الدستور ١٨ تشرين الأول ١٩٩٨ ___كتاب القدس اليوم: ما هو مستقبل العملية السلمية؟ الدكتورة غادة حسن الكرمي---- أرشيف م. سليم هاني الكرمي
جريدة الدستور
جمادى الآخرة ١٤١٩هـ الموافق ١٨ تشرين الأول ١٩٩٨م / رقم العدد ١٠٢١٧ / السنة الثانية والثلاثون / عمان
فضاءات ثقافية
اعداد وتحرير: خالد الحروب و فداء عمرو
Ghada Karmi (ed.)
Jerusalem Today :-
What Future for the Peace Process?
القدس اليوم : ما هو مستقبل العملية السلمية؟
Ithaca Press, London 1997
حتى لو لم يكن قارىء هذا الكتاب عربياً أو مسلماً فإنه حتماً سيشعر بالمرارة تتجمع في حلقه مع استغراقه في فصوله فصلاً فصلاً، وسوف ينتهي مع آخر صفحة من الكتاب بمشاعر سوداوية جماعها الحنق والألم ومشاعر العجز عن الإتيان بفعل ما تجاه المأساة اليومية التي تحدث في القدس حيث التهويد جار على قدم وساق، لكن هذا التقديم لا يعني بحال أن المساهمات المتضمنة في الكتاب تقع خارج التقاليد الأكاديمية الرصينة والموثقة بل على العكس تماماً، فإن ما يثير المرارة هو أن للمساهمات الثلاث عشرة، كتب عشرة منها بأقلام غير عربية، وهذا يعني أنها غير مشحونة بالعاطفة أو تهمة الانحياز للعرب، والمساهمات الثلاث المتبقية التي شارك بها كتاب ومختصون عرب (عدنان أبو عودة، ومهدي عبد الهادي عن ملكية القدس، وزكي بدوي عن أهمية القدس في الإسلام)، لا يقل مستواها الأكاديمي بحال من الأخريات.
لكن رغم أهمية الكتاب وبحوثه ثمة مجموعة ملاحظات ابتدائية يجب الإشارة إليها وتؤثر في أطروحته وشكله النهائي، الأولى هي أن ترتيب الأقسام ليس مقنعاً تماماً، حيث أن القسم الأول أفرد للوضع القانوني للقدس والثاني لملكية القدس والثالث للوضع للتغير في القدس والرابع للأهمية الدينية للقدس، ويبدو أنه من المنطقي أكثر لو انعكس هذا الترتيب بحيث يأتي قسم الأهمية الدينية والتاريخية في المقدمة يليه الوضع القانوني وهكذا، وذلك لاطلاع للقارئ غير المختص على الخلفية الحضارية والتاريخية لهذه المدينة، ثم يلي ذلك المعالجات السياسية والقانونية. أما الملاحظة الثانية فهي خاصة ببعض البحوث التي لم تطور الأفكار التي تضمنتها بشكل يتسق مع هدف الكتاب الأساسي (القدس ومستقبل العملية السلمية)، ولهذا فقد بدت بعض البحوث غير مترابطة ولا ينتظمها محور بحثي واحد. وثالث الملاحظات متعلق بالتحرير، فالذي يبدو هنا أن الدراسات المتضمنة لم يتم إعادة تحريرها وكتابتها لتصبح فصولاً في كتاب بعد أن كانت أوراقاً في مؤتمر.
