فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
Dayr al-Sudan - دير السودان : ماجد عبد المجيد حسن مومنة - 2 (ابو عبيدة)

شارك بتعليقك  (تعليقين

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى دير السودان
כדי לתרגם עברית
مشاركة ابن دير السودان في تاريخ 6 حزيران، 2010
شموع لا تنطفئ (2)

الأستاذ ماجد عبد المجيد سعيد حسن " أبو عبيدة "
صبر في الملمات .. همة عالية .. وانتماء دعوي أصيل
بقلم الوزير الأسير المهندس وصفي قبها

كثيرٌ ما ذهب رجال كان لهم دورهم المشكور في الدعوة والجهاد والتربية والتثقيف ولم يكتب عنهم أحد فطُمست آثارهم ، وجُهِلَت أخبارهم واندثرت سيرهم ، على حين تمتلئ الساحة الفلسطينية بالنكرات الذين يتاجرون بسنوات نضالهم وسجنهم القليلة والمحدودة حيث تستضيفهم الفضائيات ، لا بل يفرضون أنفسهم على الفضائيات لتستضيفهم حتى يكون لهم حضور ويشار إليهم بالبنان وهم في الحقيقة وواقع الأمر لا في العير ولا في النفير .
إن الحركة الإسلامية في فلسطين تصنع العجائب وتقدم الحلول الكاملة إذا تهيأ لها المجال وأتيحت لها الفرصة وهي التي أعدت الأجيال وخرجت الرجال من محاضنها الدعوية ومن مصانعها حيث تصقل الشخصيات ، وغالبية هؤلاء لا يعرفهم العامة بالرغم من دورهم ومجهودهم وفضلهم وهم الذين لا يبتغون إلاَّ وجه الله سبحانه وتعالى ، هؤلاء هم الجنود المجهولون ، هؤلاء هم الشموع التي لا تنطفئ ، حيث يساعدون بصمت ، ويعطون بصمت ، ويجاهدون بصمت ، فلله درهم ورب العزة يقول فيهم " فلولا نفر من كلِّ فرقة منهم ، طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " التوبة 122.
لقد وجدت لزاماً عليَّ ومن باب الوفاء لعطائهم وتضحياتهم وإخلاصهم أن أقدمهم لأبناء الحركة الإسلامية بشكل خاص ولكل من يريد أن يعرف ويبحث عن حقيقة دور الحركة الإسلامية في فلسطين التي تتآمر عليها كل قوى الاستكبار والظلم العالمي والإقليمي يساندهم شرذمة من أبناء جلدتنا الذين رهنوا لأعداء الشعب الفلسطيني قرارهم ، لقد وجدت من الواجب أن أعرف ببعض فضائل بعضهم وأن أكشف عن بعض جوانب عطاءات وتضحيات بعضهم وفق إمكاناتي وطاقاتي والوقت المتاح ، وذلك لغياب من يوثق لهؤلاء الرجال ، وغياب من يبرز دورهم وهم الشموع التي تحترق من أجل أن تبدد الظلمة عن الغير ، شموع تعطي مادام بها عرق ينبض ، شموع لا تنطفئ ، والحمد لله الذي وفقني لأكون أول من يعلق الجرس ، والمجال مفتوح لكل أصحاب المواهب الكتابية والأقلام السيّالة للكتابة عمّن يعرفون من هؤلاء الشموع .
ولأنني آثرت أن تكون الحلقة الأولى من سلسلة شموع لا تنطفئ مخصصة للمجاهدة الكبيرة ندى الجيوسي " أم عبيدة " اعترافاً وتقديراً لدور المرأة الفلسطينية بشكل عام دور المجاهدة الفلسطينية في تغطية جوانب كثيرة من العمل والاضطلاع بمهام وصلاحيات جمة تتكامل بمجملها مع دور وما يقوم به الرجال ليكون العطاء بأبهى صورة وفي الشكل الأمثل والأجمل والأروع بل والأكمل .
أما هذه الحلقة فقد ارتأيت وآثرت أن يُسَّلط الضوء على مجاهد كبير عرفته السجون
من خلال دوره الإداري وثقافته ودوره التربوي في ترسيخ وزرع القيم الدينية والوطنية والأخلاقية والإنسانية في نفوس المجاهدين ، مجاهد عركته الحياة فتحمَّل المسؤولية وهو في ريعان شبابه وفقد أقرب الأقربين إلى نفسه وروحه ، نقف اليوم مع فارس من فرسان الحركة الإسلامية ومع رائد من رواد العمل الدعوي والتربوي ، ومع شمعة أخرى من سلسلة شموع لا تنطفئ ، نسلط الضوء اليوم على بعض الجوانب من مسيرة حياة وعطاء الأستاذ ماجد عبد المجيد سعيد حسن " أبو عبيدة " ، حيث كنا في الحلقة الأولى مع زوجته الداعية المثقفة والناشطة والمجاهدة المتألقة التي تجسد شعلة متقدة من النشاط والحركة ، كنا مع المجاهدة ندى الجيوسي التي جمعها بالأستاذ ماجد سقف الزوجية وحب الدعوة صوت الحق والقوة والحرية " المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض " التوبة 71 .
لقد جمع الله في هذه الحركة من الرجال الأخيار والأطهار والأتقياء فكانوا قدوات ومنارات هدى وأسوة حسنة .
لقد عرفت الأستاذ ماجد من قرب ، لذلك عندما أكتب وأتحدث عنه فإن الحديث يدور حول الرجال الأقوياء ، أقوياء بإيمانهم العميق المتجذر في قلوبهم ونفوسهم .
أقوياء بعباداتهم ، أقوياء بأخلاقهم وقيمهم ، أقوياء بفكرهم وثقافتهم ، وهذا ما أعده الأستاذ ماجد وهو يسير في ركب الدعوة والحركة الإسلامية ، وهذه العدة في الحقيقة هي عدة المجاهدين الصابرين المثابرين ، يعطي دعوته من وقته وجهده وماله ما هي في حاجة إليه ، ولا يعطيها فتات وقته وجهده ، لذلك نراه يبذل ما بالوسع وما باستطاعته ، يعمل بقوة ، ومرونة ولين وجلد ، وصبر وثبات .
أبو عبيدة في الأوساط الدعوية وخاصة في رام الله ، إنه لم يكن في يوم من الأيام إلاَّ ركناً من أركان هذه الصحوة الإسلامية المباركة ، فقد عرفه الخاص والعام أنه شعلة متقدة وعلى الدوام عطاء لا يعرف الحدود ، فحياته وحياة زوجته ندى حياة حافلة ومباركة بعطاءاتها وخدماتها وتضحياتها ، فهو وزوجته من الذين يعتز بهم شعبهم ودعوتهم ويقدرهم الجميع ، وهو من المربين الدعويين أصحاب السبق والباع الطويل وذلك منذ أيامه الأولى على مقاعد الدراسة الجامعية في بيرزيت ، حيث له الفضل والأثر الطيب على كل الشباب الواعد والصاعد من المجاهدين والمجاهدات أبناء الحركة الإسلامية التي يرفدها الشعب الفلسطيني بالدماء الجديدة والرجال التي تمر عبر محاضن الدعوة تأخذ من تجارب الدعاة الخبرة والعبرة والحافز للعمل وما يبعث على الأمل .
