فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
طيرة حيفا. لقاء البحر (تكملة الرواية 2)
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى الطيرة
כדילתרגם לעברית
مشاركة محمود السلمان في تاريخ 4 كنون أول، 2009
تكملةروايةلقاء البحر (2)
المكان الأول الذي وصلاه في الجزء القبلي من القرية ،وكان مظهره يدل على أنه مبنى قديم جديد، كان بيتاً مبنياً من الحجر الأبيض يتألف من طابقين، على واجهة البيت لوحة كبيرة كُتب عليها شيء بالعبرية لم يفهمه "أحمد" لكنه تمنى أن تعني تلك العبارة مركز شرطة! لأنه إذا كان كذلك فلا بد من أن يكون هذا منزل عمه الكبير. فقد سمع أن منزل عمه الذي كان بناه قبل أن يجبر على مغادرة المكان تحول إلى مخفر، وأنه من المنازل القليلة التي أبقوها كما هي.
نظر أحمد إلى "عمير" وباندفاع سأله:
– ما معنى تلك العبارة المكتوبة على هذا البيت؟
أجاب "عمير" بلا مبالاة:
-بوليس. فهذا هو مخفر القرية.
تفاجأ "أحمد" وانتفض كل جسده وبدأ يحس أنه يستطيع أن يسير وحيداً قوياً، إذ أنه بدأ يشعر بأن المكان بدأ يكون كما يجب مألوفاً، متحركاً، خرج عن صمته المميت. شعر بأن ذلك المنزل كتلة ضوء كبيرة تضيء له المكان. بدأ يشعر أن الاتجاهات بدأت تأخذ أبعادها الطبيعية، القبلية والشمالية كما كانوا يقولون.
-إذاً نحن بالتأكيد في الجزء القبلي من البلدة، قالها بفرح، هذه يا "عمير" الحارة القبلية. بدأ بعد ذلك الحديث بصوت عالٍ:
الحارة القبلية، الحارة الشمالية وديرها القديم و"الحنت" و"مغارة البقرات" و"مسجد الأربعين".
-وكيف عرفت؟ وكيف عرفت كل ذلك؟
قال "عمير" ذلك بكل دهشة واستغراب.
قفز أحمد فرحاً وبدأ ينظر في كل اتجاه ويقول:
-لأن بيت عمي في الحارة القبلية! هذا بيت عمي قالها بأعلى صوته.
-أكانت مقسمة إلى حارات.
- نعم. فقد كانت الحياة بريئة ونقية إلى هذه الدرجة. فلم يكن في المكان غيرهم. فكانوا من شدة الصلة بينهم يعدون الذي يسكن في الحارة القبلية بعيداً عن ذلك الذي يسكن في الحارة الشمالية.
وصلا المنزل ودخلا، قابلهم ضابط ، بادر "عمير" الضابط بكلام عبري لم يفهمه "أحمد". بعد أن تحدثا مدة دقيقة تقريباً بدأ الضابط الحديث مع "أحمد" بالعربية.
-أهلاً بك
-أتعرف العربية؟
-نعم. أعرفها وأتقنها. أنا من الهدار
بعد ذلك نطق "أحمد" بسرعة وبلا شعور
-هدار الكرمل؟.
تفاجأ "عمير" وسأل:
أتعرف المكان؟
- لا أعرف المكان، لكنني أعرف القصة والأحداث. فنحن أبناء من كان ملك هذا المكان لا نرث الأرض وإنما نرث الأحداث والقصص التي حدثت عليها. نحن منذ خمسين عاماً نسمع ولا نرى لكننا نحس أننا سوف نرى مرة واحدة ما لم نره في خمسين عاماً. فنحن ورثنا المعرفة المتعلقة بهذه الأرض، التي هي نتاج خبرات طويلة من التفاعل مع هذه الأرض، التي كان آباؤنا أيضاً قد ورثوها من أجدادنا الذين لا يعرفون مكاناً غير هذا المكان. لكن الفرق بيننا وبين آبائنا أنهم ورثوا الأرض ولم يسمح لهم الظلم أن يرثوا غير ما يعرفونه عنها . لذلك حدثتك عن "العنز" الأسود وعلاقته بالجبل والمناطق الوعرة وعن تلك الحفر القريبة من البحر التي لم تكن تعرف سبباً لوجودها.
