فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
لقاء البحر تكملة الرواية (3) الدكتور محمود السلمان
شارك بتعليقك  (تعليق واحد

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى الطيرة
כדילתרגם לעברית
مشاركة محمود السلمان في تاريخ 4 كنون أول، 2009
لقاء البحر تكملة (3) 8
في مساء جميل وبينما كان "أحمد" وعمير يشاهدان التلفاز، وتقريباً في الثامنة، رن جرس عمير.
- نعم أنا عمير. أهلاً سيدة تريزا. حسناً. سوف نكون عندك في العاشرة بالضبط. وبعد أن أغلق الهاتف، أخبر "أحمد" إن ابنة "ليديا" وافقت على لقاءهم غداً في العاشرة والنصف. لكن عليهم لقاء تاريزا قبل ذلك في العاشرة.

بعد ذلك غادر "أحمد"، وفي الطريق أراد أن يشتري زجاجة ماء معدنية من دكانٍ في الطريق. وفي لغة إنجليزية بسيطة سأل الرجل الذي يعمل في الدكان ﺇذا كان يستطيع أن يتكلم معه بالإنجليزية. لكنه لاحظ أنه لم يفهمه. فسأله ﺇذا كان يعرف اللغة العربية. فأجابه أنه يعرف القليل من العربية. لكنه بعد ذلك بدأ يتعامل معه بأسلوب غير مريح، بينما الشبان الذين كانوا حولهم بدأوا يتمتمون بكلمات عبرية لم يفهمها "أحمد"، كان الاستهزاء واضحاً فيها، إذ ﺇنها ترافقت بضحك وغمز ولمز. وفي لحظات جاء شاب كانت ملامحه تدل على أنه عربي. وما هي إلا لحظات وإذا بالشاب يتجاذب حديثا حادا مع أحد الشبان بعد أن لامس ظهره عن دون قصد مفتاح الكهرباء. وفجأة نطق كلمة بالعربية تأكد بعدها أحمد أنه عربي. فقال له:
- ما بك، وما بال هذا الشاب؟
-لا شي، فقط لا يتحملون وجودنا. الشيء الوحيد الذي فعلته أن ظهري لامس مفتاح الكهرباء كما رأيت، مما أدى إلى انطفاء حوض الماء الذي به السمك للحظات لم تتعد ثواني كما رأيت. لكنه بادل اعتذاري بشتيمة
-لكنك لم تفعل شيئا وقد اعتذرت.
-لا أحتاج أن أعمل شيئا حتى يعاملوننا هكذا
وفجأة جاء شاب طويل، وبعد أن تبادل بعض الكلمات مع ذلك الشاب اليهودي نظر باتجاه "أحمد" والشاب العربي، وكان واضحاً انه أخبر بالجدل الذي تم، وصفع الشاب العربي على وجهه، وما هي إلا لحظات حتى كان الكل ينهال عليه بالضرب مع أن بعضهم كان بعيدا والمفترض أنه ليس طرفاً بالنقاش. وبعدها بدأ الشاب يصيح يا أخي يا أخي. وما هي إلا لحظات حتى جاء اثنان منهم قرب "أحمد"، ودون أن يتكلموا بشيء قام أحدهم بركله على بطنه، وما أن وقع على الأرض حتى بدأ الجميع بركله وشتمه. حاول كل جهده الدفاع عن نفسه لكن عددهم كان كبيراً. ﺇن أكثر ما أحزنه كان منظر ذلك البائع كبير السن هو وسيدة أخرى كبيرة كانت بقربه وراء (الكاونتر)، وهما يضحكان ويشجعان وكأن الذي يضرب ليس من البشر. استمرا بالضحك حتى عندما كان يحاول إيقاف الدم من أنفه ومن وجه الشاب العربي. أحزنه أن شيب رأسيهما وكبر عمريهما لم يمنعانهما من الصلف والضحك بموقف محزن كذلك الموقف.
-أنا آسف يا أخي لما حصل
-أرجوك أوصلني فقط للشارع الرئيسي وأنا أستطيع تدبر أمري بالذهاب إلى قريتي
مشى الأثنان متثاقلين إلى أن وصلا الشارع الرئيسي. وبصعوبة وتعب وحزن سأل:
-ما اسم قريتك؟
أجاب وهو يتألم
-أنا قاسم، فلسطيني من قرية المكر.
-أنا "أحمد". وأين تقع قرية المكر هذه؟
-قرب عكا. أنا أصلاً من المنشية القريبة من عكا، إلا أنهم أفرغوا القرية من سكانها العرب وجمعونا في قرية المكر. قال ذلك ويده على بطنه من الآلم
وبعد أن وصلا الشارع الرئيسي بقي برفقة قاسم ولم يفارقه إلا بعد أن أطمأن أنه يستطيع الذهاب وحده.