أبو عبيدة يجمع بين الصفات والملكات والمواهب ما يجعله من الدعاة المميزين والمربين الكبار ، ومن يقترب منه أكثر يعرفه بقيمه النبيلة وأخلاقه السامية أكثر ، وقد جمعني به ألم القيد وعذابات السجون ، وقد وجدت فيه حنكة السياسي ، وقوة وصلابة القائد ، وحجة المثقف والمتعلم ، فيه طهارة الروح وشفافية النفس وجمالها ، سلامة الصدر ، نقاء السريرة ، فيه روح إيمانية تسري في عروقه ، فيه انتماء أصيل لدينه ودعوته وحركته ، يُلْمَس ذلك من خلال حرصه وحرقته ، لديه من الحكمة ما يمكنه من معالجة القضايا والإشكاليات دون أن تترك آثاراً سلبية أو رواسب .
ففي بلدة دير سودان ، شمال غرب رام الله ، هذه البلدة الوادعة التي تبعد حوالي 20كم من مركز مدينة رام الله ولد الأستاذ ماجد عبد المجيد سعيد حسن ، وبين بساتينها المروية والمزروعة بمختلف الأشجار المثمرة حيث جمالها بخضرتها ونضرتها ومائها العذب نشأ وترعرع الأستاذ ماجد ومن هوائها العليل ملأ رئتيه حيث ترتفع دير سودان حوالي 560 م عن سطح البحر ، كما أن جبال البلدة المليئة بأشجار الزيتون المباركة أضافت جمالاً لهذه البلدة الطيبة بأهلها الذين يبلغ تعدادهم حوالي ثلاثة آلاف نسمة ، وتمتد أراضيها على مساحة أربعة آلاف وخمسمائة دونم ، ويحيط بدير سودان بلدات مزارع النوباني وكفر عين وأم صفا والنبي صالح ، عبوين ، عارورة وعجول وقراوة بني زيد .
لقد جاء الأستاذ ماجد إلى الحياة ورأى النور بتاريخ 20-7-1963 بعد خمس من البنات توفيت إحداهن وهي صغيرة ، لذلك كان مولد ماجد بمثابة عرس وفرحة عمّت العائلة جميعها ، سيما وأنه الأخ الوحيد لأربع بنات .
لقد كان أول وعي الأستاذ ماجد على الحياة هو ذلك المنظر حيث قامت والدته بأخذه وشقيقه الشهيد أمجد وأخواته إلى إحدى المغاور " كهف " القريب من البيت والاختباء فيه لعدة أيام ، حيث كانت الوالدة رحمها الله تذهب يومياً إلى المنزل وتحضر الطعام والشراب ما يكفي احتياجات الأطفال ، وكان ذلك بسبب ما يُسمى حرب 1967 عندما احتلت إسرائيل ما تبقى من فلسطين التاريخية ويستذكر الأستاذ ماجد حال الناس والخوف والذعر الذي كان ينتاب الجميع وهم يسمعون أصوات الطائرات التي تمر في سماء المنطقة ، ومما زاد في خوف العائلة هو عدم علمهم بمكان وجود الوالد ، وقد كان منظر السيارات العسكرية الإسرائيلية وهي تدخل البلدة وهم ينادون ويفرضون منع التجوال ويهددون بإطلاق النار على كل من يخترق نظام منع التجول ، وقد التزم الناس بيوتهم بعد أن أصيبوا بذهول مما جرى ، وبهذه السهولة التي سقط فيها ما تبقى من فلسطين التاريخية " الضفة الغربية وقطاع غزة " ، بعدها بدأت طواقم من الإسرائيليين الذين ينطقون اللغة العربية وتحت حراب وسلاح جنود الاحتلال بعمل تعداد للسكان وإجراء مسح سكاني ، وهذا يدلل على أهمية الديمغرافيا في الذهنية الإسرائيلية التي تشكل لها الفزاعة الكبيرة وخاصة في سنوات ما بعد 2020 حيث يدور الحديث وتحذر الدراسات مما يسمونه القنبلة الديمغرافية حيث سيصبح عدد السكان الفلسطينيين أكبر وأكثر من عدد الإسرائيليين ، هذه المناظر لا زالت محفورة في ذهن وعقل الأستاذ ماجد وخاصة أن تلك المناظر من الخوف ودخول الجيبات العسكرية وأزيز الطائرات في سماء المنطقة ، هذه المناظر والمشاهد بقيت تلاحقه طيلة سنوات عمره والتي ساهمت في أهمية الانتماء الوطني وتشكيل الشخصية الوطنية ورفض الاحتلال بكل صوره وأشكاله ، هذا ترك الكثير من التساؤلات في ذهن الطفل ماجد حيث كبرت هذه التساؤلات مع كبر سنه.
