فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
لقاء البحر (تكلة الرواية 3) الدكتور محمود السلمان
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى الطيرة
כדילתרגם לעברית
مشاركة محمود السلمان في تاريخ 4 كنون أول، 2009
6


في أحد الفنادق المتواضعة في ضواحي "حيفا" أقام "أحمد". وعلى الرغم من كل الخدمات المقدمة له في هذا الفندق إلا أنه لم يستطع النوم كما يجب طيلة مدة أقامته. كانت غرفته الصغيرة تطل على أوتستراد "حيفا"- يافا الذي كثيرا ما سمع عنه من والده. غرفة صغيرة لكنها أنيقة. امتلأت بقلقه ودموعه وأمله على الرغم من قصر المدة التي أقامها. في اليوم الثاني من وجوده استيقظ مبكراً وكان شديد الشوق للقاء "عمير" للبدء بالخطوة الأولى في البحث عن خالته. وفجأة قرع الباب. عرف أن ذلك الشخص لا بد أن يكون "عمير". فلا أحد يعرف أنه يقطن هنا غير "عمير" حتى يزوره. وفعلاً كان الطارق "عمير".
- هيا يا "أحمد". أتمنى من قلبي أن أجلب لك البسمة وأعيد الفرحة إلى والدك ووالدتك التي أحس بحزنهما وقسوة الفراق الذي عانت منه.
غادر الأثنان المنزل وبدأت رحلتهما في الطيرة. وعندما وصلا نزلا قرب منزل عم "أحمد" الذي جعلوا منه مخفراً.
- قل لي ماذا ستفعل الآن يا "أحمد"؟
- اسمح لي أن أستخدم هاتفك النقال وسوف ترى.
- حسناً هذا هاتفي؟
التقط الهاتف، وبعد أن استأذن "عمير" بالاتصال بالأردن، قام "أحمد" بالاتصال بأهله لكنه وجد الخط مشغولاً ولم يستطع الصبر. لذلك قام بالاتصال بعمه عبيدة الذي يقطن عمان وقد كان عمره أربعة عشر عاماً تقريباً عندما غادر قريته "الطيرة". وبعد قليل جاءه صوت عمه. قام عمه بأخباره وبلهجته الطيراوية بأنه عليه أن ( يشرق لفوق) وبعد، تقريباً، مائة متر سوف يجد بيتاً أخر يعود إلى محمد العبد. مقابل ذلك البيت توجد تلة. على ظهر تلك التلة يوجد بيتهم. وبأنه يستطيع تمييزه من المغر الكثيرة القريبة منه وخاصة لحف المغر.
كان يتابع مسيره وهو يحدث عمه ،وفجأة وجد بيتا مهجورا مقابله تلة، شعر وتمنى أن تكون هي.
نظر عمير إليه وسأله مندهشاً :
- كيف يستطيع عمك تذكر كل ذلك وقد غادر المكان قبل أكثر من خمسين عاماً؟
- إنه حب الأرض والحرمان من رؤية ما تحب. فعمي والكثيرون من أمثاله الذين أجبروا على مغادرة المكان وقبعوا في غرفة في المخيم بنيت من الطين بعد أن اعتادوا العيش في هذه الأماكن الخصبة وقرب هذا البحر الجميل، لم يبق لهم إلا تذكر هذه الأيام والعيش على ذكراها لكي يهربوا من قسوة الأيام التي فرضت عليهم من غير ذنب. إن الاستمرار في ذكر هذه الأيام الجميلة وتذكرها والاحتماء وراء الذكرى للهروب من واقع صعب فرض عليهم.
