فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين  خرائط 
القائمة الصراع للميتدئين دليل العودة صور
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  دليل حق العودة تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا

رنتيس: جيل النكبة: ذاكرة متسلحة بالأمل.. واصرار لا يلين على العودة

مشاركة محمد الرنتيسي في تاريخ 12 أيار، 2008

صورة لبلدة رنتيس - فلسطين: : منظر عام وسط البلد - أخذت من الجهة الشمالية - عدسة محمد الرنتيسي، اُنقر الصورة لتكبيرها. أنقر الصورة للمزيد من المعلومات عن البلدة
الأبنـاء يحفظون أمانة الآبـاء..
جيل النكبة: ذاكرة متسلحة بالأمـل واصرار لا يلين على العـودة

رام الله - الدستور - محمد الرنتيسي

يقينهم بالعودة هو مصدر قوتهم، يستلهمون منه الشجاعة والصبر، فلا يخلو مخزون الذاكرة لدى اللاجئين من قصص تتحدث عن "هم النكبة" وما خلفته من مأساة مستمرة، حوادث ومجازر.. تشريد، خوف، جوع.. كثيراً ما تسمعهم يرددون ما حدث في جريمة النكبة، ومعاناة اللجوء، ليعاودوا التأكيد على أملهم بالعودة، حتى من خلال الأجيال القادمة، .. فقدوا كل شيء، لكنهم لم يفقدوا الأمل بالرغم من قسوة الظروف المعيشية في مخيمات اللاجئين، وقسوة الزمن.

تمر الذكرى الستين لنكبة فلسطين، والجرح ما زال ينزف، اما الألم فلا شك بازدياد، خاصة في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني، فلا تزال المفاتيح الحديدية وأوراق الطابو تنتظر يوم العودة.
هذا اليوم، الذي ينتظره أبناء وأحفاد "الجيل الأول" بفارغ الصبر، وبحماسة شديدة تبدو جلية على وجوههم ونبرة أصواتهم التي لا تخلو من الحزم، يتكلمون عن قراهم وذكريات آبائهم وأجدادهم وكأنهم عاشوا الحدث، تجدهم يلمون بقدر لا يستهان به من التفاصيل التي رسخت في أذهانهم، وحُفرت في ذاكرتهم على مدار السنين الطويلة التي ملأتها أحاديث الآباء والأجداد حزناً وحسرة على قرى دمرت وشعب شُرد وهُجّر، الا أنها زادتهم في الوقت نفسه اصراراً على تنفيذ الوصية وحفظ الأمانة حتى يأتي يومها الموعود.

رحلة دموية الى المخيم
ما زال المواطن محمد العناتي (65) عاماً، يذكر والده عندما حمله وهو مريض على ظهره، ولم يكن يتجاوز حينها الأربعة أعوام، ليمشي به من اللد حتى يصلوا الى أحد مخيمات اللاجئين في غزة، كما لا زال يحمل ذكريات جميلة عن حقول الذرة والزيتون وأشجار الحمضيات، ويقول: "بالرغم من أني كنت طفلاً، الا أنني لا زلت أذكر مشاهد مؤلمة وشاقة في طريقنا الى مخيمات اللاجئين في غزة"، وأردف قائلا: "لكننا لم نتمكن من البقاء هناك لمدة طويلة، وهاجرنا الى مخيمات الضفة بسبب قلة العمل".

وحول هجرة أهالي اللد عام 1948، تحدث محمد لـ"الدستور"، عن هجرتهم قسراً من اللد بعد مذبحة مسجد دهمش، التي أدت الى استشهاد 160 فلسطينياً، غالبيتهم من الأطفال والنساء والشيوخ، على أيدي العصابات الصهيونية، حيث دخلت هذه العصابات الى المسجد وقتلت جميع من فيه، وأغلقت المسجد على الجثث حيث لم يسمح لأحد بدفنهم، وفي خضم حديثه عن النكبة، يستذكر العناتي والده الذي كان يتحسر على غلة الزراعة، والمحاصيل وأشجار الزيتون، وبيارات الحمضيات، مقارناً ذلك بوضعهم المعيشي في مخيمات اللاجئين وقلة الخدمات عندما خرجوا حفاة عراة يمشون تارة، ويركبون الحمير تارة أخرى.

