فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English
القائمة الصراع للمبتدئين دليل العودة صور  خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English
من نحن الصراع للمبتدئين    صور     خرائط  دليل حق العودة تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا

دير بلّوط: عيّنة من آلام الهجرة

مشاركة Ghanem Mustafa في تاريخ 27 نيسان، 2017

صورة لبلدة  دير بلّوط - فلسطين: : من خريجي جامعة بيروت العربية-1970 أنقر الصورة للمزيد من المعلومات عن البلدة
كانت من أحلك الفترات وأكثرها قساوة وإيلاما في عهد جيلنا نحن طلاب الخمسينات في المدرسة الإبتدائية هي فترة ما بعد نكبة 1948 وما تبعها من هجرة وإن بدت في مقدّماتها أنها مؤقتة من منظار حُسن ظنّ البعض حينئذٍ, إلا أنها بمزيد الأسف امتدّت حتى يومنا هذا ولا تزال.

لم يكن خافيا في ذلك الوقت أن حال المهاجرين أولئك قد انقلب بين عشية وضحاها من حالة السّعة والغنى أو على الأقل عدم الحاجة إلى حالة الفقر المُدقع وتبعاته, وقد تأثرت القرية وأهلها بمثل ذلك التغيّر ولو بشكل أقلّ نسبيا بُعيد فقدان الجزء الأهم من الأراضي الزراعية التي كانت تمثل سلة غذائهم السنوية وثروتهم الموسميّة بحيث اضطرّوا بعدها إلى إعمار أراضيهم البور حول القرية والتي كانت لا تمثل أكثر من مراعي لمربّي الأغنام. هذا عوضا عن استيعابهم لإقامة بعض المهاجرين من القرى المجاورة في البلدة وما تبع ذلك من خوفهم على أنفسهم أوّلا وعلى من آووْهم ثانيا بسبب هشاشة الوضع الأمني وعدم وضوح الرؤية على المدى القريب في حينه.

كانت البيوت العقد الحجرية في ذلك الوقت محدودة في البلدة ولم تكن بيوت الباطون قد انتشرت بعد, وكان من المألوف والدّارج حينها أن الكثيرين يعيشون في سقايف, وبرغم محدودية الإمكانيات تلك, فقد تم استيعاب عدد من الأسر من مجدل الصادق والمزيرعة وقولية ورنتية وغيرها ولو بشكل مؤقت قبل انتقالهم إلى المخيّمات أو إلى شرق الأردن لاحقا, وقد سكن بعض أولئك في خرائب دير المير ومغارة دير قلعة, وجدير بالذكر أن مدير المدرسة المرحوم أحمد إسماعيل أبو حميدان وهو من مجدل الصادق كان ممن سكنوا في دير المير.

هذا وقد انتظم أبناء أولئك المهاجرين مع أبناء البلدة في المدرسة الإبتدائية وأصبحوا جزءاً لا يتجزّأ من نسيجها ومكوّناتها, ولم يكن الحال يختلف كثيرا بينهم وبين غالبية أبناء البلدة في المظهر الخارجي على الأقلّ بسبب ضعف الإمكانيات عامّة كما أسلفنا, وقد ذكرت مثالا لذلك في مقال سابق حين أمر أحد الأساتذة (وإسمه محمد نافع موسى) طلاب الصفين الثالث والرابع قائلا: الحافيين يطلعوا يوقفوا عند اللوح, فخرج أكثر من ثلاثة أرباع الطلاب في مشهد مسرحيٍّ وعفويٍّ لا يُنسى !!هذا وقد كان من بين أولئك الطلاب في صفّنا كل من المدعوّين صبحي لطفي وطالب خالد من المجدل وهما من أبناء من سكنوا في مغارة دير قلعة ويأتون إلى المدرسة يوميا مشيا على الأقدام, وما دفعني لكتابة هذا المقال بالذات هو أنني التقيت شخصيا مع صبحي لطفي تحديدا في أحد مجالس العزاء في عمان سنة 2010 وقد أخذ منه الزّمن ما أخذ, حيث تبادلنا الحديث سويّة عن ذكرياته في تلك المرحلة وسألته عن حاله بعدها فقال أنه عمل في الكويت كميكانيكي سيارات لبضعة سنوات ثم افتتح مشغلا صغيرا للميكانيك في صافوط أسفل صويلح بعد أن خرج من الكويت قسرا مع الآخرين, وسألته عن طالب خالد فقال لي أنه يسكن في الزرقاء حاليا وهو بحمد الله مستور الحال, وفي معرض ذلك الحديث قال لي بالحرف الواحد (وهذا هو الشاهد في الموضوع): تعرف يا فؤاد إحنا على إيش كنا نحسدكم يا طلاب دير بلوط؟ فقلت له: تفضل, فقال: كنا نحسدكم على إنكم كنتوا تلبسوا من صنادل عامر ونحن لا نستطيع ذلك !! عامر هذا بالمناسبة هو إسكافي متنقل من دير طريف وكان يفبرك صنادل للأولاد من بصاطير الجيش المشطوبة.

لا أخفي كم آلمني كلامه ذاك وسجلته في واجهة ذاكرتي, وأحببت أن أسرده أو أوثقه هنا لا لشيء إلا لتبيان حجم المأساة والمعاناة في حينه, ولو من خلال حوار تلك الجلسة الخاطفة التي جمعنا القدر بها بعد تعاقب تلك السنين والأعوام والتي أماطت اللثام عن هذه اللقطة البائسة. وقد جدّد كلامه ذاك عندي حزنا وشجنا قديمين منذ الصّغر, حيث أذكر من جملة ما أذكر في طفولتي منظرهم وهم يحملون ما تيسّر من متاعهم وأغراضهم من دير قلعة تمهيدا لارتحالهم إلى مخيم بيت إلما غربي نابلس, وكيف كانت كلابهم تركض وراءهم وهي تنبح بشكل متواصل كأنها فهمت أنهم راحلون, وبعد أن تركوها خلفهم بقيت في المكان تجوّح (أي تبكي) أياما وأياما, ولا أعرف بعدها كيف أو أين انتهى بها المطاف. مشهد مُحزن آخر لا ولن يُمحى من الذاكرة
قصص ومآسي الهجرة لا تعدّ ولا تُحصى, منها ما عُلم ومنها ما بقيت حبيسة في صدور أصحابها وربما دُفنت معهم, وهذه لا تزيد عن كونها مجرّد لقطة عابرة من ذلك الفيلم التراجيدي الذي ابتدأ ولم تنتهِ فصوله بعد.

وحسبنا الله ونعم الوكيل





إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

 

شارك بتعليقك

 


الجديد في الموقع