أنهم يتذكرون أدق التفاصيل ويجعلون صور هذه الأماكن التي نسير الآن أنا وأنت فيها حاضرة في البال كل الوقت، وفي أنصع الصور وأوضحها. لذلك ليس غريبا أن يتذكر عمي كل شيء بهذه الدقة. فهو مثلاً كان يحدثني عن قريتنا قبل يومين من مجيئي إلى هنا. وفي كل مناسبة نجتمع لا بد من الحديث عن هذا المكان العزيز. وهناك أشياء لا تنتهي لأنها تصبح جزءا من واقع الذات والحال والهوية. فأنا مثلاً وعلى الرغم من أنني لم أولد في قريتي، إلا أنني أُعرَف على أنني "أحمد" الطيراوي. وهذا الاسم أُخذَ من هذا المكان. فكيف أستطيع أن أنسى هذه الحقيقة؟ أيمكن أن ينسى الإنسان اسمه؟! وربما لم يعلم الذين سرقوا هذا المكان أن إجبارنا على الخروج ودفعنا للعيش بمكان غريب آخر سوف يؤدي إلى ارتباط اسم المكان بنا أكثر. فمثلاً ليس من الممكن أن يسميني أحد "أحمد" الطيراوي وأنا أعيش في "الطيرة". ذلك لأن الكل هنا طيراوي. لذلك فإن استخدام كلمة طيراوي لن تكفي لتمييز من هو "أحمد" المقصود. ولكن في مكان الغربة حيث هناك أناس كثيرون غيرنا ينتمون لأماكن عده سوف يصبح ربط اسمي بطيراوي يكفي لتميزي على الأقل من عديدين. وهذا أيضاً سبب آخر لتقوية علاقاتنا ببعض. فنحن هناك كلنا طيراويون حيث جمعنا اسم القرية وأبعدنا عن تسميات العائلات المختلفة.

7
وضع عبيدة أبو خالد السماعة ورمى نفسه على الكرسي القريب من مكان الهاتف. وضع يده على خده وأخذته الأفكار إلى كل بقعة في قريته. نظر إلى جانبه فوجد زوجته تضع يدها على كتفه
-هل وصل "أحمد"؟ قالتها بحزن وخوف
-نعم نعم. تخيلي أنه في هذه اللحظة يرى ما رأيناه قبل خمسين عاماً. تخيلي أنه الآن بين بيوتنا الحقيقية. أنه في "الطيرة". سوف يرى بعد قليل بيتنا وبيتهم. أنه الآن في هذه اللحظة قرب الزلاقة. سوف يصعدها كما كنا نفعل كل يوم. أنه الآن يتنفس الهواء الذي تنفسناه قبل خمسين عاماً. هواءَنا يا أم خالد. هواءَنا الأول يا أم خالد.
-لماذا لا تتصل بأبي "يوسف" وتخبره عن اتصال "أحمد" بنا
-معك كل الحق. والله نسيت نفسي.
التقط السماعة وانتظر أن يرد عليه أحد بفارغ الصبر. وبعد قليل ردت أم "يوسف" على الهاتف. قام بأخبارها عن وصول ابنهم. وقد عمت الفرحة أرجاء البيت في تلك اللحظة.
في هذه اللحظة كان كل أفراد العائلة حول أم يوسف يحاولون أن يسمعوا أي خبر عن "أحمد". شعرت بالراحة بعد سماع القليل عن أحمد. نظرت حولها فوجدت نفسها في غرفتها الضيقة. لم تشعر بضيق المكان منذ زمن طويل كما تشعر به الآن. اعتادت ضيق الأشياء وقسوتها في هذه الأيام كما اعتادت وسعها، وجمالها وأريحيتها وهي تعيش أيامها الجميلة في قريتها "الطيرة". تذكرت أنه يرى الآن كل ما رأت قبل خمسين عاماً. لكنها تخيلتها كما رأتها هي آخر مرة. ولكن هل سيجد ما يراه بعد كل هذا الزمن؟ قالت لنفسها. أخذتها أفكارها إلى تفاصيل بيتها. وبالتحديد إلى تلك المغر القريبة من البيت. أخذتها إلى لحف المغر حيث استشهد ’مهجة قلبها‘، كما كانت دائماً تقول. تذكرت نشرة الأخبار وابتسمت. تذكرت كيف أنها إلى اليوم لم تسمع شيئاً تماماً كما جرى! لم تسمع شيئاً مباشراً حول ما جرى دون تنميق وتلوين للمصطلحات. الظلم الذي أحست به قبل خمسين عاماً عند اقتلاعها من أرضها وما زالت، تحس بوخزه بنفس الشدة الآن. تذكرت قسوة الطريق وظلم الجلاد الذي لم يسمح لها حتى بالنظر إلى الخلف لتوديع المكان. أحست بخوف شديد على "أحمد" في هذه اللحظة. لكنها أحست بأنه الآن يسير في المكان الذي يملك. شعرت أنها فعلاً مشتاقة للحاجة تمام. فهي بعد هذا الخلع ألقسري من المكان لم يعد هناك حسابات أكبر من حساب خسارة الوطن. لم يعد هناك عدو أو ضرة أو خصم غير ذلك الذي قتلنا واقتلعنا من أوطاننا ومن غير أن يميز بين واحد وآخر.
