فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين  خرائط 
القائمة الصراع للميتدئين دليل العودة صور
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  دليل حق العودة تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا

دير بلّوط: الزراعة في دير بلوط

مشاركة Ghanem Mustafa في تاريخ 27 نيسان، 2017

صورة لبلدة  دير بلّوط - فلسطين: : من خريجي جامعة بيروت العربية-1970 أنقر الصورة للمزيد من المعلومات عن البلدة
الزّراعة في دير بلوط:
بعد حمد الله والثناء عليه سبحانه بما هو أهلٌ له, ثم الصّلاة على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. فإننا إذا تناولنا الحديث عن الزّراعة في البلدة, فلا بدّ من أن نقسّمه إلى شقّين, أحدهما قبل الهجرة والآخر بعدها.

الشّق الأول:
كان جلّ اهتمام أهل البلدة قبل الهجرة منصبّا على زراعة الحبوب مثل القمح والشّعير والذرة البلديّة والسّمسم في السّهل السّاحلي والمرج على حدّ سواء, هذا عوضاً عن الإهتمام بأشجار البيّارات من الحامض والبرتقال في أراضي السّهل والتي كانت بحاجة إلى الحرث والسّقي الدائمين بحيث تُعطي أكُلها مرّتين في العام, ثمّ الإهتمام بأشجار الزيتون القليلة المتواجدة حول البلدة حينئذ والتي كانت وقتها لا تكفي في الغالب إلا للمؤونة فقط وليس للإتّجار أو البيع, ومن ثمّ كانت هناك زراعة الحمّص والفول والعدس والكرسنّة حول البلدة, وكذلك زراعة البطاطا والدّخان البلدي (الهيشي) والبصل والثوم في الجنائن بين البيوت أو ما حولها.

قبل الإسترسال في هذا المقال, تحضرني هنا بالمناسبة قصة طريفة حصلت قبل الهجرة, حين بات جدّي المرحوم حسين المصطفى (أبو أحمد) في يافا مع مجموعة أنفار من البلدة وقتها لسببٍ ما, وعندما ذهبوا في الصّباح التالي إلى المطعم للإفطار قال لهم أطلبوا, فطلبوا حمّص وفول, فقال لهم جدّي أبو أحمد مازحاً: إلّا غيّروا وبدّلوا يا ناس الحلال, الحمّص امملّي البالوع والفول امملّي دير المير !!

كانت الزّراعة في السّهل السّاحلي تستحوذ على الجزء الأكبر من مجهود أهل البلدة وقتئذ, بحيث كان الرّجال يعزّبون هناك في مواسم البذار والحراث أو الحصاد أو القطاف أو السّقي, وكانت النّساء يعجنّ العجين في المساء في البلد ويخبزنه قبل الفجر ثم يسرين به بحيث يصلن هناك مع طلوع الشّمس تقريبا مشياً على الأقدام وهنّ حافيات, حيث كان من العيب أن تركب المرأة دابّة وقتئذ وأظنّ الحال ما زال كذلك, ثم يرجعن للقيام بأعمال البيوت وخدمة الصّغار وإطعام الدّواب ....... الخ وهنّ في غالب الأحيان يحملن لحطب البيّارات أو خلاف ذلك على رؤوسهنّ, ويُعِدن نفس الكرّة ثانية وثالثة وهكذا, وهذا ما يفسّر أن أكثر أفراد جيل أمّهاتنا وجدّاتنا قد اشتكين من أوجاع الأرجل أو المفاصل في الكِبَر, جعلهُ الله في ميزان حسناتهنّ أضعافاً مضاعفة. وحيّا الله وبارك جيل بناتهنّ وحفيداتهنّ اللواتي يُكمِلن مسيرتهنّ وسيرتهنّ العَطِرة تلك على عَهد الوفاء إيّاه.

ولا يخفى والحال هذه أنه لم يكن ليتوفّر عند الناس ما يكفي من الوقت أو المجهود لأيّ اهتمامات أخرى جانبيّة مثل زراعة الخضار على سبيل المثال. وإذا كان أحدهم قد زرع منها شيئا في وقت ما, فلم تكن تلك ظاهرة معمّمة.

