فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
طيرةحيفا. لقاء البحر. الدكتور محمود السلمان. رواية تنتشر أحداثها ما بين سعة البحر وضيق المخيم.
شارك بتعليقك  (4 تعليقات

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى الطيرة
כדילתרגם לעברית
مشاركة محمود السلمان في تاريخ 4 كنون أول، 2009
لقاءالبحر، وخاصة ذلك الجزء من البحر الابيض المتوسط، القريب من موطني الاصيل طيرة حيفا،كان عنوان روايتي. ونظراً لكبر حجم الرواية فقد قسمتهاليسعها هذا الموقع الرائع إلى أجزاء. لكنها في شكلها المنشور عن دار اليازوري هي رواية واحدة من 208 صفحة.عملت جهدي أيضاً في هذه الرواية،ومن خلال التحليق في عمق الذكريات، التي لطالما سمعتها من أبي وجدي واقاربي،على الاقتراب من الحقيقة التي كانت لزمنٍ قريب جداً ليست تاريخ أو شيء من الماضي وأنماهي الحقيقة المطلقة الوحيدة. هذه الحقيقة المطلقة الوحيدة تقول: أنه لم يكن في طيرة حيفا في فلسطين قبل عام 1948 غير حرف القاف العربي الذي لا يتقنه غير الطيراويين
الدكتور محمود السلمان
أستاذ اللغة الأنجليزية

الإهداء
إلى بلدتي الحبيبة "طيرة حيفا"، حيث جذوري؛
وإلى مدينتي الغالية "إربد"، حيث ولدت؛
هذان المكانان اللذان هما أنا؛
و إلى زوجتي والأوراق التي ما زالت تنبت: سجى وأنس ودانا ولمار













طيرة حيفا
لقاء البحر
الدكتور محمود السلمان
el_salman@hotmail.com

1

مع أن أُمَ يوسف استيقظت كعادتها باكراً، إلا أنه كان صباحاً استثنائياً في هذا اليوم من أيام شهر نيسان 2000. ذهبت إلى مكانها المعتاد في غرفة الجلوس، تلك الغرفة الضيقة التي ليس لها سوى نافذة واحدة، تطل على مجموعة من الدكاكين لبيع الخضار. كان الطقس ربيعياً، إلا أن بقايا الشتاء ما زالت تلقي بظلالها، فمدفئة الكاز ما زالت في مكانها وان كانت مطفئة، وبعض الغيوم الخفيفة ما زالت تحجب الشمس. جلست أم يوسف ذات الوجه الأبيض المستدير،الذي ما زال يريك عزاً فَقَدْتهُ منذ خمسين عاماً، وأبو يوسف، الذي تريك تجاعيدُ وجههِ قسوةَ الزمن، على مقعدهما المعتاد يشربان قهوة الصباح، قد خلا البيتُ من ابنهم "أحمد"، الذي سافر إلى فلسطين.
في الغرفة المجاورة كان أبناؤها ما يزالون نائمين، لم تكن في مزاجها المعتاد، فقد كان القلق يساورها، وصورة "أحمد" لا تغيب عن بالها وهو يقول: أنه لا بدّ من أن يُحقق هدفه مهما كان الثمن. بقيت وقتاً غير قصير تشرب القهوة وتكتفي بالنظر إلى زوجها دون أن تنبس بِِبِنت شَفَة. كان يشرب قهوته، وعلى غير عادته، بقي أيضاً صامتاً لا يعرف ماذا يقول. بدأت الحديث بصوت خافت وحزين:
- أكان من الضروري أن يسافر "أحمد"؟ قلبي غير مطمئن.
رَدّ وهو مستغرق النظر في فنجان قهوته:
- أنه عاقل ويحسن التصرف.
- لكن أنت تعرفهم جيداً! أنهم لا يحبوننا، وقد عانينا منهم كثيراً، وهو ما زال شاباً وهم لا يرحمون أحداً.
- أعرف ذلك.
قال وهو يَهُز رأسه ملمحاً إلى إن ذلك من بديهيات معرفته لهم
- أنا خائفة.
ارتفعت وتيرة صوته وقال وهو يضع فنجان القهوة وعيناه محدقتان بها:
- الله يخليك اهدئي، فمنذ خمسين سنة وأنت تلحين على الموضوع، وأن علينا أن نفعل شيئاٴ بعد أن أصبح من الممكن أن نرسل أحد أبنائنا هناك، على الرغم من مشاهدتك بأم عينيك كيف قام هؤلاء بقتل أطفال جارنا أبي مسعد الأربعة، وكيف أنهم لا يرحمون أحداً، وكيف أن أحدهم لم يتردد في الصعود على جثة طفل، حتى يستطيع النظر من فوق السور، لمناداة جندي آخر والاستمتاع بقدرته على قتل عائلة كاملة بأطفالها ونسائها.
أنت تعرفينهم جيداً، لكنك أصررت على إرسال "أحمد". لذلك، أرجوك اصبري وتوكلي على الله.
- لكنك كنت مصراً أكثر. أنا فعلاً أخافهم ولا يمكن أن أنسى ما فعلوه بنا هنا وهناك. ألم يطاردونا بقذائفهم حتى بعد أن سكنا هنا في مخيماتنا الكئيبة هذه؟ هل يمكن أن أنسى كيف بقيت قذائفهم تسقط على رؤوسنا، حتى بعد عشرين عاماً من ٳقامتنا في هذا المخيم في حرب الاستنزاف؟ ألم تقتل قذائفهم تلك بسام، ابن جارنا أبي بسام ولم يكن عمره يتجاوز خمس عشرة سنة؟ ألم تمت أمه حزناً عليه بعد سنة؟ لقد قتلوها قهراً وحزناً.
نظر إليها بحنان وهمس:
- توكلي على الله. فأنا متفائل على الرغم من كل شيء . على كل حال نحن نفعل ما علينا.