"أحمد" الآن ليس في إجازة أو رحلة أو غربة. أنه الآن في مكانه!نحن المسافرون! هو قريب ونحن في مكان بعيد! الإنسان يكون بعيداً أو قريباً بمقدار بعده من البحر والزلاقة. أنه الآن أمام البحر. وإذا كان قد بدأ صعود التل يصبح البحر على بعد ثلاثة كيلو مترات. ،إذا سار قليلاً إلى الغرب يصبح تماماً في أرضنا. وإذا تحرك نحو الشرق يصبح في أرض عبيدة وإذا تحرك نحو الجنوب يقترب من مزارع سراج، وإذا وجد نفسه في الجنوب يكون قرب "مقاثي" جده. نحن إذا تحركنا غرباً أو شرقاً أو شمالاً أو جنوباً ندور في نفس المكان.
بعد قليل عاد زوجها إلى البيت. وفي نفس اللحظة بدأ أولاده وأحفاده بالصراخ بسعادة وأخباره عن وصول "أحمد" واتصاله بعمهم عبيدة
نظر إلى زوجته وبسعادة ودهشة بدأ يتمتم:
-"الطيرة"! فلسطين. "أحمد" في "الطيرة" الآن! سوف يرى بيتنا!وشجرنا وأرضنا.
أحس بفرح كبير. شعر بأن امتداداً له يرى في هذه اللحظة شيئاً ما زال يحلم برؤيته كل يوم منذ خمسين عاماً.


























8

في هذا الأثناء كان "أحمد" و"عمير" يحاولان الوصول للمكان
بعد قليل وصل الأثنان قمة التلة. نظر "أحمد" يميناً فرأى بقايا بيت. اقترب قليلاً فوجد بيتا آخر بقربه. حاول الأثنان أن يجدا أي مغارة في المكان. وفجأة صاح "عمير":
- انظر هناك مغارة تغطيها بعض الأعشاب وأخرى بقربها. نظر "أحمد" ثم بدأ بالركض. وعندما وصل وجد بعض المغر وبالقرب منها بقايا منزل.
-هذا هو بيتنا.
-أمتأكد؟
- نعم، هذه هي المغر. إضافة إلى ذلك، انظر إلى ذلك الدرج قرب البيت! لقد كان بيتنا المنزل الوحيد كما أخبرني والدي الذي بجواره درج كان يستخدمه السكان للنزول من هذه التلة إلى الشارع الذي يمر من أمام منزل عمي سراج. الذي هو الآن مخفر.
- لكنني أعتقد أن أناسا قد سكنوا منزلكم بعد رحيلكم. وأن الدهان على ذلك الجدار المهدم حديث نسبياً.
- ربما! ولكن الآن ما عسانا أن نسأل وكيف نعرف من سكن ببيتنا بعد رحيلنا؟ فأنا أعتقد أن هؤلاء قد يكون لديهم شيء يقولونه.
