المناضل مصطفى عبد الرحمن دعمه … سيرة وطنية لعائلة ارتبط اسمها بالنضال والعمل الوطني
--------------------------------------------------
إعداد: المحامي علي أبو حبلة – الأستاذ عبد البري.
--------------------------------------------------
ودّعت مدينة طولكرم أحد أبنائها الذين ارتبط اسمهم بالعطاء الوطني والعمل العام، برحيل المناضل مصطفى عبد الرحمن دعمه الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى في التاسع من آذار/مارس 2026، بعد مسيرة حافلة بالالتزام الوطني والعمل الصادق في خدمة وطنه ومجتمعه.
وبرحيل الفقيد، لا تُستحضر فقط سيرة رجلٍ عُرف بصدقه وتواضعه وإخلاصه، بل تُستعاد كذلك سيرة عائلة وطنية عريقة ارتبط اسمها بتاريخ النضال الفلسطيني، حيث شكّلت عائلة دعمه نموذجًا لعائلات فلسطينية انخرط أبناؤها في العمل الوطني منذ عقود طويلة.
وُلد المرحوم مصطفى دعمه في مدينة طولكرم عام 1948، ونشأ في بيئة عائلية مشبعة بروح الوطنية والانتماء. فقد تربى في بيتٍ عرف بالنضال والتضحية، وكانت الوطنية فيه نهج حياة وقناعة راسخة، لا مجرد شعار أو وسيلة للوجاهة الاجتماعية.
وفي هذا السياق، انضم المرحوم مصطفى دعمه إلى حركة فتح في سبعينيات القرن الماضي، وبقي طوال حياته وفيًا وصادقًا في انتمائه، متمسكًا بقيم ومبادئ الحركة الوطنية الفلسطينية. وقد عرفه كل من عرفه بأنه رجل هادئ في عطائه، يعمل بصمت بعيدًا عن الأضواء، مؤمنًا بأن خدمة الوطن مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون موقعًا أو منصبًا.
وقد نشأ الفقيد في أسرة لعب أبناؤها أدوارًا بارزة في العمل الوطني الفلسطيني. فشقيقه الأكبر عدنان دعمه كان ناشطًا سياسيًا منذ أربعينيات القرن الماضي، في مرحلة مبكرة من مراحل تشكل الحركة الوطنية الفلسطينية، وهو ما يعكس عمق الجذور الوطنية لهذه العائلة ودورها في مسيرة النضال.
كما عُرف شقيقه علي دعمه (أبو العبد) بدوره في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حيث كان من بين النشطاء الذين أسهموا في تلك المرحلة المفصلية من تاريخ الشعب الفلسطيني، والتي شكلت محطة مهمة في مسار الكفاح الوطني واعتقل وأبنائه.
أما شقيقه يوسف دعمه فقد دفع ثمن التزامه الوطني سنوات من عمره في سجون الاحتلال، حيث أمضى سبع عشرة عاما في الاعتقال، في تجربة تعكس حجم التضحيات التي قدمتها العائلة في سبيل القضية الوطنية.
ومن بين إخوته أيضًا اللواء سمير دعمه، الذي يعد من مؤسسي جهاز المخابرات الفلسطينية، وأسهم في مرحلة بناء المؤسسات الأمنية الفلسطينية بعد قيام السلطة الوطنية، في إطار ترسيخ مؤسسات الدولة وخدمة المجتمع.
كما يُذكر من إخوته المرحوم محمود دعمه، وكذلك شقيقه المرحوم أبو بشار دعمه الذي عُرف بمواقفه الوطنية منذ سنوات عمله في الجزائر، حيث كان حاضرًا في الأوساط الوطنية الداعمة للقضية الفلسطينية في الخارج. وأخيه ابو علاء وجميع اخوانه.
وفي هذه البيئة الوطنية نشأ المرحوم مصطفى دعمه، فكان امتدادًا طبيعيًا لهذه المدرسة التي ترى في الوطنية التزامًا أخلاقيًا وموقفًا ثابتًا. وقد انعكس هذا الفهم في مسيرته العلمية والعملية.
تلقى تعليمه في مدرسة الفاضلية الثانوية في طولكرم، ثم واصل تعليمه العالي في موسكو، حيث حصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال والاقتصاد. وبعد عودته إلى أرض الوطن، انخرط في العمل الأكاديمي، حيث عمل محاضرًا في جامعة بيرزيت، مسهمًا في نقل المعرفة إلى الأجيال الشابة، ومؤمنًا بأن بناء الإنسان الفلسطيني علميًا وثقافيًا هو أحد أهم ركائز الصمود الوطني.
كما تولّى لاحقًا العمل مديرًا في بلدية طولكرم، حيث عُرف بين زملائه وموظفي البلدية مثالًا في الإخلاص والتفاني في أداء الواجب، وكان قريبًا من هموم الناس، يعمل بروح المسؤولية ويضع خدمة المواطنين في مقدمة أولوياته.
ورغم مؤهلاته العلمية وانتمائه الوطني العميق، لم يسعَ الفقيد يومًا إلى منصب أو وجاهة في مؤسسات السلطة الفلسطينية، بل ظل مؤمنًا بأن قيمة الإنسان بما يقدمه من عمل صادق لا بما يحمله من موقع أو لقب. ولذلك بقي يعمل بصمت، دون أن يفاخر بما قدمه من عطاء، على خلاف ما نشهده أحيانًا من مظاهر التباهي بالعمل العام.
لقد كان المرحوم مصطفى دعمه واحدًا من أولئك الرجال الذين يتركون أثرهم الحقيقي في سلوكهم ومواقفهم اليومية، لا في الضجيج الإعلامي. رجلٌ صادق الانتماء، كريم العطاء، ثابت على مبادئه الوطنية، مؤمن بأن خدمة الوطن مسؤولية مستمرة لا ترتبط بالمناصب ولا بالأضواء.
برحيله، تخسر طولكرم وفلسطين أحد أبنائها الأوفياء الذين جسّدوا معنى الالتزام الوطني الصادق، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة من عرفوه، كما ستبقى تجربة عائلته مثالًا على العائلات الفلسطينية التي حملت عبء النضال جيلاً بعد جيل.



شارك بتعليقك