-ما اسم عمك؟
سأل الضابط.
- "سراج".
-أرجوك اسحب هذا الكرسي وضعه هناك، مشيراً إلى الزاوية الشرقية للغرفة.
صعد "أحمد" على الكرسي، وبعد ذلك أعطاه الضابط عصا مكنسة طويلة.
-الآن أرجوك أرفع قطعة من مربعات السقف المعلّق.
وفعلاً فعل. ثم سأل الضابط:
-الآن هل تستطيع رؤية شيء؟
- نعم هناك حجر، لكنني لا أستطيع رؤيته جيداً.
بعد ذلك جلب الضابط مصباحاً صغيراً وطلب منه أن يحاول تسليط الضوء عليه وقراءة ما هو مكتوب. وما أن فعل حتى رأى أشياء مكتوبة لم يملك بعدها إلا البكاء بشدة. فقد نقش على الحجر اسم عمه وسنة بناء هذا المنزل. كان الحجر مخفياً.
نظر الضابط إلى "أحمد" وقال منفعلاً:
-انزل بسرعة! لأنني لا أريد أن يلاحظ أحد أنني فعلت ذلك
صمت "أحمد" وقال لنفسه: "لا يريد أن يعلموا أنه سمح لي برؤية ما هو مخفي!"
ربت الضابط على كتفه وقال بصوت منخفض:
- آسف يا "أحمد".
نظر "عمير" إلى الضابط وسأله:
- لماذا يبكي "أحمد"؟
- لقد شاهد الحجر الذي عليه اسم عمه.
هز "أحمد" رأسه مستهزئاً وتمتم:
- الحجر الذي تم نزعه من مقدمة البيت، حتى يتم أخفاء مالكه الحقيقي. الحجر الذي تم وضع عبارة ’بوليس’ بدلاً منه.
سأل عمير الضابط:
- لماذا تضعونه هنا؟
أدار الضابط رأسه وأجابه:
- إن هذا الحجر كان مثبتاً على واجهة البيت الأمامية، لكن الأوامر كانت أن نزيله ونخفيه هنا، وقد أخفيناه منذ ستة وخمسين عاماً. وضع عمير يده على كتف "أحمد".
-أنا حزين لحزنك!
-لكن يا "عمير" الموقف قاسٍ.
-نعم قاسٍ جداً وأنا اشعر الآن بذلك. ولكن ماذا علينا أن نفعل؛ ﺇنه الظرف قد فرض عليك وعليّ.
صمت الضابط قليلاً ثم سأل "أحمد":
- هل استطيع أعادة الكرسي حيث كان.
- طبعاً طبعاً.
- يبدو أن أباك كان غنياً؟
- ليس الموضوع غنى، فالكل كان يعيش بوضع مالي جيد. لكن جمال البيت يأتي لأنه مبني من حجارة وادي فلاح. ﺇنه أحد أودية قريتنا وقد انتشرت به المحاجر. أيضاً. قام ببناء البيت رجل بناء اسمه "أبو حمود". كان هذا من أفضل الرجال في هذا المجال. أتشاهد تلك الشبابيك:؟
نظر الضابط وأجاب:
- نعم.
- -إن عمي أصر أن لا يعملها إلا شخص في "حيفا" يلقب بالطحطح. وكما تلاحظ فإن الصالة التي نجلس فيها مستديرة الشكل.
أجاب الضابط:
- نعم ولكن لماذا مستديرة؟
- لأن عمي قد صممها غرفة جلوس تشرف على البحر، عندما أهداه صديق له يسمى الحلبي طقم جلوس دائري .