وفجأة قُرِعَ الباب. وإذ "بسراج"، الملقب بأبي يزن، أخي أبي يوسف، يدخل عليهم في هذا الصباح للاطمئنان عليهم بعد سفر "أحمد".
-كيف حالكم؟ والله أنا شاعر بكم، قليل من الصبر، وٳن شاء الله يعود بالسلامة
-والله يا أخي، أم يوسف أصبحت في وضع لا تحسد عليه.
-لا تلمها. أنا نفسي لم أعرف النوم قلقاً عليه. صدقني أنني أعيش معه الآن، وأنت تعرف (معزة) "أحمد" عندي. يعني أمضيت الليل أفكر بالبلاد. والله لم تغب "الطيرة" عن ذهني. أتخيل كيف سيكون موقفه عندما يرى بيوتنا، والعز الذي كنا نعيش فيه، قبل أن يجبرنا الغاصبون على مغادرة وطننا. تذكرت كل شيء. أتذكرين يا أم يوسف كم كانت حياتنا هادئة وبريئة؟ والله لم أتذكر "الطيرة" فقط بل أيضاً كل شيء يحيط بها: "عسفية" و"الدالية"، قرى أخوتنا "الدروز"، و"أجزم" و"عين حوض"، والبحر والنهر. تتذكر يا أبا يوسف كيف كان بيتي مليئاً بالضيوف؟! وكيف كنا نتعامل بكل طيبة مع كل شخص، بمن فيهم اليهود، الذين كانوا قلة قليلة بيننا!
نظر أبو يوسف إلى "سراج" وقال:
- أنا طبعاً أتذكر، لكن هناك أناساً كانوا يقدرون شهامتنا معهم وطيبتنا وكرمنا، ويعرفون الحقائق، حتى بين اليهود. ألم تتذكر كيف أخبرني يوماً "شبتاي"، الذي كان يسكن "حيفا"، بأنه لا يفهم قرار التقسيم، ذلك الذي يقسم الأرض بين أناس موجودين، وهم الأكثرية، وبين أناس لم يكونوا موجودين أصلاً؟ ما زلت أتذكر جملته "أنه حرام وليس من العدل أن يأخذ زيتوني الذي زرعته بيدي ورآني وأنا أزرعه، أناس لم يصلوا بلادي بعد، ولكن النية أن يرسلوهم عما قريب إلى وطننا فلسطين!
ابتسمت أم يوسف ونظرت إلى الرجلين:
- لقد أرسلوهم! وهؤلاء فعلوا كل شيء حرمه الله من أجل ٳخراجنا. وقد رأيتم ماذا فعلوا بمن رفض الخروج من بيوتهم. ألم يجمعوا الرجال والنساء والأطفال قرب مغارة "التشتش" وحرقوهم في السهل المقابل؟ ألم يفعلوا تلك المجزرة بهؤلاء الذين بقوا في بيوتهم؟ ما زلت أذكر "دلال" بنت أبي الناجي وثوبها يحترق، وهي تركض وتصيح في سهل والدها، عندما حرقوها مع القمح الذي زرعه والدها وأمها بيديهما، ذلك القمح الذي اعتقدت أنها سوف تأكل خبزه يوماً، والآن يأكلها بنيرانه! كان في مرحلة ’الصفير’. هذه المرحلة التي كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر حتى يحصدوا نتاج تعبهم. لم يكن يعلم أبو الناجي أن ابنته سوف تحرق أمام عينيه في قمحه الذي راقب نموه لحظة بلحظة! كان الرجال مقيدين والبنادق مصوبة تجاه رؤوسهم، والجنود ما انفكوا يقهقهون ويضحكون، وهم ينفذون أوامر رؤسائهم بضرورة فعل كل أنواع المجازر حتى يجبروا السكان على مغادرة وطنهم. لقد حرقوا في ذلك اليوم مائتي رجل وامرأة وطفل.
-على كل حال لقد أرسلتم "أحمد" ودعونا ننتظر. تخيل أننا بعد خمسين عاماً ما زلنا نتكلم عنهم وعن إرهابهم، تماماً كما تكلمنا عنهم وعن إرهابهم قبل خمسين سنة. إنهم ما زالوا يكررون مذابحهم وجرائمهم في كل قرية ومدينة هناك. انظر ماذا حل بنا، لقد قاموا بطردنا من بلادنا واستأثروا بكل ما نملك، الأرض والجبل والبستان! لم يكفهم وضعنا هنا في هذه المخيمات، التي بدأت خيماً تطير مع الريح، وعندما وصلت أعلى درجات تطورها أصبحت "برّاكيات" مبنية من صفائح الزنك والطين ولا تتجاوز مساحتها 68 متراً مربعاً. ألا تتذكر يا أبا يوسف كيف كنا نعيش وكيف كان بيتي يتجاوز ال 300 متر مربع مع حديقته وأشجاره ووروده؟ بأي حق يأخذون بيتي ويستمتعون بما بنيت وشقيت من أجله؟ أعرفتَ الآن لماذا ما يزالون يطاردوننا ويعذبوننا؟ ٳنهم يعلمون ما جنت أيديهم، لذلك ليس لهم إلا الإرهاب والكذب لٳسكاتنا عن المطالبة بحقنا أولاً، ولقلب الحقائق وتزيفها ثانياً.
