فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
لقاء البحر تكملة الرواية (4) الكتور محمود السلمان
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى الطيرة
כדילתרגם לעברית
مشاركة محمود السلمان في تاريخ 4 كنون أول، 2009
لقاء البحر تكملة الرواية (4) الكتور محمود السلمان
13
في صبيحة يوم الجمعة كان "أحمد" يطرق باب بيتهم في الأردن. فتحت الباب أخته (نور). --"أحمد". أمي "أحمد" عاد. ومن المطبخ انطلقت أم "يوسف" فور سماعها بعودته
-أمي أنا سعيد جداً. افرحي يا أمي. لقد وجدت الحاجة تمام
شعرت أم يوسف بفرح حقيقي لذلك. فالحاجة تمام الآن إنسان فلسطيني معتقل ومضطهد في بلاده قبل أن تكون أي شيء آخر، مثلاً، ضرة سابقة.
-تمام؟ ما زالت حية؟
-نعم نعم، وهي تهديك كل الحب والسلام.
-لماذا لم تحضرها معك؟
هذا شيء ليس سهل. فصحتها لا تسمح.
ولكن هناك شيء أهم يتعلق بيوسف!
-يوسف؟ ماذا؟ وجدت قبره؟
-وجدته كله!
-ماذا
أحس أن عليه أن يتوقف. فقد خاف من وقع المفاجأة أن يحدث مكروه لأمه.
- خبر يتعلق ب"يوسف".
-ماذا ماذا؟
-أنا واثق .... لم يستطع أن يكمل
-ليس قبره يا أمي. فيوسف ليس بالقبر. قال ذلك وهو لا يدرك ما يقول وبكل تلقائيته.
-فترت الأم، وفي لهجة محبطة أجابت
- قل لي أرجوك؟ ماذا عن يوسف
أحست للمرة الأولى بأن هاجسها أن يوسف ربما لم يكن ميتاً في اللحظة التي رأته مصاباً وبالندم الشديد بأنها لم تستطع الاقتراب منه أكثر، ربما يكون هاجساً حقيقياً. هذا الهاجس الذي لم تكن تستطيع البوح به خوف من وصفها بالجنون وبتجنب تعب الضمير بسبب عدم تمكنها من تفحص جسده بسبب ما قام به الجنود، وخوف من عصبية أبي يوسف كلما ذكر. صمتت وتخيلت في لحظة أنها فقط تتخيل بأن أحمد سيقول شيئاً تتمنى أن يكون.
-نعم سمعت شيئا.
في هذه اللحظة دخل أبوه.
-الحمد لله على سلامتك يا حبيبي.
وجدت الحاجة تمام؟
-نعم نعم
-الحمد لله، قالها ودمعة بدأت تسيل في عينيه. الحاجة تمام بخير. كيفها وكيف صحتها، أخبرني، قال ذلك وهو يهز يد أحمد كأنه يستعجله البوح بما يعرف.
-يا أبا أحمد الحمد لله إن الحاجة تمام ما زالت بخير ولكن اسمع، يقول ٳنه سمع شيئا يتعلق ب"يوسف".
-نعم يا أبي. لقد وصلت بيتنا وعلمت أن بعض الناس وجدوا طفلاً أنا آمل أن يكون أخي
-وأين دفنوه؟ في المقبرة القبلية؟
-لا لا
-إذاً أين؟
- لم يدفن؟ يوسف، ولم يكمل الحديث.
-ألم تستطع معرفة أي شيء؟
كان هدفه من عدم قول الحقيقة دفعة واحدة هو خوفه على صحة أمه.
-عرفت لكن مدة إقامتي كانت قصيرة، والآن أنتظر اتصالا مهما من بعض الأصدقاء فور سماعهم لخبر جميل.
بعد ذلك انفرد بأبيه.
-أبي
قالها وهو يغلق الباب
-نعم حبيبي. خير؟
-لدي خبر سعيد جداً لكنني لم أشأ قوله مرة واحدة خوفاً على أمي من الفرحة.
-ما هو؟
-أخي ما زال حياً
-نعم، نعم. كيف عرفت؟
كانت رجولة أبي يوسف وما رآه في هذه الحياة من مآسي مكنته من البقاء متماسكاً حتى تحت وقع خبر كبير بهذا الحجم.
-عرفت وقابلته أيضاً
-حبيبي ماذا تقول. أنا لا أصدق
-صدق يا أبي وما هي إلا أيام ويكون بيننا.