أما العام 1969 فقد كان مميزاً وترك بصمات خاصة في حياته حيث دخل المدرسة في الصف الأول الابتدائي ، ويستذكر كيف كانت أخواته يأخذنه إلى المدرسة وكيف كان مسروراً بالشنطة والدفتر والقلم ، حيث كانت المدرسة يومها عبارة عن غرفة يدرس فيها ثلاثة صفوف وتقوم بالمهمة معلمة ،وفي الصف الثاني انتقل إلى مدرسة الذكور وهي عبارة عن غرفتين الأولى تضم الصفوف الثاني والثالث والرابع ، والغرفة الثانية تضم صفي الخامس والسادس ، هكذا كانت الدراسة في البلدة وضعاً صعباً يضطر الطالب أن يحضر الثلاث حصص في آن واحد ، حيث يأخذ في اليوم أكثر من خمس عشرة حصة ، وقد ترك ثناء الأستاذ " برافو عليك شاطر " أثره في نفسية الطالب الابتدائي ماجد الذي أمَّ الطلاب بناء على طلب الأستاذ خلال حصص تعليم الصلاة ، وعندما علمت الأم بما قام به فلذة كبدها والثناء الذي تلقاه من مدرسه قامت بمكافأته بما كان يسمى " تعريفة " وهي ما تعادل نصف شاقل في هذه الأيام ، لقد كان لتشجيع الأم الأثر البالغ في نفسية الابن سيما وأنه رأى السرور والغبطة في وجه الوالدة التي لهج لسانها بالدعاء بأن يكبر ابنها ويكون إمام مسجد ، فلله دركِ يا أم ماجد ، لقد استجاب الله دعاء الوالدة حيث اعتلى ماجد منبر مسجد القرية وخطب في الناس وأمَّ بهم صلاة الجمعة ولم يبلغ يومها السادسة عشر ، أسوق هذه الأحداث التي قد تكون بسيطة في نظر الكثيرين ولكنها كبيرة وعظيمة في صقل الشخصية والتربية وزرع الثقة في نفس الطفل حيث تكبر معه هذه الثقة لتكون إحدى مكونات الشخصية الإدارية والقيادية والدعوية في المستقبل ، ومن المواقف والأحداث التي أثرت أيضاً في نفسية الطالب ماجد حسن ، هو ذلك الأستاذ الذي كان مفعماً بالوطنية ويحرص أن يغرس في نفوس الطلاب قيم الوطنية وحب الوطن وقد طلب الأستاذ عزمي من طلابه ومع بداية كل حصة لغة عربية أن ينشدوا نشيدة حفظهم إياها والتي كلماتها تقول :
فلسطين بلادي لبيك يا فلسطين
أرض أبوي وأجدادي أرض العزة وأرض الدين
جيش التحرير علمنا كيف نرجع وطنا
ما بتعود المواقع إلاَّ بضرب المدافع
نهجم فيها عاسرائيل نوخذ منها ونرجع فلسطين
ولا شك أن ذلك الأستاذ كان يدرك أهمية إيصال مفهوم الوطنية وحب الوطن إلى قلوب الأطفال من خلال هذه الأنشودة الغنية بمعانيها ، وليعرف التلاميذ أن هناك احتلال يغتصب الأرض ويصادر الحريات ويضيق على الناس في أرزاقهم ومعيشتهم ، وأن هذا الاحتلال مرفوض بكليته .
ومن الحوادث التي دفعت بالأستاذ ماجد للاهتمام بالسياسة وساقته للانخراط بالعمل السياسي في سنوات نضوجه هي حرب أكتوبر من العام 1973 حيث وجد نفسه وهو ابن العاشرة من العمر مسوقاً إلى الاستماع للأخبار ومتابعتها والاستفسار من الأساتذة ، وقد لازمه هذا الميول رغبة الاهتمام بالشأن السياسي ولا زال .
لقد كان أبو عبيدة يقضي أمتع أوقاته وهو يتعهد وشقيقه الشهيد أمجد بستاناً لهم بالقرب من قرية النبي صالح وخاصة خلال العطل المدرسية ، وكان البستان مزروعاً بمختلف الأشجار المثمرة كالبرقوق والتفاح والعنب وغيرها وغالباً ما كان أبو عبيدة يختلي مع نفسه وبالرغم من حداثة سنه ويذهب بعيداً مستغرقاً في تفكير عميق الأمر الذي نمَّى عنده روح التأمل والخلوة مع النفس والتي غالباً ما يلجأ إليها في حياته باحثاُ عن حلول لمشاكل محددة ، أو مقيِّما لمسيرة عمل أو أداء نشاطات وفعاليات دعوية ، وكان البستان المجاور لبستانهم تعود ملكيته لرجل في الستينات من عمره ، وقور جداً ومتدين جداً حيث كان مريداً ومنتمياً لإحدى الطرق الصوفية التي كانت ولا زالت تنشط في قرية النبي صالح حيث يوجد في البلدة زاوية ، وكان الأستاذ ماجد وتوأم روحه شقيقه الشهيد أمجد يستمتعون بالجلوس معه وهو يحدثهم عن قصص دينية وقصص كثيرة ذات مغزى وعبر ، ولا يخفى على الجميع هذا النهج عند بعض الطرق الصوفية ومن القصص الرمزية التي يستذكرها الأستاذ ماجد واستفاد من عبرها كثيراً وهي أن أهالي دولة ما كان يشترطون على الملك الذي يتولى أمرهم وشؤونهم وبعد انتهاء مدة حكمه أن يلقى في غابة مليئة بالوحوش والأفاعي ليلقى مصيره المحتوم بعد سنوات من الحكم والعيش رفاهية ورغد ونعيم ، وهكذا سارت تلك الدولة وفق عاداتها وتقاليدها في الحكم ، وكان الملوك لا يعمرون في الغابة بعد انتهاء مدة حكمهم حيث كانت الوحوش تفترسهم ، حتى جاء في إحدى المراحل ملك عامل واستغرق في تفكيره لأيام وهو يفكر كيف يمكن أن تستمر حياته بأمن وأمان بعد انتهاء مدة حكمه ،فهداه تفكيره إلى ضرورة إصلاح الغاية خلال مدة حكمه ، وضمن خطة رائعة استطاع هذا الملك بحكمته وحنكته من إصلاح الغابة وتحويل أجزاء كبيرة منها إلى بساتين مزروعة بمختلف الفواكه والأشجار المثمرة وأوصل إليها الماء حتى أصبحت جنة غناء حيث الأشجار والماء والطيور وفيها من كل ما لذّ وطاب وهجرتها الوحوش المفترسة وقلَّت بها الأفاعي وما أن انتهت مدة ولاية الملك حتى انتقل لقضاء ما تبقى من حياته في سياحة طبيعية ينعم بخيرات البساتين ويعيش حياة هانئة آمنة حتى وافته المنية ، والشيء بالشيء يذكر ، فالشيخ الكريم والرجل الفاضل كان يرمز ومن خلال قصته إلى الحياة الدنيا وكيف يمكن للناس أن يستمتعوا فيها وينسوا الآخرة ، أما الآخرة فكان الشيخ يرمز لها في الغابة ، ومن هنا لابد للإنسان أن يعمل بجد واجتهاد في الدنيا وخلال فترة حياته لإعمار حياته في الآخرة التي سيعيش فيها الحياة الطويلة ، هذه القصة وبلا شك قد أثرت في نفس الأستاذ ماجد ووجدانه تأثيراً كبيراً ، ومن سرد القصة وتأثيرها لابد من عدم الاستهانة بأي كلمة طيبة تجاه النشء ، فربَّ كلمة تحول حياة الإنسان من مجرى إلى مجرى .