سار "أحمد" وحيدا بعد ذلك، وصورة الرجل العجوز وهو يضحك لا تفارق رأسه. لم يستطع الذهاب مباشرة إلى سكنه. وعندما وصل مكان السكن لم يدخل إلى غرفته مباشرةً بل تبادل الحديث قليلاً مع المناوب الليلي في غرفة الاستقبال الذي التقاه في اليوم السابق وتبادلا الحديث بالانجليزية
-مسا الخير سيد عايزر
- كيف كان يومك؟ وما به أنفك؟ لم يشأ الإجابة لأنه لا يريد تذكر ما حدث ولا يريد أيضاً إثارة الموضوع مع أحد لا يعرف حقيقة إحساسه من الداخل
-كان جميلاً لكنه ليس كذلك الآن.
-خير ماذا حصل؟
-ليس لي رغبة بالتحدث. المهم أنا بخير.
-على فكره. ما هي مهنتك؟
-أنا مهندس.
-وأنت؟ أتذكر أنك قلت لي البارحة أنك تعمل هنا دون تفرغ ليس أكثر
-نعم. أنا طالب. وأعمل هنا جزئياً.
-ماذا تدرس؟
-آثار وسياحة.
-لكن لغتك الإنجليزية ممتازة.
-نعم. أنا أتعلم الإنجليزية منذ صغري، لقد كان أبي يعلم الإنجليزية في إيران.
-إيران؟!
-نعم. فنحن يهود من إيران
-إذا أنت تتقن الفارسية أيضا؟
-لا.
-لا! لماذا؟
-في الحقيقة أنا كنت مضطرا لتجنب هذه اللغة وأنا صغير لا سيما في المدرسة كي لا يعلم زملائي أنني يهودي من إيران. فقد كنت أتظاهر أنني من يهود الكرمل.
-ولماذا يهود الكرمل؟
-لأنه ينظر اليهم كطبقة أرقى وأغنى. لكنني الآن أشعر بالندم لأن مثل هذه الأفكار جعلتني أخسر فرصة تعلم لغتي الأم. أي لغة ثالثة
-أنا فعلاً سعيد بالحديث معك. لكن عليّ الذهاب للنوم بعد هذا اليوم الصعب. تصبح على خير سيد عايزر
-وأنت من أهله
9
كانت تريزا تقيم في بيت لا يبعد كثيراً عن وسط المدينة في ضاحية "شفيديا". جلست في حديقتها تفكر في هذا اللقاء المرتقب مع عمير. وفجأة قرع الباب
كان عمير و"أحمد" قد وصلا بيت تاريزا. وبعد قليل فتحت تاريزا الباب. ابتسمت وقالت:
- مرحباً بكما. تفضلا.
نظر عمير إليها ثم إلى "أحمد" وقال:
-لا أرجوك دعينا نذهب بسرعة فأحمد لا يستطيع الانتظار.
- "أحمد"؟ قالت ذلك بدهشة
- نعم. مرافقي اسمه "أحمد"!
بدا على تاريزا الذهول. لكن لم يكن هناك مجال للتراجع. فقد كان "عمير" لطيفاً جداًً، لذلك كان من الصعب التراجع. لكنها بقيت صامتة لبعض الوقت
حسناً إذا كانت تلك رغبتكم.


انطلق الثلاثة بالسيارة، وبعد قليل وصلوا ضاحية "دينيا"، في جبل الكرمل حيث تقيم "أولا".
-هنا تقيم "أولا"، وهذا هو بيتها،
. أحس "أحمد" بقلبه ينبض بقوة، وشعر بأن أمله هنا سيبدأ أو هنا سينتهي. طرقت تاريزا الباب. بعد قليل فتحت الباب امرأة بيضاء طويلة القامة، ذات عينين زرقاوين، تبدو عليها الملامح الأوربية بشكل واضح.
- مرحباً "أولا"،
قالت "تاريزا" ذلك وهي تضمها. ثم أكملت حديثها:
-هذا عمير وصديقه "أحمد".
ابتسمت "أولا" وقالت:
- تفضلوا.
جلس "أحمد" وبدأ ينظر في كل اتجاه كأنه يأمل في رؤية أي شيء يتعلق بعائلته. وبعد أن أحضرت القهوة سألت "أولا":
-كيف يمكنني مساعدتكم؟
نظر "عمير" إلى "أولا" وقال وهو يضع يده على "أحمد":
- أنا هنا من أجل صديقي "أحمد".
في هذه اللحظة نظرت "أولا" بسرعة إلى "أحمد". وبعدها استهل عمير كلامه
- مع أنني أصبحت مدركاً حتى لتفاصيل قصته، إلا أن "أحمد" يستطيع توضيح الأمور أفضل مني. فهي قصته.
رحبت "أولا" بذلك وقالت:
-أرجوك تكلم. وتستطيع أن تحدثني بالإنجليزية أو العربية، إذ إنني من أصل عربي. لذلك أتحدث العربية أيضا ولكن بمستوى أقل، قالت ذلك بلكنة.
بدأ يحدثها عن أخيه الذي لم تستطع أمه جلبه من "لحف المغر" وكيف أن الجنود منعوها من الوصول للمكان. لكن هدفي الآن معرفة أي شيء عن زوجة أبي التي كانت أيضا تعيش في بيت قريب من بيتنا.
وما أن أنهى حديثه حتى كانت "أولا" مشدوهةً بهدوء "أحمد" وفصاحة لغته وجمال تعبيرها وقوة تأثيرها.
