بقلم: د. محمد المناصير
في قراءة موضوعية ومنصفة لمنجزات حرب عام 1948، يبرز حق استراتيجي وتاريخي لا يمكن تجاوزه: إن الجيش العربي الأردني كان الجيش الوحيد الذي استطاع، ببطولة واقتدار، السيطرة على القسم الأكبر والأهم من الأراضي الفلسطينية والاحتفاظ بها وتثبيت عروبتها ومنع سقوطها الكامل. لقد رُويت تلال القدس، وأسوار بلدتُها القديمة، ووديان باب الواد واللطرون بدماء شهداء الجيش العربي الأبرار الذين سطروا بدمائهم الزكية ملاحم البطولة، فكانوا السد المنيع الذي حال دون تشريد من تبقى من أهلنا في قلب فلسطين.
كانت اتفاقات الهدنة التي وقعها العرب في رودس سلسلة من الاتفاقيات المنفردة التي وقعتها دول "الطوق" تباعاً تحت إشراف الأمم المتحدة، وهو ما أعطى لهذه الاتفاقيات صبغة "الاعتراف الواقعي" بحدود جديدة.
كيف كانت اتفاقات رودس بالنسبة للدول العربية الأخرى التي شاركت في الحرب:
1. مصر (أول من وقع - 24 شباط 1949)
كانت مصر السبّاقة في التوقيع على اتفاقية الهدنة في رودس.
بسبب الحصار الذي تعرض له الجيش المصري في "فلوجة" والضغط العسكري الكبير.
تم بموجب الاتفاق انسحاب القوات المصرية من معظم مناطق النقب، وتم تثبيت سيطرة إسرائيل على أم الرشراش (إيلات لاحقاً)، بينما احتفظت مصر بإدارة قطاع غزة فقط. كان هذا الاتفاق هو "الضوء الأخضر" لبقية الدول العربية للدخول في مفاوضات مماثلة.
2. لبنان (23 آذار 1949)
وقع لبنان الاتفاقية الثانية في رأس الناقورة حيث نصت على انسحاب القوات الإسرائيلية من القرى اللبنانية التي احتلتها خلال الحرب، والعودة إلى "الحدود الدولية" السابقة بين لبنان وفلسطين (حدود عام 1923).
3. الأردن (3 نيسان 1949)
جاء دور الأردن ثالثاً، وكانت اتفاقيته هي الأكثر تعقيداً لأنها شملت أطول خط تماس (الضفة الغربية والمثلث).
وقد تميزت اتفاقية الأردن بـ"تبادل الأراضي" القسري في منطقة المثلث لتجنب استئناف الحرب، وهو ما جعلها تبدو في الذاكرة الشعبية كأنها استثنائية، بينما كانت في الحقيقة جزءاً من "دومينو" التوقيع العربي.
4. سوريا (آخر من وقع - 20 تموز 1949)
تأخرت سوريا في التوقيع بسبب الانقلابات العسكرية والوضع الداخلي. حيث تم الاتفاق على بقاء القوات في مواقعها مع إنشاء مناطق منزوعة السلاح في المواقع التي تجاوزت فيها القوات السورية حدود الانتداب (مثل مشمار هيردين).
تعتبر هذه الاتفاقيات "دولية وملزمة" للاسباب التالية:
1. غطاء الجامعة العربية: رغم أن المفاوضات كانت ثنائية، إلا أن التوجه العربي العام بعد هزيمة 1948 كان قد انتقل من "التحرير" إلى "تثبيت الهدنة" بقرار من الجامعة العربية وبضغط من القوى العظمى (أمريكا وبريطانيا).
2. الشرعية الدولية: كل هذه الاتفاقيات أُودعت في الأمانة العامة للأمم المتحدة واعتُبرت وثائق رسمية حددت "الخط الأخضر".
3. وحدة المصير: لم يكن باستطاعة الأردن (وهو الأضعف إمكانيات عسكرية حينها) أن يرفض التوقيع بعد أن وقعت مصر (الدولة الأكبر) ولبنان، لأن الرفض كان يعني انفراد إسرائيل بالجيش العربي الأردني وتدميره بالكامل.
إن اتفاقية رودس كانت "صك اعتراف بالواقع" فرضته موازين القوى الدولية على كافة الجبهات العربية. الأردن في موضوع "المثلث" كان ينفذ جزءاً من منظومة عربية كاملة اتجهت نحو الهدنة لتفادي كارثة عسكرية أوسع كانت ستؤدي بلا شك إلى احتلال ما تبقى من الضفة وقطاع غزة منذ عام 1949.
و تظل أحداث أيار 1949 في منطقة "المثلث" ومدينة أم الفحم محطة تحتاج إلى تبيان الحقائق بعيداً عن العواطف، لإنصاف التاريخ وتوضيح الدور الأردني الذي واجه ضغوطاً دولية وعسكرية لم تكن تخفى على أحد في ذلك الوقت.