هز أبو يوسف رأسه ونظر إلى "سراج"، وقال:
- من منا لم يكن سعيداً وهنياً؟ وكيف لا نكون سعداء، وقد كنا نعيش بأرضنا وجبالنا وبحرنا؟ إنها مصيبة على الكل. ألم يمت "الحلبي" قهراً بعد أن وجد نفسه في هذا المخيم في غرفة واحدة هو وأحفاده الذين وصل عددهم عشرين شخصاً، بعد أن كان يملك خمسَ معاصر زيتون في "حيفا" و"الطيرة"، وأربعة بيوت في "هدار الكرمل". والمئات من دونمات الأرض التي يقيم عليها الآن أناس لا يعرفون حتى من هو "الحلبي". وتذكر أبا الراشد الذي وصل به العز ليملك شركة حافلات بعد أن عمل وكافح ليل نهار حتى يحقق هذا النجاح؟ بأي حق يأتي الغرباء ليأخذوا حافلاته وأرضه، ويخطفوا نجاح عشرات السنين وكفاحها بلحظة؟ إنه الظلم؟!
بعد هذا ذهبت أم يوسف إلى غرفة أبنائها، جلست صامتة تفكر في أحمد ، كيف قبلت أن ترسله بعد أن وصل لهذا العمر ، وتعبت عليه وتعب على نفسه كما لم يتعب أحد، منذ كان في سن العاشرة بدأ العمل مع خاله مرزوق الديك في المحددة لمساعدة أهله في تحمل نفقات الحياة، ولم يتردد يوماً في الذهاب للعمل مع باقي أسرته للعمل في الزراعة في تلك الأراضي القريبة من منطقة القويسمة جنوبي المخيم ، كانوا يأخذون تلك الأراضي لزراعتها كضمان لمدة محددة من السنة ، وكان يعمل معهم أحمد حتى الغروب ، وعندما يصل البيت لا يعرف شيئاً غير الدراسة حتى يحافظ على تفوقه في مدارس وكالة الغوث التي درس فيها ، وبعد ذلك غالباً ما كان يمارس هوايته بالرسم في تلك الغرفة الضيقة ، فحتى في أيام الصيف اعتاد أن يذهب لمساعدة أبيه في صناعة صناديق الخضار التي كانوا يسمونها (بوكس). وبعد ذلك يذهب على عربة صغيرة يجرها بنفسه إلى سوق الخضرة القريبة من الوحدات لبيعها. ومع أنه كان هادئاً بطبعه إلا أنه لطالما تعارك مع بقية الصبية الذين كانوا يحاولون استغلال صغره في بيع حصته من الصناديق، ولم يتردد يوماً في التصدي لهم للرجوع إلى البيت بالمال المساوي فعلاً لثمن تلك الصناديق. كان أبوه يكتفي بالنظر إليه مع ابتسامة صغيرة دون أن يتفوه بكلمة ، حتى عندما أنهى دراسته الثانوية في جبل التاج ، وحصل على معدل مكنه من دراسة الهندسة، اكتفى والده بالابتسامة وضمه دون أن يقول شيئا، لكن غالباً ما تقيل أحمد عذر أبيه، فقد كان والده يعمل طيلة النهار إما بالأرض الضمان التي لا يملكها، بعد أن كان يملك الأرض التي يزرعها ويحصدها، وإما بصناعة (البوكس). وعندما يعود للبيت كان يلاحظ أحمد حزناً دائما في عينيه. وفي أحسن الأحوال عندما كان يستريح في البيت لا يشاهد إلا نشرة الأخبار. أما أم يوسف فقد كانت الأنشط بالحقل. وعندما تلاحظ بأن زوجها مكتئب من العمل في غير أرضه تذكره بنجاح أبنائه وبأن ذلك ما قد يتمناه أي إنسان لأبنائه. لذلك تابعت دروس أبنائها على الرغم من أميتها من خلال أبنتها الكبرى تغريد. حتى وهي تحضر الطعام كانت تغادر المطبخ بين الفينة والأخرى لكي تطمئن بأن دراسة الأولاد تتم على أحسن الأحوال. لا ينكر أحمد بأن هذه الأشياء لم ينسها يوماً في أيام الدراسة. وكان كلما تذكرها يغادر زملاءه ويذهب للمكتبة إما للمطالعة وإما لقراءة الروايات والأدب. وحتى في أوقات الفراغ الأخرى كان يذهب للمرسم التابع لدائرة الفنون.






















