز آخر( ثمرة الصبر )والكل يقول : أن هذا من المستحيلات الثلاث ، حتى أتى على آخرها ، حيث كانت العملية (مبايعة )أي مراهنة بين صاحبها وهذا الرجل ، على ازدراد ( أكل ) ما في الصحارة دون أن يدفع ثمنها وأن لم يستطع ، فعليه أن يدفع لصاحبها ضعف الثمن . وقد خسر صاحب الصحارة الرهان ، ورجع إلى أهله لا يلوي على شيء ، بعد أن تكبد المشقة في قطف الثمار وتنظيفها من الشوك ، وعناء حملها إلى السوق
ومن أمام دكان السيد حامد حمدان التبني تصطف بنات قرية رامين على طرفي الطريق ، يعرضن بضائعهن في جونات (أوعية تصنع من قش القمح ) مملوءة بمغاطيس من اللبن الرائب أو الصبر لمن يحب أن يشتري . ليس هذا كل ما في الأمر ، فأن ألئك النسوة يتعبن ويشقـين كالرجال ، مكافحات للحصول على لقمة


العيش وعلى بعض القروش لشراء حاجياتهن الضرورية - أنها حياة ليست سهلة كما تظنون - من بعد العناء والجهد الذي يتكبدانه في المجيء إلى السوق،من قريتهن البعيدة حوالي ثمانية كيلومترات
عن بلدتنا ، حاملين كل ذلك الحمل من اللبن والصبر على رؤوسهن . إن هذه المعاناة لا يحس بها أحد سوى صاحبها . ما أجلدهن على هذا العناء . أن الفـقـر شيء ممقوت ومرفوض على كل المستويات . أنني أحييهن على كفاحهن الذي لا ينتهي ولا يشعر به أحد . أنهن ملح الأرض بدون منازع . ولكن هيهات ! من يفكر ! من يساعد ! من يحم الحمى ؟
انتبه يا صديقي ماذا يوجد أمام واجهة الجامع الغربية . أنظر إلى الجمال( البعير ) الباركة هناك والتي تحتضن الطريق .حيث أن التجار من القرى المجاورة قد حملوها بأصناف الحبوب من قمح وشعير وعدس ليبيعوا أنتاجهم في هذه السوق التي تستوعب كل شيء .وكنا دائما نتجنب المرور من تلك الطريق خوفا من عض الجمال أو ركلها . أنظر إلى السيد عبد العزيز أبو عيد( أبو أحمد ) داخل دكانه يوزن كيسا لأحد الزبائن ، الذي سافر ولده أحمد إلى ألمانيا ولم نره مذ ذلك الحين .لقد تفرق الناس بطريقة مذهلة وتقطعت بهم السبل. هلا أدرت رأسك يا أخي إلى اليمين لترى العجوز أبو يوسف صالح بياضو الذي نسمعه يتكلم اللغة التركية مع أبناء جيله من الشيوخ الكبار في السن ، تمعن بما ذا يفكر . لقد اشترى بالجملة كيسا من القثاء ليبيعه بالمفرق من أجل أن يكسب شيئا يعينه على هذه الحياة . ولكنه وجد نفسه آخر الأمر خسرانا. أنه طيب العريكة والعشرة . يحب أن يزيــــد المشتري حتى يرجح الميزان . وكثير من الباعة ، أو الذين يجلسون أمام دكان أبو أحمد ، يحبون أن يستثيروه فيرد عليهم بغلظة. ولكن كل هذا من أجل المزاح والذي لا يخرج عن طريق اللياقة والأدب. وبعد خطوات ترى ولده أبو صالح يقوم بتصليح الأحذية . ألا توجه بصرك يا صديقي إلى ناحية القبلة حيث أكوام البطيخ ( الأحمر المليح ) كالجبال لمن يحب أن يشتري ويرتوي في هذا الصيف الدافئ . سوق عامر بما حلى وطاب. وتصطف على جانبيه الدكاكين الكثيرة، حيث تستفيد من هذا الحشد الآدمي كل يوم . حتى قرون الخروب الناضجة تجد لها نصيبا هنا . ومن بين هذا الجمع يظهر أبو طربوش ( أبو محمد ) مشغولا بنقل المشتريات لأحد زبائنه بعربته ذات الثلاث عجلات حافي القدمين لا يعبأ بهندامه ،واستمر يسترزق من هذا العمل حتى وافته المنية وحيدا ولم يعرف بموته أحد إلا بعد أيام . وولداه محمد وسعيد بعيدان عنه في بلاد الله الواسعة يسعيان وراء الرزق . أن لكل إنسان في هذا العالم الصغير قصة بل قصص حزينة تهزم إنسانية الآدمي . وأن الذي أحب أن أقوله هنا ، أن العيش الكريم في هذه الدنيا يتطلب جهادا دائما ، لأن الدراهم هي المراهم التي تحل مشاكل الأفراد والمجتمعات . فالفقر والجهل يضيعان الإنسان والأوطان وتلقائيا تضيع أماني تلك الشعوب وأحلامها . أن هذا العالم الصغير يستطيع أن يتسع لكل فرد فيه إذا أحسن استغلاله وتجنب كل مواطن عن مناطحة أخيه أو جاره في الأرض أو في السكن . فأن عدم الوعي وعدم المسئولية ، يرهقان الوطن الصغير ، ويجلبان له التعاسة والمآسي الذي هو في غنى عنهما . فالخصام والصراع على أتفه الأشياء يؤدي إلى الاقتتال ثـــم الموت ، عمل ينم عن ضيق أفق ، وينبثق عن سلوك عدواني حيواني ، فيه تظهر الأحـــــــقاد ويكشــر المتخاصمين عن أنيابهم فتظهر العداوات على السطح ويصبح الفرد البريء خائفا على نفسه وعياله. لقد حصل هذا مرارا وانطفأت حدته مع مرور الأيام ، ولكنه مازال في الذاكرة ، يطفوا على السطح ، كلما حصل حادث ، وتتناقله الأجيال مشفاهة جيلا بعد جيل ، كأنه مسجل في كتب التاريخ القديم والحديث . هذه طباع الجنس البشري على اختلاف مشاربه وأجناسه وأماكن تواجده ، وقل ما تجد من يمتلك الحصافة وبعد النظر والحكمة والبصيرة والصبر والرأي السديد . أنه الفـقـر والجهل .