- نعم، نعم. أنا أؤيدك بذلك.
- ولكن كما ترى لا توجد بيوت مسكونة قرب بيتنا. فالتلة مهجورة والمكان يخيم عليه السكون. وهذه الأعشاب التي تغطي الجدران تدل على أنه لم يُسكن منذ زمن بعيد.
-لكن ثمة بعض البيوت القريبة نسبياً من المكان. دعنا نذهب ونسأل ربما ساعدونا بأي شيء.
-ولكن هل تعتقد أنهم سيتفهمون ألمي ومشاعري مثلك؟
-حقيقة أنا لست متأكدا!فقط علينا أن نحاول.
-إذا هيا.
وبعد مسيرة عشر دقائق تقريباً وصلا مجموعة من المنازل الحديثة.
- أنا هنا لا أستطيع أن أفعل شيئا. أرجوك أطرق الباب فأنت تعرف لغتهم وعاداتهم. طرق عمير باب أحد البيوت. وبعد قليل فتح رجل في الخمسين من عمره تقريباً. بدأ معه "عمير" الحديث بالعبرية. وبعد أن أنهيا حديثا استمر دقائق، أخبر "أحمد" بأنه سأله عن كيفية التعرف على المنازل المهجورة التي تقع في تلك التلة المجاورة.
- وماذا قال لك؟
-أخبرني أن هناك مكتبا يتبع لبلدية قريتك قريبٌ من منزل عمك. هناك أشخاص يعرفون الكثير ولا سيما عن البيوت المتبقية وعن كل شيء تقريباً.
- لكنني لاحظت أنه كان منفعلاً كثيراً وشعرت بأنه لم يتكلم معك بشكل مناسب. نعم. بعد أن عرف أنني أحاول مساعدة شاب عربي لم يعجبه ذلك.وربما لاحظت من نبرة صوته أنه شتمني وشتمك.
-يشتمني؟ يشتمني وهو يستوطن أرضي!
ذهب الأثنان مسرعين إلى المكان. وعندما وصلا سألا عن الشخص الذي يمكن أن يرشدهم حول بيوت القرية ولا سيما الأماكن القريبة، فأخبرهم الرجل الجالس على (الكاونتر) أن هناك رجلا متخصصا بذلك في غرفة رقم 12 يستطيع مساعدتهم، ولأنه أيضا عربي من إحدى القرى المجاورة. ذهبا إلى ذلك المكتب وعندما وصلا وجدا رجلا تدل ملامحه على أنه عربي. لذلك بادر "أحمد" فوراً بالتكلم معه بالعربية.
-مرحباً.
- أهلاً.
- أنا "أحمد"، أصلي من هذه القرية، الطيرة، وأهلي من العائلات التي شردت من هنا عام 48.أنا هنا في زيارة لقريتي هذه "الطيرة".
- إذاً أنت طيراوي؟
قالها الرجل بلهجة مرحة مما أراح "أحمد" وجعله يشعر بأنه يستطيع الآن التكلم بأريحية أكثر.
- نعم نعم أنا طيراوي.
-أهلا بك وأنا سعيد برؤيتك. أنا نضال. متى وصلت؟ وابن من أنت؟ فأنا لا اسمع من أبي وأجدادي شيئاً أكثر من سماعي أشياء عن "الطيرة" وشهامة رجالها؟
-عدت إلى هنا البارحة فقط؟
وبعد أن جلسا طويلاً وشربا القهوة بمعية "عمير" سأل "نضال" "أحمد" عن أي خدمة ممكن أن يقدمها له، أجاب:
- أشكرك. القصة أنني قبل قليل زرت موقع بيتنا جنوب الطيرة. لكنني وجدته مهجورا. أريد أن أعرف شيئا عن هؤلاء الذين سكنوا بيتنا مباشرةً بعد أن أجبرت عائلتي على مغادرة الطيرة.
- لماذا؟
- الحق أن في ذهني سؤالاً أريد الإجابة عنه.
