فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين  خرائط 
القائمة الصراع للميتدئين دليل العودة صور
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  دليل حق العودة تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا

رنتيس: مقابر الأرقام : فضيحة أخلاقية وعقاب يطال الأحياء قبل الأموات

مشاركة محمد الرنتيسي في تاريخ 20 أيار، 2008

صورة لبلدة رنتيس - فلسطين: : منظر عام وسط البلد - أخذت من الجهة الشمالية - عدسة محمد الرنتيسي، اُنقر الصورة لتكبيرها. أنقر الصورة للمزيد من المعلومات عن البلدة
تفتقر للحد الأدنى من الإحساس والمباديء الانسانية..
مقابر الأرقام: فضيحة أخلاقية وعقاب يطال الأحياء قبل الأموات

رام الله - الدستور - محمد الرنتيسي

أن تفرض إسرائيل عقوبات قاسية بحق الفلسطينيين الأحياء أصبح أمراً مألوفاً لدى العالم بأسره، فالحصار والحواجز العسكرية، والاعتقالات والاغتيالات، وهدم المنازل واقتلاع الأشجار، ومصادرة الأراضي.. كلها أشكال وأجزاء من هذه العقوبات، لكن الأمر الذي لا يمكن أن يستوعبه عقل بشر، أن يتخطى حد معاقبة الأحياء إلى الأموات.

هذا ما يحدث بالفعل في مقابر الأرقام.. تلك المقابر الجماعية التي أنشأها الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية الصراع العربي ؟ الاسرائيلي، لتحتجز فيها جثامين وأشلاء الشهداء الفلسطينيين والعرب الذين قضوا في المعارك، أو نفذوا عمليات فدائية ضد أهداف اسرائيلية، أو قضوا داخل المعتقلات الاسرائيلية، أو تم اغتيالهم في عمليات لما تسمى "القوات الخاصة الاسرائيلية"، ومنذ ذلك الوقت وهذه المقابر تعتبر مناطق عسكرية مغلقة يحظر دخولها أو حتى الوصول اليها.

تاريخها وعددها مجهول:
وسميت مقابر الأرقام بهذا الاسم، لأن لكل جثمان فيها رقماً مسجلاً على لوحة من الصفيح، وتقول اسرائيل أن هذه الأرقام هي أرقام ملفات الضحايا وليست لرقمهم التسلسلي وفقاً لتاريخ قتلهم ودفنهم.
ولا يوجد تاريخ محدد يبين متى أُنشأت أول مقبرة للأرقام، غير أن أول عملية دفن جماعي للذين قتلوا على أيدي قوات الاحتلال بدأت في حرب 1948، وكانت بشكل عشوائي، ثم أصبحت رسمية وأكثر تنظيماً وتخضع لاشراف وزارة جيش الاحتلال بعد حرب 1967، ثم زادت عمليات الدفن الجماعي خلال اجتياح لبنان في العام 1982، مع الازدياد المطّرد في أعداد الضحايا الذين وقعت جثامينهم في أيدي قوات الاحتلال.

وحتى الآن تم الكشف عن أربع مقابر للأرقام، الا أن جهات في السلطة الفلسطينية ترجح وجود عدد سري آخر يخضع لرقابة وزارة جيش الاحتلال.
وتعد مقبرة "جسر بنات يعقوب" الواقعة في منطقة عسكرية عند ملتقى حدود فلسطين وسوريا ولبنان، أكبر هذه المقابر حجماً، حيث تضم وفق احصائيات إسرائيلية 500 شهيد من جنسيات فلسطينية ولبنانية وسورية وأردنية وأخرى عربية مختلفة، وليش ثمة ما يدل على هويات من فيها سوى لوحات الصفيح التي تحمل أرقاماً محيت بمرور الزمن.

وتعتبر مقبرة "ريفيديم" في غور الأردن، والتي تسميها اسرائيل مقبرة "قتلى الأعداء"، ثاني أكبر هذه المقابر، حيث يرقد فيها رفات نحو 100 شخص، نصفهم من جنسيات عربية مختلفة سقطوا بعد حرب 1973، والنصف الآخر لمواطنين استشهد معظمهم في عمليات أو اشتباكات مع قوات الاحتلال أو تم اغتيالهم من قبل اسرائيل، ومن بينهم نحو 30 مواطناً نفذوا عمليات فدائية منذ العام 1994.
كما سربت أنباء عن مقبرتين أخريين للأرقام، غير معلوم كم تضمان من الرفات، لكن قيل أن احداهما مجاورة لمقبرة ريفيديم، والأخرى تسمى بـ"مقبرة شحيطة"، الواقعة في قرية واد الحمام شمالي طبريا حيث وقعت معركة حطين.