بعد هذا الحديث الطويل نظر "عمير" إلى "أحمد" وقال له:
-لا بد أنك الآن تشعر بالجوع.
- نعم.
نظر الضابط إلى "أحمد" وهو حائر ماذا يقول بعد أن هم "أحمد" بالخروج. التزم الضابط الصمت واكتفى "أحمد" بمصافحته دون أن يقول أي كلمة.
- ما بك يا "أحمد"؟
- ٳنه شيء قاسٍ أن يغادر الإنسان مكاناً يملكه مستأذناً المغادرة من شخص لا يعرف حتى وادي الفلاح والحجارة التي جلبت منه لبناء هذا البيت الذي بقي به وغادرته أنا. لقد أخبرني عمي أنه اختار ذلك المكان لبناء المنزل حتى يكون ملتقى للأحباب والأهل وحتى يكون قريباً من الزلاقة حيث يقطن أقاربه، والبحر الذي تبادل وإياه الحب.
غادر بيتهم وهو يشعر بأنه أقرب ما يكون إلى الحقيقة التي أتى من أجلها.















4
في أعالي جبال الكرمل وجدت "عسفية"، تلك القرية التي غزلت ذكرياتها في جديلةٍ واحدةٍ وطيرة "أحمد". أصبحت بعد كل هذا الوقت مدينةً مزدهرةً. وأصبحت حكاياتها مع "الطيرة" بعد كل هذا الحصار نادرة الحدوث. مطاعمها وفنادقها انتشرت في كل مكان. قرر "عمير" أن يدعوه إلى أحد هذه المطاعم في "عسفية". ذهبا إلى المطعم وجلسا يتجاذبان أطراف الحديث. بعد أن تناولا الطعام قال "عمير" ل"أحمد" سوف أطعمك ألآن نوعاً من الحلوى التي أعشقها في هذا المكان وقد ذقته هنا لأول مرة قبل عامين.
وما اسمها ؟
-ما زلت أخطئ باسمها.
وبعد أن طلب "عمير" تلك الحلوى وجلبها النادل ﺇليهم صمت "أحمد" قليلاً وبطريقة يملؤها الحزن ورافقتها دموع بدأت تطل برأسها ببطء وصمت من طرف عينيه لتبدأ فجأة بالسقوط كالمطر على وجنتيه. وفجأة استهل "أحمد" حديثه:
- إن هذه الحلوى التي ما زلت تخطئ باسمها تسمى قزحه. اعتادت أمي وجدتي أن يعملانها أيام الأعياد.
-ولكن لماذا هي سوداء؟
- لأنها تعمل من الحبة السوداء التي كنا نشتريها من "حيفا".

في تلك اللحظة أخذته الأفكار بعيداً إلى إربد وتذكر أكثر ما تذكر أم غازي. تلك المرأة الطيراوية بثوبها التقليدي، التي لطالما أستمتع بالقزحة المصنوعة بيديها. تلك المرأة التي حدثته طويلاً عن المكان الذي يقف قريباً منه. فعسفية تجاور "الطيرة" من الشرق. وشعر بحزنٍ أكثر عندما تذكر أنه كان يرى أم غازي هناك دون المكان، والآن يرى المكان دون أم غازي.يرى قزحة دون مناسبة يأكلها والدمع بعينيه بدلاً من ابتسامته ودون طفولته. تلك الطفولة التي كانت أم غازي تعشقها كما كان يعشق قزحتها.تحول البسمة إلى دمعة عندما نأكل القزحة يعني أن أحداثا جساما قد وقعت على الأرض حتى تحدث هذه الطفرة الشعورية-حزن بدل الفرح ودمعة بدل البسمة. ترك الوطن لا يمكن إلا أن يغير كل الأشياء ويدخل بأدق التفاصيل كتلك التي يصل حجمها حبة قزحة.