- إذاً دعنا نذهب معاً ونرى مكان بيتكم. فأنا أعمل في هذه القرية منذ خمسة وعشرين عاماً. لذلك أعرف تاريخ معظم هذه البيوت ولا سيما القديمة منها.
ذهب الثلاثة في تلك السيارة الجيب، وبعد مسير عشر دقائق تقريباً وصلوا مكان البيت.
-أين بيتكم؟
-هذا القريب من الدرج.
- آه أعرف هذا البيت. لقد سكنت فيه امرأة من السويد لمدة عشر سنيين تقريباً، ثم أجبرت بعد ذلك على مغادرته. وأنا أتذكر أنها انتقلت للسكن في منطقة الهدار. لكنني لا أعرف أين تسكن بالضبط الآن. كل ما أتذكره هو اسمها وأنها كانت تعمل معلمة. لا أذكر اسمها الكامل الآن. لكن هناك معلومات تفصيلية عنها في سجلات المكتب.
-هل هي عربية أم يهودية؟
-لا.هي ليست عربية وليست يهودية أيضا. هي سويدية وهي زوجة لرجل عربي توفي بعد الحرب. وكانت هذه المرأة تعمل ممرضة أثناء الحرب وممن تعاطف مع العرب وما أصابهم. لذلك قررت البقاء هنا لفعل أي شيء لهؤلاء العرب الذين بقوا هنا.
-حسناً. إذاً دعنا نعود إلى مكتبك، ونبحث عن اسمها
- حسناً دعنا نعود. ما رأيك يا عمير؟
- أنا أقول إذا عرفنا اسمها من الممكن أن نتصل بمقسم الهاتف فربما ساعدونا بالحصول على رقمها وعنوانها.
- هذا ممكن. عندما نصل مكتبي سوف نحاول ذلك.
بعد قليل عادوا إلى المكتب. وفوراً بدأ نضال بالبحث في السجلات. وفعلاً وجد الاسم.
-هذا هو اسمها.
-بدأت الفرحة على وجه "أحمد" وبسرعة طلب من نضال الاتصال والاستفسار عن اسم تلك المرأة ورقمها. قام نضال بالاتصال.

أقترح "عمير" على "أحمد" الذهاب إلى مديرية التربية التي تتبع لها منطقة الهدار، للسؤال هناك عن اسمها.

ودع الأثنان نضالا وانطلقا مسرعين بسيارة "عمير" إلى منطقة الهدار. وما أن وصلا حدود المنطقة حتى اندفعا بالسؤال عن موقع مديرية التربية. وبعد قليل وصلا إلى مكان التربية. فنزلا وطلبا مقابلة المدير، وبعد قليل سمح لهما بذلك. طلب "أحمد" من "عمير" أن يتكلم عنه.
- مرحباً. كيف يمكنني خدمتكم؟
تكلم المدير تلك العبارة بكل لطف.
- أنا "عمير" وهذا صديق عربي من الأردن جاء لزيارة "الطيرة" فهو أصلاً من هنا. وجاء للبحث عن بعض أقاربه.
بعد معرفة المدير بأن الشخص الذي يرافق "عمير" عربي تبدلت معالم وجهه، وبدا عابساً، وأجابهم بطريقة فظة بأن ذلك شيء قديم جداً وأنه من السخف التكلم عنه.
أخبره "عمير" بعد ذلك بأن مكتب الجمهور التابع للمجلس البلدي أعلمهم بأن امرأة اسمها (ليديا إيفانفنا) وهي سويدية الأصل هي الشخص الوحيد الذي سكن بيت "أحمد" مباشرةً بعد أن هاجر أهله. لذلك فهو يأمل أن يكون لدى تلك المرأة أي معلومات عن زوجة أبيه وبعض أقاربه. أخبرهم المدير بأنه يعمل هنا منذ سنتين فقط. لكن مع ذلك سوف يستفسر من سكرتيرته عن ذلك. وفعلاً قام المدير بطلب سكرتيرته وطلب منها بنبرة لا تخلو من استهزاء تزويده بأي معلومات عن هذا الاسم.