شهادات حية:
قبل أكثر من عشر سنوات اغتالت قوات الاحتلال الشهيدين الشقيقين عادل وعماد عوض الله من مدينة البيرة، بعد فرارهما من سجن تابع للسلطة الفلسطينية في مدينة أريحا، وحتى الآن تقول اسرائيل أنها تحتجز جثماني الشهيدين في مقبرة ريفيديم.
ويوضح عامر عوض الله، "شقيق الشهيدين" في حديث خص به "الدستور" أن اسرائيل لا زالت تحتجز جثمانيهما لسببين، الأول يتمثل في معاقبة المقاومة ومن يقف وراءها، والثاني محاولة اخفاء سبب الوفاة، خاصة وأن طريقة اغتيالهما لا تزال غامضة، ملمحاً إلى امكانية أن تكون اسرائيل قد اعتقلتهما وهما على قيد الحياة وأجرت عليهما سلسلة من التجارب الخطيرة، ومارست بحقهما تعذيباً شديداً، ما أدى الى استشهادهما، وتحسباً للفضيحة دفنتهما في مقابر الأرقام.

أما النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني ومقرر لجنة الأسرى والشهداء عيسى قراقع، فأوضح لمراسل "الدستور" أن حكومة الاحتلال لا تزال تحتجز رفات أكثر من 150 شهيدا من أبناء الضفة والقطاع، منذ عدة سنوات وترفض تسليمهم الى ذويهم، مشيراً إلى أن هؤلاء الشهداء محتجزين منذ استشهادهم في مقابر الارقام، وفي اوضاع مهينة دينياً واخلاقياً، حيث تخضع هذه المقابر لرقابة عسكرية، مشدداً على ان القوانين الدولية واتفاقيات جنيف الرابعة تمنع احتجاز رفات الشهداء، وتلزم دولة الاحتلال بتسليمهم الى ذويهم، معتبراً أن احتجاز جثامين هؤلاء الشهداء لسنوات طويلة يشكل عقابا لا إنسانيا ومضاعفاً لذوي الشهداء وأحزانهم، وهو سياسة عقاب جماعي لامثيل لها في التاريخ الإنساني.

عقاب.. وابتزاز سياسي:
ورغم أن الاحصائيات المختلفة تشير ألى أن عدد الشهداء في مقابر الأرقام يتراوح ما بين 200 ؟ 600، الا أنه لا يوجد رقم محدد لعدد هؤلاء الشهداء، هذا اضافة الى أن مصادر أخرى أكدت أن الرقم الحقيقي لشهداء مقابر الأرقام أعلى بكثير من الرقم المذكور، وأن هناك آلاف المفقودين الفلسطينيين والعرب الذين اختفوا بعد أسرهم أو اختطافهم من قبل قوات الاحتلال، أو أولئك الذين لم يعرف عن مصيرهم شيء خلال الحروب والمعارك المختلفة.

وتدعي سلطات الاحتلال أن الموجودين في مقابر الأرقام هم "مخربين"، وأنها لا تعرف أنسابهم أو أصولهم أو هوياتهم، زاعمة أنها أعادت كل من تم التعرف على هوياتهم الى ذويهم، الأمر الذي يتنافى مع ما تورده سجلات مؤسسة "رعاية أسر الشهداء" في مدينة رام الله، والتي تشير الى ان سلطات الاحتلال تحتجز جثامين 108 شهداء، غالبيتهم معروفين تماماً لدى عائلاتهم اضافة الى تواريخ استشهادهم.
وفي حالات أخرى تدعي سلطات الاحتلال أنها تحتجز بعض الجثامين الى حين الانتهاء من تشخيصها وفحصها والتأكد من هوية أصحابها، الأمر الذي تدحضة سجلات "رعاية أسر الشهداء" أيضاً.

ويقول المدير العام للمؤسسة خالد جبارين، أن اسرائيل تتبع أحيانا سياسة انتقائية في احتجاز جثامين الشهداء، فلا يوجد لديها تفسير واضح حول أسباب احتجاز الشهداء من غير "الاستشهاديين"، الذين تحتجزهم كنوع من العقاب على عملياتهم، كما أن لديها نهج واضح في عملية الافراج عن رفات الشهداء، حيث تستخدم هاتين الورقتين للابتزاز السياسي.

