فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
لقاء البحر (تكملة الرواية 5) الدكتور محمود السلمان
شارك بتعليقك  (3 تعليقات

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى الطيرة
כדילתרגם לעברית
مشاركة محمود السلمان في تاريخ 4 كنون أول، 2009
تكملة رواية لقاء البحر (5)
16
في "حيفا" كانت صورة "أحمد" و"يوسف" لا تغيب عن بال "أولا" سارت في حديقتها وهي تتذكر "يوسف". تذكرت تلك الأيام الجميلة القليلة التي جمعتهما. شعرت أنها مشتاقة ل"أحمد" ول"يوسف". "أحمد" هذا الذي أوجد في قلبها شيئاً اعتقدت أنه لا وجود له في الحياة. تذكرت حياته وكلماته ولغته التي تأتي من عالم كان مجهولاً لها. تمنت لو سمحت له التكلم بالعربية حتى مع أنها لا تتقنها كما يجب. كيف يمكن أن يقول "أحمد" كلمة أحبك بالعربية. صحيح أن إنجليزيته أدهشتني، لكنني دهشت مما قال . الحقيقة التي لا يمكن أن أخفيها هي إنني رأيت نفسي أمامه فتاة أكثر من كوني أي شيء آخر. هل من الممكن أن يكون في الحياة عوائق تمنع شيئاً طبيعيا وصحيحاً.
17
في ذلك اليوم جلس "أحمد" في فراشه وأخذته أفكاره إلى "حيفا" والبحر و"أولا". تنهد وقال لنفسه:
فلسطين وطن جميل، البحر والميناء والنهر. هذا الزمن قاس،وغابته أبشع غابة عرفها التاريخ، إذ لا يمتعنا إلتهام الفريسة بقدر ما يمتعنا معرفتها بأنها التهمت ومعرفة ذويها بذلك. على الأقل الفريسة تلتهم دون سابق إنذار.
على الأقل لا يوجد موت. القسوة مقابلها البساطة والحرية وعدم التعقيد. في الغابة لا يوجد أشياء كالهزيمة والحرب. في الغابة حب وحياة وموت، لا شيء آخر. أجمل شيء أن التطور يفسد ما بداخلنا ولا يمس جذور إنسانيتنا. يجب أن نبقي في داخلنا غابة وربيعاً بريئاً من صنع الطبيعة. دعونا نعيش دون "المكياج" الذي يشكله الشيطان فينا.



17
في اليوم التالي من وصول "يوسف" قام عمهم الحج (سراج) بدعوتهم للغداء.
بعد قليل جاء ﺇخوته الآخرون. أصبحت الغرفة تضيق بالحضور. والغرفة الأخرى ضاقت بالضيوف أيضاً إذ استخدمت من قبل النساء للجلوس والطبخ ذلك لأن المطبخ لا يستوعب إلا قدر طعام واحد وشخصا واحداً بجواره. لاحظ "أحمد" حيرة "يوسف" من ضيق المكان ورائحة الطبخ لأن قدور الطبخ كانت قريبة جداً.
إذاً هذا هو عمي سراج صاحب البيت الذي جعل منه مخفراً؟ وبلا شعور، وجه كلامه لعمه الحاج سراج.
-عمي بيتك جميل!
-آه يبدو أن "يوسف" صاحب نكتة مثل أخيه حسين؟هذا ليس بيتاً يا ابن أخي. هذه وحدة سكنية تعطى للفقراء والمشردين؟
-لا لا يا عمي. أنا أقصد بيتك في "الطيرة".
-آه بيتي. الكلام لا يفيد يا ابن أخي. بيتي الآن بعيد. وقد سمعت أنهم حولوه إلى مخفر؟
-نعم نعم. إنه مناسب لذلك. فهو كبير كما تعلم ومطل على البحر.
-وبيتي هذا مطل على الماء، الم تر قنوات المجاري المكشوفة وأنت قادم إلى هنا؟
-ضحك الجميع وبادر "أحمد" قائلاً
-يبدو أنك أنت يا عمي صاحب نكتة مثل حسين.
-أحياناً يجب أن نكون كذلك! اسمع يا ابني، أنا لم أر الرجال تبكي كما رأيتهم يبكون بعد النكبة. هؤلاء الرجال الذين لم تنقصهم رجولة ﺇنما نقصهم العتاد. العتاد كان ممنوعا عليهم وكان الحكم على أي شخص يحمل ولو سكينا سنة سجن، إذا لم يكن أكثر، في الوقت الذي كان تدريب "الهاجانا" و"شتيرن"، الذين شكلوا نواة الجيش الصهيوني فيما بعد، يقوم على قدم وساق في معسكرات "الٳنجليز". هؤلاء "الٳنجليز" الذين كانوا يجمعون سيارات العرب في تلك الفترة لاستخدامها مقابل أجر زهيد بحجة نقص عدد السيارات لديهم ولا سيما الشاحنات بسبب ظروف حربهم القاسية مع الألمان. هؤلاء "الٳنجليز" الذين كانوا وللأسف يعطون بعضا من هذه الشاحنات إلى الصهاينة لنقل العتاد الحربي المهدى إليهم من قبلهم إلى المستعمرات التي كانوا يقيمونها لهم بعتمة الليالي. كانوا يستخدمون سياراتنا لنقل الأسلحة التي صممت لقتلنا. وفي يوم من الأيام رأيت سيارة رجل يقال له أبو المقاثي- بسبب كثرة المقاثي لديه، كان الٳنجليز قد صادروها منه، تحمل أسلحة ومتجهة إلى المستعمرة الصهيونية "أخوزة صموئيل" القريبة من "الطيرة". وعندما أخبرته بذلك لم يستطع الاحتمال، وذهب إلى "حيفا" محاولا أن يستعيد سيارته. لكننا ومنذ ذلك اليوم لم نره ثانيةً. فقد قتل الرجل لأن مبدأ أن تراجع وتجرؤ على مخالفة قرار كان يعتبر خطاً أحمرَ يمنع تجاوزه. وبعد أيام قاموا بدفنه قرب مغارة أسميناها فيما بعد مغارة أبو المقاثي. لكن وللأسف ٳن بعض "الٳنجليز" أحسوا بالندم والذنب ولكن بعد فوات الأوان.
مثلاً تتذكرون ماذا كان يتكلم انس ابن عمكم وهو في بريطانيا."انس"، يا عمي يا "يوسف"، كان طالباً متفوقاً. لذلك كان الأول في الثانوية العامة والأول في الجامعة على الرغم من الظروف القاسية التي كان يدرس فيها هنا في المخيم. وقد حصل على بعثة لدراسة الهندسة في بريطانيا.
يذكر أنس أنه في يوم من الأيام في أول أيام وصوله إلى بريطانيا وبينما كان يحاول إيجاد مدرسة قريبة من منزله الجديد لابنته الطفلة سجى، التقى برجل إنجليزي كبير السن يتجاوز الثمانين. سأله البريطاني عن اسمه فأجابه أنس. ولغرابة الاسم سأله عن موطنه. فأجابه أنه من "حيفا". وبعد ذلك تفاجأ أن ذلك البريطاني يعرف "حيفا" جيداً إذ أنه كان قد خدم في "حيفا" جندياً عندما كان في العشرين من عمره. فأخبره الجندي أنه عمل في بلادنا وأنه شاهد بأم عينيه كيف كان يدخل اليهود إلى بلادنا بطريقة غير شرعية وتحت حماية بنادقهم. ولذلك قام بضم أنس وبحرارة غريبة. بعد ذلك نظر أنس إلى عينيه فوجدهما تمتلئان بالدموع. وأصر ذلك الجندي على دعوته في اليوم التالي. وعندما ذهب تفاجأ بأن أحفاد ذلك الرجل الرائع كانوا يعرفون فلسطين وخاصةً "حيفا" ويتعاطفون مع قضيتها. وشعر بالحزن والفرح عندما سمع من أحفاد هذا البريطاني بأنه كان يقول على الدوام بأن بنادقهم التي كانوا يرفعونها لتغطية دخول هؤلاء بطريقة غير شرعية كانت يجب أن ترفع لمنع أي مخلوق من اخراج هؤلاء الفلسطينيين من بلادهم بالقوة وبطريقة غير شرعية. لذلك كان دائماً يقول ٳن تلك هي المبادئ التي تعلمها في المعسكر الذي تدرب فيه في ليدز، المدينة البريطانية المعروفة، قبل أن يتوجهوا إلى الشرق الأوسط. كان على الدوام يشعر أن ما فعلوه في فلسطين يتناقض مع تلك المبادئ. لكنهم كانوا جنودا لا يستطيعون فعل شيء غير تنفيذ الأوامر التي تناقضت في كل الأوقات مع إنسانيتهم التي لم يكونوا قادرين على ممارستها والآن يمارسها على نحو رائع هذا الإنسان الكبير. وبعد ذلك قرر ذلك الٳنجليزي أن يؤجر ٳحدى مساكنه "لأنس". فسكن قرب ذلك البريطاني الذي كان اسمه "ستيف". وكانت المفاجأة الكبرى أن "ستيف" لم يقبل أي ٳيجار من أنس الذي سكن بشقته أكثر من سنة. وقد بكيت كثيرا ًعندما حدثني "أنس" عن قصة مثيرة أكثر تتعلق براهبة بريطانية كرست حياتها هي وأخت لها لجمع تبرعات لفقراء فلسطين بعد أن رأتا معاناتهم في مخيمات اللاجئين المقامة بالضفة الغربية. فأخبرني أنس أنه وبينما كان يقوم بتصوير بعض الأوراق في جامعته قابل رجلا ٳنجليزيا يعمل بالجامعة بشكل مؤقت. وعندما عرف أنه من فلسطين أخبره بقصة الراهبة وحبها وتعاطفها مع الفلسطينيين. وبعد يومين رتب موعدا له لمقابلتها في القرية التي كانت تسكن فيها والواقعة قريبة من "نيوكاسل". وعندما قابلته أخبرته أنها ذهبت لزيارة الأراضي المقدسة هي ووفد سياحي يتألف من ثلاثين سائحا. كان معظم أعضاء الوفد يحمل وجهة نظر خاطئة عن الصراع الموجود في المنطقة. وبعد الزيارة أصبح معظم أعضاء الوفد يتعاطفون بشكل استثنائي مع معاناة الفلسطينين في مخيماتهم بعد أن رأوا الظلم الواقع عليهم.
كان يستمع "يوسف" ويستغرب مما يسمع. لأول مرة يسمع الأشياء من الجهة المقابلة.
نظر "يوسف" إلى عمه وشعر بأن كلام هذا الرجل يخبئ ألماً مدفوناً تنكر له حتى مسببوه وشعوراً بالأمل يبعثه بداخل نفسه من خلال قصص كتلك التي رواها أنس، عن أناس بدؤوا يحسون بجرحه وألمه ويتعاطفون مع أوجاعه. قد لا تعيد صحوة الضمير هذه شيئا مما فقد وربما لا تستطيع إيقاف قسوة الحياة التي وضعوه فيها منذ خمسين عاماً إلا أنها بالتأكيد تعكس بداية الأمل من أن الحقيقة بدأت تسود. هو الشعور بالظلم الذي يسبب مثل هذا اليأس وأقسى أنواعه هو عدم اكتفاء الظالم بظلمك والهروب، بل إصراره أيضاً على قلب الحقائق، وإظهار ذاته على أنه المظلوم والمظلوم بامتياز على أنه الظالم.

