كرميون من بلدي :
المرحوم عثمان بك عثمان بشناق (1870 – 1935)
محامٍ، زعيم وطني.
اعداد وتقرير /المحامي علي ابو حبله والاستاذ. عبد البري.
أولاً: النشأة والجذور العائلية:
وُلد المرحوم عثمان بك عثمان بشناق عام 1870 في مدينة طولكرم، في أسرة من العائلات الفلسطينية العريقة ذات الأصول البوسنية (من البوسنة والهرسك)، والتي استقرّت في فلسطين خلال القرن التاسع عشر إبّان الحكم العثماني.
تميّزت عائلة البشناق بالثراء والمكانة الاجتماعية الرفيعة، إذ كانت تمتلك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في طولكرم وضواحيها، وكان لها دور فاعل في النشاط الاقتصادي والاجتماعي في شمال فلسطين.
ثانياً: التعليم والمسار القانوني:
تلقّى عثمان بك بشناق علومه الأولى في مدارس طولكرم، ثم انتقل إلى القدس حيث درس القانون والإدارة في إحدى المدارس الرسمية التي كانت تشرف عليها السلطات العثمانية آنذاك.
بعد تخرّجه، انخرط في سلك المحاماة، وأصبح من أبرز المحامين الفلسطينيين في منطقة شمال فلسطين، وتولى الترافع في قضايا كبرى أمام محاكم الأراضي الشرعية والمدنية في طولكرم ويافا والقدس وحيفا.
وقد اشتهر ببلاغته القانونية ودقته في المرافعات، ومن أبرز ما سُجل في الصحف الفلسطينية مرافعتُه الشهيرة في قضية وادي الحوارث عام 1932، والتي نشرتها جريدة فلسطين بتاريخ 6 تموز/يوليو من العام نفسه، حيث مثّل فيها الأهالي في مواجهة محاولات الاستيلاء الصهيونية على الأراضي الزراعية الخصبة في المنطقة.
ثالثاً: النشاط السياسي والوطني:
برز عثمان بك بشناق كأحد الزعماء الوطنيين البارزين في فترة الانتداب البريطاني، إذ كان من الوجوه السياسية الفاعلة في شمال فلسطين.
من أبرز محطاته السياسية والوطنية:
- عضويته في المؤتمر العربي الفلسطيني السابع (القدس 1928): مثّل منطقة طولكرم، وشارك في صياغة القرارات الرافضة للانتداب البريطاني وللهجرة الصهيونية، وكان من الموقعين على وثيقة القرارات التي دعت إلى وحدة الصف الوطني وحماية الأراضي الفلسطينية.
- رئاسته للجنة الوطنية في طولكرم: كان من أوائل من نظموا العمل الأهلي والسياسي في مواجهة سلطات الانتداب البريطاني ومشاريع التهويد، وأشرف على نشاطات احتجاجية سلمية ومذكرات موجهة إلى المندوب السامي البريطاني.
- دوره في الدفاع عن الأرض: إلى جانب نشاطه القانوني، كان من كبار ملاك الأراضي في المنطقة، واستغل مكانته وماله للدفاع عن حقوق الفلاحين، ولمنع بيع الأراضي للمؤسسات الصهيونية.
رابعاً: مكانته الاجتماعية ودوره الإصلاحي:
كان عثمان بك بشناق شخصية محورية في النسيج الاجتماعي الفلسطيني، إذ جمع بين الوجاهة التقليدية ووعي المثقفين المتنورين في أوائل القرن العشرين.
لقّب بـ "البك" اعترافًا بمكانته الاجتماعية والإدارية التي اكتسبها منذ العهد العثماني، وامتاز بالحكمة والرزانة والقدرة على حل النزاعات العشائرية والمدنية.
ساهم في إنشاء مجالس محلية ومبادرات إصلاحية هدفت إلى تطوير التعليم وتنظيم الملكيات الزراعية وتشجيع الحرفيين في طولكرم ومحيطها.
خامساً: وفاته وإرثه الوطني:
توفي عثمان بك عثمان بشناق عام 1935 في مدينته طولكرم بعد مسيرة حافلة بالعطاء القانوني والوطني والاجتماعي.
شيّعه وجهاء فلسطين وأهالي طولكرم في جنازة مهيبة، وأُثني على مواقفه الوطنية في الصحف الفلسطينية آنذاك.
ترك إرثًا غنيًا من المرافعات القانونية والمواقف الوطنية المشرّفة، ورسّخ صورة المحامي الوطني الذي جمع بين الدفاع عن الحق في المحاكم والدفاع عن الوطن في الميدان السياسي والاجتماعي
سادساً: الأثر التاريخي:
يُعدّ عثمان بك بشناق نموذجًا لجيل الروّاد من رجال فلسطين الذين ربطوا بين الفكر القانوني والعمل السياسي، وأسّسوا لمرحلة الوعي الوطني الحديث خلال الانتداب البريطاني.
لقد كان صوته ومواقفه انعكاسًا لوعي فلسطيني مبكر بخطر الاستعمار والاستيطان، وساهم في تكوين ثقافة المقاومة المدنية والقانونية التي مهدت لمرحلة الكفاح الوطني اللاحقة.
خلاصة
كان عثمان بك عثمان بشناق (1870–1935) شخصية وطنية جامعة جمعت بين الفكر القانوني والقيادة السياسية والاجتماعية، وأسهمت في حماية الأرض الفلسطينية والهوية الوطنية في وجه مشاريع الاستيطان والانتداب.
لقد ترك بصمته في التاريخ الفلسطيني الحديث كمثال للمحامي الملتزم بقضيته، والسياسي المخلص لوطنه، والإنسان الذي آمن أن العدالة والحرية لا تنفصلان عن الدفاع عن الأرض والكرامة.
الهوامش القانونية والتاريخية:
1. جريدة فلسطين، العدد الصادر يوم الأربعاء 6 تموز 1932، تقرير بعنوان: مرافعة المحامي عثمان بيك البشناق البليغة في محكمة الأراضي وذهاب المحكمة إلى وادي الحوارث للكشف، ص. 3.
2. محاضر المؤتمر العربي الفلسطيني السابع، القدس 1928، وثيقة القرارات النهائية – الأرشيف المركزي الفلسطيني.
3. أرشيف طولكرم البلدي، سجلات رؤساء البلديات، وثيقة رقم (T-14/1929)، محفوظة في الأرشيف الوطني الفلسطيني.
4. دفتر ملاحظات عثمان البشناق، أرشيف فلسطين (PALarchive)، سجل 1940، وثائق القضايا القانونية ومذكرات الدفاع.
5. قانون الأراضي العثماني لعام 1858، المواد (6–9) المتعلقة بحق الملكية والتصرف الزراعي، وهي الأساس القانوني الذي استند إليه المحامون الفلسطينيون في مواجهة دعاوى المصادرة والاستملاك أثناء الانتداب البريطاني.
6. النظام القضائي للانتداب البريطاني في فلسطين، القسم الخاص بمحاكم الأراضي لعام 1921، المادة (17) التي تحدد صلاحيات المحامي في المرافعة عن الأهالي في نزاعات الملكية الزراعية.



شارك بتعليقك