قام من مكانه وجلس قرب أبنه. وبصوت خافت طلب منه أن يخبره بكل شيء. وما أن أنهى حديثه مع "أحمد" حتى قام وجلس وزوجته في غرفتهم
-أم "يوسف"
-نعم
-أنا أشعر بأن أبننا حي ، وأننا سوف نراه قريباً
-بالله عليك تقول الحقيقة. يوسف؟ ماذا. يعني لم يكن في تلك اللحظة؟
كانت تلك الهواجس التي لطالما عاشتها في أن يوسف ربما لم يكن ميتاً هي العامل الأهم في تخفيف وقع وكبر المفاجأة عليها.
لكن علينا انتظار تأكيد الخبر لذلك علينا انتظار هاتف مهم
نعم سوف ننتظر، قالت ذلك وهي ترجف.
-دعنا ننتظر ذلك الهاتف. نعم دعنا ننتظر ذلك الهاتف، قالت ذلك بطريقة هلوسية
-اعتبري أن الهاتف قد جاء
-ماذا تعني؟
-ابننا حي يا أم "يوسف"!
-ٳن شاء الله
-ٳن شاء الله فهو حي، وقد رآه "أحمد"
-نعم؟؟
-كما تسمعين
-لكنه لم يقل ذلك؟
-لقد خاف عليك من المفاجأة!
-"يوسف" ابني
-نعم
-يا إلهي. كيف؟ أخبرني؟
وقام بسرد القصة التي سمعها للتو من "أحمد".










14


استيقظ "يوسف" في الصباح الباكر. كانت كل حقائبه جاهزة للسفر. كان الجميع في وداعه وخاصة الحاجة تمام التي ما انفكت تبكي وتصيح.
حملت الحاجة تمام نفسها وذهبت إلى غرفتها، جلست ومن غير أي مقدمات انفجرت بالبكاء، بدأت تنظر إلى كل أركان غرفتها وتتذكر اللحظات التي أمضتها معه، نظرت إلى أسفل سريرها ،وتذكرت تلك البرتقالات التي اعتادت أن تخبئها بعد التقاطها من أشجارها فقط ليوسف. تذكرته عندما كان يعود من العمل ويصيح بكلمة(يما). خافت أن لا تسمعها من جديد. وفجأة تذكرت الحاجة سروة "أم يوسف". تذكرت أنها أخذت منها أبو يوسف يوماً والآن بعد خمسين عاماً تأخذ يوسف. لكنها فجأة صمتت وصرخت: لا هي لم تأخذ زوجي بل هو من أخذها، وهي لم تأخذ يوسف مني بل أخذه القدر. وهو القدر نفسه من أعاده إليها. وهي من أرسلت أحمد، الذي هو ابنها الذي لم أره من قبل ولا أشاركها به، إلى هنا للبحث عني وليس عن يوسف. للبحث عني أنا فهي كبيرة بحبها ولم نكن لبعضنا يوماً إلا الحب. أم يوسف لن تسمح لأي ظرف من حرماني منه، فهي لم تسمح في يوم من الأيام من حرماني من أبي يوسف مع أنها كانت قادرة بجمالها وشبابها على فعل ذلك.
تذكرت يوسف من جديد. تذكرت اللحظة الأولى التي وجدته فيها، وتذكرت كل مراحلها معه. وجدته ملطخاً بالدماء، ونبضه ضعيف إلى الدرجة التي جعلتها تعتقد انه قد فارق الحياة. أخذته الى بيتها بعد أن تم إسعافه وإنقاذه في المسجد. بدأ ينمو هناك كابنها الحقيقي. إلا أنها كانت مصرة منذ البداية أن تعلمه في أوائل مراحل وعيه أنها خالته، وليست والدته. كانت لا تريد أن تحرم أم يوسف من أمومته حتى وهي تعتقد أنها فارقت الحياة. لذلك فهو نفسه لا يعرف اللحظة التي ميز بها بأن الحاجة تمام هي خالته وليست أمه، مع إنها بكل الظروف كانت أما. ألحقته بأفضل المدارس العربية في منطقتها. وعلى الرغم من محاولاته المتكررة في عدم تكميل دراسته إلا أنها أصرت على استمراره في الدراسة، وهو الشيء الذي ما زال يشكرها عليه. وقد كان أيضا أبناً مخلصاً. عمل معها في الحقل في كل الأوقات. ولطالما خفف عنها عندما كانت تشعر بالكآبة والحزن بينما كانت تعمل في الحقل عندما تشعر بأنها