أخذت السكرتيرة الاسم وذهبت. وبعد قليل رجعت السكرتيرة وأخبرت المدير أن هذه السيدة قد عملت في ﺇحدى المدارس التابعة لهذه المديرية. لكنها تقاعدت قبل مدة طويلة، وتوفيت قبل خمس سنوات. نظر "عمير" إلى "أحمد" فوجده شديد الحزن.
بعد ذلك لم يتردد المدير من زيادة إحباط "أحمد" بالقول وبطريقة استهزائية دون أحساس بألمه وشوقه:
-إن كان هناك أصلاً قصة من هذا النوع تكون هذه القصة قد ماتت بموت هذه السيدة.
- خفف عن نفسك، الأمل ما يزال موجودا، قال "عمير" وهو ينظر بغضب إلى المدير. سال المدير السكرتيرة عن أسم المدرسة. فأخبرته بأنها ثانوية الزهور التي تقع قرب المكتبة العامة.
استأذن "أحمد" وعمير وقررا أن يذهبا إلى تلك المدرسة. وصل الأثنان ولكن طلب "عمير" من "أحمد" أن يبقى صامتاً لأن بعض هؤلاء الناس لا يتحملون حتى فكرة اسمه. دخلا فوراً إلى مكتب المديرة. وجدا في مكتبها العديد من المدرسات. وبدأ الحديث مع المديرة.
- في الحقيقة نحن هنا للاستفسار عن معلمة عملت هنا قبل مدة من الزمن. واسمها؟ ليديا إيفانفنا.
-آه، ليديا! لقد توفيت هذه المعلمة الرائعة قبل سنوات.
- نعرف، لكن هل من الممكن أن تخبرونا عن مكان سكنها؟ فربما وجدنا أحدا من ذويها للاستفسار عن أمر خاص يخص صديقاً لي. نظرت المديرة إلى إحدى المدرسات وعرفتها على أنها صديقة ليديا المقربة. مرحباً بك، قال "عمير" موجهاً كلامه إلى المعلمة.
-أهلاً.أرجوك ساعدينا بذلك.
-الصحيح إن ليديا توفيت ولم يبق لها إلا ابنة اسمها "أولا".
- أيمكن أن نزورها؟
- نعم. ولكن علي الاتصال بها والاستئذان منها.
قالت ذلك ولم تدرك أن مرافق عمير عربي، لأنه بقي صامتاً، بناءً على طلب عمير
- ومتى يمكننا زيارتها؟
- أعطني رقمك وسوف أتصل بك قبل المساء.
في اللحظة التي هم بها الاثنان بالمغادرة بدأ المطر بالتساقط. هذا المطر الذي غالباً ما ياتي في هذا الوقت من نيسان ويصفونه على أنه يأتي لوداع فصل الشتاء. نظر "أحمد" إلى السماء وتنهد.
- آه يا عمير! هذا هو المطر الذي أحب وتمنيت أن أرى. هو المطر الذي رآه أبي وأمي. كم هو جميل! أرجوك دعنا نعود ثانيةً الآن إلى "الطيرة" حتى أراه هناك. حول عمير اتجاه السيارة وبدأ القيادة باتجاه "الطيرة" التي لا تبعد إلا دقائق. وبعد الوصول ترجل "أحمد" من السيارة وبدأ بالمشي تحت المطر.اشتد المطر واشتدت سعادته به.
-آه ما أجمل حباته وقطراته. هذا المطر الذي طالما انتظره أبي من أجل أرضه ،والآن أنا أنتظره من أجل هدف لم يخطر ببال أبي يوماً بأنه سيكون سبب انتظار. وبدأت أصوات الرعد بالارتفاع والبرق والمطر.
- آه ما أجملك! أحبك يا مطري ويا برقي ورعدي. نظر عمير إلى "أحمد" وهو يسير تحت المطر ويضم حباته ويفتح أذنيه للرعد أكثر ويحدق بالبرق دون خوف أو تردد.