لقد أنهى الأستاذ ماجد دراسته الابتدائية في مدارس دير سودان ، وكان على الطلاب الذي ينوون استكمال دراستهم الإعدادية والثانوية أن ينتقلوا إلى مدارس مزارع النوباني القريبة من قريتهم أو على مدرسة الأمير حسن في بيرزيت ، وقد اختار أبو عبيدة مدرسة الأمير حسن حيث تتوفر مواصلات من دير سودان إلى بيرزيت مباشرة ، يذكر أن مدرسة الأمير حسن كان يجتمع فيها الطلاب من أكثر من عشرين بلدة مجاورة من طلاب بيرزيت وعطارة وكوبر وأبو شخيدم وأبو قش ودير نظام وأم صفا ، وعين سنينا ودير عمار وكفر عين وقراوة بني زيد والنبي صالح ودير سودان وجيبيا وبيتللو وعابود وبرهام حيث كان الطلاب يدرسون المرحلة الإعدادية والثانوية في مدرسة الأمير حسن أو المرحلة الثانوية وفق مستوى المدارس في تلك القرى ، وبيت القصيد أن الطلاب من مختلف القرى والبيئات والجذور يلتفون في سن مبكرة ويتحملون المسؤولية منذ نعومة أظفارهم حيث السفر والاستقلالية المحدودة والمقيدة ، ولا شك أنه وضع جديد حيث التنافس الحاد بين الطلاب من مختلف القرى فالذي كان يحصل على درجة الأول في بلدته ليس شرطاً أن يحصل على الأول في مدرسة الأمير حسن حيث المنافسة الشديدة وتعزز هذه الروح وتخلق ثقافة الاعتماد على النفس ، وفي الأستاذ ماجد الذي كان يحصل على ترتيب الأول وأعلى الدرجات علىمدار سنوات دراسته الابتدائية ، فقد شعر بغربة ووحشة نتيجة الوضع الجديد الذي جدَّ عليه ووجد نفسه أمام تحدٍ كبير لأن هناك الكثير من التلاميذ المتفوقين الذين يتنافسون ، وكان ذلك بمثابة دافع لبذل جهد مضاعف وكبير ، وكان ذلك في العام 1976، وكان ذلك العام أيضاً حافلاً بالفعاليات الوطنية حيث حصلت في نفس العام هبة عام 1976، ولا شك أن لمدرسة الأمير حسن دور بارز في إحياء الفعاليات وتفعيل الشارع وتحريكه لقربها من جامعة بيرزيت ( كانت كلية بيرزيت ) ، ولا شك أن طلاب كلية بيرزيت ومدرسة الأمير حسن يشتركون في العادة بالمظاهرات حيث تشتد وتيرة المواجهات عندما يتصدى الطلاب لقوات الجيش الإسرائيلي التي تحاول تفريق المتظاهرين ومنع المظاهرات من أن تتواصل ، هذه الأحداث والمواجهات كان لها أيضاً الأثر في تنمية الحس الوطني لدى الأستاذ ماجد ولدى زملائه ، ولا شك أن التيار الشيوعي كان الأبرز على الساحة في كلية بيرزيت ومدارسها ، ولا شك أنهم كانوا يعملون على تنظيم هذه المظاهرات ويقودونها ويرددون هتافات وشعارات قصيرة ومعبرة ترسل رسائل فكرية ووطنية ولا شك تخدم فكرتهم كحزب شيوعي ، حيث كان الطلاب الصغار يرددون الشعارات دون وعي لمراميها وأهدافها ولا شك أن الحزب الشيوعي قد استفاد كثيراً في تلك السنوات من غياب الصوت الإسلامي ، فعلى سبيل المثال يستذكر الكثيرون من جيل طلاب سنوات السبعينات فقد كان هناك شعارٌ يردد في كافة محافظات الوطن ، علمنا جيفارا وقال .. أمريكا رأس الحية
فلسطين وكوبا وفيتنام ... إلها نفس القضية
أنا يا أخي ، يا أخي .. أمنت بالشعب المشرد والمكبل
حملت رشاشي ... لتحمل الأجيال من بعدنا منجل
ومطالبنا وطنية .. الشاب بجنب الصبية
ولاشك أن دغدغة العواطف وملء الفراغ قد استفاد منه اليسار كثيراً ففي العطل الصيفية كانت جموع الطلبة والأشبال من اليسار يتوجهون إلى الناصرة حيث رئيس بلديتها توفيق زياد والعدد الكبير من المخيمات وتنسيق الأعمال التطوعية من مساعدة الفلاحين في قطف الزيتون وتنظيف الشوارع في القرى والمخيمات والبلدات الفلسطينية ، ولا شك أن ذلك كان يستهوي الطلاب ، فلا زلت أذكر كيف كان يطلق على سلفيت موسكو الصغرى ، وكيف كان يطلق على بلدة يعبد بالقلعة الحمراء ، وكذلك الأمر بالنسبة لبلدة عرابة والكثير من القرى والبلدات في منطقة رام الله والبيرة ، أسوق ذلك لأضع بين يدي القارئ أن الساحة الفلسطينية تكره الفراغ التنظيمي والسياسي ، وعليه تتضاعف الأمانة على كاهل الشباب الملتزم المسلم ليولِّد بداخله دافعية للعمل والتصدي للمهمات الدعوية وأداء الأمانة وتبليغ رسالة الدعوة ، أما ماجد حسن وبالرغم من مشاركاته الفاعلة في المظاهرات التي كانت تخرج من مدرسة الأمير حسن إلاَّ أنه كان لا يستسيغ ما يُطرح من أفكار وشعارات ولعل المناكفات التي كانت تحصل بين الطلاب لها الأثر في التنافس ، ولعل تلك الحادثة التي كان أبو عبيدة شاهداً عليها عندما حدثت مشكلة بين طالب شيوعي وآخر عادي وإذا بالنقاش يأخذ منحى حاداً وترتفع الأصوات ، فقال الطالب للطالب الشيوعي أنتم ملحدون ولا تؤمنون بوجود الله ، فعلق الكلام في ذهن الأستاذ ماجد لطالما أن الشيوعيين لا يؤمنون