حتى في أرضها لا تستطيع زراعة بعض المناطق إلا بعد أخذ أذن من سلطة الاحتلال. كان يوسف يستغرب هذا الحزن في بعض الأحايين، إذ أنه فتح عيونه على هذه القيود ولم ير من قبل كيف يكون الحال عندما تعمل بأرضك ولا يحيط بك أحد غير أحبابك. كانت لا تصر عليه للعمل وتقوم به كله وتتركه يقضي أوقاته مع أصدقائه كما يشاء! لذلك كانت علاقاته الاجتماعية مع الجيران جيدة والكل يبادله الحب والاحترام. بعد أن أنهى دراسته في جامعة حيفا لم يشأ إلا العمل في نفس حيفا، حتى يبقى في مدينة أبيه، وقريباً من الحاجة تمام وجيرانه الذين أحب. وحتى زوجته التي أختارها كانت من قرية(أجزم) المجاورة للطيرة. هذه العلاقة الحميمة التي أنشأها مع جيرانه والتي لم يستطع ولم يشأ أنشاؤها مع زملائه من غير العرب الذين التقى بهم في الجامعة. فصورة نفسه وهو ملطخ بالدم كما وصفتها الحاجة تمام انطبعت في ذهنه ولم تغب عن باله يوماً. كان كلما تذكر تلك الصورة والفكرة يغادر الجامعة ويذهب مباشرةً إلى أرضه ويباشر في الحرث والغرس ومساعدة الحاجة تمام. كلما تذكر تلك اللحظة، كما وصفتها له الحاجة تمام، يشعر بالحزن على إنسان قد حزن عليه يوماً, ولم يشأ القدر أن يوقف عليه دمعه من الحزن والقهر إلى اليوم.

وفجأة وفي غمار هذه اللحظة تفاجأ الجميع بقدوم أولا. لقد قررت "أولا" أن تأتي لوداع يوسف لأن قصته مع عائلته وأحمد أثرت بها إلى الدرجة التي جعلتها تعيشها تماماً. وكانت تلك الأيام الجميلة التي عاشتها مع عائلة أحمد خلال وجوده والمشاعر الخاصة تجاهه جعلها تشعر بأنها جزء من كل ما يحدث وخلق بينها وبين يوسف علاقة جميلة كباقي أهله.
- يبدو أنك جاهز سيد يوسف؟
- نعم
- لقد أتيت لتوصيلك بنفسي إلى الجسر، فسيارتي واسعة وتستطيع استيعاب كل حقائبك
- لا، قال يوسف ذلك متردداً أنا قد اتفقت مع سائق من البلدة لذلك.
- أريد أن أوصلك وأنا مصرة على ذلك.
لم تنكر "أولا" بينها وبين نفسها بأن ما أصبح لأحمد بداخلها كفتاة كان عاملاً إضافياً أيضا لحب هذه العائلة وتأثرها بما حدث.
نظر يوسف إلى الحاجة تمام وشعر أنها تشعر بأن ما بنته في خمسين عاماً تلاشا أمام واقع أنها ليست أمه. لكن حبه الشديد لها الذي لا يقل عن حب إنسان لأمه الحقيقية جعله يركض إليها ويضمها ويقبل يديها ويصر على تقبيلهما بشدة وقوة وكأنه يقول لها، أنت أمي وقلبي وحبي فتقبيل الأيدي بهذا الشكل الصادق لا يكون لأي إنسان ألا إذا كان أما أو أباً.
بادلته الحب والضم في تلك اللحظة وبقوة وبعزة عرفت بها تماسكت وقالت:
-الله يرضى عليك هيا حتى لا يغلق الجسر، قالت ذلك وبهذه القوة تحت الشعور بأن من يقبل يدها بهذا الحنان لا بد من أن يكون أبنها الحقيقي، الذي سوف يغيب لفترة ويعود، وبأن هؤلاء الذين سيذهب إليهم هم أيضاً من الأحبة ويكفيهم ما ذاقوه من العذاب. فيوسف الآن ليس فقط شخص أنما فلسطين كلها.
تحركت السيارة وبدأت تشق طريقها باتجاه جسر الملك حسين. بدأ يمر بالمناطق التي مر بها أخوه "أحمد" عندما جاء إلى الجسر، ولكن من الجهة الأخرى؟ شعر بأنه يرى الأشياء بطريقة أخرى
-"أولا"
-نعم سيد يوسف؟ كان عمر يوسف وهيبته تفرض عليها استخدام كلمة سيد.