1. سياق الاتفاق: ضرورة عسكرية واضطرار سياسي
اتفاقية "رودس" للهدنة الدائمة، التي وُقعت في 3 نيسان 1949 تحت إشراف الأمم المتحدة وبوساطة "رالف بانش" كانت نتيجة واقع ميداني قسري. فبعد انسحاب الجيش العراقي من قاطع المثلث، وجد الجيش العربي الأردني نفسه أمام جبهة واسعة جداً بإمكانيات محدودة، في وقت هددت فيه إسرائيل باستئناف العمليات العسكرية واحتلال كامل الضفة الغربية إذا لم يتم تعديل خطوط الهدنة.
2. الالتزام الدولي وحماية ما تبقى
كان القرار الأردني حينها يهدف إلى "حماية ما يمكن إنقاذه". لقد كانت اتفاقية رودس وثيقة دولية ملزمة، وافق عليها مجلس الأمن، وكان خرقها يعني دخول الأردن في مواجهة خاسرة عسكرياً قد تؤدي إلى ضياع القدس والخليل ونابلس. ومن هنا، فإن التنازل عن "المثلث" كان "انحناءً لعاصفة دولية" لتثبيت حدود الضفة الغربية ومنع تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين في المناطق الأخرى.
3. مشهد الانسحاب: مرارة العسكريين وصمود الأهالي
حين بدأت القوات الأردنية بإخلاء "سرايا أم الفحم" في 20 أيار 1949، لم يكن الضباط والجنود الأردنيون بوضع المفرط، بل كانت الأوامر العسكرية تنفذ اتفاقاً سياسياً دولياً. وتشهد الذاكرة الشعبية في أم الفحم أن الجنود غادروا بمرارة، وأن الوجهاء أدركوا أن "الصمود في الأرض" هو الرد الوحيد المتاح.
4. الضمانات المهدورة
من المهم أن يدرك الجميع أن المادة السادسة من اتفاقية رودس نصت صراحة على ضمان حقوق السكان في ممتلكاتهم وقراهم وعدم المساس بمدنيتهم. إن إخلال الجانب الإسرائيلي بهذه البنود لاحقاً عبر مصادرة الأراضي لا يتحمله الطرف الذي وقع الاتفاق دولياً، بل يتحمله الاحتلال الذي نكث بعهود أشرفت عليها الأمم المتحدة.
إن ترسيم الحدود تم بإشراف مراقبين دوليين، مما يعطي الصفة الدولية للقرار.. البعد الاستراتيجي: التأكيد على أن الجيش الأردني استطاع عبر هذه المقايضة الصعبة تأمين منطقة الخليل التي كانت مهددة بالسقوط.
يجب التذكير بأن اتفاقيات الهدنة في رودس لم تكن لقاءات عابرة، بل مثلتها وفود رسمية رفيعة المستوى وتحت مراقبة دولية صارمة من الأمم المتحدة، مما ينفي عنها صفة "الاجتهاد الشخصي" أو "التنازل الفردي":
1. الوفد الأردني في رودس:
ترأس الوفد الزعيم (العميد) أحمد صدقي الجندي، وضم في عضويته المقدم محمد المعايطة، والمحامي فلاح المدادحة (كمستشار قانوني)، وعلي أبو نوار. هؤلاء القادة كانوا يتحركون ضمن حدود التفويض السياسي المتاح، وفي ظل تهديد إسرائيلي باكتساح المثلث عسكرياً في حال فشل المفاوضات.
2. الوفود العربية الأخرى (شهود على وحدة المسار):
• الوفد المصري: ترأسه سيف الدين بك، وضمت اللجنة ضباطاً رفيعي المستوى، وكانوا أول من وقع الهدنة، مما وضع بقية الدول العربية أمام "أمر واقع" سياسي وعسكري.
• الوفد السوري: ترأسه فوزي سلو، ووقع الاتفاقية بعد مداولات شاقة، مما أكد أن المسار كان "خياراً عربياً جماعياً" للخروج من تبعات الهزيمة.
• الوفد اللبناني: ترأسه النقيب إسكندر غانم.
3. الرعاية الدولية (الضمانة القانونية):
أدار هذه المفاوضات رالف بانش، بصفته الوسيط الدولي المعين من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة. إن وجود الأمم المتحدة كطرف وسيط ومراقب يعني أن الاتفاقية أصبحت جزءاً من القانون الدولي، وأن أي خرق لها من الجانب الإسرائيلي (وهو ما حدث لاحقاً في التعامل مع أهالي أم الفحم) هو مسؤولية المجتمع الدولي الذي رعى الاتفاق ووعد بحماية حقوق السكان وممتلكاتهم.
خاتمة المقال (رسالة للفلسطينيين والأجيال القادمة):
إن الحقائق التاريخية الموثقة بأسماء هؤلاء الرجال والوفود تؤكد أن الأردن، وهو يستلم "قاطع المثلث" من القوات العراقية المنسحبة، كان يواجه إعصاراً سياسياً. لقد كانت اتفاقية رودس "معركة سياسية" خيضت بأقل الخسائر الممكنة للحفاظ على الهوية العربية للقدس والخليل ونابلس، ولضمان بقاء أهلنا في أم الفحم والقرى المجاورة فوق أرضهم، حتى لو تغيرت السيطرة العسكرية، فالبقاء في الأرض كان هو النصر الأهم في تلك الحقبة المريرة.



شارك بتعليقك