بوجود الله لذلك يجب الحذر منهم ، وكان في تلك الفترة شاباً في المرحلة الثانوية يتوقد وطنية ويتحرك في أوساط الطلبة يحرك فيهم الهمم ويبعث فيهم الأمل ويقودهم إلى ساحات المواجهة مع الاحتلال ، هذا الشاب الذي تسلق ماسورة عالية في كلية بيرزيت ورفع العلم الفلسطيني عليها وسط تصفيق وتشجيع الطلبة ، حيث كان الاحتلال في تلك السنوات يطلق النار ويقتل من يحاول رفع العلم الفلسطيني لقد استطاع هذا الشاب في إحدى المواجهات من الاستيلاء على هراوة أحد الجنود ويأخذها منه وعاد بها إلى الطلاب الذين تجمهروا يؤدون له التحية ويصفقون له بعد مواجهات عنيفة مع الجيش وأغلقت يومها الشوارع والمتاريس وأشعلت النيران بإطارات السيارات ورشقت سيارات المستوطنين بالحجارة والزجاجات الفارغة ، هذا الشاب اعتقل بتاريخ 4-4-1978وقبل أن ينهى شهادة الدراسة الثانوية ، وقد عرفته بيرزيت والقرى المجاورة وبلدته كوبر بوطنيته العالية وبنشاطه الدؤوب بتجميع الطلاب ومهاجمة قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين ، لقد كان لاعتقاله الأثر البالغ في نفوس الطلاب والمعلمين وخاصة عندما صدر بحقه حكم مؤبد ، إنه المجاهد الكبير نائل صالح عبد الله برغوثي " أبو النور " وهو أقدم أسير فلسطيني ودخل عامه الثاني والثلاثين خلف القضبان وقد دخل موسوعة جينتس للأرقام القياسية حيث اقتطع السجن من عمره أكثر من ثلاثة عقود وبذلك يكون أكثر أسير أمضى حكماً في السجن ، وللعلم فقد اعتقل يومها مع شقيقه الأكبر عمر البرغوثي " أبو عاصف " وحكم أيضاً بالمؤبد إلاَّ أن رحمة الله تداركته وأفرج عنه في صفقة التبادل سنة 1985، هذه الأحداث أيضاً أثرت في إحياء وبعث الحس الوطني في نفوس الطلاب والتي يستذكرها الأستاذ ماجد جيداً وقد حفرت في ذاكرته وهي كالوشم لا تنسى ولا تزول ، ومن الأساتذة الذين أثروا في الأستاذ ماجد وهو على مقاعد الدراسة الإعدادية والثانوية الأستاذ محمود إبراهيم مصلح حيث ترك هذا الأستاذ في نفس الأستاذ ماجد أثراُ طيباً ، حيث كان الأستاذ محمود يدرس مادة التربية الرياضية ، وكان أستاذاً متفانياً حيث شهدت فترة وجوده في مدرسة الأمير حسن نهضة رياضية حيث كانت فرق المدرسة المختلفة تحصد الكؤوس في مختلف الرياضات على مستوى المحافظة وعلى مستوى الضفة الغربية ، وكان الطلاب الشيوعيين يحرضون ضده ويقولون عنه أستاذ " إخوانجي " بمعنى أنه من مدرسة الإخوان المسلمين التي أنجبت علماء ومفكرين أمثال علامة العصر الدكتور يوسف القرضاوي ، وعندما وقف أبو عبيدة مطولاً أمام هذا المصطلح عرف أنهم ملتزمون بالإسلام ومتدينون مما زاد في حب أبي عبيدة لأستاذه محمود ، حيث أن ذلك درساً وعبرة دعوية بل وهناك معنى مهم وهو أن الحب في أساس العلاقة الصادقة ، وعندما تحب إنساناً فأنت تحب فكرته أيضاً ، وهذا يؤكد أن الدين المعاملة ، فلولا تلك المعاملة الحسنة والتميز في الأداء الوظيفي لما أحب الناس في الإخوان فكرتهم ودعوتهم ، ولما اقتنع الشارع الفلسطيني بشخوص الحركة الإسلامية وحماس .
كان الأستاذ محمود يغرس في أذهان الطلبة ونفوسهم أهمية الاستفادة من الحصص الدراسية ويعيب على الأساتذة الذين كانوا يضيعون أوقات الحصص بالنكات والضحك وكان يقول للطلاب من حقكم أن تحاسبونا عليها إن قصرنا فيها ، فازداد الأستاذ قرباً من قلوب الطلاب وخاصة الأستاذ ماجد ، وهذه الحادثة فيها العبر مما يؤكد أن الإنسان في حياته له حقوق وعليه واجبات ، وحتى تكون قوياًُ في طلب الحقوق لابد ابتداءً من أن تؤدي الواجبات التي عليك .
كان الأستاذ ماجد يصلي ولكن صلاته كانت متقطعة حتى الصف الثالث الإعدادي وما أن جاء العام 1978 ودخل شهر رمضان حتى أخذ الأستاذ ماجد على نفسه عهداً بعدم الانقطاع عن الصلاة والصيام بعد صراع مع النفس لم يدم طويلاً حيث حسم أمره وعزم عزمة طيبة ومباركة ومنذ ذلك الوقت وهو ملتزم بالصلاة بفضل الله ورعايته ، وكان للأستاذ مروان أبو زيد مدرس التربية الإسلامية أثر طيب وعامل مساعد لقرار الأستاذ ماجد للالتزام وخاصة أن الأستاذ مروان كان بأسلوبه الشيق والممتع يتحدث عن الآخرة وعن الجنة وعن النار وعن الموت ، بالإضافة إلى معاملته الطيبة والرائعة مع الطلاب حيث كان يشعرهم بالحب والحنان ، وهنا لابد من لفتة طيبة وكريمة حيث العبرة بأن دور الداعية إلى الله دور عظيم حيث باستطاعة الأستاذ أن يؤثر في الطلاب ويشكل لهم قدوة وأسوة حسن ويجذبهم إلى الدعوة دون عناء كبير فالمعلم في المدرسة له دور مهم ليس أقل من دور الأب ودور الأم في التأثير والتربية .