18
في اليوم الثالث كان أبو "أحمد" يقيم وليمة كبيرة لأقاربه من أجل "يوسف" وليعرفه على أقاربه وخاصةً الصغار. عند الظهيرة بدأ الأقارب يتوافدون إلى المنزل. بدأ الكل يتحدث مع "يوسف" بسعادة وهو كذلك. بدأ الحديث ابن خال له يقال له الطريش بسبب كثرة الأغنام التي كان يملكها في "الطيرة".- فقد كانوا يطلقون كلمة طرش على الأغنام أيضا:ً

- حدثني يا "يوسف" عن "وادي العين" و "وادي أبو الجاع". لقد كانا المكانين المفضلين لي لرعي أغنامي. فقد كانا دائمي الخضرة طيلة السنة. بسبب قربهم من الماء. تذكر يا أبا "يوسف" نبع وادي العين؟ مع أنك كنت تفضل المحرقة القريبة من مغارة التشتش لرعي أغنامك حتى لما كان عندك فقط منوحة ليس أكثر.
- طبعاً أتذكر. (حدثنا يابا يا "يوسف"). الناس هنا متعطشة لسماع أي شيء.
- وادي العين ما زال بخير. لكن هناك أكثر من وادي في "الطيرة". أي واحد تقصدون في "أبو الجاع"؟
- "أبو الجاع" هو الوادي الذي يلتقي مع وادي العين في بداية السهول الجنوبية الغربية للطيرة.
- نعم تذكرته. لكنني لم أصل ذلك المكان منذ سنة. فأنا مشغول في عملي.

في هذه اللحظة ذهب بعيداً فكر أبو راجح، الذي كان يجلس قرب الباب لضيق المكان، وهو زوج عمة "يوسف"، الذي غادر "الطيرة" وعمره عشرون عاماً، وبدأ يحدث نفسه، بحزنٍ واستغراب: إنسان لا يبعد إلا بضع أمتار عن "وادي أبو الجاع" ليس لديه وقت لزيارته؟! ونحن لنا خمسون عاماً نحلم فقط به وبعشبه وبأيامنا هناك.
وبدأ يمسح دموعه ويحاول جاهداً إخفاءها. لاحظ أبو "يوسف" ذلك. فتوقف عن الكلام ونظر إلى "يوسف" وقال:
-(يابا يا "يوسف"). هذا الرجل، قال ذلك وهو يشير إلى "أبو راجح"، كان يملك أراضي كثيرة في وادي "أبو الجاع" وأبوه كان يملك أكبر مزرعة في تلك المنطقة.