-تعرف يا عمير، أنني فعلاً اشعر بصداقتك
-نعم، نحن أصدقاء.
-لذلك أشعر الآن أن بإمكاني أن أحدثك عن سبب وجودي هنا. هناك مغارة تسمى لحف المغر. بينما كانت قريتنا تقصف في حرب 1948 قامت أمي بإخفاء أخٍ صغيرٍ لي في تلك المغارة. بعد ذلك تعرض بيتنا لقصفٍ كثيف مما أجبر أمي على الهرب ولم تستطع الوصول إلى المغارة التي غادرتها لبعض الوقت لإحضار بعض الملابس من البيت لأخي. في تلك اللحظة كانت قد وصلت بعض وحدات جيشكم إلى منطقة المغارة ولم تستطع الرجوع إلى هناك. استمر الجيش بطرد السكان. بقيت أمي تصيح وتقول ابني لكن كل كلامها طار في الهواء. لقد هددها أفراد الجيش بالقتل إذا لم تغادر دون أن يلقوا بالاً لدموعها أو كلمة "ابني". استمرت بالصراخ "ابني في المغارة أعطوني إياه فقط،، وانأ سأغادر أرضي وبيتي". لكنها منعت. فهؤلاء الذين لا يفهمون العربية استمروا في الصراخ عليها بكلمات غريبة غير عربية تماماً كغربتها عن المكان. لغة هي لم تفهمها تماماً كما لم يفهموا دموعها. كان صراعاً بين لغتين. ﺇحداهما لا تريد أن تفهم الأخرى وتصر على عدم فهمها بطريقة قاتلة. لغة تصرخ ولغة تبكي. لغة قد وصلت للتو للمكان وبدأت تقتل وتقاتل. لغة ببزة عسكرية وبندقية ولغة ترتدي فستاناً ريفياً ارتُدي على عجل، وشالاً لم يلفﱠ على الخصر كما يجب من الخوف والحيرة، وبقايا شعر تظهر بعشوائية من أسفل حطة الرأس، (وشحاطة) في القدم تختلف عن الأخرى لاضطرار صاحبتها المغادرة على عجل من الخوف والارتباك تحت وطأة أصوات قصف وشظايا تسقط على رؤوس سكان القرية البريئة. . لغة بدأت تسيطر عليها مصطلحات ممنوع، اخرج، قف، ولغة بدأ يسيطر عليها مصطلحات ممكن، أرجوك، اسمح لي، لا تقتلني. وعندما أصبح التفاهم بين اللغتين معدوماً قاموا بدفعها تحت تهديد السلاح الذي سمعت عنه لكنها كانت المرة الأولى التي تراه . تلك اللغة التي يرتدي المتكلمون بها لباسا حربيا وسلاحا، وتلك اللغة التي يرتدي متكلموها ثوبا ريفيا لا يساعد مرتديه على الحركة. قاموا بدفعها وهي لا تملك إلا النظر إلى الوراء وهي تصيح: مغارة لحف المغر،لحف المغر. وهؤلاء الجنود لا يستوعبون ما معنى مغارة ولا يعرفون شيئاٴ عن لحف المغر الذي أصبح الآن تحت سيطرتهم، وفي القريب ربما يصبح مكاناً يروجون فيه سياحتهم ويصبح أحفادهم أدلاءه السياحيين!. أكثر شيء آلمها يقول "أحمد"، هي تلك الضحكات التي كان يطلقها بعض الجنود وهي تكاد تموت من البكاء على ابنها. تلك الضحكات التي أصرت أن تكون ضحكات في تلك اللحظة حتى تكون نقيضاً لنا في كل شيء. فحيث ثمة حزن لنا يجب أن يكون لهم فرح .وأكثر شيء قتلها هو تحول أل \ح\ إلى \خ\ في لحظة. فلحف تحول إلى لخف. إذ استمر بعض الجنود بالاستهزاء منها مرددين كلماتها لحف المغر بلخف المغر.