2

وصل "أحمد" حدود فلسطين، وكان يتحتم عليه أن يمر عبر بوابة كبيرة تؤدي إلى ممر ضيق، يوصل إلى مبنى كبير، يتم فيه التفتيش وختم جوازات الداخلين. دخل "أحمد"، الشاب ذو القامة الطويلة والبشرة السمراء تلك البوابة ووصل إلى طاقة شباك. كان أمامه بعض الشبان وامرأة. تخيل في تلك اللحظة طاقة الشباك فوهة مدفع، لا يمكن أن يكون بداخلها أقلام أو أختام أو أي شيء مدني. لا يمكن أن يكون بداخلها إلا رصاص أو أشياء تتعلق بالحرب. وفجأة وبينما هو يفكر بكل ذلك أتته مجندة، وسألته بالإنجليزية عن جواز سفره وعن سبب زيارته، تخيل أن كل هدفها كان التأكيد عليه أن يستخدم جواز سفر،وأنه يقوم بزيارة وليس عودة. شعر بأنَّ شيئاً مقيتاً سرى بجسمه. أجابها بثقة مصطنعة بأنه ذاهب لزيارة "حيفا" ورؤية البحر. حاول أن يجيبها بطريقة تشعرها بأنه سائح ليس أكثر. حاول أن يخفي مشاعره الجميلة الجياشة نحو بلده، لأنه خاف أن يُسرق منه شيء جميل آخر. خاف على مشاعره أن تؤخذ منه بعد أن أخذوا منه البحر والجبل والسهل. شعر أن بذلته الرسمية وشاربه كانا السبب الرئيس الذي جعلها تختاره من بين كل من كان يصطف بالطابور لتسأله عن جوازه حتى قبل أن يصل شباك استلام الجوازات. لقد اختار تلك البذلة الرسمية بعناية ليبدو رسمياً وليضفي على نفسه نوعاً من الرصانة، تجعل من الآخر يتعامل معه بلا ريبة أو اشتباه، وتوحي له أنه إنسانٌ صاحب منصب ومكانة،وكانت السبب الأساس أيضاً الذي أشعره أنه يختلف عن هؤلاء الذين يصطفون معه وأنه يثير الريبة والشك ذلك لأنهم جميعاً كانوا يرتدون ملابس عادية بسيطة، لا تتعدى حذاءً خفيفاً و (تي شيرت). لقد لعبت بذلته دوراً عكسياً. كل الأناقة والرسمية والمكانة الرفيعة التي كان يشعر بها قبل لحظات على الطرف الآخر من الحدود تلاشت على هذا الطرف. كل شيء كما هو البذلة والحذاء والربطة إلا أن الشعور انقلب رأساً على عقب. شعر بأن شيئاً ما من ثقته بنفسه تلاشى، وأن استخدامه للإنجليزية في هذه المرة بالتحديد لم يكن إلا ضعفاً وتظاهراً بالمعرفة. كل الأناقة التي كان يشعر بها عندما يرتدي تلك البذلة تلاشت، وشعر بأنَّ مكانة المرء في المكان الذي يرتدي فيه الأشياء هي ما يحدد الشعور بالأناقة أو أي شيء آخر يتعلق بالنفس.
وصل شباك الجوازات. أدار وجهه بينما كان الجندي يقلب أوراق جوازه. لا يريد أن يرى اللحظة التي يختم بها هذا الجندي جواز سفره، ويحدد بها مدة ٳقامته، ويجعل بذلك من العودة زيارة. هذا الشخص الذي يقرر دخولي والذي لا يعرف أبوه أو جده شيئاً عن هذا المكان كما يعرف أبو أحمد أو جده عن تفاصيله قبل أن يقيموا به هذا البناء.
عندما انتهت تلك اللحظة القاسية دخل بلاده، وأطلق لمشاعره العنان لتتحرك كيفما شاءت. عاد شعوره ببذلته كما كان. شعر ثانية أن حذاءه أنيق وليس ضخماً كما ضخمه إحساسه قبل قليل، وشعر أيضا بأنه نظيف وبأن ربطة عنقه في مكانها الصحيح بالضبط كما يريد، وبأن الزر العلوي مغلق كما يجب. بدأ يركض كالطفل .فتح يديه كأنه يضم المكان. هذا المكان يعيد له إحساسه بالبذلة وبكل الأشياء. هذا الشعور بأنه ليس متطفلا في الزيارة، وبأنه يزور مكاناً ينتظره، وبأنه يستطيع زيارته دون موعد. كانت الطريقة التي استقبله المكان بها والفرحة بلقائه التي رآها في عينيه وعيون أشجاره وريحه وترابه قد أعادت إليه توازنه وكل شيء.
وصل "بيسان". ابتسم المكان وتجمع كل شيء حوله. شعر بأنَّ "بيسان" تفتح له يديها وتضمه بقوة، وتقول له أنت من أريد! شعر بأنها تهمس بأذنيه وتقول: هون عليك يا حبيبي فهذا الختم جزء من عتادهم الحربي، ومن تلك الكذبة الكبيرة التي ما يزالوا يمارسونها منذ خمسين عاماً. ابتسم فأنت وحدك لي وأنا لك . أنا الحقيقة "بيسان" الأرض والشجر والورد الذي لا يعترف إلا بك. هم ليس لهم من هذه الأشياء شيء. حتى اسمي يخطئون به ويقولون (بيت شان). هم سمحوا لك بالدخول إلى ذلك الاسم الخطأ. فهم يدخلون ويخرجون إلى ذلك الاسم. وعندما يدخلون، علي أن أخبئ رأسي أنا والتراب والورد وحتى الصخر. أنا أطمئنك منذ خمسين عاماً لم يلمسوا شيئاً من أجزائي، التراب والحجر . أما أنت فأنت في "بيسان" الأرض والسهل والورد والروح. أنا يا "أحمد" أمضي أوقاتي منذ خمسين عاماً بهذه الطريقة. أخفي رأسي وأظهره. لا أظهره إلا عندما ترنو إلى مسامعي أسماءٌ كاسمك. وأخفيه عندما أسمع أشياء غامضة من شاكلة(بيت شان). أنا الآن أنا. أنا "بيسان". وأنت "أحمد" "بيسان". فأنا الآن عائلتك وبيتك وأبوك وأمك. أما هذا الختم الذي سودوا به جوازك، فهو شيء كأنه لم يكن، لأنه يتعلق بشيء لم يكن اسمه بيت شان. أما أنت فأنت في "بيسان" الأرض والهواء وأنا من يقرر.والآن أنا قررت أن تدخل وترى كل الأشياء كما تحب لأننا لك. هم لا يعلمون أنهم لا يرون شيئاً من طبيعتنا؛ لأن كل الأماكن تمارس ما أمارسه منذ خمسين عاماً؛ نخفي رؤوسنا عند مرورهم أو سماع أسمائهم، ونظهرها عندما تمر أسماء كاسمك أو اسم "عبد الله" أو "جورج" أو"علي" أو "عيسى".هذا ما تفعله "حيفا" و"يافا" و"عكا". هم لا يعلمون أنهم من يحتاجون لأختام، لأنهم لا يعلمون أنهم منذ خمسين عاماً لا يرون الطبيعة كما هي وكما تراها أنت، لأنهم دخلوا دون إذن. عليهم أن يعلموا أن الطبيعة هي من يحق لها أن تجيز الدخول أو تمنعه.أنت الآن في الأرض الطبيعية، وسوف ترانا كلنا كما نحن "حيفا" و"يافا" و"مرج ابن عامر" كما كان يرانا أبوك وكل أحبتنا الذين نحن لهم. هذا قرار منا وليس منهم. هم لم يروا ولن يروا جمال شعر رأسي كما تراه أنت الآن. فهذا الشعر لا يمكن أن يراه غريب.
أكمل مسيره في أرضه. كل المدن والسهول التي مر بها كانت جميلة. وقد ميزها جمال شعرها. ذلك الشعر الذي لم ير الضوء منذ خمسين عاماً. منذ خمسين عاماً لم تسمع اسمها الحقيقي بلفظ أصيل كما تسمعه الآن فأحمد ظل يتمتم بأسمائها كلما مر بإحداها.
وصل "حيفا"، فبدا البحر من بعيد تماماً كما وصفه أبوه له. تمنى أن يرى أي جزء منه كما هو. أقترب أكثر فابتسم البحر، وابتسم هو. كان اللقاء حميماً ببحره. بدأت نسماته تعود كما كانت وأمواجه تستعجله المسير. بدأ بالركض وما هي إلا لحظات حتى كان في أحضانه. قبله وضمه وأودعه قليلاً حتى يرى قريته.
استمر في مسيره وهنا وصل الشارع المتفرع من أوتستراد "حيفا" "يافا"، وهو الشارع المؤدي إلى قريته "طيرة حيفا". تلك القرية القابعة في مكان جميل من جبال الكرمل على سفوحه الشمالية الغربية.