- أنا آسفة وحزينة لما أسمع ولكن لماذا تريدني أن أساعدك بذلك؟ وما علاقتي بما تقول!
-هذا صحيح. لكن أمك هي أول امرأة سكنت بيتنا بعد الهجرة. فأنا اعتقدت أنها ربما كانت تعرف أي شيء عن هذا.
- صدقني لم أسمع عن شيء مما تقول.
شعر بالإحباط وطلب المغادرة. لكنها رجتهم البقاء لشرب القهوة وأصرت. فقد كان أسلوب "أحمد" وهدوؤه مصدر اطمئنان وراحة لها.
-قل لي. مع أن الموضوع بعيد نوعاً ما عن غايتك من الزيارة. أين تعلمت الإنجليزية؟
-في البيت. فأنا قارئ نهم للآداب ومهتم بالأدب المقارن.
أجاب عن ذلك مع أنه لم يكن بمزاج للتكلم عن أي شيء آخر غير ذلك الذي آتى من أجله. مع أن "أولا" استمرت بالأسئلة:
-لماذا الأدب المقارن؟
-لأنني أعتقد أن ثم علاقة وطيدة تربطنا نحن البشر جميعاً كأناس قبل أن نكون أي شيء آخر. أنا أعتقد أن الأدب أجمل وأنسب شيء نستطيع البحث فيه عن مثل هذه الرابطة!
-ما رأيك لو قلت لك أنني متخصصة بالأدب الإنجليزي؟
-أكون سعيداً بذلك. لكن أرجو أن تكوني مهتمة بكتابات جوزيف كونراد؟ فهو كاتبي المفضل.
-لا أبالغ إذا قلت لك أنني قرأت معظم رواياته.
- إذاً ما رأيك بروايته "قلب الظلام"؟
-أنها من أعظم ما قرأت!
-لكنني أختلف معه. فأنا أعتقد أن الإنسان في الأصل جيد، ربما الظروف تجعله غير ذلك
بعد شرب القهوة أستأذن "عمير" و"أحمد" بالمغادرة. غادر الثلاثة، وبقيت "أولا" تفكر بهذا الغريب وتتذكر منظره عندما أعلمته أنها لا تعلم شيئا. كيف أصبح محبطاُ وحزيناً. لكنها تذكرت أكثر وعيه وثقافته. حاولت أن تفسر لنفسها رغبتها الشديدة لرؤيته عندما هم بالمغادرة! لقد نظرت إليه وشعرت بأنها أسعد عندما رأت به أدباً وخلقاً يتناسق تماماً مع ثقافته ولغته. شعرت بأن شيئاً ما تحرك بداخلها تجاه هذا الإنسان. شيء تشعر به للمرة الأولى تجاه رجل. قررت أن تساعده. في غمرة هذه المشاعر والحزن والحيرة، خطر على بالها أن تذهب إلى صديقة والدتها "جوليانا" الأيطالية، التي كانت تعمل راهبة في دير في حيفا وممرضة لمعالجة المصابين في زمن الحرب والتي أصبحت بالنسبة لها مكان والدتها بعد أن توفيت.

10


أحست بأن ثمة شيئاً ما في نفسها تود أن تفرغه لشخص آخر تثق به حتى تشعر بالراحة. في اليوم التالي ذهبت إلى منزل "جوليانا" التي تقطن قريبة من وادي النسناس.
في التاسعة صباحاً كانت تطرق بيت "جوليانا". فجوليانا هي السيدة التي تستطيع أن تحدثها بكل شيء بما في ذلك مشاعرها الخاصة التي تحركت تجاه "أحمد". كانت تحتاج أن تفرغ شيئاً ما بداخلها.
-أهلا "أولا". كيف أنت؟
مشتاقة يا خالتي، "فهي كانت بالنسبة لها بمقام خالتها".
-لم أرك منذ فترة؟
كنت فعلاً أنوي زيارتك.
-شكراً يا خالتي. فأنت صديقتي الغالية.
وأنت يا "أولا" حبيبتي.

نظرت "أولا" إلى خالتها وصمتت قليلاً ثم قالت بصوت متردد:
-لقد زارنا عربي البارحة، وهو من الأردن. استمرت بالنظ\ر إلى خالتها منتظرةً الإجابة وردة الفعل.
-لماذا زاركم؟
-أتعرفين بيتنا في "الطيرة"؟ أو قولي بيتهم.
-ماذا؟ ماذا تقصدين؟
-أنه ابن صاحب البيت الذي سكنا فيه.
-ماذا؟
-نعم. المشكلة أنه زارنا باحثاً عن زوجة أبيه التي فقدوها خلال الحرب.
ماذا يا "أولا" ماذا؟زوجة أبيه؟ ما اسمها؟ ماذا قال؟ أرجوك أخبريني.
-لم يقل أي شيء تفصيلي لأنني قطعت عليه النقاش، وقلت له إنني لا أعلم شيئا مما يقول.