تجدر الإشارة هنا إلى أنه قد مرّت على الناس في فلسطين عامّة فترة من أصعب الفترات في حياتهم إبّان الحرب العالمية الثانية حين أقفِل البحر من قبل الحلفاء خلال تلك الحرب في وجه السّفن التّجارية وتوقّف التّصدير بناءً عليه, مما أضطرّ الجميع حينئذٍ أن يدفعوا أجور العمّال كي يقطفوا ثمار البرتقال ويرمون ما زاد منها عن حاجة السوق المحلي لأنه لو بقي الثّمر على الشّجر فسيقتله. وكان في ذلك الأمر خسارة كبيرة على كافّة مزارعي البيّارات في البلاد. ونحن كنّا من بينهم.
عوداً على بدء, من المعلوم أن بعض قطع الأرض تتميّز في إعطاء بعض المنتجات الزراعية بشكل أفضل عن غيرها, فمثلاً كان أطيب حبّ سمسِم في البلد هو ذلك الذي يُزرع في مرج كسفة في أراضينا نحن ودار الشيخ حسين قبل وبعد الهجرة, ولكن للأسف الشديد فإن هذا المرج يقع الآن داخل جدار الفصل العنصري. وأما أطيب مذاق عدس وتين فهو في أرض العقايب عند باب النّقب, وأطيب مذاق صبر في دير المير, وأطيب مذاق بطيخ كان في أرض المرحوم إبراهيم الحاج يوسف (أبو نمر) في وادي العين برغم كونه صغير الحجم نسبيّاً وغير مًجْدٍ تجاريّاً, وأطيب بابونج برّي في قرنة العدس, وهكذا دواليك.

قبل الإنتقال إلى الشّق الثاني, لا بدً لنا أن نعرّج على ذكر أشجار الصّبر في البلدة والتي هي أقدم من أهلها بقرون خلت, إذ كانت تحيط بالبلدة القديمة من كل الجهات, وإضافة إلى كونها سلّة غذائية آنذاك, فيبدو أنها كانت تستعمل كمصدّات دفاعيّة في المقام الأول, ولا أدلّ على ذلك من صَبر دير المير كمثالٍ شاهدِ للعيان. إلا أنّ الزّحف العمراني داخل البلدة قد أتى على غالبيّتها مؤخّرا.

الشّق الثاني:
أما بعد فقدان أراضي السهل الساحلي, فقد تغيّرت الظروف والأحوال وتغيّرت معها الإهتمامات والأولويّات بطبيعة الحال, فبدأ الناس بإعمار ما تيسّر من أراضيهم البور وزراعتها بأشجار الزّيتون بصفة خاصة والتي لا تحتاج لسقي إلا في بواكير أعمارها حتّى توسّعت بحمد الله إلى ما هي عليه الآن, ومع دخول المهاجرين من القرى المجاورة على الخطّ, فقد ابتدأ الإهتمام بزراعة الخضار على اختلافها مثل البطّيخ والشّمام والبندورة والبامية والخيار والفقّوس والكوسا والباذنجان والفاصولياء واللوبية والقرع واليقطين والبازلاء وزهرة عبّاد الشّمس .... الخ ولو بكميات متواضعة خصوصا في المرج والبالوع, إضافة إلى زراعات الأحواض في البيوت مثل الفلفل والبقدونس والنّعناع والشّبت والنّباتات العطريّة الأخرى.

وإذا كان لا بدّ من الإشارة إلى من كان لهم الفضل الأكبر بعد إرادة الله في إدخال زراعة الخضروات تلك إلى القرية بحكم المعرفة والخبرة ابتداء من المشاتل حتى القطاف أو على الأقل التّشجيع على فعل ذلك, فهما أولاّ المرحوم جدّي لأمّي الحاج حسين الداقور (أبو إسماعيل), وثانياً المرحوم أحمد العمر (أبو محمد) من مهاجري قولية, مع فارق بسيط وهو أن خبرة المرحوم أبو محمد في تجارة وتسويق المنتجات الزّراعيّة مثل الخضار والفاكهة قبل الهجرة كانت غالبةً على خبرته في الزّراعة.
وجدير بالذّكر هنا أنّ المرحوم أبو محمد هذا كان أوّل من عرّف أهل البلدة بثمرة الجوافا حين أحضر شحنة منها من قلقيلية وباعها في البلد ولكنّ الناس لم يستسيغوها في بادئ الأمر فقال لهم عندما تتعوّدون عليها فستفضّلونها على أي ثمرة أخرى, وقد كان. وكان رحمه الله يجلب بالمثل شحنات مماثلة من الملفوف أو القرنبيط أو غيرهما بقدر ما يمكنه اقتراضه من هذا أو ذاك. وأظنّه برأيي المتواضع لو توفّرت له السّيولة الماليّة الكافية في حينه مع خبرته تلك لأصبح بسهولةٍ ويُسرٍ من أثرياء المنطقة.