على المثلث المؤدي إلى القرية شاهد شاباً، بادره ذلك الشاب بكلام عبري لم يفهمه. أدرك الرجل أن "أحمد" لا يفهمه، غيرّ الشاب حديثه إلى العربية وسأل وابتسامة ودية ترافق كلامه
-أنت عربي؟
حَارَ "أحمد" فيما يقول، لأنه لا يعرف بعد ما قد تعني هذه الكلمة في هذا المكان لشخص لا يعرف عنه شيئاً. ومع ذلك أجاب:
-أنا عربي من تلك القرية التي تراها من بعيد.
-تعني "طيرة الكرمل"؟
-سمها كما شئت، فكل هذه الأسماء لها. سمها طيرة الكرمل أو "طيرة حيفا" أو "طيرة اللوز". فكلها أسماؤها.
-ما اسمك؟
لم يعجبه السؤال بهذه الطريقة المباشرة، وشعر أنه جزء من تحقيق ربما بدأ منذ الآن. لكنه تحقيق كان مهيأ له، وربما يكون سؤالاً بريئاً، ضخمته هواجسه وخوفه وأعطته أكثر من حجمه.
-"أحمد"، قالها متردداً.
-وأنت؟ سأل وهو لا يهدف إلى معرفة الجواب بقدر رغبته في توجيه سؤال مشابه لذلك الذي لم يعجبه
-عمير
-عمير! عمير أم "عمار"؟
-عمير. لكن ربما "عمار" عندكم بالعربية.
-آه. إذاً أنت.....
-نعم أنا يهودي. لكنني أحب العرب.
أجاب عمير مع ابتسامة لتخفيف مفاجأة الجواب.
-هذا جيد.
قال "أحمد" هذه العبارة مع ابتسامته أيضاً لإخفاء حيرته وحتى خوفه من الجواب. لم يكن يعتقد بأن لقاءً مع يهودي سيتم بهذه السرعة. وعلى الرغم من أنه هيّأ نفسه جيداً لاحتمال هذا اللقاء إلا أن سرعته أربكته.
-نعم أرتاح للعرب لأنني أعرفكم عن قرب، ولي العديد من الأصدقاء العرب. فقد كان لأبي دكان لبيع "التتن" وأنواع الدخان المختلفة في أحياء العرب، لكن أجبني لماذا تقول طيرة "حيفا"؟ فهي على حد علمي اسمها "طيرة الكرمل"، وصدقني لا أعلم إذا كان لها أسماء أخرى كتلك التي ذكرت، مع أنني أعيش قريباً منها منذ عشر سنوات تقريباً.
-لا تعلم؟على كل حال هذا شيء طبيعي، فهذا النوع من المعرفة لا يأتي من عدد السنوات التي نعيشها قرب المكان بقدر ما يأتي من عدد السنوات التي عاش فيها المكان بداخلنا. إنها قريبة جداً من "حيفا" لذلك سميت "طيرة حيفا". فقد كان ينتقل أقاربي على الحمار من "الطيرة" إلى "حيفا" خلال ساعة فقط.
-أنا لا أعلم شيئاً عن هذا! فوسائل التنقل مثل "الحمير" لا أعرف عنها شيئاً، فهي أشياء قديمة كانت قبل وصول عائلتي إلى هنا.
-إن هذا الالتحام بين الطبيعة والطفولة والحيوان والشوارع بتلقائيتها الطبيعية دون أن يغير شكلها أشياء "كالإسفلت"، هي أمور تجعل للطفولة والذكريات معاني استثنائية. لذلك فوصية أبي الوحيدة، التي دائماً يذكرنا بها، أن يدفن هنا قريباً من "الكرمل"، في "الطيرة" التي كثيرا ما رعى عنزاته السوداء فوق هضابها وتغبر بترابها الذي طالما تغبر به، وبحرها الذي لم يذق غير ملحه، ولم ينم إلا على أصوات أمواجه التي كانت تصل إلى مسامعه من بعيد.
-لا، أنا كانت وصية أبي الوحيدة أن يدفن في النمسا، وكان دائماً يذكرنا بشوارعها التي عاش فيها طفولته وجزءاٴ من شبابه. ألم يربِ والدك الجمل؟