يا الهي يا "أولا" يا الهي!-
-ماذا يا خالتي؟ لماذا تقولين ذلك؟
تماسكت خالتها قليلاً. وأكملت:
-نعم أتذكر تلك المرأة. لقد بقيت تسكن هناك لبعض الوقت ثم انتقلت للسكن في منطقة تينة البستان القريبة من الدالية. نعم كان يسكن بالقرب من البيت الذي سكناه امرأة عربية. في الحقيقة إنها درزية. وأعلم أنها هجرت وذهبت للسكن في منطقة الدالية لأنها أصلا من هناك. وما زلت أذكر أنها أخبرتني بأنها ستسكن منطقة زراعية تسمى تينة البستان.

وما أن أنهت حديثها حتى كانت "أولا" تقوم بالاتصال بأحمد
-ممكن أن نتقابل اليوم؟
-طبعا طبعا. هل لديك أي أخبار؟ أرجوك تكلمي.
-نعم نعم. سوف تسمع ما يسرك. أرجوك دعنا نتقابل الآن وسوف تسمع كل شيء.
-أين نتقابل.
-في بيتي. سأعطي "عمير" العنوان.
"عمير" بالتأكيد يتذكره، ولكن أي ساعة؟
-الثالثة عصراً.
-حسناً.
في الثانية وخمس وأربعين دقيقة كان "أحمد" وعمير في بيت "أولا".
-أخبريني ماذا تعرفين. قال، فأجابت:
-زوجة أبيك تسكن منطقة اسمها تينة البستان في الدالية. هذا ما أخبرتني به خالتي التي كانت في سن (في ذلك الوقت) يمكنها من تذكر الأشياء.
-آه يا "عمير". لماذا لم يخطر ببالي السؤال عنها في الدالية؟
-لا. أجاب "عمير". من الصعب إذا لم يكن لديك تفاصيل عن عنوانها. فالدالية أصبحت مكانا كبيرا.
في غضون ساعة من الوقت كانا في الدالية يسألان عن تينة البستان. وبعد نصف ساعة تقريباً كانا يسيران في طريق زراعي أوصلهما إلى بيت يحيط به بستان. توقفت سيارتهم. وفجأة على صوت السيارة خرجت امرأة طاعنة في السن من البستان.
اقترب الأثنان أكثر وإذ بالمرأة التي ترتدي لباساً عربياً تقليدياً تصيح وتسألهم عن سبب وجودهم في أرضها.
تفاجأ أحمد أنه يسمع شيئا عربياً يفهمه جيدا ويشبه إلى حد بعيد لهجة هؤلاء الذين لم يحب يوماً أحدا كما أحبهم
أجاب:
- إنها أيضا أرضي قالها مداعبا
-نعم، أجابت بعصبية أحبها فهو أيضا معتاد على هذا النوع من الانفعال الذي ما يتبعه عادة مسامحة ومحبة.
-تقول أرضك. هذه أرضي وأرض أبنائي. لكنك عربي. (من أنت يا ولد)، ومن أين أنت؟
-أنا اسمي أحمد. أصلا من الطيرة ومن هؤلاء الذين أجبروا على مغادرتها يوماً
-(يعني أنت طيراوي؟)
-نعم
وما أن سمعت كلمة نعم حتى صرخت:
-(ابن من أنت يا حبيبي)
قالت ذلك وهي تقترب وتبدأ بملامسته كأنها تلمس شيئا خاصا بها ومن حقها الطبيعي والشرعي أن تلامسه
-أنا ابن رجل يقال له سعيد أبو يوسف.
-سعيد من؟
قالت ذلك بأعلى صوتها وعيناها مشدوهتان
-سعيد الأسعد
-سعيد الأسعد؟ تقصد الراوي
-نعم هذا كان لقبه بالطيرة
-يا حبيبي يا عمري
قالت ذلك والمفاجأة تأخذها وهي تضمه وتصيح وتقبله وتضمه
-تعرف من أنا قالت ذلك وهي تنظر إلى "عمير" وتصيح وتنادي أبناءها،
أجاب وهو ينظر إليها بكل ما أوتي من مشاعر الحب والاشتياق
-طبعا أعرف. أجاب حتى قبل أن يتأكد منها بالضبط من تكون. فقد كان إحساسه كافيا للتأكيد له إنه يقف أمام الحاجة تمام. فأنا هنا من أجلك.
-من ثيابك أستطيع أن أقول من انت!
-أنا الحاجة تمام الملقبة بأم الهند
-نعم. قال أحمد ذلك بدهشة أكبر. يعني أنت الحاجة تمام فعلاً، قالها ثانية وهو يضمها بكل قوته.
-نعم نعم
-"عمير" هذه الحاجة تمام التي أخبرتك عنها. هذه أمي أنت أمي. بدأ يقول ذلك بطريقة مهلوس وهو يكاد يطير من الفرح والمفاجأة والسرور وعدم التصديق.
في هذا الأثناء أتى كل من كان في البيت على هذا الصريخ وبدأوا ينظرون وهم لا يعلمون ما يجب فعله أو ماذا يحصل.
- زوجي أبو يوسف. زوجي زوجي أبو يوسف. بدأت تكرر تلك الكلمة أكثر من مرة وكأنها تريدها أن لا يكون في هذا الأثناء حقيقة أكثر منها كأنها تريد أن تعوض كل السنيين التي لم تقل بها هذه الكلمات.