ويعود علي يوسف (87) عاماً بذاكرته الى الوراء، عندما دخلت احدى العصابات الصهيونية قرية أبو شوشة قضاء اللد وخلفت فيها الشهداء والجرحى، حيث تخبأ أهالي القرية الناجين في منطقة بالقرب من مكان "الولي"، وآخرين توجهوا للاختباء في "المغر" كي يحتموا من نيران الرصاص وقذائف المورتر.

أجراس العودة.. فلتقرع
وبعيداً عن المجازر التي قامت بها العصابات الصهيونية في القرى والمدن الفلسطينية في العام 1948، يصف محمود أبو شلباية (74) عاماً، قرية النعاني التي ينحدر منها بأنها "من أجمل القرى الفلسطينية"، مشيراً الى أنها كانت تشتهر بزراعة الخضار والفاكهة، وتعتبر من أكثر الأراضي خصوبة بسبب قربها من مدينة الرملة.
ويقول: "كنت في الرابعة عشر من عمري، عندما تم تهجيرنا من القرية، حيث كان يفلح المزارعون أرضهم ويجلسون في ملكهم".
ويؤكد أبو شلباية على حق اللاجئين في العودة الى ديارهم، مؤكداً على عدم التنازل عن هذا الحق، الذي كفلته المواثيق والشرائع الدولية.
ولفت أبو شلباية الى أنه لم يشعر يوماً باليأس بالرغم من سوء الوضع المعيشي في المخيمات، "بل ان أملي بربي كبير بأن النصر قريب، واذا لم أتمكن من العودة، سيقرع أبنائي أو أحفادي أو أبناء أحفادي أجراس العودة من بعدي".

أما الحاجة آمنة محمود (77) عاماً، التي تجلس على درج منزلها في أحد شوارع مخيم الأمعري الضيقة، فتقول: "هون العيشة خراب الديار"، وأحياناً "كالقطران"، وتستذكر الحاجة قريتها "عنابة" التي تقع الى الجنوب الشرقي من مدينة الرملة، عندما كانت تحصد وتسرح في الأراضي الواسعة بدلاً من التواجد في مخيم متلاصق البيوت ويعاني أفراده من قلة الخدمات.

ويفتقد حسين أصلان (62) عاماً من مدينة يافا، العلاقات الأسرية بسبب تشتت أفراد عائلته في عدد من المخيمات في الضفة الغربية وغزة وبعض الدول العربية مثل الأردن والسعودية منذ تشريدهم في العام 1948، معتبراً "ان المخيم مجرد مأوى، ولا يعني لي شيئاً، فأنا انتظر العودة الى بلدي وأرضي وبيتي، ولا يمكن تعويضي بأي شيء آخر سوى العودة الى يافا".
وأضاف: "ان زرع حب الأرض في نفوس الأجيال المقبلة، يبقيهم متمسكين بجذورهم وأصولهم التي انحدروا منها".

الانتماء.. والوفاء للمكان
وفي هذا السياق يتحدث محمد ابراهيم (41) عاماً من قرية النعاني قضاء الرملة ويسكن في مخيم الأمعري، عن الزيارة المؤثرة التي التي قام بها بصحبة والده الى قريتهم، ويقول: "شعرت وكأن أحداً يمسك بقلبي حين رأيت القرية للمرة الأولى وتمنيت لو أستطيع البقاء فيها الى الأبد".
ويضيف ابراهيم: "قرية النعاني، قرية في غاية الجمال وأرضها خصبة تغطيها أشجار البرتقال، حتى أن هواءها مختلف، لقد رأيت فيها آثار البيوت المهدمة، كما تلقيت شرحاً مفصلاً من والدي عن أرضنا وأملاكنا، كذلك أخبرني عن أبرز المعالم في القرية كسكة الحديد والطرق المؤدية الى القرى المجاورة، الأمر الذي جعلني أشعر بالانتماء لهذا المكان".

أما سعود عزت (22) عاماً من مدينة اللد ويسكن في مخيم الأمعري أيضاً، فعبر بدوره عن اشتياقه وحنينه الى اللد التي زارها أكثر من مرة، وتمنى البقاء فيها لكونها أرضه وأرض أجداده التي لن يتنازل عنها أبداً، فهي تمثل له الحياة بأكملها.