أستمر الحديث عن البلاد بنفس الطريقة. كل يذكر ذكرياته مع المكان والزمان الذي أمضاه فيه. هذا أبو علي يتحدث بالتفصيل عن مسحب النمل، وهذا أبو سالم يتذكر الشلالة والقعاقير الكثيرة التي كان يقيمها في المكان، وهذا أبو العبد يتذكر بلقه الذي لطالما استخدمه في طروم سليمان وكيف أنه لم يكن يتردد في اعارته لكل من كان يحتاج إليه.

شعر "يوسف" بحيرة كبيرة مما يسمع. كيف لم يكن يعلم بكل ذلك. لأول مرة يشعر ويعي معنى لاجئين. هؤلاء كانوا فعلاً هناك ويعلمون عن المكان ما لم يعلمه المحتلون في حياتهم. ذكر الأسماء المتكرر لمناطق المكان أشعره كيف أن أهله جزءاً لا يتجزأ من المكان. كل شيء قالوه كان صحيحاً ودقيقاً. شعر بأنهم فعلاً طيراويون وحيفاويون. كيف من الممكن أن نحرم إنسانا من مكان يحمل اسمه؟! من مكانٍ يبكيه ذكر اسمه؟! وفي لحظة مفاجأة قام من مكانه على الكرسي، إذ لم يكن متعودا الجلوس على الأرض، وتعمد الجلوس بين الضيوف على الأرض متلاصقاً معهم. مد يديه وبسطهما فوق كتف أبي سالم الذي كان يجلس على يمينه وأبو العبد الذي كان يجلس على شماله. بدأ يبتسم لكل هؤلاء الذين أحبوه وجاءوا لرؤيته. طيبة لم يتخيل وجودها يوماً في الحياة.


في المساء جلس "أحمد" و"يوسف" يتحدثان طويلاً:
-ما رأيك بكلام عمي يا "يوسف"؟
- لقد مررت بنفس تجربة هذا الرجل. لقد تم استعادة اسمي – "يوسف" بمحتواه الحقيقي– بعد خمسين عاماً ولا بد إذاً أن يتم استعادة بيت عمي وبيوت أقاربي الأخرى ما دام هناك إرادة بالبحث كتلك التي ملكها أبي وأمي. لا بد أن يعود كل شيء كما كان.لكن يجب أن نتذكر أن بيت عمي الذي رفض أن يقلب مخفراً وتقلب الحقائق بذلك، لا يمانع في الوقت ذاته من مجاورة بيوت يكون فيها أناس بطيبة "عمير". الحب يجعل من النسيان مستحيلا ويجعل من العودة حلما ليس مستحيلا. الحب أيضاً لا يمكن أن يكون أعمى أو متعصباً ليرفض التفاهم والتصادق والتجاور مع أناس يعترفون بحقنا.
- ولكن قل لي كيف تفكر أنت وكيف تعتقد أن بيت عمنا سيعود؟
-سوف يبقى اسمي "أحمد" الطيراوي، وستبقى اسماء أحفادي كذلك، ومهما امتدت سلسلة أحفادي هذه قبل العودة سيبقى رأسها في اتجاه هذا المكان مهما كان اتجاه جسدها، وسوف تبقى هذه السلسلة تسير في اتجاه مستقيم إلى أن تعود إلى المركز الذي انطلقت منه وإلى أن نعاود الالتحام بالمكان ويصبح دفننا في أعالي الكرمل نتيجة واقع لا نتيجة وصية، ويبقى لون التراب في قبري واحدا حتى بعد أن يتحلل جسدي،ذلك لان تراب جسدي قد خلق من جينات هذا التراب، فاللون واحد. فعندما تحدد الهدف يصبح تعبيد الطريق قضية وقت ليس أكثر. وإذا ما سار الإنسان في طريق مستقيم لا بد أن يعود إلى نقطة البداية التي هي النهاية.