وفجأة صمتت وسألت أحمد وهي تضم شابا في ربيع العمر طويلا أبيض البشرة ووسيم وشكله إلى حد كبير لا يبدو غريباً
-هل تعلم من هذا؟!
وقبل أن يجيب وبينما الجميع التزم الصمت وبدأ ينتظرها لتكمل كلامها أجابت وأحمد يفتح فمه منتظراً مفاجأة أكبر لكنها كانت أكبر من كل ما توقع
-هذا فايز
-فايز؟ من فايز؟ قال ذلك وهو ينظر إليه
- ابن أخيك يوسف
-يوسف؟
لكن أخي يوسف استشهد في الحرب وهو ما زال في لفته
-لا يا حبيبي
في هذا الأثناء نظر أحمد إلى فايز ولم يستطع حتى ضمه أو الاقتراب منه قبل أن يسمع شيئاً.
وفي سعادة غامرة وبينما هي تهم في تكميل الحديث خرج من الكرم رجل طويل وسيم ملامحه صامته لكنها ليست غريبة على الإطلاق ينظر إلى كل المتواجدين. أكملت حديثها وهي تشير إلى الرجل وهذا هو يوسف أبو فايز
أوشك أحمد على السقوط في هذه الأثناء وهو لا يعرف ما يفعل وهول المفاجآت يتساقط على رأسه. فانهار وجلس على الأرض
ركض الكل إليه وحملوه إلى الداخل.
حتى يوسف ركض من غير أن يعلم أي شيء عن تفاصيل المشهد
بدأ يلامس يوسف ويقول:
- أنت يوسف كيف كيف؟.
كان الشبه الكبير بين يوسف وأبيه هو ما شجع أحمد وأثار مشاعر أحمد من بين هذا البركان من المفاجآت وجعله يتصرف على هذا الشكل.
وبسرعة سأل يوسف أمه عما يحصل
فصرخت:
-يا يوسف هذا أحمد ابن الحاج سعيد. يعني أخوك. أخوك قد آتى إلى هنا لزيارة الطيرة للبحث عني. عندما ذكرت أمه اسم أبيه نظر وشعر بأنه بدأ يستوعب ما يحصل.
كان الموقف يتطلب الهدوء والحديث بوضوح أكثر لأن الأمور كان لا بد من توضيحها وشرح ما يحصل أكثر.
هنا بدأ أحمد بالحديث
-لكن أمي أخبرتنا أن يوسف قد قتل وشاهدت ذلك بأم عينيها؟
-تنهدت الحاجة تمام. وبدأت تحدث قصتها
أبوك يا أحمد غالي على. غالي جدا سعيد. بعد أن علمنا بمغادرة أهل الطيرة القرية وعلمنا بقصفها أتيت فورا من بلدتي الدالية إلى الطيرة للاطمئنان عليكم. وصلت البيت فوجدته خالياً. انفطر قلبي حزناً عندما وجدته خالياً من أبي يوسف وأم يوسف. انفطر قلبي حزناً عندما وجدته كما هو مليئا بخيراته إلا ممن يملكه. وفجأة وأنا أتجول بين الغرف تفاجأت بوجود يوسف يغطي وجهه الدم ومصاب في أماكن عدة. حملته وركضت به إلى المسجد حيث كان ما زال بعض الطيراويين يختبئون هناك. وجدناه ما زال حياً. وقد صاح بذلك الشيخ سلوم الذي كان حكيماً للقرية في تلك الفترة إضافة إلى عمله كحلاق. تولى الشيخ سلوم توقيف النزيف وقامت العديد من النساء وخاصة "الشوكانية" أم العبد بإرضاعه. بقينا في المسجد أربعة أيام. انتقلنا بعدها إلى الهدار ومن ثم انتقلت أنا وحدي مع يوسف إلى بيت أهلي في الدالية. وبعد أيام قررت أن أعود إلى الطيرة ثانية حيث أن هذا بيت زوجي وقبل أن يأخذه اليهود ويعتبرونه أملاك غائبين. لكنهم طردونا ومنعونا من البقاء في بيتي. فعدت أنا ويوسف إلى هنا وأقمنا وطورنا كل شيء في هذا المكان الذي هو أيضاً لأبيك وحافظنا عليه. لذلك كما تلاحظ أننا العائلة الوحيدة التي تعيش في المكان. لكن الحمد لله كل بساتين وأملاك والدك ما زالت باسمه ونملكها نحن.
كان الكل يستمع باهتمام. حتى هؤلاء الذين يعرفون القصة مثل يوسف نفسه الذي لطالما سمعها من الحاجة تمام. وحتى "عمير" كان لا يصدق ما يسمع ويشعر بإحراج ما مما سببته دولته لهؤلاء الناس. اقترب يوسف من أحمد وفجأة وبعد أن استوعبا ما يحصل ضم الأثنان بعضهما.