وبعد أن حسم الأستاذ ماجد أمره بالالتزام بالعبادات بدأت رحلته مع الانتماء فكرياً للحركة الإسلامية ولعل المناكفات التي حصلت عام 1979 عندما قام مجموعة من الطلبة بضرب أحد الطلاب الإسلاميين الذي وزع كتاباً للدكتور عبد الله عزام ، وقام الشيوعيون بتمزيق كتاب السرطان الأحمر الذي وزعه الطالب هذه الحادثة دفعت بالأستاذ ماجد ومجموعة من الطلاب الإسلاميين من الانحياز للطالب المضروب والدفاع عنه ، وكانت الحادثة أساس تجمع وتكتل الطلاب الإسلاميين في مدرسة الأمير حسن، وبعد تدخل المدير والأساتذة في فض النزاع بين الطلاب أصبح واضحاً وجود قطبين وفريقين ، الطلاب الشيوعيون وهم أكثرية والطلاب الإسلاميون المناهضون للشيوعية ، وقد قام الطالب الذي وزع كتاب السرطان الأحمر بدعوة من تحيز معه ووقف إلى جانبه للالتقاء في مسجد بيرزيت حيث ذهب الجميع إلى المسجد برفقة الطالب وإذا بشباب الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت يستقبلونهم ويتابعون معهم درساً أسبوعياً كل يوم خميس ، وكانت البداية وكان المشوار في العمل الإسلامي ، وبتوجيه طلاب الكتلة الإسلامية استطاع الطلاب الإسلاميين في مدرسة الأمير حسن من عمل مجلة حائط وفرضوا أنفسهم بعد أن قاموا بتنظيم الأستاذ ماجد أميراً لهم الأمر الذي ألقى على كاهله مسؤوليات لم تكن في الحسبان ، وكانت بداية المطالبات من المدير بالسماح لهم بإقامة صلاة الجماعة في المدرسة حيث تقدموا بالطلب وبدعم ومساندة أستاذ التربية الإسلامية مروان أبو زيد وبعد إلحاح ومراجعات سمح لهم وقاموا بجمع التبرعات واستطاعوا شراء حصيرتين للصلاة وكانت فاتحة خير ، فقام الأستاذ محمود مصلح وبطريقة غير مباشرة بتوجيه هذا التجمع إلى بعض الأمور التي ينبغي عملها في المدرسة ، وقد سرَّ جداً بما أنجزه أبو عبيدة وإخوانه وما أن انتهى العام الدراسي 79-80 حتى كان هناك تجمع وتكتل طلابي إسلامي يزيد عن الخمسين طالباً ، وعندما خاضت الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت الانتخابات الطلابية لأول مرة في ذلك العام كان للطلاب من مدرسة الأمير حسن وعلى رأسهم الأستاذ ماجد الأثر الكبير في الدعم المعنوي وتكثير سواد طلاب الكتلة الإسلامية وخاصة مشاركة الطلاب الإسلاميين من المدرسة إخوانهم في الجامعة مهرجانهم الانتخابي ، وكان للاحتفال الأثر الطيب أيضاً في نفوس الطلاب حيث زاد ذلك من حماسهم وحبهم للإسلام ، وفي العام الدراسي التالي 1980-1981 قامت سلطات الاحتلال بإغلاق مدرسة الأمير حسن في بيرزيت وذلك على أثر المظاهرات العنيفة التي شهدتها المدرسة ، فانتقل الطلاب للدراسة في مدرسة عطارة حيث بدأت فيها مرحلة جديدة من العمل الإسلامي في المدرسة حيث أخذ العمل يزداد ويتطور تنظيماً وترتيباً ، وقد تمَّ إنشاء صندوق الكتلة الإسلامية يُدفع من جيوب الطلاب الخاصة قروش قليلة لتغطية تكاليف شراء بعض الكتب والأشرطة والبرشورات وأصبح الطلاب الإسلاميين – الكتلة الإسلامية يتفوقون على الطلاب الشيوعيين عدداً وتنظيماً وتأثيراً ، ولكن المشاحنات والمشاجرات بين الإسلاميين والشيوعيين استمرت ووصلت حد التعارك بالأيدي وقد استنفذت هذه النشاطات معظم أوقات الأستاذ ماجد الذي كان في الصف الثالث الثانوي ( التوجيهي ) الأمر الذي أثر قليلاً على نتائج التوجيهي ، ويبدو أن الإنسان في هذه المرحلة العمرية يكون عنده طاقة متوقدة للعمل ، فهذا السن هو سن العطاء والحماس والتدفق والعاطفة الجياشة ، وبالنسبة لأبي عبيدة فلم يقتصر نشاطه على الساحة المدرسية وإنما تعداه إلى قرية دير سودان ، البلدة التي لم تعرف صلاة الجماعة حتى نهايات العام 1974 ، حيث كان دخول المسجد مقصوراً على عدد قليل وفقط أيام الجمع وأيام الأعياد ، ولكن الصحوة الإسلامية كان لها الأثر في إعادة بناء المساجد وإعمارها ، وفي نهاية العام 1974 تمَّ بناء مسجد جديد على أنقاض المسجد القديم وتمَّ تعيين إمام له لم يملك مؤهلاً علمياً ولكن كان قد أنهى الدراسة الابتدائية وكان يبلغ من العمر 55 عاماً ، وبالكاد يتقن قراءة القرآن ، وكان للأستاذ ماجد وإخوانه الذين التزموا بصلوات الجماعة أثرهم في تشجيع الناس للصلاة في المسجد وعدم قصرها على أيام الجمع وأيام العيد ، وكان قد بدأ فعلاً بالعمل الدعوي في بلدته دير سودان ، وكان الأستاذ ماجد طالباً في الثانوية والذي هو على وشك تقديم امتحانات الدراسة الثانوية ( التوجيهي ) ، وتحديداً في ربيع 1980 كانت تجربة الأستاذ ماجد الأولى في الخطابة ، حيث كانت الخطبة الأولى في حياته حيث قرر القيام بذلك بعد حوار مع النفس استمر لأسابيع قبل أن يحسم أمره ويكتب الخطبة الأولى ولا شك أن ما انتابه من خوف وقبل موعد الخطبة فقد كان قلبه يرتجف كثيراً ويفكر بأمر الوقوف أمام المصلين ، وماذا سيحصل معه ، وما أن جاء يوم الجمعة ونودي للصلاة حتى صعد الأستاذ ماجد المنبر فنظر في وجوه المصلين وإذا بوالده يجلس أمامه وعينيه بعينيه فارتجف قلبه أكثر وانتابته موجة من الخوف سيطر عليه ، وعندما وقف ارتجفت يداه ولكنه سرعان ما تمالك نفسه فبسمل وكان توفيق الله ورعايته ، وقد تبدل الخوف أمناً وراحة وطمأنينة ، هذا هو من يخلص النيات لله سبحانه وتعالى ، وكانت خطبة مؤثرة بصوت شاب صدح فأثّر في النفوس وأطرب الآذان وهو يستشهد بالآيات القرآنية ويدعم المواقف بالأحاديث النبوية ، فالناس لم يتعودوا أن يسمعوا خطبة الجمعة من شاب بهذا العمر الذي لم يتجاوز الثامنة عشر عاماً ، وكم كانت فرحة الوالد عارمة وهو يتلقى الثناء من أهالي القرية وقد شكَّل ذلك مصدر دعم قوياً للأستاذ ماجد حيث زادت ثقته بنفسه وفتحت تلك الخطبة المجال أمامه واسعاً للخطب وإعطاء الدروس والمواعظ في مختلف المساجد ، هذه القصة وعلى بساطتها وما رافقها من مواقف يجب أن تشكل بمجملها درساً وعبرة لكل الشباب الناشئ والظامئ للمجد التليد بأن الأعمال الكبيرة والتغيرات المفصلية في حياة الإنسان بحاجة إلى قرار جريء ثم إرادة وتصميم وعزم وبعدها مهما كانت الأمور مقعدة وصعبة وشبه مستحيلة تصبح أموراً عادية تمارسها في كل يوم وفي كل حين ، وعندما يُتَخَذ القرار الجريء يأتي بعدها