تركته باللفة وقد زينتها بقطعة ذهبية مكتوب عليها بالخط الرقعي، الله أكبر. كان الطفل "يوسف" في تلك اللحظة ما يزال في المغارة ينتظر الصدر الدافئ الذي اعتاد أن يضمه، واليدين اللتين تلامسانه كل الوقت بحنان ومحبة. لن يأتي هذا الصدر ولن يشعر بدفئه كما اعتاد. كان في تلك اللحظة يسمع صراخاً لا يستطيع تمييزه. كان صراخاً أعلى من صراخه. في تلك اللحظة كان في أعالي جبال الطيرة من كان يحضر قذيفة من أشد الأنواع فتكاً. كان ما زال بيت أبي يوسف قائماً وحوله تهدمت من جراء القصف المتواصل كل البيوت التي كانت من أسعد البيوت قبل، أيام وأصبحت من أكثرها حزناً هذه الأيام. استدار الجندي قليلاً ووضع يديه على أذنيه وهو يبتسم بعد أن قام بتثبيت هدفه على ذلك البيت الذي تقف صاحبته على بعد بضعة أمتار منه فقط وابنها الحبيب الطفل ما زال يواصل الصراخ. أطلقت تلك القذيفة لتصيب في لحظات بيت أبي يوسف وليسقط مباشرة على ذلك المكان الذي كان يشهد صراخ يوسف الأخير. فلم يبق من ذلك المكان شيء. وشيء أحمر خرج من المكان مع الغبار. في هذه اللحظة كانت ما تزال تستدير برأسها تجاه بيتها حيث تركت ابنها. فرأت كل شيء في لحظات. نفضت يدها من يدي الجندي وهرعت مسرعة تجاه البيت. تركها الجندي وهو يبتسم. فهو يعلم أنها لن تجد شيئاً بعد الآن. وصلت ركام المكان وهي تصرخ، يوسف يوسف، لكن الصمت كان المجيب الوحيد. رأت شيئا أحمر لم يكن موجوداً قبل لحظات عندما غادرت المكان. حاولت إقناع نفسها بأنه ربما يكون شيئاً آخر غير الدم. ربما يكون شيئاً آخر من تلك الأشياء الحمراء التي كانت تخزنها لتناولها في رمضان الذي كان على الأبواب. في تلك اللحظة القاسية أحبت أن تتذكر أن بعض مخللات رمضان أضيف لها الشطة الحمراء لإعطائها طعما خاصاً. وبعد لحظات وإذ هي وجها لوجه مع جسد يوسف ملطخاً بالدم. لا مجال الآن إلا للدم الغالي الذي يحرق القلب والذي إذا ما سال وتطاير بهذه الطريقة لا يكون هناك مكان إلا للدمع والموت والخوف والحزن والضعف. هذا الضعف والدمع والحزن والموت الذي لا يمكن أن يكون إلا وقود قوة وعز وإرادة لفكرة المواجهة والتحدي والانتصار. لذلك صمتت أم يوسف فجأة. ونظرت إلى كل شيء حولها وخرجت من بين دموعها ابتسامة خفية صغيرة لم ترها إلا شجرة الخروب لتشير إلى تصميم على قبول المواجهة التي أصبحت شيئاً لا لا بد منه. هذا الصبر والعزيمة الذي بدأت بذوره الآن بين الركام وأشلاء أحب إنسان وسوف نرى ذروته في مخيمات الهجرة البعيدة عن الديار وإصراره على العودة والانتصار وإعادة الحق والعودة إلى فناء الوطن. مرت من قرب الجنود. لم يلحظ أحد منهم تلك الابتسامة الخفية إلا واحد. استدار ذلك الجندي تجاه جندي آخر وهمس: هذه الابتسامة لا تبشر بخير.إن كان الآن أو في المستقبل، الذي قد نراه أو لا نراه ولكن بالتأكيد أحد أحفادنا لا بد من أن يراه. استمرت بالمسير رفعت رأسها أكثر إلى السماء، رأت الكرمل من بعيد، حدقت بعيونه ابتسم لها وحرك إحدى يديه التي سارت كل تلك المسافة وشدت على كتفها ورجعت وهي تمر من عند وجوه الجنود من غير أن يروها.