-أخي حبيبي. قال أحمد ذلك وهو لا يصدق ما يقول. وفجأة تذكر أمه فهمس ماذا ستفعل أمي عندما تعرف؟
عندما سمع يوسف كلمة أمي من أحمد شعر للمرة الأولى بعاطفةً من نوع ما تتحرك بداخله. شعر بأنه بدأ يقترب من شيء لا بد من الاقتراب منه بعد أن سمع الحقيقة. أنه يستطيع أن يقول ثانية أمي. حتى لو لم تكن لأمه "تمام". الشيء الوحيد الأكيد أن تلك الأم قد قالت لي يوما ابني وأنها لم تنقطع عن الهمس بها في كل المناسبات. شعر بأنه بدأ يحب شيئا ما. كانت تخيفه فكرة أنها لا تعيش في فلسطين. لكنها أم أكثر من كونها أي شيء آخر. وأنا كنت ابنها عن قرب لمدة ستة شهور. ها أنا أعود لشيء كنته ولن أكون شيئا لم أكنه. قام وجلس على السرير وترك الكل وشعر بأنه أقوى. شعر بأن الفكرة لا تخيف. بدأ لأول مرة يتخيل شكل تلك المرأة التي لا بد أنها تحبه وأن حرمانها منه لا بد جعله عندها أغلى شيء في الكون. علي أن لا أخاف من الحب. لكنها تعتقد أنني ميت؟ هناك حب لي مكتنز ومخزون في صدر لا بد أن يكون حنونا وإنسانيا. لكن الحاجة تمام هي أمي وهي من أنقذني ومن أرضعني ومن ضمني عندما كنت فعلاً بحاجة للضم والحنان. وقد كانت كبيرة في سلوكها وإيمانها كما كانت في كلامها عندما أخبرتني في مرحلة مبكرة عن حقيقة أنها لم تكن أمي الحقيقية وأن هناك أم عظيمة لي فرض عليها القدر والزمن وقسوة الزمن أن تغادرني مجبرة كما فرض ذلك على كل أبناء القرية. لا بد أن أمي تلك فعلاً عظيمة، كيف لا وقد أخبرنا أحمد أنها من أصر عليه للقدوم هنا للاطمئنان على الحاجة تمام والبحث عنها مع أنها في العرف الغالب هي زوجة منافسة. إذاً أنا أبن لأمين عظيمتين، واحدة كانت كذلك عندما كانت الأم الفعلية وحاربت الجنود وتحدتهم من أجلي فكانت أما مثالية، وأخرى كانت كذلك عندما فرض القدر عليها أن تكون أماً لي. فكانت خير أم أيضاً.
بدأ يحب "أحمد". ذلك الرائع الذي هو هنا للبحث حتى عن الحاجة تمام. أين "أحمد"؟ لا بد أنه توارث حبي من أمي. كيف أخاف من الحب؟ كل الذي يحدث حب! رجوعه هنا في أول فرصة سمحت له بالقدوم حب، تذكرها لي إلى اليوم حب. حزنها الذي لا بد كان كبيراً حب أيضا. حتى أنه يبحث عن الحاجة تمام بين العائلات اليهودية. لا شيء يهمه، سوى العثور عليها. أصبح الحب عنده والرغبة في إيجادها أهم من كل القضايا والأحزان والسياسة والحرب والهزائم والنصر. وتلك المرأة كنت يوماً أقرب إنسان إليها. ألم أكن يوماً في أحشائها؟ حتى بعد ولادتي كان من المفترض أن أكون قريبا لولا حدوث تلك الطفرة التاريخية التي جعلت مني بعيدا. وماذا عن أبي؟ لا بد أنه أيضا تواق لرؤيتي. وماذا عن إخوتي وأخواتي؟ فهم كما كنت أسمع يحبون الأولاد. لذلك لا بد أن لي إخوة وأخوات عدة. شعر بالسعادة لأنه استطاع أن يقول أبي وإخوتي. فكرة استعادة الأم أسعدته. لكنه كان يشعر بأن جزءا من السعادة يتأتى من فكرة استعادة "الحاجة تمام" كأم وتجسيدها في أمي الجديدة لكنها الحقيقة. شعر بأنه انتقل من الطفولة إلى الرجولة دون المرور بكل المراحل التي يفترض أنها تتوسط هاتين المرحلتين. شعر بأنه طفل تحرك من اللفة ليقف على قدميه، عمره خمسون عاماً. شعر أن مذاق الحليب ما زال في فمه وأنه بدأ شربه وهو ممدد في لفته وأنه يمسح بقاياه الآن بعد أن وقف على رجليه. شعر أن المسافة بين الأرض التي كان ممددا عليها بلفته ووقوفه خمسين عاماً. شعر بأن هناك خيطا من الحليب يربط فمه وهو واقف في الخمسين من عمره وفمه وهو ممدد وعمره ستة شهور يجعل من الفمين فماً واحداً.
عندما رأى يوسف كل هذه السعادة في عيني "أحمد" شعر بأنه مهم من جديد، وبأنه ليس ورقة في مهب الريح. شعر بأن هذا الحب الذي في قلب هذا الشخص سيفيض عليه. شعر بأن عليه أن يتجهز لموجة حب وعاطفة مكتوبة و كبيرة قبل أن ينبس بكلمة واحدة
-أنا الطفل!
قالها يوسف بشكل مفاجئ.
-ماذا؟
-هذا أخوك يا "أحمد" وهذه الأشياء التي كانت معه وما زلت أحتفظ بها.