-لا. ٳن هذه منطقة جبلية. لذلك كان على أهل المنطقة تربية الماعز الأسود، ذلك أنه رشيق وخفيف الحركة ويستطيع التكيف مع المناطق الجبلية.حتى الخراف البيضاء لا تناسب المنطقة لأنها ليست رشيقة كالماعز، لذلك كانوا يربون "الخراف" فقط في مناطق سهلية مثل "الزمورة" و"خربة شيحا" و"البيادر الغربية". أنا سعيد بمعرفتك يا "عمير"، ولكن علي أن أكمل مشواري وأدخل قريتي.
-هل لديك مانع أن أرافقك؟
تردد "أحمد". شعر بأنه لا يرغب بذلك، ليس لأن "عمير" شخص لا يعرفه ولم يْلْتَقِهِ من قبل، بل أيضاً لأنه ينتمي للقوم الذين ظلموا وشردوا أهله وأقاربه وأبناء وطنه جميعاً وما زالوا يفعلون ذلك. شعر بأنه لا يستطيع الوثوق بنواياه سريعاً، لكنه في الوقت نفسه، لا يستطيع أن يقول له لا، لأنه لا يضمن ردة فعله. لذلك قرر أن يقول نعم خوفاً، وهو يشعر بأن "عمير" قد فرض نفسه عليه. أحس "عمير" أيضاً بتردده. لكنه تقبل وتفهم هذا التردد. فهو يعلم جيداً ما تفعله دولته بشعبه. لكنه نظر إلى "أحمد"، وبصمت تمنى أن يعلم أنه ليس من هؤلاء المؤيدين لما يحصل لشعب "أحمد". وأنه من هؤلاء الذين تظاهروا ضد حائط العزل العنصري، وأنه من هؤلاء الذين خجلوا مما فعله جنودهم في مخيم جنين، ومن استخدام طائرات "ف16" ضد مدنيين عزل يقيمون في مخيمات بائسة على بعد عدة أمتار من أراضيهم التي طردوا منها وحرموا من العودة إليها، حتى يقيم فيها أناس جيء بهم من أصقاع الأرض ليحتلوا المكان ويسكنوه بدلا منهم. في تلك اللحظة تمنى أن يعلم "أحمد" عدد المرات التي قرر بها مغادرة هذه الدولة لأنه لا يستطيع تحمل الظلم الذي تفعله بسكان الأرض الأصليين.
-بإمكانك فعل ذلك.