وفي هذا الصدد يتحدث نضال طرشة (40) عاماً من قرية عنابة قضاء اللد ويسكن في مخيم الجلزون، عن المشاعر التي يكنها لقريته التي زارها عدة مرات ويقول: "عندما زرت القرية شعرت بالانتماء اليها مع أنني لم أعش فيها اطلاقاً، أكثر من شعوري بالانتماء الى مخيم الجلزون الذي أقيم فيه منذ ولادتي، خاصة مع تكرار الزيارات والاستماع الى أحاديث كبار السن وذكرياتهم فيها".
من جانبه عبر صالح زيادة (25) عاماً من قرية ساريس قضاء القدس، ويسكن في مخيم قلنديا، عن شعوره بالألم والحسرة والظلم عند رؤية أوراق الطابو التي تخص جده، حيث يشعر أن شيئاً ما ينقصه.

في حين يصف خالد علي (45) عاماً من قرية أبو شوشة ويسكن في مخيم الأمعري، قريته التي زارها عدة مرات واندهش من جمالها حيث المساحات الخضراء الواسعة المزروعة بمختلف أنواع الأشجار، فلا تزال آثار البيوت المهدمة قائمة حتى الآن، ومنها فرن أبو شوشة الذي لا تزال آثاره ماثلة للعيان، اما اسطبل الخواجا فباق على حاله كما كان قبل 60 عاماً، ويقول: "تم تحويل معظم أراضي القرية الى أراض زراعية يزرع فيها البطيخ والمشمش والخوخ".
ويتمنى خالد أن يرجع الى قريته ليزرعها ويحصدها ويستمتع بجوها ومناظرها الخلابة التي لن تغيب عن ذاكرته الى الأبد.

جمعة مشمشية.. ستين عاماً
من جانبه يشعر الحاج عبد العزيز أحمد سرحان "أبو غسان" (78) عاماً من قرية التينة قضاء الرملة ويسكن في مخيم قدورة بالحزن والأسى في ذكرى النبكة، التي يعتبرها بمثابة يوم أسود في تاريخ الشعب الفلسطيني.
وتعود الذكرى بأبي غسان الى ما قبل 60 عاماً، عندما تلقى المواطنون الفلسطينيون الرسائل من العصابات الصهيونية لتسليم السلاح والثوار، ورفضوا ذلك رفضاً تاماً حتى بعد مهلة الـ(أربعة أيام) التي منحتهم اياها تلك العصابات، مشيراً الى أن جنوداً مدججين بشتى أنواع الأسلحة الأوتوماتيكية طوقوا قريته من جهاتها الأربع وبدأوا بصب غضبم ونيرانهم تجاه أهلها ومنازلهم، فقتلوا ما قتلوا من سكانها، بينما رحل الآخرون دون أن يأخذوا معهم شيئاً من أمتعتهم باستثناء مفاتيح منازلهم.

ويضيف أبو غسان: "كان يوماً حزيناً ومؤلماً، هناك من رحلوا دون أن يتمكنوا من أخذ أولادهم معهم، وهناك العديد من النساء ولدن في الطريق، لقد أوهمونا أنها "جمعة مشمشية" وسنرجع، وها هي الجمعة تستمر ستين عاماً، والحبل على الجرار، لقد (عفّن) المشمش، قبل أن نعود".
ويؤكد أبو غسان أنه زار قريته "التينة" أربع مرات مصطحباً أولاده معه ليعرفهم بأرضهم، مشيراً الى أنه أوصى أبناءه بعدم التفريط بهذه الأرض حتى لو تم اغراؤهم بمال الكون.

ويصف أبو غسان زيارته الأولى الى قريته قائلاً: "ذهبت لأحضر كتبي وبعض العسل من المنحلة التي كنت أعتاش من ورائها، فوجدت كل شيء قد دمّر، حتى المنازل كانت موحشة وأبوابها مفتحة، ولا شيء موجود مكانه، وكأن اعصاراً ضرب القرية".

ويرى أبو غسان أن حل قضية اللاجئين يأتي فقط من خلال عودة أصحاب الأرض الى قراهم حسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، الذي يمكن اللاجئين الفلسطينيين من الحصول على حقهم في العودة والتعويض.
ولدى سؤالنا لأبي غسان هل تتوقع العودة الى قريتك، أجاب على الفور: "أملي بالله كبير أن أرجع الى التينة، .. دائماً أرى نفسي فيها، ويومياً أتجول في حاراتها".

* نقلاً عن صحيفة الدستور الأردنية
بقلم: مراسل الصحيفة في رام الله - محمد الرنتيسي





إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

 

شارك بتعليقك

 


الجديد في الموقع