نظر "أحمد" إلى أخيه ثانيةً وفعل يوسف الشيء نفسه
-أنت "يوسف"؟ قالها وهو يلامس يديه. وما أن جاءه الجواب بنعم حتى ضمه. ووجد "يوسف" نفسه يضم "أحمد" بالقوة نفسها. شعر بأن شيئا صادقا وحقيقيا وجميلا بينهما في تلك اللحظة. لكن "أحمد" تمالك نفسه ورغب بالتأكد من أنه فعلاً مع "يوسف". لذلك نظر إلى وجه "يوسف" ثانيةً ورأى ولاحظ الشبه الكبير بينه وبين أبيه. وكان هذا السبب المباشر الذي جعل "أحمد" يتقبل الفكرة، ويصدق ما يدور ومع ذلك أصر وبطريقة لطيفة ومهذبة على مشاهدة كل شيء في "يوسف" وعن يوسف. وما أن رأى ذلك وتأكد من كل شيء حتى ضمه من جديد. وفي كل مرة يضمه يبعد قليلاً وينظر إلى وجهه.
وبعد أن جلسا قليلاً بدأ "أحمد" ينظر إلى "يوسف" وهو بجواره.
-آه كم تشبه أبي. الآن بدأ يدقق أكثر في وجهه ويميز ملامحه ويقارنه بهؤلاء الذين يشبهونه.
-"عمير" إنه يشبه أبي. أخي "يوسف" يشبه أبي جداً.وضع يده بالمحفظة وأخرج صورة أبيه
أنظروا كم يشبه أبي؟ ولكن كانت أمي تقول إن أكثر ما كان يلفت نظرها وأنت صغير هو أن أصبع قدمك الكبير أطول بشكل ملفت من باقي أصابعك. وهذا ما يميز أصابع أبي أيضا. أرجوك أرجوك اخلع حذاءك
-حسنا حسناً. لكن دون أن أخلع حذائي أنا فعلاً أصابع قدمي كذلك.
-(يا الله أخي) ، أخي حبيبي
وما أن خلع "يوسف" حذاءه حتى وجد أصابع قدمه تماماً كما قال "أحمد". لكن ذلك كان أوضح بعد نمو الأقدام. ضحك الجميع على ذلك بينما يكاد أحمد يطير من الفرح.
غلب على "يوسف" الصمت في تلك اللحظات. كانت حقيقة أن عليه أن يبدأ شيئاً جديداً تغتال كل شيء حتى سعادته. لكنه كان سعيداً بلقاء هذا الإنسان المخلص "أحمد".كان يعرف أنه سيمارس هذه السعادة بلقاء أخ له بعد خمسين عاماً في اللحظة التي يتخلص بها من قسوة المفاجأة في اكتشاف أنه إنسان سيعيش حياة جديدة ليست تلك التي عاشها لمدة خمسين عاماً. كان يبادل "أحمد" كل شيء الضم والحب والسعادة لكنه لا يبادله الكلام عن هذه السعادة. كانت هناك أفكار كثيرة تؤرقه تجعل من سيطرة فكرة واحدة فقط على دماغه شيئا صعبا جداً. بالنسبة ل"أحمد" كان أنه وجد شيئا دون أن يفقد شيئا. أما بالنسبة ل"يوسف" فقد وجد شيئا ولكن عليه أن يفقد أشياء. ليس أقلها شخصية عاشها مدة خمسين عاماً إلا ستة أشهر وأمرأة عاشت كأمه الحقيقية كل هذا الزمن. كانت تلك الستة أشهر أكثر عامل راحة لديه وأكثر شيء يقربه ويجعله يتقبل الحقيقة. حتى أصابع قدمه لم تستطع فعل شيء كما يفعل ذلك الغطاء الأزرق الذي لامسته يد أمه الحقيقية قبل أن يلامسه شخص أخر. أشعره أنه ليس ذاهباً من النقيض إلى النقيض.
بعد هذا اليوم التاريخي ذهب "يوسف" إلى فراشه. أخذته أفكاره ثانيةً.