أخرجت أمي، يقول "أحمد"، وقطرات الدمع بدأت ترسم على وجنتيه خطوطاً بكل تجاه. في تلك اللحظة بدأ "عمير" يربت على كتفه ويحاول جاهداً أن يشعره بمدى حزنه وأسفه على ما جرى.
-آسف فأنا لا أعرف ماذا أقول لك. كل ما حصل كان خطأ لا يغتفر، وأمك الفاضلة كان يجب أن تبقى حيث غرست بيديها زيتوناتها.صدقني، سأفعل المستحيل من أجل أن أساعدك.
صمت للحظة. وأشعر "عمير" بالامتنان لما يقول.
- الشيء المهم الآخر يا "عمير" أن لأبي كان زوجة ثانية.
-زوجة ثانية؟
-نعم. وهي من قرية قريبة من الطيرة.
-وأين هي الآن؟ وهل تعلمون عنها شيئا؟
-طبعاً لا نعلم عنها شيئا. فأنا الآن لي هدفان. الأول رؤية بيتنا القديم. ذلك البيت الذي عاش فيه أبي وأمي. والثاني رؤية خالتي. فنحن نسمي زوجة الأب خالة. فهي في مقام الأم.


5
الهدار مكان يطل من بعيد على "الطيرة". في هذا المكان أقيم العديد من المنازل التي تصنف على أنها الأكثر رقياً. على هضبة صغيرة في هذا المكان اعتاد بعض سكان "الطيرة" إقامة أماكن لصنع قوارير الفخار وبيعها. في هذا المكان وجدت بناية كبيرة تتألف من عدة شقق. إحدى هذه الشقق كانت "لعمير". وما هي إلا لحظات حتى كان عمير يدعو "أحمد" لزيارته في هذا البيت:
- الآن أتمنى أن تقبل دعوتي إلى بيتي. أنا الآن أعيش آلامك وأعرف مدى الجرح الذي أصابك.
-لا يوجد عندي مانع من قبول دعوة إنسانٍ بمثل طيبتك.
قبل دعوته لأنه شعر برغبة شديدة أن يخترق مجتمع هؤلاء حتى يعرف عن قرب طبيعتهم من الداخل لكي يستطيع تفسير مقدرتهم على فعل كل هذه الويلات بشعبه دون أن يتوقفوا عن ذلك منذ أكثر من خمسين عاماً. رغب أن يرى التركيبة الداخلية لهؤلاء الذين يستطيعون قصف بيت بائس في مخيم وهم يعلمون أنه مليء بأطفال نائمين، فقط لقتل رجل كل جريمته أنه قال لا لاحتلال أرضه وتدمير شجره!
بالمقابل هدف "عمير" من دعوة "أحمد" إلى بيته، تعريفه أن هناك أناساً هنا يحزنون ويرفضون هذا الظلم الكبير الذي وقع وحصل لشعبه. فزوجة "عمير" كانت قد اعُتقلت عدة مرات لأنها رفضت الخدمة العسكرية ومحاربة شعب لم يفعل شيئاً وكان هنا يعيش بسلام واستقرار، إلى أن تآمر الأنجليز وعصابات الصهاينة ضدهم وتم طردهم من أرضهم.
-أريد أن أعرفك على زوجتي وابني.
لم يرغب بالتعليق. ذهب معه إلى بيته. وعندما دخلا حضرت زوجته. كانت تلك المرأة في غاية الهدوء. نطقت بالأنجليزية مرحباً بك. كانت ٳنجليزيتها طبيعية ولكن بلكنة بولندية إذ أنها أصلاً من بولندا كما قالت. وبعد قليل جاء ابنه،الذي لا يقل هدوءاً عن والدته، ويتكلم الإنجليزية بطلاقة، ولكن بلكنة أمه نفسها.