شعر بأنها ربما تكون المرة الأخيرة التي سوف يسمع بها هذا الاسم بهذه الطريقة؛ يوسف دون أبي يوسف وأم يوسف. شعر بأن هذه الحدود لا تقسم المنطقة فقط جغرافياً بقدر ما تقسمها اسمياً. ٳن الفرق بين الأسماء التي هي هنا في هذا الجانب من الحدود والأسماء التي في الجانب الآخر منه تجسد تماماً الفرق الذهني والثقافي. تقسمهما

- صدقيني بقدر ما ظهرت حقيقة أنني أخو "أحمد" وأنهم لي، هي أيضاً حقيقة أنني والأرض التي وجدوني عليها لهم! تخيلي أن هذه الأرض التي نمر عليها الآن كان يجب أن أمر عليها قبل خمسين سنة أنا والحاجة تمام، ولكن بشكل آخر! تخيلي أنه مر عليها أناس كان يجب أن أكون معهم. أناس ربما أمضوا وقتهم ينظرون إلى الوراء وهم مضطرون للسير إلى الإمام، الذي هو سير للخلف بالشكل الذي كان عليه، لأنهم لا يريدون مغادرة الأرض والأيام التي ستصبح مجرد ذكريات. لا يمكن أن يكون سيرا إلى الإمام إلا بمعناه الجغرافي! لكنه لا يمكن أن يكون إلا سيراً للخلف ذلك الذي يؤدي بالإنسان للبعد عن أشيائه وأملاكه ومسيرته الطبيعية وتحويله من غني سعيد مستقر في أرضه إلى لاجيء بائس مشرد. تخيلي لو كنت هاجرت معهم قبل خمسين عاماً لكان علي أن أثبت أنني كنت هنا ،أنني من هنا وأنني أعرف الهواء والسماء والبحر وكل الأشياء التي هي هنا حتى يصبح لي الحق في أن أكون هنا ثانيةً! تخيلي أن هذه الأرض، التي نمر عليها الآن، مر عليها أناس قبل خمسين عاماً ولم يستطيعوا أن يمروا عليها ثانيةً رجوعاً فقط لأن سكان هذا الكيان لا يريدون! بأي حق لا يريدون؟ تخيلي أناساً كثيرين منهم دخلوا حيث كان هؤلاء، من الجهة الثانية-من البحر- أو من الثالثة -من السماء- لم يصلوا بعد إلى هذه الأرض التي نمر عليها الآن ولا يعرفون شيئا عنها فقط لأنهم يريدون أرضاً. لكن هؤلاء الذين كانوا فعلاً هنا لا يريدون أرضاً فقط وإنما حقاً وذكرى وفرحاً حصل بالفعل ما زالوا يتمنون أن يروا مكانه، وحزناً حقيقياً ما زالت أثر دموعه تحوم في المكان حصل أيضاً بالفعل. هؤلاء لم يدخلوا- فقط خرجوا-فقد كانوا هنا دون دخول. هم نبتوا في المكان، تماماً كما نبتت شجرات الكرمل. أنا لم أدخل، الم تجدني الحاجة تمام هنا؟! أعرف انك تعرفين ذلك فأنت عربية مثلي فرض عليك القدر أن تعيشي غريبة في وطنك. كل هؤلاء تنطبق عليهم حالتي. كلهم نبتوا هنا وتم اقتلاعهم ورميهم بعيداً؟ يا "أولا" أنا فقط أصبحت صورة مصغرة لحقيقة كبيرة تنطبق على ملايين ممن كانوا هنا. بوضوح حقيقة أنني "يوسف" الذي وجد في لحف المغر التي تقع في طيرة "حيفا" التي تقع قرب البحر ويحيط بها الكرمل والشلالة والقرانيف والقطعة وساحة المنزول والسياح والقف وفرش الزلاقة وبير بثينة ووادي ابو الجاع والعين، كان هؤلاء موجودين. تخيلي أن أحمد يعرف كل هذه الأسماء وتفاصيلها مع أنه لم يلد هنا بينما الذين اغتصبوا وطننا لا يرونها إلا ككتلة واحدة متشابه دون معرفة بتفاصيلها وتفاصيل أسمائها، أو حتى فيما إذا كان لها أسماء! تخيلي أن أحمد طلب مني أن أريه هذه المناطق الذي بدوره عرفها من والده الذي هو أبي. إن هذه المعرفة التي تختزن في ذاكرة والد "أحمد"، ورسمها ل"أحمد" على ورقة، ووجد "أحمد" بأن ما هو موجود على الورقة ينطبق تماماً على الأرض يجعل الأعمى يرى بأن الناس الذين يعيشون هنا هم أكبر وأطول كذبة في التاريخ. صدقيني هذا هو إحساسي كإنسان وليس له علاقة بكينونتي "يوسف" الذي يعيشونه غريباً في وطنه. حتى تلك المغر التي لا يرونها إلا مغراً صامته لا معنى لها، رآها "أحمد" بطريقة ثانية. رآها قصة. أحياناً محزنة وأحياناً مفرحة. ولكل مغارة من هذه المغر هوية، واسم اشتق من قصة حدثت قرب هذه المغارة أو تلك.