- ما أجملكِ من أصوات. كأنني يا عمير أسمع الرعد لأول مرة، وأرى البرق لأول مرة، ولأول مرة أرى وأميز شكل الماء الذي أشربه. أين أنت يا لحف المغر وأين أنت يا بئر فضل وبئر بثينه؟ هل ما زلتما تنتظران هذا المطر؟ وهل ما زلتما معنيين بالامتلاء بعد أن أجبر على هجركما الأحباب؟هل ما زال المطر يسير إلى موقعيكما كما كان بعد أن ذهب هؤلاء الذين لم يكونوا معنيين بشيء كما هم معنيون بضمكم ؟ وكيف تكونين الآن تحت المطر؟ وهل ما زالت هناك بعض بقراتنا وماعزنا التي اعتادت أن تجد بك ملجأها الأخير تحت هذا المطر الجميل قريبة من المكان؟ ابتسم المطر من جديد وبدأ يداعبه ثانيةً ويأتي ﺇليه من اليسار ومن اليمين؟ شعر بأنه يهطل من أجله حتى يجعله يراه.بدأ من أجله يستعرض كل أشكاله. مطر هادئ وصاخب بينما البرق يضيء مكان اللقاء والرعد يطلق العنان لصوته الجميل. برد و مطر.أحب شعره كما لم يحبه يوماً وهو يراه مبتلاً بمطر أبيه وعمه وأجداده، وحبات المطر تتساقط منه على جبينه. شعر أن الله قد حباه بأن سمح له اللقاء ليس فقط بأرضه بل أيضا بمطره. هذا المطر الذي قرر زيارة المكان فقط حتى يقابله.
- أرجوك لا تنه زيارتك فأنت الوحيد من تبقى لي من أهلي في أرضي الآن بعد أن ضربها الزلزال.أنا وأنت فقط نسير بين الأنقاض.لا يغرنك ذلك البيت الجميل الذي ما زال قائما فقد دمره الزلزال من الداخل وحوله إلى مخفر. لا نحب النوم به بعد أن كنا لا نستطيع النوم إلا به؟! ابق رعدك فأنا لا أفهم غير لغته بعد أن غابت لغتي عن المكان، وأبق برقك حتى يضيئه في هذا الشتاء الذي لا بد أنه يفقد كما أفقد الرؤوس التي اعتاد أن يهطل عليها.لا بد أنه كما أنا يفتقد الروح الجميلة والعصبية الطيبة التي يمتاز بها سكان هذا المكان الجميل والذين كانت تصيبهم عندما كُنت تفاجئهم بمطرك الجميل من غير أن يكونوا جاهزين بعد، فتبللهم وتجبرهم على الرجوع إلى بيوتهم، وهم يرتعدون خوفا من أن يطولهم البرد الذي أتمنى أن يطولني أنا الآن! فأنا أتخيلهم كيف كانوا يحنقون عندما يبلهم مطرك في هذا الشارع الذي كان جميلا! استمر "عمير" بمراقبته وهو لا يستطيع أن يرى غير مطر ولا يسمع غير رعد! بينما "أحمد" في حفل لقاء ضم لفيفا من الحب والذكريات وقطرات مطر!
توقف المطر وعاد إلى السيارة.
- علينا أن نأخذ قسطاً من الراحة قبل أن نبدأ بحثنا من جديد.
أدعوك إلى الغذاء. هناك مطعم رائع قريب من الدالية، قال ذلك وهو يحدق ب"أحمد" وهو يعيش كل هذه السعادة.
-لكن اعتبرني أنا الداعي.
-لا يوجد فرق بيننا، وأنا أعرف كرم العرب الأصيل

وصلا المطعم، واستمتعا ببعض الراحة، وبعد أن انتهيا من الغذاء ذهبا إلى بيت عمير.


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى الطيرة
 

شارك بتعليقك