19
في اليوم التالي استيقظ "أحمد" باكراً بعد أن أستلم رسالة وصلت إلى هاتفه الخلوي من "أولا" للالتقاء معها من خلال الإنترنت. أيقظ "يوسف" وأخبره بذلك. ضحك "يوسف" فرحاً وقال
-أرى أن "أولا" تذكرتك ولم تتذكرني
- لا، فقط أنا وهي تواعدنا أن نواصل الحديث من خلال الإنترنت
-سلّم عليها وسوف أتحدث معها أنا أيضا لاحقاً.
كان ثمة شيء من المشاعر المتبادلة بين الاثنين تبادلاها عن طريق العيون دون الإفصاح بها، لأن الهدف الذي كان "أحمد" من أجله هناك كان شيئاً كبيراً لا يترك مجالاً للحديث بأي شيء آخر.
كان الاثنان واعيين وناضجين إلى الدرجة التي استطاعا فيها أخفاء كل شيء وتأجيل الحديث عنه إلى الوقت المناسب. لذلك كان حديثهما بالإنترنت، تكملة لشيء بدأ الحديث به في العيون
في تلك اللحظة كانت "أولا" ما زالت في سريرها. كان بالنسبة إليها صباحاً جميلاً لأنها على موعدٍ للحديث مع "أحمد" على الإنترنت. كان الموعد في العاشرة صباحاً. تناولت فطورها على عجل وفي العاشرة صباحاً كان "أحمد" ينتظرها:
- لا أستطيع نسيان لطفك معي، وأشكرك ثانيةً على مجهودك معنا ونحن هناك. صدقي أنت لا تغيبين عن بالي
- كيف "يوسف"؟ خبرني عنه أرجوك.
- "يوسف" في أحسن وضع. وهو يرسل لك السلام. وهو بيننا سعيد وكأنه في أجمل حلم. وأمي سعيدة به. صدقيني إنني أشعر أنها عادت شابة من جديد
- أنت يا "أحمد" رائع وثقافتك وخلقك وهدوؤك صور لا تغيب عن بالي
- وأنت كذلك. لقد جعلتني أفكر بأشياء كثيرة من جديد. كانت تجربة ناجحة لضرورة التعامل مع الآخر على أنه ليس بالضرورة أن يكون شيئاً آخر
- وأنت كنت رمزاً للصبر والإصرار اللذين لا يخرجان إلا عندما يكون الإنسان فعلاً على حق. إن حقيقة عودة "يوسف" لأهله وظهور هذه الحقيقة جعلني أحس بأن كل شيء هنا لا بد من أن يكون شيئا أخر. أحس بأن كل شيء هنا لا بد وراءه حقيقة ثانية، غير تلك التي نرى. أصبحت أخاف من كل شيء.
-لا يا "أولا". وبكل الأحوال "يوسف" عاد، وقد كان عند أمه الثانية، الحاجة تمام. نريد فقط الحقيقة، ولا نريد شيئا أخر.
- هذه أخلاقك التي جعلتني لا أملك إلا احترامك والإعجاب بك. أنت فعلاً مدهش
- وأنت إنسانة يا "أولا".
- "أحمد"، هناك أشياء كثيرة أتمنى أن أحدثك بها. كنت أنوي أن أفعل ذلك وأنت هنا في "حيفا". لكن ظروف لقائك ب"يوسف" ووضعك النفسي ووضعه كانا أكبر من أن أستطيع الحديث في أي موضوع آخر. لكنه قراري أن أحدثك بكل شيء من أول لقاء بيننا في الانترنت. فهذه الأشياء تتطور في داخلي من أسابيع، وهي تختزن في أعماقي.
- تكلمي يا "أولا"، فأنت أيضاً لك مكانة كبيرة عندي الآن. تحدثي كأنك تحدثين نفسك
- لقد غيرت حياتي يا "أحمد"! أنت الرجل الأول الذي استطاع تحريك مشاعري كما لم يستطع شاب في الحياة. إنه وعيك وثقافتك وخلقك.
صمتت للحظات، وكان لا بد أن تجهّز عباراتها بدقة فالخجل قد سيطر في تلك اللحظة. ومن ثم أكملت وكانت عباراتها متقطعة وخجلة
- لقد رأيت في عينيك خلقاً ولطفاً لم أر مثلهما في أحد، ورأيت فكراً وعمقاً وذكاء لم أتخيل وجودهما بهذا الشكل المكتمل بأحد. لقد بهرتني. "أحمد"! أنا أحبك. كلمة لم أستطع قولها مباشرة وأنت هنا، لكنني أشعر الآن بقوة في قولها من وراء الشاشة.
تفاجأ بهذا الزخم من المشاعر والكلام. تفاجأ بوضوحه وثقة المتكلم به. شعر بقوة المتحدث به. أسعفه على استيعابه بسرعة، وجود المشاعر نفسها بداخله اتجاهها. لذلك شعر بفرح وأحس أن "أولا" اختصرت مسافات طويلة بينهما. زاد ذلك من مشاعره اتجاهها وشعر أنه مقتنع بذلك أكثر من أي وقت مضى
- أنت أيضاً يا "أولا" مدهشة ورائعة، ولا أملك إلا أن أقول لك أنا أيضا أحبك.
شعرت "أولا" بسعادة لسماع تلك الكلمة. امتلأت عيناها بدموع الفرح لسماع تلك الكلمة.
- أصبحت مسكونةً بحبك ولا أستطيع تخيل نفسي من دونك. ماذا فعلت بي. أنا فعلاً احبك ولا يهمني شيء إلا أنت. أنا مستعدة أن أفعل أي شيء من أجلك. كم أتمنى لقاءك
- وأنت كذلك. صدقيني إنني معني أن نكون مع بعض ونعيش مع بعض
- إذاً دعنا نلتقي ونمضي العمر معاً.
- أنا على استعداد لفعل أي شيء من أجلك
- وأنا مستعدة لأي شيء من أجلك
- انك مدهش، وأسمع منك أشياء رائعة
- وأنت أيضاً مدهشة، ولن أنسى لطفك في حياتي
- لم أقابل رجلا في حياتي بأخلاقك وثقافتك وعمقك
-لا يا "أولا". أنا إنسان عادي.
- أنا منذ مشاهدتي الأولى لك شعرت بأنني أقابل إنسانا استثنائياً. كل شيء فيك مدهش، لغتك، صوتك، ثقافتك.
-وأنا أيضاً رأيت فيك كل ذلك.
- أنا أحبك. أعرف أن ذلك يبدو غريباً وبتلك السرعة. لكنه الحب، شعرت به تجاهك منذ الجملة الأولى التي سمعتها منك.
-الحب يا "أولا" لا يعرف التوقيت. أنا أيضاً يا "أولا" ارتحت لأسلوبك ولطفك. لكن الحب بالنسبة لي مشروع وبداية أشياء لا نهايتها. وظروفنا تجعل من تلك حكاية يصعب اكتمالها. مع أنني على استعداد لفعل كل شيء من أجلك.
-أعرف هذا. وأنا كنت أستطيع إخفاء مشاعري أكثر من ذلك. لكن حقيقة أنك لست أمامي فعلاً أشعرتني بشجاعة أكبر في قول حقيقة إحساسي. شعرت أنني سوف أقول شيئا أحسه للمرة الأولى. لكن ردة فعلك وهدوئها وحكمتك يجعلني الآن أتعلق بك أكثر
-أنت رائعة أيضاً وصراحتك هذه تبهرني. تجعلني أرى الحياة أسهل وأكثر انفتاحا وأقل تعقيداً
-إذاً أنت تحب في شخصيتي ما تفقده بنفسك- الجرأة مثلاً وخاصةً فيما يتعلق بالتعبير عن المشاعر، ،وأنا أحب بك ما أفقده بنفسي –فلسفة الأمور وحتى الأدب. لقد أحببتك يا "أحمد". وأنا لا أرى شيئا غير هذا الحب. أحببت ثقافتك ووعيك وحتى صوتك وهدوءك
-وأنا يا "أولا" أحببت إنسانيتك وانتصارك لها على الرغم من قسوة الظروف.
- أنا لا أرى شيئا إلا أنت. يقولون أن لكل فتاة فارس أحلام. لا بد يوماً من أن تلتقي به. وأنا التقيت بك. كان دائماً هاجسي هذا الفارس، ولم أكن يوماً مهتماً لجنس أو لغة أو حتى دين هذا الشخص. في الحقيقة لم أفكر يوماً بهذا. كلما نظرت إليك أو سمعت حديثك لا أرى إلا هذه الحقيقة-إعجابي وتعلقي بك.
-لكن "يوسف" يقول إن الظروف المحيطة صعبة. ونحن لا بد لنا من الاختلاط في هذا المجتمع الذي سوف لا يرى بي إلا عربياً نشازاً ونقيضاً له في كل الأحوال لو عشت هناك. وأنا لست على استعداد لتبديل لوني أو حقيقتي أو حتى إخفاء حقيقة مشاعري سواء أكانت مشاعر فرح أو حزن.
-هل حدثت "يوسف" عني بشيء؟
-نعم. لكنه كان حديثاً عاماً. لم أقل له عن شيء من مشاعري بشكل مباشر.
-أنا من أجلك مستعد أن أطير حيث تشاء. لن أسمح للمكان أن يحرمني منك. لقد حاولت مرات عدة مغادرة هذا المجتمع لأنني كنت أشعر أنهم كذبة كبيرة أقيمت على أنقاض حقيقة وأوجاع وآلام أناس شردوا عنوةً. وربما يكون هذا جزءاً من الأسباب التي زادت تعلقي بك.
-ماذا تقترحين إذاً؟
-أقترح أن نبقى مع بعض!