15

على الطرف الآخر كان "أحمد" في استقبال "يوسف". وما هي إلا لحظات وإذ به يشاهد "أحمد" من بعيد. توقف قليلاً وبدا النظر إلى أخيه كأنه يستشرف ما ينتظره من أحداث. أحس بخوف من شيء جديد قادم. خوف من المجهول الذي هو في الواقع أكثر شيء حقيقي وواقعي!مواجهة الواقع شيء ندخل إليه بشجاعة انعدام البديل عن المواجهة. تقدم نحوه ولم يبق في فكره إلا حب هذا الشاب النبيل الذي جاء للبحث عن الحاجة تمام على الرغم من تناقض ذلك مع قناعته بأن الوطن لا يطرق بابه ويأخذ الأذن بالعودة إليه ممن يجب أن يحصل على إذنٍ للدخول إليه.
نظر إلى "يوسف" وقفز قلبه فرحاً عندما تذكر أن أباه وأمه سيريان بالفعل "يوسف" في هذا اليوم. تقدم باتجاهه وهو يشعر أن كل متر بينهما يطول ولا يقصر. وما هي إلا لحظات حتى كان الأثنان في نقطة واحدة. ضم أخيه بحرارة وكذلك فعل "يوسف". ذهب الأثنان إلى السيارة. نظر إلى "أحمد" وبهدوء يرافقه ابتسامة خفيفة ورغبة شديدة بالمعرفة سأله:
-أخبرتهم؟
نظر "أحمد" إله واثقاً وأجاب مبتسماً:
-سوف ترى سعادتهم. أمي تكاد تطير من الفرح. ومنذ يومين والأفراح في بيتنا. غناء ورقص وزغاريد. أتعرف الزغاريد؟ وهم فرحوا بأخبار الحاجة تمام. وبأنها ما تزال بصحة جيدة وعلى قيد الحياة. أجبني. هل تعرف الغاريد؟
-تقريباً
وما هي إلا لحظات حتى كانا قرب البيت. جمع من الأقارب وسكان المخيم كانوا ينتظرون. كان البيت قد زين من الأمام تماماً كما يفعلون عندما يكون هناك عائد من الحج.وفي لحظات كان "يوسف" بين جمع من الأهل والأقارب.نظر إلى "أحمد" وبكلمات انطلقت من العيون وليس من الفم سأل عن أمه. وفي تلك اللحظة كانت تتقدم امرأة تهمس وهي آتية "يوسف" "يوسف"
-تلك المرأة هي أمنا
توقفت للحظة ونظرت إليه وكأنها تريد أن تتأكد بحدسها وأمومتها أن من هو أمامها فلذة كبدها "يوسف". ركزت نظرها على شعره وتفاصيل وجهه. عندها اندفعت نحوه وهي تصيح "يوسف" ابني. ضمته بقوة كأنها تريد أن تختزل فراق خمسين عاماً. شعرت بأنها تضم ذلك الطفل الذي غادرته منذ خمسين عاما وهو طفل رضيع. شعرت إن حليب صدرها يتحرك من جديد لطفلها الذي فقدت. أرخت لذلك يديها قليلاً خوفاً على جسده. عادت إلى ذهنها في تلك اللحظة صورة الجنود وهم يمنعونها من الوصول إليه باستهزاء. عادت تضمه بقوة خوفاً عليه وكأنها ترد لنفسها لهفتها. تحرك كل شيء في جسدها. عادت بلحظات أما لطفل. كان قبل خمسين عاماً ممددا وبقي كذلك، والآن وقف على رجليه للمرة الأولى. كانت تنظر بين الفينة والأخرى إلى وجهه ولا ترى غير وجه "يوسف" الطفل الذي انطبع بذهنها كما لم ينطبع شيء من قبل. "يوسف" الذي بانطباع وجهه في ذهنها انطبع به كل شيء في المكان حتى غدا والمكان شيئا واحدا. تلك المغر، وصوت العصافير التي أرعبها صوت الرصاص الآتي من جهة واحدة. ضمت كل شيء في تلك اللحظة الأرض والجبل والبحر وحتى الفضاء وغيوم المكان التي تجمعت يوم الفراق. وضعت يديها على فمه وكأنها تريد أن تمسح بقايا الحليب المتبقي مثلما اعتادت أن تفعل بعد إشباعه. ضمها "يوسف" وكان يحاول أن يكون ابناً احتراما لهذه العاطفة الأمومية الصادقة الغريبة المفاجئة. لكنه لم يقل أمي. تذكر بينما كانت تضمه أكثر ما تذكر "الحاجة تمام".