3

من بعيد ظهرت ملامح المكان الذي طالما حلم "أحمد" برؤيته. كان الجو صافياً إلا من بعض الغيوم التي تظهر أحياناً. جبال الكرمل، وما عليها من أحلام وقصص وأشجار، أصبحت على وشك اللقاء بإنسان أنبتته هنا وولدته في مكان بعيد. هكذا شعر. لذلك وقف طويلاً ينظر من بعيد قبل أن يبدأ المسير. في هذا الصمت الكلامي أصبح كل شيء صامتاً، وأقرب لحالة الترقب منه لعادية الحركة. وبعد التقاط الأنفاس بدأ يسير باتجاه "الطيرة"، وفي تلك اللحظة بدأ يتفحص كل شيء، ويريد رؤية كل شيء. وما أن وصل سهول القرية حتى بدأ يلاحظ أن تضاريسها تماماً كما وصفت له. توقف قليلاً، وبدأ يدرك أنه في سهل يقال له "تل القرع". تنهد وقال لنفسه:
-ما أجمل سهول بلادي!
انهمر الدمع من عينيه وبدأ يحدث نفسه:
-لا بد أن هذه بعض سهول بلادي: سهل "تل القرع"، و"الخوانيق"، و"القرانيف"، و"درب البحر" و"خربة شيحا". في هذه السهول الجميلة الريفية البريئة بداية قريتي، أقام الإنجليز أول معسكراتهم في قريتنا كما أخبرني جدي. فكانت بقايا المعسكر أولى الأشياء التي رآها في بداية الطريق. في هذا السهل وعلى أبواب القرية كان يقام معسكر "سبلاي دبو". قريباً من هذا السهل، وعلى طرف الطريق كان هناك بيت معروف يعود لرجل أسمه "عصقول". لم يبق َمن ذلك البيت إلا بقايا حجارة وأعمدة يظهر منها قضبان حديدية. ذهب "أحمد" لتفحصه. لمسه كأنه يلامس التاريخ! كان هذا البيت بالنسبة له أول شيء "طيراوي" يراه في حياته في مكانه الطبيعي –"الطيرة". كل شيء هنا أصيل؛ المكان وكل شيء فيه. لأول مرة أرى التراب الذي أريد أن أراه، والورد الذي أريد أن أشعر بعبقه، والسهل الذي أريد أن أختفي بين سنابله. كل شيء أصيل، لا شيء تقليدي. لا أحتاج الآن أن أقول إن هذا السهل أو التل أو التراب يشبه سهل أو تل أو تراب بلادي. هو سهل بلادي أوتله أو ترابه .
تابع طريقه وعيناه مشدوهتان تريدان أن تريا كل شيء، فقد طبع والداه في ذهنه صورةً واضحة ودقيقة لمعالم القرية وتفاصيلها. كان يعلم تماماً ما كان موجوداً من سهولٍ وبيوت وذكريات. وفي كل الأحوال كان ينطبق كل ما يشاهد مع الوصف الدقيق الذي أصبح جزءاً من عقله ووجدانه. أصبح في لحظات لا يعلم أهو يرى شيئاً قد وصف له؟ أم شيئاً كان قد رآه سابقاً؟! شعر بألفةٍ غريبةٍ مع الأشياء والمكان. أحس في تلك اللحظة أنه يسير بعينيّ والده، وبهما يرى الأشياء، لذلك كان يبحث فقط عن الأشياء التي لا بد أن والده تمنى أن يراها ثانيةً، لم يكن شيئاً غريباً أن يرى المعسكر الإنجليزي القديم بطريقة المتبصر لتاريخ المكان وذكرياته الأليمة. لم ير فقط بقايا الأماكن القديمة في ذلك المعسكر، بل رأى أيضا كل الذكريات وبعضاً من الجنود الذين عملوا في هذا المعسكر، وألف أبناء قريتي أسماءهم من كثرة تردد اعتقالهم به أو عملهم عنوةً فيه عمالاً بأجور زهيدة. وقف أمام المعسكر القديم ودقق النظر فيه كأنه فعلاً يرى أشياء متحركة. رأى جيشاً وقوة وعسكراً وسلاحاً ورائحة غريبة ليست من إفرازات المكان. رأى "ساميل"،"السيرجون البريطاني" ، أو (الشاويش) بلغتنا، يأمر أبناء قريتي بحمل "الكاوشوك" من مكانٍ إلى آخر. رآه أبيض رفيعاً طويلاً كما هو يأمر رجالاً أشداء خدعهم الزمن، وبقربه "الكبرل فريدمان"، أو (العريف) بلغتنا يلعب الكرة، قرب سياج المعسكر، مع "اللانس كبرل كومز"، (الجندي الأول) بلغتنا، وأقاربي ينظرون إليه وهم يحملون أشياء له تخصه ولا تخصهم. كان قدر أبناء قريتي أن يعملوا دون مقابل، وهؤلاء أن يلعبوا بمقابل! المشكلة ليست باللعب أو عدمه. المشكلة بأن هؤلاء الذين يلعبون كانوا يدركون ما سوف يحل بأبناء القرية، الذين يشغلونهم الآن، بعد أيام أو أشهر من عذاب وتشرد علي أيدي من يتدربون في معسكراتهم. كانوا يعلمون أن أبناء قريتي يعيشون الآن في الوقت الضائع ما بين دفء القرية والعشيرة والأهل، وما بين أيام قاسية تنتظرهم وتنتظر أطفالهم ونساءهم، الذين لا يعلمون أيضا كما لا يعلم أبناؤهم وأزواجهم شيئاً عن المجهول الذي هو معلوم جيداً لهؤلاء الذين يخططون لتلك الأيام القاسية الموحشة المظلمة!
المشكلة أن أبناء قريتي كانوا يشترون الأشياء ويخزنونها للصيف القادم الذي لن يأتي، كانوا يخزنون "الزيتون"، وينشفون "التين" لأيام قادمة سوف تأتي ولن تجدهم. سوف تلتهم من قبل أناس غرباء لا يعلمون شيئاً عن المكان ولا شيئاً عن محتواها وكيفية تخزينها! أناس سوف يدخلون إلى بيوتهم، بعد أن يجبروهم على المغادرة، ويخطفون كل شيء منهم. كانوا لا يعلمون أن عشاءهم الأخير سوف يتبعه الفطور الأول لأناس لا يعرفون شيئاً عن المكان. وسوف يأتي العشاء الجديد غريباً تختلف به كل الأشياء وسوف لا يكون امتدادا لشيء، ولا علاقة له بأي عشاء سابق. حتى عدد حبات الزيتون بالصحن سوف تختلف وشكل الصحون وأماكن وضعها وطرق الجلوس وشرب الماء ومعاني الوقت!