- على كل حال نحن التقينا على المشاعر. وهذا هو الأساس لأي علاقة ناجحة. سوف نناقش كل الأمور وكل البدائل.
- حسناً. وأنا سعيدة بسماع ذلك. أنتبه لنفسك فأنت الآن تعني لي الكثير
- وأنت كذلك. أنت فعلاً جميلة
- وأنت أروع شخص رأيته في حياتي
نظر إلى كلامها في الشاشة كأنه يراها وابتسم. وفعلت الشيء نفسه.
- دعينا ننتهي الآن، عليّ لقاء "يوسف"



20
بعد أن أمضى "يوسف" تلك الأيام الجميلة بين أهله قرر أن يعود إلى "حيفا". فهناك بعض الالتزامات عليه من عمل ومواعيد وأشياء أخرى كثيرة. دخل أبو "يوسف" حيث يجلس ليتبادل معه الحديث بعد أن علم أن الرجعة إلى "حيفا" باتت قريبة

نظر إلى أبيه بمحبة وابتسم.
- أنا فعلاً سعيد بينكم
أصبح الحوار الطبيعي بينهما يسود بسهولة. المحبة التي أحاط بها الأهل "يوسف" جعلت الحقيقة تفرض نفسها عليهم. هم بيت أبي "يوسف" وهو "يوسف" البكر. في هذه اللحظة دخلت أخته أمنه ومعها ابنتها دانا. نظرت أمنه إليه وقالت بصوت فرح
-كيفك يا أعز أخ. ثم نظرت إلى أبيها وقالت:
-يجب أن نحمد الله كل وقت. الذي جمعنا ثانية
نظر إليها وقال بحزن:
-لكنه مصرّ على العودة إلى "حيفا"
-لا يا أبي. أنا سأعود ولكن لن أتوقف عن زيارتكم. كذلك ستقومون أنتم بزيارتي والعودة يوماً ما. نظر إلى أمنه وأكمل حديثه، وستكونين يا أمنه أول شخص يزورني. فأبي وأمي لا يقبلان العودة الآن إلى هناك لأنهما يقولان أنهما لا يستطيعان تحمل رؤية أملاكهما بحوزة غيرهم. وأنا أتفهم مشاعرهما.
-أتمنى أن أزور بلادي. هذا حلمي الوحيد.
صمت وتمنى لو يعلم أبوه ما يدور برأسه ويعلم حقيقة الهدف الذي من أجله قرر العودة إلى "حيفا". لكنه لم يفضل الحديث تاركاً الأيام تتحدث.

بعد يومين كان يودع أهله. مشاعر الحزن والحرمان والحيرة والبعد اختلطت ثانيةً. لكن نظر إلى الجمع وقال قولا أرجع الابتسامة إلى وجه أمه وأبيه: أبي، أمي أنتما تعيشان ألان هنا، مشيراً إلى قلبه، وهناك حيث سأعود الآن، مشيراً إلى الغرب، ولن نفترق أبداً بعد أن التقينا. سأعود حتى أبقى جذركما هناك. وعندما أزوركما ثانية سأكون ورقاً أخضر وأغصان مبتسمة لشجرة جذرها هناك ولا تستطيع فراق الأرض التي بها نبتت. أنتم هنا ورق وأغصان، كحالي، لأشجار جذورها هناك. فأنتم هنا لكنكم هناك. فحق عودتكم يأتي من حيث أنكم لم تفارقوا أصلاً.
-أهتم بالحاجة تمام. والله لا يوجد أعز منها،قال ذلك وهو ينظر إلى أم يوسف التي اكتفت بهز رأسها لان الموقف أكبر من الحسابات الصغيرة التي لم يكن شيء اكبر منها يوماً.