لكنه بعد لحظات وتحت وقع هذا الصدق الغريب عاد طفلاً. غاب عن باله كل شيء إلا نفسه كطفل مفقود قد عاد للتو بعد أن وجده أهله وعمموا صفاته في كل الكون لأنه غير قادر على الكلام وعلى تعريف نفسه. استسلم للقدر وترك نفسه ليكون أبناً لهؤلاء الذين يصرون حتى بدموعهم على استعادته إلى حظيرتهم. عاد كالطفل الذي يفرح عندما يرى وجها مألوفا له بعد فترة تيه وضياع. أحب تلك المرأة في لحظات. أحب صدقها ووفاءها وشعر للمرة الأولى بسخافة ما يتعلمه الغاصبون في مدارسهم من أنهم العاشقون الوحيدون لصهيون ورهانهم أن الزمن كفيل بالنسيان. ومن بين الجموع خرج صوت "أبي يوسف". ذلك الصوت الرزين الذي اختنق منذ خمسين عاماً، والآن انطلق كما كان، صوته الجبلي عاد كذلك بعد أن كبته ضيق المكان. عاد كرملياً قوياً واضحاً.
-(خليلنا شوي يا أم "يوسف"(
-"يوسف" يا أبا "يوسف". "يوسف". وساد هذا الأسم وغطى المكان والزمان. هذا الأسم الذي لم ينقطع عن هذا البيت يوماً كما لم ينقطع اسم المكان عنه.هذا الاسم الذي كان يحوم بالمكان دون جسد والآن يلتحم به، وتلك الأسماء التي ما زالت تحوم بالمكان وتنتظر أن تلتحم به تفاءلت من جديد. وهي تشعر بأنها قريباً ويوماً ما سوف تلتحم بأجسادها من جديد، وتعود كما عاد "يوسف". تلك الأسماء التي أبت إلا الهجرة معهم والبقاء بحقائبهم المعقودة إلى أن يعودوا وتعود معهم لينتشروا من جديد في أماكنهم الطبيعية. تلك الأسماء التي أبت أن تغطى بأسماء اصطناعية للدلالة على أجسادها وتضاريسها تماماً كما فعلوا ببيسان التي جعلوا منها بيت شان، و(الكرمل)الذي جعلوه (هاكرمل)،و(عكا)التي جعلوها (عكو)،فكانت عصيةً على ألسنتهم أسما.
-حبيبي "يوسف". وقام بضمه وما زال يفعل ذلك حتى بدأت دموع الحرمان تنهمر من جديد لتكمل رحلة بدأتها قبل خمسين عاماً،ولتسير بين تجاعيد وجه اشتد من جديد. في تلك اللحظة لم تطغ على فكره صورة كما طغت صورة وجه "الشوكانية"، الداية، وهي تبتسم وهي تفتح باب الغرفة، لتبشره أن الله رزقه طفلا. كان ابنه الأول. تذكر في تلك اللحظة وقوفه على تلك التلة قرب بيته يرمي الحلوى على الأطفال وهو يبتسم. شعر بأنه الآن يحتفل ثانية بتلك المناسبة بعد أن جمدها هؤلاء. شعر بأن الزغاريد التي يسمعها الآن هي تلك التي سمعها وهو يسمعها ثانية لتبشر باستمرار ميلاده. لم ير إلا "يوسف" الصغير. كلمه كأنه صغير، قبله كأنه الطفل الذي رآه لأخر مرة قبل قليل، قبل أن يذهب إلى "حيفا" لشراء فتيلة سراج كان يعلم أنه سيحتاجها بسبب الحرب عند اضطرارهم للبقاء بالمغر وإخفاء "يوسف". كلم "يوسف" حتى بلهجة الأطفال والدموع تنهمر من عينيه وهي تعوض حزن السنين. كانت لحظة سعيدة قاسية غريبة لم يستطع أن يشعر بها، إلا أنه في حلم أو لحظة خارج الزمان أو شيء يصعب تفسيره. أغمض عينيه وهو يضمه وتخيل في تلك اللحظة أنه لن يرى إلا "الطيرة" عندما يفتحها ثانية. شعر "يوسف" بأنه يحب هذا الشخص وأنه لا يمكن أن يكون إلا قريبا. شعر بأنه لا يستطيع التنكر لكل ما أحيط به من حب ودفء وصدق لم يشعر بمثله في حياته.