يا ألله ألطف بنا ولا تحرمنا رحمتك واجعلنا من الصابرين وأغدق علينا من بركاتك ونعمك حتى نعبدك حق عبادتك ولا تكلنا إلى أعدائك وأدخل المحبة إلى قلوبنا دون استثناء .

الدكتور / لقمان إبراهيم الحاج مسعودالعتيبي




إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

 

شارك بتعليقك

مشاركة brkawi في تاريخ 3 شباط، 2013 #148657

برقة الطفله الرائعه التي تسكن بين الاضلاع مهما بعدنا ومهما تغربنا تبقين انتي المدلله في قلوبناذكرياتنا تاريخنا مستقبلنا هو انتي
مشاركة خلود سليمان العتيبي في تاريخ 22 كانون ثاني، 2010 #101561

الله عليك يا عمو كتير حلو المقال
مشاركة ابو امير في تاريخ 14 كانون ثاني، 2010 #100795

عبد العزيز ابو عيد ، حامد التبني ، صالح البياضو ، ابو طربوش ... رحمهم الله جميعا ، كانو ابطال تلك الفتره الرائعه في حياة برقه رغم الجوع والفقر وقلة الموارد ... ذكرتنا بهم وبالصوره المشرقه لقريتنا الحبيبه ، ذكرك الله بالخير وادامك برقاوي اصيل