21
في الظهيرة وصل إلى بيتهم في الدالية. وما أن رأته الحاجة تمام من بعيد حتى صرخت دون أن تدري. "يوسف"، بدأت بالبكاء والعتاب بينما كانا يتعانقان.
-(أهلا يما). وبلهجة لا تخلو من العتب والاستهزاء معاً أكملت حديثها طبعاً إذا سمحت لي أن اسميك (يما).
-يا خالتي مكانك في أعماقي ولا يستطيع شيء ملامسته أو تغييره وغير قابل للتغير سواء كنت هنا ام هناك. قال ذلك وهو يبتسم لها ويضمها ويسندها على كتفه.
-أنا احبك أنت ولا يعنيني الاسم الذي تحمل.
قالت ذلك وهي تبادله العناق والمحبة.
-أنا أقول ذلك لأنني حزينة لفراقك. لقد افتقدتك وأنت في الأردن. أحيانا أحس أنني اكره هؤلاء الذين أخذوك وأحيانا اشعر أنه لا يحق لي وبأن عليَّ أن أحبهم بدلاً من ذلك. كيف لا وهم من منحوا يوسف الذي أحب، دفء العائلة وحقيقة من يكون.
في تلك اللحظة ضمها يوسف. وبعد أن جلسا طويلاً شعر أن عليه أن يقول شيئاً ما بغض النظر عن طبيعة الحديث الذي يدور.
-يا خالتي أرجوك افهمي. المشكلة الآن بالنسبة لي ليست أنني يوسف الذي أصبح بأم وأب جديدين. المشكلة أنني رأيت شيئاً يخفي ظلما ًتهتز له الجبال، إذا عرفته. تصوري يا خالتي أن الرجل الذي يملك ذلك البيت الجميل الذي حول إلى مركز شرطة، يقبع الآن في بيت لا تستطيعين أنت حتى النظر إليه. تخيلي أن أبي الذي سكنت في بيته، لا بيت له. تخيلي أن سهول القمح التي كانت تحيط ببيته تحولت الآن إلى مجاري ومكاره صحية تحيط في تلك الغرفة التي أجبر على السكن فيها بعد تهجيره من موطنه. تخيلي أن من كان يملك وطناً وأرضاً تحول إلى إنسان بلا وطن أو أرض. أنا أحبك وأحبهم ولكن هم المظلومون أكثر. ونحن نعيش بين هؤلاء الظالمين. أنا كنت ظالماً عندما كنت لا أفكر بهم كل يوم. أنا أريد فقط التخلص من كوني كنت يوماً سلبياً.
في اليوم التالي أستيقظ "يوسف" في غرفته الخاصة في بيته عند الحاجة تمام. نظر إلى سقف الغرفة يساراً ويميناً وكأنه ينتظر أن يسمع صوتاً أعتاد أن يوقظه في الصباح الباكر كل يوم وهو هناك في بيت أبيه. إنه صوت بائعي الخضار الذين يأتون مبكرين لعرض خضرواتهم في سوق الخضار القريب من بيتهم في المخيم. هذا الصوت الذي لطالما أختلط بأصوات الحمير التي كانوا يأتون على ظهورها بخضرواتهم. أبتسم ووقف على رجليه. عندما أقترب من مغسلته الفاخرة توقف قليلاً وتذكر ذلك الإبريق الأحمر في حوش بيتهم وكيف كان يتراكض أخوته إليه في الصباح لسكب الماء على يديه لمساعدته على غسلهما. تذكر الماء الذي كان ينزل على "لجن" النحاس ورغوة الصابون والصابونة الموضوعة على "بلوكة". تذكر "الزريعة" في "تنكات" الحديد التي كانوا يحتفظون بها في الحوش وعلى أطراف الحائط لإضافة أي شيء أخضر لتلك الغرف البائسة التي يعيشون فيها. بدأ يغسل وجهه وبين الفينة والأخرى ينظر إلى المرآة. شعر بأن كل الوجوه التي كان يراها في المخيم تنظر إليه في تلك اللحظة . وكأنها تلومه على هذه المغسلة التي ما كانت لتكون لو لم يكن ثمنها هذا البؤس الذي يعيشون. لكنني "يوسف"، صرخ فجأةً، وأعيش بملكي، وبدأ بالبكاء وبصوت عالٍ. لم يشعر قط من قبل برغبة في الأقتراب من يوسف اللاجيء كما يشعر الآن. "يوسف" "يوسف" "يوسف"، أنا "يوسف" وأنا هنا حق في بحر من الباطل. أختلف عن كل من يملك مثل هذا البيت والمغسلة في هذا المكان. هذا حقي فأنا "حيفاوي". أنا أبو "يوسف" و"أحمد" وعمي سراج والحلبي والراشد ولا أسكن إلا في أشياء لأناس أنا منهم. أجهش بالبكاء ثانية، بكاء كان يحس برغبة فيه وهو هناك لكنه أنحبس بصدره. بكاء يغسل ما تبقى به من تعب الضمير والحزن لأنه يعيش ويملك بيوت هؤلاء الأحباء الذين لا يستطيعون الاقتراب منها. أنا "يوسف" سعيد "يوسف". اسمي لم يأتِ من فراغ؟ اسمي لم يأتِ صدفة.أسمي حلقة في سلسلة فصلها الظلم بالجغرافيا عنوةً وقسوةً. أسمي "يوسف" لأن هناك "يوسف" آخر عاش في المكان أشبهه ،أنا ابن ابنه! أنا كل شيء؟ هناك فقط "يوسف" دفنت وتشوهت حقيقته منذ اقتلاع التراب من التراب! عليّ أن أكون أنا وعليّ أن أتحمل مسؤولياتي تجاه حقيقة من أكون. عليً أن لا أكون مواطن يكفيه أنه لم يزل حياً وليس ممنوعاً من النوم في عقر داره. كيف أستطيع أن أهرب من أوجاع هؤلاء الطيبين؟ كيف أستطيع أن أهرب من بؤسهم وشدة قسوته؟!
خرج من البيت مسرعاً وبدأ يسير في شوارع "حيفا" وكأنه يراها أول مرة. بدأ يراها بطريقة جديدة وأكثر نقاءً. بدأ يفكر بهؤلاء الذين يأتون إلى هنا من مخيمات الضفة والقطاع للعمل كي يعيشوا، وأصولهم من هنا وليس لهم إلا إنهاء أعمالهم والعودة بنفس اليوم. فقط لهم القدوم هنا كعمال. هل على كل واحد يعيش هنا أن يتحول من إنسان إلى إنسان حتى يرى الألم الذي يعيش فيه هؤلاء وهم يعملون في مزارعهم التي ملكها آباؤهم وأجدادهم، كعمال في أرضهم؟ أنا واحد من هؤلاء العمال إلا أن قدري كان أن أترك لتجدني الحاجة تمام وتنقذني. كانت سياستي تجنب التفكير في الماضي والتاريخ والواقع والحقيقة لكي أستطيع العيش. أي عيش هذا الذي يشترط علي نسيان أناس مثل أبي وهؤلاء الذين يعيشون بعيدين عن وطنهم في المخيمات؟ كان علي القفز عن كل مراحل التاريخ. كيف يفكر هؤلاء العمال إذاً؟ وهل يدركون بأنني منهم وبأنني احترق حزناً عليهم؟ هل ينظرون إليً على أنني أصبحت شيئاً آخر؟ في أكثر الأحوال من عرب هذا المكان ليس أكثر وبأنني فعلاً أصبحت ليس منهم؟ لا أنا فلسطيني من حيفا وهم كذلك ولا يفصل بيننا غير الظرف الذي لا يعدو شيئاً وهمياً مؤقتاً. أنا الآن أعيش على الأمل بأن الحق لا بد أن يظهر ويدرك العالم أن أبا "يوسف" وأمثاله كانوا هنا ولا توجد قوة في الدنيا غير قوة الكذب،التي يسمونها إعلاماً، تستطيع أن تنكر ذلك.
مرت الأيام وبقيت هذه الأفكار تسيطر على نفسه وحديثه. بدأ يفكر بالأخبار بشكل آخر. بدأ يسمعها بشكل أخر. بدأ يفكر بالسياسة ويشعر بأن عليه أن يفعل شيئاً لهؤلاء الذين ظلموا بهذا الشكل! كيف؟ أأساعدهم من خلال كوني هنا فقط وأمثل جزءاً من الجذر الذي بقي؟ أم أساعدهم من خلال كوني "يوسف"العربي؟ أحد عرب هذا المكان؟ ولماذا اختاروا هذا الاسم؟ عرب هذا المكان؟ ربما لأن اسم عربي يمكن أن يكون من أي مكان عربي آخر ومن ثم لا يشكل تناقضاً صريحاً مع كذبتهم؟ وربما يدل أنه دخل؟ لا لا. أنا فلسطيني أشتق اسمي من هذا المكان! المكان كالزمان لا يمكن تغييره! وهؤلاء البائسون يسموّنَ مخيماتهم مخيمات لاجئين فلسطينيين لأنهم أتوا من هنا.وأنا منهم لكن الزمن فرض النسيان بحكم عدالته حتى أبقى البذرة التي لا بد أن تنمو يوماً وتنتشر غصونها من جديد في كل مكان. حتى أن بعضهم يسمى عكاوي وحيفاوي. إذاً لماذا علىّ أن أصبح شيئاً آخر إذا بقيت؟ أنا هنا من هذا المكان؛ من اسمه: أنا فلسطيني. بقوة هذا التناقض وإخفاء الحقائق الواضحة عليّ أن أكون أنا "يوسف" العربي بكل وضوح. فالظلم لا يمكن تسويغ قبوله من أي شخص مهما كانت جنسيته ومهما كان دينه. الظلم لا يمكن أن يكون شيئاً قابلاً لنقاش وأشد أنواعه إنكار الجذر الذي منه نبتنا. كيف يمكن أن أكون شجرة وجذري شيء آخر؟ كيف يمكن أن أكون "حيفا"و"يافا" وجذري شيء أخر؟ لا يوجد ظلم أشد من ظلمي لنفسي إذا تنكرت لنفسي! كل الأشياء والامتيازات التي ربما أحصل عليها من اسم مواطن من هذا الكيان هي أشياء مقيتة لأنها كالكذبة التي ربما يحصل صاحبها على بعض الامتيازات بسببها إلا أنه في أعماق داخله يوخزه الضمير ويخطف فرحته الحقيقية.
بدأ منذ ذلك اليوم يقدم نفسه على أنه "يوسف" الفلسطيني الطيراوي. لا سيما لهؤلاء الذين لا يوجد بينهم وبينه معرفة سابقة وحتى لهؤلاء الذين كان يجاملهم على حساب عروبته. بدأ يرى بأعينهم نظرات الشك وأحيانا عدم الاستلطاف لمجرد ذكر كينونته عربياً. حتى الابتسامة له كانت تفتقد الصدق ويغلفها الجمود وغالباً ما كان يتبعها إنهاء الحديث.
أصبح يرى الأشياء محكومة بحالتين: الفكرة العامة والحالة الخاصة. العلاقة بعمومها والعلاقة بخصوصيتها. العيش هنا يعطيك الفرصة لتجريب هذه العلاقة الخاصة التي بدورها تعطيك الفرصة لرؤية الأشياء بطريقة ثانية. العيش هنا يعطيك الفرصة مثلاً أن تعرف "عمير" أو زوجته كأشخاص قبل أن تعرفهم كجنسية. فإذا كان الشخص كريماً طيباً صادقاً فهو لا يمكن أن يكون إلا كذلك. وإذا كان عكس ذلك فهو كذلك أيضاً. هذا يخفف من وطأة الصراع والتناقض. من بعيد لا يمكن رؤية الأشياء بتفاصيلها ولا ينبع الحكم إلا من الفكرة العامة. محتل ومحتل. غاصب ومغصوب. الاحتلال هي فكرة ينفذها جنود ينفذون أوامر دون التفكير بالتفاصيل. لا يوجد أدنى هامش للإنسانية لتتحرك أو تتدخل. أنت تحب "عمير" وامثاله: فهو طيب صادق مخلص إنسان. تبدأ تخاف عليه وتقلق عليه إذا حصل له مكروه في مكان هو فيه. ويبادلك الحب الشخصي ويبادلك الفرح عندما تنجح حتى في نشر بحث جيد أو أنجاز أي عمل جيد. كيف تخرب إذاً هذه الفكرة وما يطرأ عليها؟! لا بد انه الشيء الذي يجعل الآخر يرى نجاحك فشلاً له. ولكنه ما هو الشيء الذي يجعلك ترى نفسك شيئاَ والأخر شيئاً أخر؟ هو التركيز على الهوية الخارجية أكثر من الهوية الداخلية؟! الايدولوجيا هذه الفكرة التي يغرسها بعض الناس في داخلنا ويتركنا نصارع قسوتها مدى الحياة. دعني أنا احكم. إن تجربتي الشخصية هي أيديولوجيتي. علمني الصدق وربني عليه واجعله وحده أيديولوجيتي حتى أرى الأمور كما يجب واتركني من الأحكام المسبقة. كيف يتوقع أن لا أحترم "أحمد" وأتمنى العيش بقربه إذا تركت تجربتي الشخصية فقط، من يحكم حتى لو لم يكن أخي؟ كيف لا يمكن أن أحب "أولا" وأحترمها بنفس الطريقة وأتمنى أن تبقى بقرب أحمد على الرغم من أن ثقافتها سويدية أكثر منها عربية؟ ألا أتمنى أحيانا أن ابعد كل البعد عن بعض هؤلاء الذين يعتبرون الأقرب إلى إيديولوجيتي؟هل من الممكن أن تخيف عودتي امثال "عمير". هي لن تخيفه بل سوف يتمناها. وهل من الممكن أنا أن اقبل أن تكون عودتي على حساب وجوده؟ بالطبع لا؟ إذا سمحنا لهذه الفكرة أن تطغى علينا فسوف تعلم "جوليانا" التي فرحت وساعدت في وصول أحمد إلى الحاجة تمام ولي، و"عمير" أن هناك ألافاً من نوع "أحمد" في عالمه وسوف يعلم "أحمد" أن هناك ألافاً من نوع "جوليانا" في عالمها. الهوية الخارجية غالباً ما تكون وهماً وليس بالضرورة سبباً للانسجام! ألا نختلف مع أخوتنا أحياناً ونجد أنفسنا في قمة الانسجام مع أناس لا يحملون هويتنا الخارجية نفسها؟! نستطيع أن نكون جميعاً شيئاً واحداً في أرض واحده.