وراء هذه الجموع وقفت أخوات يوسف: مريم وآمنه وتغريد. كن ينظرن إليه بكل حب وشوق ولوعة. لوعة ومحبة انتقلت إليهن عبر القصص المستمرة التي كن يسمعنها من أمهن عن يوسف. بهذه القصص وهذه المحبة التي استقرت في أحشائهم زمناً طويلاً، ركضن نحو يوسف دون أي تردد أو اعتبار لوجود أناس آخرين من سكان المخيم حولهم. كانت تغريد الأجرأ بحكم العمر والمعرفة المسبقة بيوسف. فهي أخته الكبرى التي ما زالت تتذكره، وعاشت معه ستة شهور. أخته الكبرى التي ما زالت تتذكره ولا يغيب عن بالها. تكلمت معه كأنها أمضت الخمسين عاماً بقربه ومعه.
-يوسف أنا تغريد. قالتها كأنها تستصرخ بداخله تلك اللحظات الجميلة التي كانت بها تحمله وتناجيه. صرخت بقوة اسمها له كأنها تريد لهذا الصوت أن يخترق صمتاً وفراقاً استمر خمسين عاماً.
-أنا تغريد يا يوسف، رددتها ثانية وكأنها تقول له عليك أن تتذكرني، أنا التي لم تنسك. كأنها تريد أن تقول أنها ليست المرة الأولى التي نجتمع بها، فقد اجتمعنا هناك. في هذه اللحظة وبقوة هذه الذكريات هجمت على أخيها يوسف ومن حولها مريم وآمنةً.
-وأنا مريم وهذه آمنةً أختك أيضا. قالت ذلك وهي تبكي فرحاً وأبوهم وأمهم ينظرون إليهما بكل فرح وتأثر.
دخل الجمع إلى البيت وجلس "يوسف" بينهم حائرا مما يحصل، سعيدا وحزينا، وأحياناً يتصرف كأنه في حلم أو شيء من أشياء خارج الواقع.
-أهلاً "يوسف". شرفتنا جميعاً
-أهلاً يا "أحمد"
-أتمنى أن تكون سعيدا
-طبعاً سعيد
-(يمّا أخوك بشبه أبوك مش هيك)
-هذا أول شيء لاحظته وأنا هناك.
-(طبعاً مش أنا أبوه؟)
نظر إلى أبيه ولاحظ الشبه الشديد بينهما. شعر بأن هذا الشيء يقربه منه ويساعده على الاقتراب أكثر. استمر أقاربi بالقدوم. وعند قدوم كل شخص كان على "أحمد" تعريفه وتقديمه. كان يحس بأن "أحمد" هو الأقرب له وأنه من خلاله كان يحاول الاقتراب من كل شيء جديد. هذا الجديد الذي لا يستطيع رفضه رغم قسوته . لكنه الحقيقة التي لا بد من احترامها وحتى تعليم الذات حبها إذا ما كنا معنيين بالانسجام مع الذات واحترام إنسانيتنا.
وبعد أن فرحوا وغنوا وضحكوا وبكوا جاء المساء وبدأ الضيوف بالمغادرة. وبقي في البيت أبو "يوسف" وأم "يوسف" و"يوسف" و"أحمد" ، وبقي أخوته وإخوانه "عمر" و"إبراهيم" و"حسين" و"عبد السلام" و"ديما" و"نور" و"سارة"
-ﺇذاً أنتم تعيشون هنا!
-نعم. نحن منذ فارقناك نعيش هنا، قال "أحمد" ذلك وهو يبتسم
-لكن السكن يتكون من غرفتين فقط
-نعم. لكن لا تقل سكنا. هذه وحدة سكنية. بمعنى أن لكل عائلة وحدة سكنية للعيش بها إلى حين العودة.
-أنتم تعيشون هنا منذ خمسين عاماً وعددكم عشرة؟
نعم. عشنا هنا وعددنا أربعة وبقينا هنا عندما أصبحنا خمسة حتى وصلنا عشرة. لذلك حتى لو أصبح عددنا مئة لنا فقط وحدة واحدة. فالمخيم له حيز مكاني واحد لا يتجاوز الستة وتسعين متراً مربعاً ولا يمكن توسيعه. فوكالة الغوث أعطتنا وحدة سكنية قبل خمسين عاماً. درسوا وضعنا كأربعة وكرمت علينا بتلك الوحدة التي هي غرفتان. حتى إن فكرة الوحدة السكنية التصقت بالأماكن التي نقيم بها وأصبحت اسم مكان. لذلك هناك مخيم اسمه الوحدات. هذا الاسم الذي اشتق من فكرة الوحدة السكنية كونه يتألف من وحدات سكنية. حتى لو أقيمت به الدكاكين والطوابق ما زال اسمه وحدات لأن ملامح الوحدة وفكرتها وأسباب وجودها ما زالت تسود المكان.