كان عليه أن يبدأ حوارا ًقاسياً مع الذات. شعر بشعور وطني جارف اجتاحه في تلك اللحظة. شعر بمهزلة ما كان يسمعه من ادعاءات غير دقيقة وغير منطقية من زملائه اليهود الذين درسوا معه أو عملوا، معه لكن أكثر ما يتذكر قبل أن يبدأ حواره مع ذاته أنه لطالما تساءل بينه وبين نفسه عندما كانت تحدثه "ميراف"، وهي زميلة له في العمل، عن حقهم المطلق بهذه الأرض، كونهم كانوا بها قبل أربعة آلاف عام، أنه كان يجد ذلك يتناقض مع منطق الأشياء. فكيف يكون ذلك وهذه المنطقة كلها محاطة بالعرب وبلغتهم. إذاً على الأقل عليهم أن يعترفوا حتى لو سلمنا بأنهم كانوا هنا منذ أربعة آلاف سنة بأننا أيضاً كنا هنا. إذا كان ذلك صحيحاً فبأي حق يطردوننا بناء على اعتقادهم بأنهم كانوا هنا قبل أربعة آلاف سنة. علي أن أكون الآن فقط فلسطينياً في أرض فلسطين. حتى لو رغبت أن أتنكر لهذا الواقع الجديد بشكله الواسع المطلق، فكيف يسعني أن أغمض عيني عن الحقيقة التي مفادها أن المرأة التي فعلاً حملتني في أحشائها وتحملت اهانات الجنود من أجل أن لا تتركني في تلك المغارة كانت تعيش هنا هي وأقاربها وأحبابها وجيرانها؟ فهم من أجل الاعتقاد أنهم كانوا هنا قبل أربعة آلاف سنة يبررون كل ما يفعلوه بنا، فكيف لنا أن لا نبرر ما نفعله من أجل حقيقة ما زالت حاضرة وليست تاريخا. أن أقاربي كانوا هنا قبل بضعة سنين فقط . كيف أستطيع أن أتنكر لتلك المرأة التي هي الآن أمي وكانت فعلياً تعيش هنا وتمارس حياتها الطبيعية كما يمارسها أي مخلوق على الأرض. ألم تكن هنا تعيش في بيتها هذا. ألم تلدني هنا؟ ألم يجدوني هنا؟ وهو الشيء الذي لا يمكن أن يعني إلا أنها كانت أيضا هنا مع زوجها وأولادها وبطبيعة الحال مع أبيها وأخيها. ألا تعلم "ميراف" وغير "ميراف" بذلك؟
بعد أيام أخبر أحمد الحاجة تمام بأن عليه العودة:
-أنا مضطر للعودة بعد يومين إلى الأردن. ما رأيك يا يوسف؟
-سأرى يا أحمد. أهم شيء لدي الآن هو رؤية أمي وأبي لكن هناك أشياء علي إنهاؤها.
أنا أرى أن أذهب بعد غد، و"يوسف" يمكن أن يأتي بعد ذلك. فأنا أعتقد أن عليً تهيئة أمي لهذا الخبر السعيد.
شعرت "أولا" التي كانت قد أتت لرؤية أحمد في بيت الحاجة تمام، بحزن لفكرة مغادرة "أحمد". لذلك نظرت إليه وقالت:
- هل تقبل دعوتي إلى فنجانٍ من الشاي في إحدى المقاهي القريبة. أشعر برغبة في تكملة حديثنا عن الأدب الإنجليزي قبل سفرك.
-طبعاً لا أمانع، قال ذلك وهو يشعر بسعادة خفية لهذه الدعوة. كان يشعر براحة لا يستطيع تحديد طبيعتها تجاهها. فالحديث مع "أولا" شيء ممتع أو كان شيئا ممتعا أيضاً ورافقه شيء من التوافق على أشياء كثيرة أيضاً.

ذهب الاثنان وحدهما. وفي مقهى مطل على الكرمل جلسا
- إذاً، أنت معجب أيضاً بجوزيف كونراد
- نعم يا "أولا". فروايته قلب الظلام ما زالت تتفاعل في داخلي على الرغم من مرور سنين عديدة على قراءتها
- إذاً أنت متفق معه بنظرته إلى الإنسان ؟
- ليس بالمطلق. فأنا أعتقد أن الإنسان يولد بالأصل جيداً. هي الظروف فقط قد تجعله غير ذلك. لا أعتقد أن تلك القيود التي توضع لنا والقوانين هي ما يجعلنا نسير كما يجب. في داخلنا أشياء أقوى من ذلك- الإيمان مثلاً، والاعتقاد بالله.
- لكن أليس هذا نوعاً من القوانين والقيود؟
- بالطبع لا. الإيمان يجعلك في كل الأوقات إنسانا جيداً. القوانين الوضعية قد تجبرك على السير بطريقة معينة في فترة معينة وفي وجود أناس معينين. لكنك قد تتجاهلينها في ظروف أخرى، لا سيما إذا لم يكن هناك عقاب مباشر.
- انك مدهش يا "أحمد"، واسمع منك أشياء جديدة. همت بأن تتكلم بأشياء بداخلها لكنها أحست أن الظروف لا تسمح. فهواجس "أحمد" الآن متعلقة بأخيه وبالحاجة تمام وفرحته بإيجاده والعودة به إلى أمه. لذلك حولت حديثها، وعادت ثانيةً للتكلم عن "يوسف".
- أرجوك اعتن "بيوسف". إنه كما يبدو انسانٌ حساس وراقٍ ولن تجد ألطف منه
- أنه أخي وسوف أعوضه عن كل الحنان الذي فاته
- أرجوك أعطني عنوان البريد الإلكتروني الخاص بك. أريد أن نبقى على اتصال.
- بالطبع. لكن دعينا نغادر الآن. أشعر بأنني لا أريد أن أبعد عن "يوسف".
غادر الأثنان و"أولا" تشعر بسعادة كبيرة للحديث مع شخص مثل "أحمد" والالتقاء مع هذا النوع من الناس في هذا الزمان الصعب. أسعدها اتفاقها على التواصل مع "أحمد" بعد سفره! رجع "أحمد" إلى البيت للقاء "يوسف" والحاجة تمام.


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى الطيرة
 

شارك بتعليقك

مشاركة غزة العزة في تاريخ 5 كانون ثاني، 2015 #155791

جميلة.. تشعرني بالحنين للوطن..
بارك الله فيك دكتور محمود..