حتى الأموات لم يسلموا:
في أحدث تقرير صدر عن السلطة الوطنية الفلسطينية قال مدير دائرة الإحصاء في وزارة الأسرى والمحررين عبد الناصر فروانة، "ان اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعاقب الميت"، مؤكداً أنه الى جانب مقابر الأرقام الجماعية، فإن اسرائيل تحتجز العديد من الجثث لفلسطينيين وعرب داخل ثلاجات، كمعاقبة لأجساد الشهداء بعد موتهم، وحرماناً لذويهم من إكرامهم ودفنهم وفقاً للشريعة، الأمر الذي تؤكده مصادر فلسطينية مطلعة، حيث أكد غير مصدر في السلطة الفلسطينية أن المناضلة الشهيدة دلال المغربي لا زالت تتعرض ومنذ استشهادها لانتهاك صارخ، حيث ترقد في غرفة زجاجية مبردة بملابسها العسكرية، تنفيذاً لقرار عسكري اسرائيلي مجحف صدر بحقها بعد استشهادها، حيث حكم عليها بالسجن المؤبد كعقاب على عمليتها الشهيرة، وبموجب هذا الحكم فإن المغربي لن تدفن الا بعد انتهاء محكوميتها.

المفقودون.. هل ضمتهم مقابر الأرقام؟.
قد تختلف الأسماء أحياناً في وصف حالات الضحايا الفلسطينيين، الذين خلفتهم آلة الدمار والقمع الاحتلالية، لكن المصير غالباً ما يكون مشتركاً، أن لم يكن مشابهاً تماماً، فإلى جانب شهداء مقابر الأرقام، هناك عدد كبير من الأسرى الذين تم تصنيفهم على أنهم "مفقودين".
يقول حسام الحاج حسن عضو الهيئة الوطنية للبحث عن المفقودين، أن الهيئة تجري باستمرار اتصالات مع الجهات الفلسطينية والأردنية والدولية، للضغط على حكومة الاحتلال لفتح مقابر الأرقام التي تعتبر مناطق عسكرية مغلقة أمام عائلات الضحايا، لكن هذه المحاولات عادةً ما تبوء بالفشل.
ويؤكد الحاج حسن أن فتح هذه المقابر سيشكف عن مصير مئات المفقودين الذين يمكن أن يكونوا قد دفنوا في هذه المقابر دون علم من ذويهم.

شهداء مجزرة جنين.. أين دفنوا؟.
في شهر نيسان من العام 2002، وخلال الاجتياح الشهير لمناطق الضفة الغربية، جعل الاحتلال الاسرائيلي من مخيم جنين عنواناً لجريمة جديدة، تضاف الى سجل جرائمه، حيث استباحت قوات الاحتلال المخيم تحت سمع وبصر العالم أجمع، فقتلت العشرات إن لم يكن المئات من سكانه واختطفت جثامينهم.
ولا زال الغموض الشديد يلف موضوع نقل جثامين الشهداء التي جمعت من مخيم جنين وشحنت بمراقبة القيادة العسكرية الاسرائيلية في شاحنات مبردة الى مقبرة حفرها وأعدها الجيش الاسرائيلي بالقرب من جسر دامية في وادي الأردن تمهيداً لدفنها في مقابر الأرقام.
وقد أكد النائب في الكنيست الاسرائيلي محمد بركة، أن لديه معلومات مؤكدة عن دفن عدد من ضحايا مجزرة جنين في مقبرة جماعية، اضافة الى عدد آخر نقلوا في شاحنة اسرائيلية دون أن تعرف وجهتها.

انتهاك الحد الأدنى للكرامة:
وكانت الصحافة الاسرائيلية تحدثت في وقت سابق عن كلاب برية شوهدت في إحدى مقابر الأرقام وهي تلتهم أشلاء جثث نبشتها من القبور التي تفتقر الى الحد الأدني من المقاييس الانسانية في عملية دفن الميت، موضحة أن أجساد الشهداء تلقى في حفر لا يتجاوز عمقها المتر الواحد وعرضها الخمسين سنتيمتراً، فيما دفنت جثث أخرى بشكل جزئي، ووضعت أخرى في أكياس بلاستيكية يمكن رؤية ما فيها بالعين المجردة.
وعلى الرغم من السعي الجاد للعديد من المؤسسات الحقوقية والانسانية المحلية والعربية والدولية لفتح ملف المقابر الجماعية والانتهاء منها بتسليم جثث الشهداء الى ذويهم، الا أن هذا الملف الضخم والغامض، يحتاج الى جهود مضنية على المستوى الفلسطيني والدولي، للضغط على اسرائيل واجبارها على وقف انتهاكاتها للحقوق الانسانية المتصلة بإكرام الميت ودفنه.

* نقلاً عن صحيفة الدستور الأردنية
بقلم: مراسل الصحيفة في رام الله - محمد الرنتيسي





إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

 

شارك بتعليقك

 


الجديد في الموقع