من يعلق الجرس وينطلق ليقود الجموع أو حتى يشكل قدوة للآخرين ، لقد جاء نشاط الأستاذ ماجد الإسلامي في المدرسة وفي البلدة على حساب دروسه ولعل كثرة الأعباء الدعوية وانشغاله في النشاطات الإسلامية في المدرسة وفي مسجد القرية قد جاء على حساب اهتماماته بالدراسة ، حيث لم يتمكن من إجراء توازن بين الدراسة وبين العمل الإسلامي ، وخاصة أن متطلبات الدراسة كانت تتطلب المزيد من التركيز كونه طالباً في الفرع العلمي ، وهناك حاجة للتركيز في مواد الفيزياء والرياضيات وغيرها من المواد العلمية ، كما أن الوقت الذي كان يُهْدَر ذهاباً وإياباً إلى المدرسة حيث كان الطلاب يمشون على الأقدام ما لا يقل عن 16 كم من دير السودان إلى أم صفا مسافة 5كم ومن أم صفا إلى بيرزيت سفراً في الباص ومن بيرزيت إلى عطارة مشياً على الأقدام 2كم ، وهكذا الأمر إياباً وكان الوضع الاقتصادي من الصعوبة حتى بالكاد يتم توفير الباص من أم صفا إلى بيرزيت حيث الطلاب يذهبون إلى المدارس دون مصاريف جيب ، وكان الطلاب يحضرون دروسهم ويذاكرون على أضواء مصابيح الكاز ، وقد جاءت نتيجة توجيهي مخيبة لآمال الأستاذ ماجد الذي حصل على معدل 72.6% وقد تقدم لطلبات إلى عدة جامعات إلاَّ أن الأستاذ ماجد قرر إعادة امتحان الثانوية ويعمل لمساعدة والده ويوفر مبلغاً من المال يساعده لدخول جامعة بيرزيت حيث أنها قريبة ويستطيع السفر يومياً بدل أن يسافر إلى الخليل أو نابلس للدراسة في جامعاتها ، كما أن الدراسة في بيرزيت تبقي الأستاذ ماجد قريباً من والده الذي بدأت تظهر عليه علامات الإعياء حيث تجاوز من العمر الخمسة والستين عاماً ، وبالفعل قرر أبو عبيدة إعادة امتحان التوجيهي وبعد انتهاء موسم قطف الزيتون بدأ بالعمل مع أحد معلمي البلاط " بليط " ولا شك أن هذا العمل يتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً حيث كان على الأستاذ ماجد أن يرفع البلاط والمواد المطلوبة " الخلطات " من الأرض إلى الطوابق العلوية هذا النوع من العمل حيث تحضير الباطون وجبله يدوياً قد رسخ في ذهن الأستاذ ماجد أهمية الدراسة الجامعية وأهمية التعليم في حياة الإنسان ، ولكن خلال هذا العام مرض الوالد وكم كانت المفاجأة حيث تبين أن الوالد يعاني من مرض السرطان وهذا جعل أبو عبيدة يتحمل مزيداً من المسؤوليات والأعباء الكثيرة ، فمن جهة أصبح مسؤولاً عن حراثة الأرض والعناية بها ، والاستعداد لامتحان التوجيهي ، ولا شك أنها مسؤوليات كبيرة لا يتحملها ويضطلع بها إلاَّ الرجال الرجال الذين عركتهم الحياة وتراكمت لديهم التجربة أمثال الأستاذ ماجد الذي مرَّ بظروف لا يُحسَد عليها ، ولكن قلب هذا الشاب المفعم بالإيمان والذي استعان بالله عز وجل ورفع إليه أكف الضراعة ، أبو عبيدة الذي صقلت الحياة شخصيته التي نما فيها معنى تحمل المسؤولية والصبر والجلد في العمل ، وما أن ظهرت نتائج التوجيهي حتى كانت النتيجة المشرفة وبالرغم من قسوة الأحداث وظروف العيش فقد حصل أبو عبيدة على معدل 82.6% وكان قد وفر بعض النقود مكنته من التسجيل في جامعة بيرزيت في العام الدراسي 1982-1983 ، وقد بدأت حياته الجديدة في الجامعة ولا شك أن أيام الدراسة الجامعية والحياة الجامعية من أجمل أيام العمر وخاصة عندما يتحقق النجاح ويكون الطالب جزءاً من عمل إيجابي وضمن إطار طلابي له الدور وله الأثر ، وفي حالة الأستاذ ماجد الذي دخل الجامعة وقد حسمت شخصيته الإسلامية منذ أيام الدراسة الثانوية الأولى في مدرسة الأمير حسن في بيرزيت ، هذا الشاب المفعم بالإيمان والحيوية والمثقل بالمسؤوليات الكثيرة والمختلفة ومنها الدعوية ورغم كل ذلك تشعر أنه أهلٌ للتصدي لكل تلك المسؤوليات ، حيث أن حياته في الجامعة بأيامها المليئة بالذكريات ، فقد واجهته في الكتلة الإسلامية تحديات جمَّة فمن التحدي الأخلاقي الذي كان في أوجه ، إلى التحدي الفكري حيث كانت الفصائل الماركسية واليسارية بشكل عام لها صولات وجولات في الجامعة ، إلى التحدي الوطني حيث كان الإسلاميون يتهمون بالرجعيين ويُشاع عنهم بأنهم أتباع لروابط القرى سيئة السمعة والصيت والتي ارتبطت بالاحتلال وتنفيذ سياساته ، إلى التحدي الأكاديمي حيث كان أساتذة الجامعة معظمهم من الماركسيين والعلمانيين وكانوا يشنون هجوماً عنيفاً على الصحابة وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى التاريخ الإسلامي ، فجامعة بيرزيت في سنوات الثمانينات الأولى من القرن الماضي كانت غابة من التحديات ، ولعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً ..." قد استحضره كل طالب التزم بالإسلام وعمل في إطار الكتلة الإسلامية حيث كان طلاب الكتلة الإسلامية يعانون الكثير من عداء الطلاب بغالبيتهم وعداء الهيئة التدريسية للإسلام ولشباب الكتلة الإسلامية ، الأمر الذي جعل من الصف في الكتلة الإسلامية الأكثر تنظيماً وتلاحماً وتماسكاً ، وفور دخول الأستاذ ماجد الجامعة ولمعرفة شباب الكتلة الإسلامية المسبقة به فقد كلفوه بملف الطلاب الجدد وكان مسؤولاً عن متابعة أمورهم ، حيث أن هذه اللجنة من أكثر اللجان التي تقع عليها مسؤوليات كثيرة ، وبفضل الله فقد نجح الأستاذ ماجد في إدارة هذه اللجنة مع مجموعة من إخوانه الآخرين ، وبلا شك أن متابعة الأستاذ ماجد لوالده الذي كان يرقد في مستشفى المقاصد للاعتناء بوالده قد أثّر في مرحلة ما على أدائه وعطائه الدعوي ، ومنذ دخوله الجامعة وهو مثقل بالهموم والتبعات وقد توجت هذه الهموم بوفاة والده رحمه الله في شهر آيار من العام 1983 وقد أثّرت هذه الوفاة على الأستاذ ماجد كثيراً وخاصة أن الوالد توفي وهو بين يدي ابنه يتلو عليه القرآن ويرقيه بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، هذا الحدث جعل الابن ماجد يستشعر حقيقة الموت ، ومن هنا فإن هناك فرقاً شاسعاً بين الإيمان العقلي البارد وبين اليقين والإيمان القلبي ، وكفى بالموت واعظاً ، فلو عاش الإنسان مع حقيقة الموت وتمثلها لأوجدت في وجدانه وأنبتت إيماناً عميقاً ويقيناً عظيماً ، فهناك الكثيرون ممن شهدوا حالات وفاة شكلت لديهم وعندهم تلك المشاهد ميلاداً جديداً للإيمان في نفوسهم .