في تلك اللحظة بدأت أفكار "أحمد" تأخذه بعيداً وقريباً. نظر إلى الطفل وشعر بأنه أول مرة يرى فيها يهودياً عن قرب دون شاشة تلفزيون. نظر إلى يديه وشعره وحتى حذائه. كان يشعر بأنه لا بد أن يرى شيئاً مختلفاً. نظر إلى المرأة بالطريقة ذاتها. نظر إلى عينيها وحتى نظارتها وطريقة وضعها على الوجه. لم ير شيئاً مختلفاً.بدأ "عمير" بامتداح زوجته وكيف أن الله عوضه عن أشياء كثيرة بها. وفجأة سمع الجميع صوت رجل يصيح في الشقة المقابلة. فسأل "أحمد":
-خير، لماذا يصرخ هذا الرجل؟
نظر "عمير" إلى زوجته وابتسم، ثم إلى "أحمد" وقال:
هذا جارنا الذي لا يصمت صوته ولا يوجد أحد هنا إلا واختلف معه وأوصله إلى المحاكم. فأنا أكرهه واكره أمثاله من قلبي.
سرح "أحمد" بأفكاره ثانيةً. يا للمفاجأة هناك يهودي يكره يهودياً. كان يظن أنهم كتلة واحدة في الجهة المقابلة. لم يكن يشعر بأنهم استقروا إلى هذه الدرجة حتى بدأوا يختلفون على قضايا اجتماعيةً وبدأوا يمارسون حياة طبيعية؛ حبا وكرها، تفاهما وخلافا، محاكم وقضاة؟لا يعلم لماذا عندما ذكر كلمة محكمة بدأ يفكر بالمكان والأرض التي أقيمت عليها تلك المحكمة.لا بد أن تكون تلك المحكمة مقامة على أرض تعود لٳنسان يخصه.أي أن عدالتهم تقام على أرض مسروقة! ألا يتذكر القاضي هذه الحقيقة عند النطق بكل حكم ينطقه أو ينشد به العدالة؟!ألا يشعر أنه في مسرحية؟! أرض مسروقة،ربما تكون لأبي علي أو لأبي خالد أو لأبي فلاح، يقام عليها بناء للحكم بين الناس بالعدل؟إ
كانت المرة الأولى التي يتحدث بها مع يهودي وكانت المرة الأولى التي يذكر بها كلمة يهودي ويمتزج حديثه بمصطلحات مثل الحب والطلاق وأسماء الأكلات.
وفيما هو مشتت الذهن سمع صوت "عمير" من بعيد يسأله:
-أترغب بفنجان شاي أم قهوة؟
-شاي، أرجوك. لكن كيف نبدأ بالبحث؟
- أعتقد أن علينا أن نبدأ من حيث كان بيتكم. دعنا نذهب إلى هناك ونستفسر ونعرف من الذي قطن بيتكم بعد أن أجبرتم على المغادرة إلى الأردن. إن المشكلة هي كيف تتعرف على موقع بيتكم بالضبط؟
- هذه ليست مشكلة. فقد أخبرني أبي أنه قريب نسبياً من بيت عمي الذي جعلتم منه مخفراً.هناك توجد تلة قريبة من منزل عمي، تلك التلة تضم بيتنا وتلك المغارات العزيزة المسماة لحف المغر.
-لكن هناك تلالاً كثيرة قريبة فكيف ستعرف تلك التلة؟
- فقط دعنا نعود إلى هناك وسوف ترى ماذا أنوي فعله.
- إذاً دعنا نفعل ذلك غداً.
-بالطبع يا "عمير". غداً إن شاء الله.


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى الطيرة
 

شارك بتعليقك