استمر بمسيره إلى أن وصل أولى أشجار الزيتون في الطريق إلى القرية. أقترب منها ولامسها وكانت المرة الأولى التي يرى فيها زيتونا قديما يملكه ويعنيه! كل الزيتون القديم الذي كان رآه قبل الآن كان شيئاً لا يحق له أن يربطه به أو أن يتبادل وإياه العناق! لا يستطيع الإنسان أن يملك شيئين قديمين في مكانين مختلفين! كانت هذه الغربة بين الذات والزيتون القديم الذي لا يحق لك أن تعانقه يحفر الشوق في النفس، ويجعلك تتوق للتكلم عن هذا الزيتون في كل الأوقات. لم يُحزنه شيء في حياته، ولا سيما عندما كان طالباً في المدرسة، أكثر من سماعه أحد زملائه، في المدرسة، يقول إنه سوف يذهب إلى البلد-ويعني القرية- في نهاية الأسبوع. كان يتمنى أن تكون قريته هي أيضا في متناول اليد كباقي زملائه الذين كان يحبهم. كان معظم زملائه في موسم الزيتون يعودون لقراهم. كان يشعر أن هذا الموسم يبكيه ويثير أشواقه. كان يشعر أن "الجداية" التي كان أقاربه يستخدمونها لقطف الزيتون قد هرمت وأصبحت لا تصلح بسبب عدم الاستخدام، كان يشعر عندما يتكلم عن زيتونهم انه يعوض نقصا فرضه المحتل عليه تجاه الأرض والطبيعة والزيتون. لكنه الآن يستعيد الوعي والماضي ويشعر بأنه عائد في نهاية الأسبوع إلى قريته تماما مثل زملائه وأنه يعود طالبا في مدرسته ينتظر يوم السبت، الذي كان أول أيام الأسبوع، ليأتي ويحدث زملاءه عن أوقاته مع جده وأرضه و"الأشواك" و"القعقور" و"المرياع" و"الران" و"السيرة".
استمر بالسير والنظر هنا وهناك، وما هي إلا لحظات حتى كان في قلب المكان، لم ينظر إلى شيء كما نظر إلى الأرض والسماء، عندها نسي "عمير" وتجرد من كل الخوف الذي ساوره. شعر بأنَّ المكان يقويه ولا يخذله أو يتنكر له. بدأ يتصرف بكل تلقائية دون أن يكون للهواجس التي ساورته أي أثر، استقبلته بصمت. تمنى أن تتكلم بأي شيء، كان صمتاً قاسياً مستمراً منذ خمسين سنة، منذ انتهاء الحرب. لقد صمتت منذ أن صمتت أصوات المدافع، تلك المدافع التي لم تصمت إلا بعد أن أصمتت أصوات مآذننا وقرعات أجراس كنائسنا. لكن ما هي ٳلا لحظات وإذا بالشجر والورد ينطقان، بدأ كل شيء يتحرك، الطرق بدأت بالدوران. وفي اللحظة التي كان يقترب فيها من أي مكان، كان المكان أيضاً يقترب منه. استمر بالسير وإذ به في الحارة الشمالية. استمر إلى أن وصل "ساحة المنزول". تلك الساحة التي كانت بمثابة مُجمع للناس والمركبات التي كانت تقلهم إلى "حيفا". رآها في هذه اللحظة كما تمنى أن يراها. لم يرَ فيها في تلك اللحظة إلا تلك الوجوه التي كانت قبل أن يلوث المكان، رجالاً أنقياءً يرتدون حطات بيضاء منقطة بالنقط السوداء، أو حمراء منقطة بالنقط البيضاء، أو بيضاء دون نقاط، أو طربوشاً تركياً أحمر، و"قنبازاً" حريرياً من النوع اللامع أو النوع "الروزي" البيجي اللون يسيرون في المكان ويتكلمون بلغة واحدة تغلب عليها القاف. كلهم يعرفون بعضهم بعضا، وليس هناك غريب في المكان. تماماً كما كان. وتعود حكاياتهم كما كانت وضحكاتهم حقيقية كما كانت أيضاً، من الأعماق. وتعود المقاهي التي دمرت كما كانت، أمامها كراسي صغيرة، مصنوعة فقط من الخشب والقش، ولا تقدم إلا الشاي في كؤوس سموها "دبل"، أو القهوة.
استمر بالسير إلى أن وصل الحارة القبلية، بدأ ملامسة التراب. شعر بأن أقرب شيء له هو تراب هذا المكان، بدأ يحدث نفسه، من هذا التراب بالذات أنا خلقت، أشعر أنني حفنة منه أجبرها الزمان على التحرك إلى مكان أخر. ولكن في هذه المرة ليس بحكم العوامل الطبيعية، التي تحرك الرمال والتراب حيثما شاءت، وبهدوء وعلى مراحل، والى أماكن قريبة، وفي كل الأحوال في ﺇطار هذا المكان، ومن غير أن نشعر. في هذه المرة حركته مرة واحدة، وككتلة واحدة، إلى مكان بعيد دفعة واحدة.أشعر الآن أن كل شيء يناسب كياني. فالتراب الذي أنا منه تكيف مع الرطوبة، ومقدار البرد أو الحر الذي صمم لهذا المكان منذ أن رقد هنا مواجهاً البحر.لذلك أنا الآن لا أشعر بالحر عندما تبزغ الشمس، ولا بالبرد عندما تغيب. كل أجهزة جسمي صممت لتكون هنا. لكنني الآن لا أستطيع أن أتمتع بكل هذه الحقائق والمزايا إلا كما قرر ذلك الختم في جواز سفري. لذلك فهذا الختم لا يحدد مدة إقامتي، إنما مدة حق التراب الذي أنا منه للاستقرار في المكان الذي غادره دون نصيحة الريح والهواء والطبيعة.


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى الطيرة
 

شارك بتعليقك

مشاركة Falasteen في تاريخ 9 كانون ثاني، 2019 #159415

اول رواية اكملها
واول كاتب اعيد قراءة كتاباته مرة تلو الاخرى
لاكتشف كل جديد في كل مرة
بارك الله بك
مشاركة Roumieh في تاريخ 12 حزيران، 2015 #156704

مزيدا من العطاء ايها الحبيب اخي الدكتور محمود الغالي
مشاركة غزة العزة في تاريخ 5 كانون ثاني، 2015 #155790

السﻻم عليكم...رواية راااائعة ﻷنسااان أروع...ﻻحرمنا الله منك..
مشاركة يافا بحر قلبي في تاريخ 22 شباط، 2013 #148889

اليومـ أنهيت قراءة الرواية .. وقد أمضيت معها أحداثها حلوها ومرّها:)
وكانت رائعه بمعنى الكلمه
بارك الله فيكم د.محمود وشكراً لكمـ ,,,