على كل الأحوال، فإن ما تريد أن تقوله غادة الكرمي، محررة الكتاب ورئيسة الحملة الدولية من أجل القدس ومقرها في بريطانيا، هو أن الموقف الإسرائيلي إزاء القدس موقف موحد ويخترق الحزبين الكبيرين وهو أن القدس عاصمة إسرائيل الأبدية. والأخطر من التعبير عن هذا الموقف بجلافة وفجاجة، لا بلسان اسحق رابين أو شمعون بيريز أو راهناً بنيامين نتنياهو، هو أن ترجمة هذا الموقف على الأرض عنت تكريس وتشجيع وتبني سياسات التهويد وتسريعها ومسابقة الزمن. فمن ناحية أولى لم تتوقف عمليات الاستيطان وانتشاره في حدود ما يسمى (بالقدس الكبرى)، خلال سنوات حكم حزب العمل أو الليكود، مما دفع بنسبة السكان اليهود حتى في القدس الشرقية إلى مستويات عليا تجاوزت نسبة السكان العرب لأول مرة منذ حرب 1967. بينما بلغت نسبة اليهود في كامل المدينة 72% مقابل 28% من الفلسطينيين. ومن ناحية ثانية فإن توسيع الملكية اليهودية للقدس في ازدياد مطرد عبر سن القوانين التي تحظر على المقدسيين بناء مساكن جديدة وتدفعهم إلى الهجرة ومغادرة المدينة، وفي المقابل تسهيل البناء والتملك اليهودي، ومن ناحية ثالثة تكسب إسرائيل دعماً متزايداً لموقفها من القدس على الصعيد الدولي. وأهم تتويج لهذه المكاسب هو قرار الكونغرس الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، ضارباً بعرض الحائط بقرارات الأمم المتحدة التي ما زالت تعتبر القدس مدينة محتلة ويجب عدم تغيير ملامحها. ومجموع ذلك كله يعني أن عملية تهويد القدس قائمة يومياً على قدم وساق، ولعل حوادث الاختراق الاستيطاني التي كانت مستوطنة أبو غنيم (هار حوما) رأس حربتها، مضافة إلى حوادث الاختراق السيادي التي كانت حادثة شق النفق تحت الأقصى أهمها، تدلل على أن التهويد يسير باندفاع جنوني.
مقابل هذا الاندفاع عجزت أوسلو عن فعل أي شيء يقلل من سرعة التهويد، حتى لا نقول يوقفه. بل إن أوسلو وفرت الغطاء الزمني لسياسات التهويد وذلك بتأجيلها موضوع القدس إلى مفاوضات الحل النهائي، التي قد تأتي أو لا تأتي، وإذا ما جاءت تكون القدس قد انتهت سيادياً وديموغرافياً وسياسياً واستيطانياً ولا يعدو ثمة ما يمكن (عملياً وواقعياً!) التفاوض عليه، وهذا بالضبط ما يخطط له الإسرائيليون ويدركه الجميع ويشير إليه جفري ارونسون ومايكل دمبر وتيم وليولين في مساهماتهم حول تغيير طبيعة القدس.
لكن القدس، وهي المدينة اليتيمة كما وصفتها غادة كرمي، تعاني أيضاً من عدم اهتمام ولا مبالاة شديدين من الدول العربية، والعالم بأجمع؛ فالحكومات العربية لا تعطي أدنى اهتمام مطلوب، ولا تضغط على إسرائيل ولا على الولايات المتحدة للمحافظة على هوية القدس كما هي، وعدم إجراء تغييرات جذرية فيها، بل أن الدول التي لها اتصالات وعلاقات مع إسرائيل لا تفكر في قطع أو تجميد هذه العلاقات أو التهديد بذلك على الأقل واستثمار ذلك للحفاظ على الحقوق العربية في القدس. كذلك فإن منظمة المؤتمر الإسلامي غائبة عملياً عن ساحة الصراع وليس لها أي أثر على الأرض، والأمم المتحدة عاجزة بطبيعة الحال عن فرض أي قرار أو توجه في هذا الصعيد، والاتحاد الأوروبي يكتفي بالإدانات الخجولة من دون أي تهديد بعقوبات اقتصادية أو غيرها، بل حتى الكنائس الغربية يلفها صمت مريب تجاه المسيحيين الفلسطينيين وأوضاع كنائسهم في القدس.
ما هو العمل إذن؟ وهل هناك ما يمكن حقاً القيام به؟ تجيب غادة الكرمي
على هذا التساؤل بأن ثمة ما يمكن عمله لمحاولة إنقاذ للقدس، والإبقاء على طبيعتها التعددية وفضائها الذي يضم الديانات الثلاث. فبالإضافة إلى توظيف التهديد بقطع العلاقات مع إسرائيل وتجميد التطبيع معها من قبل الدول التي لها علاقات معها، تقول كرمي بأن على السلطة الفلسطينية أن توقف عملية أوسلو حتى تتوقف إسرائيل عن تغيير طبيعة القدس. وتضيف أيضاً أن بإمكان سوريا أن تضع القدس على أجندة مفاوضاتها مع إسرائيل وتشترط إيقاف التهويد في القدس حتى تعود للمفاوضات الثنائية. هذا فضلاً عن الإمكانية التي ما زالت قائمة لعمل عربي إسلامي جماعي عالمي بهذا الاتجاه... لكن يبقى السؤال هل يسمع المسؤولون العرب والمسلمون نداء القدس اليتيمة ويتحركون؟.



شارك بتعليقك