22
شعر باشتياق كبير إلى الجميع. احتار ماذا يفعل بعد ذلك. أيتصل "بأولا" ويخبرها عن عودته حتى يوصل ما استأمنه أحمد أن يوصله إليها؟ أم يذهب إليها مباشرة؟ قام مسرعاً وبدقائق كان جاهزاً. قاد السيارة مسرعاً باتجاه بيت "أولا" التي كانت معرفته بها جديدة إلا أنها كانت من البداية عميقة بحكم ظروف اللقاء. وما هي إلا دقائق حتى كان يطرق الباب. وما أن فتحت ورأته يقف على الباب حتى صرخت:
يوسف! وكأنها أمضت حياتها تعرفه. فما فعلته كان أكبر من أن يقاس بطول الأيام.
ومع أن كل ذلك حصل بثوان إلا أن عقله لم يستطع تجاوز التفكير بالاسم دون أي لقب. لكن "أولا" هجمت عليه معانقةً إياه بقوة وبفرحة جعلته لا يعرف ماذا يجب أن يفعل. فالعقلية الغربية ما زالت تحكمها وتحرك تلقائيتها.
- "أولا"؟ لقد اشتقت لكما جميعاً.
-وأنا يا يوسف. اشتقت لك كما لم اشتق لشيء في حياتي. قالت ذلك وكأن ما تكنه لأحمد وما وصلت إليه علاقتهما تبرر هذا الإطراء.
مر اسم يوسف من فمها من غير كلمة "سيد " دون أي إحساس بشيء غريب. لقد كانت لحظة الاشتياق وتفريغها أكبر من التفكير بأي شيء آخر خارج الحب والصداقة وصدق المشاعر وارتباط الأرواح بهذه الطريقة الكبيرة. تلك المشاعر الصادقة السريعة التي تجعله يشعر في هذه اللحظة بأنه يجلس أمام أقرب شخص إلى نفسه. في هذه اللحظة تذكر ذلك الحب الجميل الذي يملكه الآن. حب أم يوسف وأبي يوسف واحمد. حب أتى كنسمات البحر يأخذك معه حيث يشاء ولا تملك إلا الشعور بالدفء والمتعة وهو يعانقك وينقلك معه حيث يشاء. نسمات لها خصوصيتها لأنها لا تأتي صدفة ولأنها ليست نسمات أي بحر. فقط هي نسمات البحر الأبيض المتوسط وفقط تلك النسمات التي تأتي من تلك الجهة من البحر التي كانت وما زالت تعانق قريتي وقرية أقاربي ومكان مولدي. حب أمين يخاف عليك حتى قبل أن تشعر بمبرر لهذا الخوف. حب يأتيك جاهزاً لكن تكوينه أخذ سنوات. حب رأيت أنت فقط زهوره لكنك لم تر غرسه والدموع التي بقيت تسقي ساقه لمدة خمسين عاماً حتى يستمر بالنمو والصعود والتمدد حتى يضللك يوماً بأغصانه كما تستظل الآن. أجمل ما في هذه الأغصان أنها أغصان شجر لم أره إلا هنا. حب بدأ هنا وهجر إلى هناك والآن يرافقك ثانية حيث نشاْ.
بعد هذه الدوامة من الأفكار تمالك نفسه واستمر بالحديث مع أولا.
-كيف خالتك "جوليانا". أرجوك بعد أن نشرب الشاي أريدك أن ترافقيني إلى هناك.
-جميعهم بخير. وقد أمضت خالتي "جوليانا" الأيام تسأل عنك متمنية أن تكون سعيداً. كانت كلما تتصل بي تسأل عنك وتختم الكلام بالقول المهم أن تكون سعيدا. وكيف الجميع في الأردن؟
-جميعهم بخير وأحمد قد أرسل لك هدية جميلة.
-هذا شيء رائع.
أرجوك أريد أن أعود الآن إلى بيتي لأن الحاجة تمام لا تغيب عن فكري.