هذا مع استمرار زراعتهم للقمح والشّعير والذّرة البلدية والسّمسم في المرج وغيره, ثم الحمّص والفول والعدس والكرسنّة والتي إضيف إليها البيكة كعلف للمواشي في وقت لاحق, وبقيت ممارسة زراعة البطاطا والدّخان البلدي (الهيشي) سالفة الذّكر في الجنائن إضافة إلى البصل والثوم كما هي لم تتغيّر, ولكنها تجاوزت تلك الجنائن إلى المرج والمريج وسِواهما في وقت لاحق.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن زراعة الدّخان العربي كانت ممنوعة بعد الهجرة ولا تُزرع إلا بترخيص رسمي بحيث تُباع إلى الجهات المختصّة فقط بالسّعر الذي تُحدّده تلك الجهات ثمّ تبيعه بسعرٍ مُضاعف لمصانع التّبغ والسّجائر الأردنيّة في عمّان, ولكن ذلك لم يردع البعض عن زراعته خِلسةً بين الحين والآخر. هذا مع العلم بأن أطيب مذاق دخّان كان ذلك الذي يُزبّل بسكن الطّوابين, وأذكر أنه كانت جنينة صغيرة أمام بيت المرحوم مصطفى المشعل يزرعها دخان هيشي وكان المشترون من منطقة رام الله الذين يأتون لشراء الدّخان من المرحوم أحمد عبد الجواد (أبو العبد) يترجّوه أن يبيعهم منه ولو قليلا, إلا أنه كان يأبى ذلك ويقول أنه يزرع ذلك الدّخان لنفسه فقط وليس لغرض البيع.

توقّفت زراعة الذّرة البلديّة والتي كانت تستعمل لعمل الكراديش في الستّينات بسبب ضعف الطّلب عليها من جهة ومشقّة قطافِها ودراسِها من جهة أخرى حيث كانت محفوفة بتقريص العُرْمُط (لمن يعرفونه), واستُبدِلت بأنواع جديدة ومحسّنة من القمح مثل القمح الدّبي, وشيئا فشيئا دخلت زراعة الخضروات الصيفيّة في المرج والبالوع على الخطّ بالتّدريج وازداد الإهتمام بها والتّركيز عليها بشكل واضح في السنوات الأخيرة حتى أصبحت من علامات البلد الزراعيّة البارزة كالفقّوس والبامية كما هو معلوم.
هذا ولم يُعهد عن أهل البلدة إهتمامهم بالأشجار المثمرة من فصيلة اللوزيات أو غيرها كما هو الحال في بعض القرى المجاورة (عدا ما تواجد منها في البيوت مثل التوت أو العنب), وأذكر أن شجرة المشمش الوحيدة في القرية كانت مملوكة للمرحوم أحمد الجودة (أبو عودة) وكان ينطرها بنفسه وينام تحتها, ولكنهم في مقابل ذلك اهتمّ أهل البلدة بشجرة التّين دون سواها من الأشجار المثمرة وزرعوها بين أشجار الزّيتون التي تعمّر كثيرا كما هو معلوم, وبما أن معدّل عمر شجرة التين لا يزيد عن قرابة عشر سنوات في الغالب, فقد زرعوها بهدف المؤونة في المقام الأول والإستمتاع بمذاقها الطيّب واللذيذ بحيث تُقتلع بعد أن تَهرم وتُبقى المجال لأشجار الزيتون وحدها في نهاية المطاف, ولكن ما كان مُتعباً من ناحية شجرة التين تلك أنها كانت بحاجة إلى من ينطرُها في وقت الإثمار وكان يقوم بمهمّة النّطارة تلك البنات عادة, وكانت تُقال بعض الأهازيج أثناء ذلك للتّسلية, وهذه عيّنة منها:

ويليلكْ يا ناطرِ التّينِ المشيليلطّب يا ارويليلووووو أووووووووو
سيليلرّبْ لا تخيليلرّبْ يا معيليلرّصْ يا ارويليلووو أووووووووو
وليليبيّكْ المقيليللعطْ وليليخيّكْ ليكشيليلووووووووو أووووووووو

ملاحظة: من لا يعرف أصل هذه الأهازيج, فهي ترجع بأصولها التاريخية إلى قبائل المساعيد حين كان بعض أشقياء قبيلة "الرّويلة" يغيرون على مضاربهم ويسرقون من مواشيهم. ومن المؤكّد أنها كانت أكثر من ذلك بكثير وأنها تُنوقلت بشكل عفويّ وتلقائيّ جيلا وراء جيل حتى وصلنا ما بقي منها هكذا.

صحَّ لسان من قال أنّ كلا العملين الرّديء أو الجيّد لا يموتان بموت أصحابهما. ولعلّ أصدق ما قيل في ذلك هو حاتم الطائي مُخاطباً أخته ماويّة شعراً:

أماويَّ إن المالَ غادٍ ورائحُ - ويبقى من المالِ الأحاديثُ والذِّكرُ

هذا ما أسعفتنا به الذّاكرة والله سبحانه أعلى وأعلم, ودمتم سالمين.





إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

 

شارك بتعليقك

 


الجديد في الموقع