-لكن كيف تنامون؟ سأل وهو ينظر إلى السقف وهو يتخيله آيلاً للسقوط في أية لحظة.
-اعتدنا! اعتدنا هذا الوضع. علينا أن نتكيف! قالها وهو يبتسم ويضع يده على كتف "يوسف"
لكن لا تخف. سوف نوفر لك أجمل جو للنوم.
-لا، أرجوك دعني أنام كما تفعلون ولا تجعلني أشعر بأنني مميز عنكم.
ونام وعندما أتى الصباح لم يمارس روتينه المعتاد. شعر بأن فكرة الحمام اليومي تحتاج إلى مشروع كامل من تسخين الماء ونقله إلى الحمام وتبريده وﺇخلاء الممرات حتى يصل إلى الحمام. لم يدر بخلد "يوسف" أنه سوف يمر بكل هذه التجربة، تلك التجربة التي يمر بها أهله وسكان المخيم كل يوم منذ خمسين عاماً. اعتاد هناك- كما يفعلون جميعاً- أخذ الشور (الحمام) اليومي فالماء متوفر والمكان فسيح إذ ﺇنه يخلو من أصحابه الأصليين الذين هم الآن هنا محاصرون بهذه الوحدة التي تخلو من النوافذ، فكل وحدتين تشتركان بالحائط، لأن المكان ضيق ولا يتسع لعدد معين من الوحدات السكنية في الوقت الذي يقطنه مئات الألوف من الأشخاص.
-(صباح الخير يما)
-صباح النور. وبعد توقف أكمل كلمة (ماما) بعد تردد على شفتيه.صباح النور (ماما). تفاجأ بأمه قرب رأسه عندما استيقظ من النوم. كانت سعيدة وحنونة، لكن طبيعتها الخجولة كانت واضحة كما لم تكن من قبل. كان شيئاً غريباً محيراً أن تشعر بالخجل من الابن الذي أنجبت، من قسوة الواقع وضيق البيت والمكان.
-إن أمي تقف عند رأسك منذ الخامسة صباحاً. مرت ساعتان وهي قرب رأسك، تنظر إليك ولا تريد مفارقتك
-اسأل أخاك يا "أحمد"-قالت ذلك بهمس- (نام كويس). كان ما زال ثمّة خجل في العلاقة تشعر به أم "يوسف" تجاه "يوسف". عندما كانت تسود مثل هذه الفكرة كانت تهرب إلى صورة الطفل الذي أرضعته وكان لا يتقبل مخلوقاً مثلما كانت تتقبله.وعندما تسود هذه الفكرة كانت تتشجع وتتكلم وتشعر بأن من حقها أن تحبه وتضمه وتحدق بوجهه كيفما شاءت حتى لو لم تكن استجابته تشجعها على ذلك. لقد ران عله الهدوء والميل إلى عدم التحدث والاكتفاء بالابتسامة وإشعار الآخر أكثر ما يمكن أنه سعيد.
-(كيف كانت النومة)
- جيد جدا
-(إذاً غسل وجهك ودعنا نشرب الشاي من يدي أمك)
-حسناً
وبدأوا بشرب الشاي. صمت "يوسف" قليلاً وبدأ يحدق بالكاسات. لاحظ أن أشكالها كانت مختلفة. فكل واحدة منها كانت من طقم مختلف قديم تكسرت معظم كاساته. استعاد بخياله تلك الكاسات الثمينة التي كانت تحتفظ بها "ليديا"،أحدى زميلات عمله، والتي أخبرته يوماً أنها وجدتها في البيت الذي استملكته بعد خروج الفلسطينيين منه بعد الحرب. البيت الذي عرف فيما بعد أنه لعائلة طيراوية ذبح معظم ابنائها بأيدي هؤلاء الذين يشربون في كؤوسهم. تلك الكؤوس التي تدل على عز وراحة بال مثلما تدل هذه الكؤوس على بؤس وفقر وضيق وإحباط. لاحظت أم "يوسف" أن "يوسف" يحدق بالكؤوس ويدقق بأشكالها. شعرت بالحرج فمالت إلى زوجها، وهمست
-(مش قولتلك اشتري طقم كاسات جديد!)
-(ما كان معي يا أم "يوسف")
-(كان ما في داعي تشتري تفاح، واشتريت كاسات.)


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى الطيرة
 

شارك بتعليقك