لقد فقدت العائلة الوالد ، واستشعر الأستاذ ماجد ذلك الفراغ الهائل في حياة العائلة واستشعر أنه الآن المسؤول الأول عن البيت ، كما أن فقدان والده أثر في نفسه ، فاستعان بالله عز وجل ، وكان لوقوف المشايخ الكبار في منطقة رام الله وكافة الأخوة والشباب المجاهد إلى جانب أخيهم ماجد الأثر الكبير في نفسه ونفس العائلة حيث كان لذلك الموقف ومواساتهم تخفيفٌ لما أصابهم كما أن ذلك عزز ثقة الأستاذ ماجد بنفسه وأشعره بأهميته ودوره ، فحضور الشيخين فضل صالح ومحمود مصلح إلى بيت العزاء والحديث فيه أعطى أهل البلدة شعوراً بأهمية الأستاذ ماجد وكأنها أيضاً وصية من مشايخ الحركة الإسلامية إلى أهالي البلدة ، ورسالة لهم بأن ابنكم ماجد له أهمية دعوية وله مستقبل دعوي ، كما أن حضورهم كان بمثابة تزكية إضافية لماجد وهو المعروف والمتميز بأخلاقه ومعاملاته الحسنة ، وهذه المواقف وهذه اللفتات من قيادات العمل الإسلامي المنظور إليهم لها أهميتها في بعث الثقة في نفوس أبناء الحركة الإسلامية وهنا أذكر نفسي وأذكر جميع رجالات الحركة الإسلامية وقادتها وممثليها في المجلس التشريعي وفي المؤسسات ، أن لا يغفل أحد عن مشاركة إخوانه من عناصر الحركة الإسلامية أفراحهم وأتراحهم لأن ذلك سيزيد من ارتباط هؤلاء الشباب بحركتهم الأم ، وسيدفع أقارب وأهالي بلد هؤلاء الشباب لاحترام الحركة الإسلامية وممثليها ، لما في هذه اللفتات البسيطة من أهمية كبرى على عناصر الحركة الإسلامية والمحيط والبيئة التي يعيشون فيها من أهالي وعائلات وأبناء بلد ، فما أروع وأجمل أن يرى الشاب والعنصر في الحركة الإسلامية أحد قادتها أو رموزها المنظور إليهم يتقدم ويصافحه ويبتسم في وجهه ، فما بالكم لو شاركه فرحاً من أفراحه أو تقدم إليه بتعزية بمصاب جلل ، لا شك أن لهذه المواقف والمشاهد مالها في نفوس أبناء الحركة الإسلامية حيث تعزيز الثقة بالنفس وبالحركة وتمتين الانتماء لهذه الحركة واستشعار وجوبية تقديم المزيد لها من عطاءات وتضحيات .
فما أروع سرب الحركة الإسلامية وما أجمل صفهم وبيئتهم حيث الأخوة والحب في الله ، وحيث التكامل والتكافل ، حيث الصفح والمغفرة ، حيث الإيثار بأبهى وأجمل صوره ، حيث التفاني في العطاء ، والتنافس في تقديم التضحيات ، ابتسامات مشرقة ومعاملة حسنة علاقة أساسها الإيمان بالله وهي في الله ولله .
لقد عاش الأستاذ ماجد أياماً صعبة بعد وفاة الوالد ولكنه تحامل وصبر واستطاع برمجة وقته ما بين متطلبات الدعوة ، ومتطلبات دراسته الجامعية ، حيث استمر في عطائه ونشاطه الدعوي في أوساط الكتلة الإسلامية ولكن فتح واليسار وعلى الدوام يضعون العراقيل ويختلقون المشاكل مع أبناء الكتلة الإسلامية حيث زادت وتيرة الاحتكاكات والمصادمات حيث كان ينظر إلى الكتلة الإسلامية ووجودها كجسم غريب في جامعة يسيطر عليها اليسار والعلمانيون سواء على مستوى الكادر التعليمي أو على مستوى الطلبة ، وقد قادت الاحتكاكات والصدامات إلى تلك المشكلة الكبيرة التي حصلت بتاريخ 5-6-1983 ، حيث كان يوماً من الأيام المفصلية في تاريخ الكتلة الإسلامية في الجامعة




إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

 

شارك بتعليقك

مشاركة mike bader في تاريخ 26 تشرين أول، 2010 #124425

حذروا الموت الطبيعي ولا تموتو الا بين زخات الرصاص
اذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية فلاجدر بنا ان نغير المدافعين لا ان نغير القضية
عدنا لنقاوم لا لنساوم
الشيوعية اقوى من الموت و اعلى من حبال المشانق
عاش اليسار الفلسطيني
و حصوصا الجبهه الشعبية في دير السودان
مشاركة ابن دير السودان في تاريخ 6 حزيران، 2010 #114671

كثيرون في هذه الحياه يشكلون كنز ثمينا
كثيرون هم من قيمتهم اغلى من الذهب و النفط و الجواهر و الألماس
كثيرون هم أولئك الذين قيمتهم فاقت قيمه كنوز علي بابا و السندباد و كنوز قارون
يمضون بلا انتباه و بلا ذكرى و بلا حتى القاء التحيات ...
غريب امر هذه الحياه , عندما لا تتذكر اغلى ما فيها , و تنسى اجمل ما فيها .......
بل تذكر اوضع الناس و انذل الناس و انكر الناس ....و تعطيهم ما لا تعطي ورثه الانبياء
لماذا هذه الحياه لا تحب الا تغيب النبلاء الكرماء , في باطن الارض
من يتذكرك يا احب الي من ولدي , قد أطلت الغيبه ,,,,,,,,,,, لا بأس فهذا ديدن الحياه ,,
فالى الذين جاهدوا و قاتلوا و قتلوا دون ان ينتصروا لا أملك لهم الا المجد و الدموع

سلمت عيونك يا ابا عبيده ........

ربما لم استغرب انه لا توجد ردود على المقال , كثيرون من يمرون بلا انتباه هم اغلى من تراب الارض الذين يسيرون عليه

هل تقدست فلسطين و بوركت فقط من اجل حجارتها و ترابها ؟؟؟