بعد ذلك قرر زيارة "عمير". وما هي إلا لحظات حتى كان في طريقه إلى منزل" عمير". وعندما وصل، وجد "عمير" في انتظاره في ساحة المنزل. وبكل حب واشتياق تعانقا. جلسا في حديقة البيت وبدأ يوسف في الحديث لعمير عن زيارته:
-أنهم يا "عمير" أناس لطفاء طيبون ومظلومون إلى أبعد الحدود.
-أصبحت أعرف أكثر يا صديقي. فأنا منذ مغادرة أحمد وأنا اقرأ كل شيء عن هؤلاء الناس. نعم نعم لقد ظلموا وقد مارستم كل شيء من اجل أن لا تتركوا أمامهم سوى خيار المغادرة يا "عمير".
-لا تقل مارستم. فأنا بالمبادىء التي احملها اشعر بهمهم تماماً كما تشعر أنت.
-"عمير". لأنك مثقف أحس إنني أستطيع التكلم حول أي شيء بكل أريحية. أرجوك ادعوني يوسف الفلسطيني.
-لا تشعر بأي حرج. كن من شئت. وأجمل ما نكون أن نكون حقيقتنا.
- صدقني يوسف هو الحقيقة وأي شيء آخر هو الزيف بعينه. يوسف هو التراب والرمل وصخر هذه الأرض، والأسماء الأخرى الغريبة لا يتعدى عمقها طبقة الأسفلت التي صنعتم. هو الرمل المخلوق وكل تلك الأسماء الغريبة لا تتعدى شيئاً مصنوعاً، تماماً كالإسفلت. يوسف شيء حقيقي كلما حفرت لا ترى إلا صور أعمق وأجمل له. عمق جذر الذين حلوا محل هؤلاء لا يتعدى طبقة الإسفلت التي فوق حقيقتهم تمشون وتنامون. خمسون عاماً استطعتم أن تكونو فقط طبقة إسفلت.
- انتم الرمل يا يوسف ولا يحتاج المرء إلا النبش قليلاً حتى يرى هذه الحقيقة. وأنا رأيتها. كل جملة سمعتها من أخيك أحمد، وكل معلومة سمعتها منه عن هذه الأرض جعلتني أشعر بحجم الكذبة التي نعيشها أكثر وأتمنى أن تكون لي قصة تماماً كقصتك حتى أبرر وجودي في أرض وماء لا أملكه. كل هذه الديمقراطية التي نمارس والعبرية التي نحكي والأسماء التي نطلق لا تمارس إلا فوق طبقة سوداء أسميتها أنت إسفلت ولم ولن تلامس حقائق الأرض من تراب وصخر ورمال. أحب أن احبك أكثر وأحب احمد أكثر لأنني بهذا الحب أشعر بأذن منكم أن أعيش هنا في أرضكم التي سرقها من يحملون اسماً كاسمى. بهذا الحب أشعر أن لي خصوصية الصداقة التي تمنحني إذناُ مؤقتاً في العيش بأرض أصدقائي الى أن يعودوا إليها. لا أريد أن أكون منهكاً أو جزءاً منهم في هذه الجريمة. لا لا أنا صديق أحمد ويوسف وحتى أبيه وعمه سراج الذي اعتقلنا بيته ثم جعلناه سجناً . منذ اليوم الذي التقيت به أحمد وأنا اشعر بأنني غريب في هذه الديار، وأنني متعب ومرهق وكاذب. أحمد الذي يعرف ثلاثة أسماء لقريتك: "طيرة حيفا"، و"طيرة الكرمل"، و"طيرة اللوز"، وأنا لا أعرف غير اسم واحد لها على الرغم من انه يعيش هناك وأنا أعيش مكانه هنا. أصبحت أرى الأشياء بطريقة مختلفة. المدرسة والطلاب والأناشيد التي كنا ننشدها في كل صباح. لا أعرف كيف كانت تتحمل أذان الجبل تلك الأكاذيب التي كانت تحملها كلمات نشيد الصباح وهو نفس الجبل الذي كان يرى أطفال غيرنا يمرون من أمامه الى مدارسهم قبلنا. أطفالاً اختفوا وقضضنا مضاجعهم وأمرنا أهلهم أن يهجروا وهجرناهم من هذا المكان لنأتي نحن وننشد أشياء عن الحب والتسامح والسلام. قمة الجريمة أن نعلم طفلاً كيف يكذب وكيف يقتل وكيف يكره، وقد فعلوها معنا. علمونا أن نكره ونقتل أناساً أبرياء كانوا يعيشون هنا بكل امن وسلام. ذنبهم الوحيد أنهم لا ذنب لهم.

23
في اليوم التالي كان عليه أن يذهب إلى تلك الشركة التي عمل فيها مدة طويلة بعد انتهاء إجازته. كان عليه أن يكون يوسف العربي. كان مصراً أن يكون عربياً قوياً يعيش في وطنه ولن يضطره شيء ليجامل بمبادئه. سيبتسم عندما يكون عليه أن يبتسم ويفرح كعربي، وسيبكي ويحزن عندما يكون عليه كعربي أن يبكي ويحزن. لن يجامل في ردات الفعل أو يخفي مشاعره كما اعتاد أن يفعل عندما كان يشاهد نشرة الأخبار عند وقوع حدث مهم مع بقية من يعمل معهم في الشركة. وصل مدخل الشركة. دخل ذلك المبنى الضخم. لم ير في داخله إلا عبارات عبرية. كيف أكون يوسف وسط هذه الحروف التي أصبحت غريبة؟ كيف يمكن أن يكتب اسم يوسف بهذه الحروف؟ من أين أتت هذه الحروف أصلاً؟ دخل إلى مكتب المدير العام. قابلته السكرتيرة. لا يعلم لماذا كان متشنجاً في تلك اللحظة بهذا الشكل عندما دخل مكتبها. افترض أنها لن تكون معه طبيعية بسبب ما حصل له من تغير في داخله تجاه الأشياء.
-كيفك يوسف؟
قالتها بنفس الطريقة التي اعتادت أن تقولها له وبكل حميمية. صمت قليلاً وقال لنفسه إنها ما زالت تراني من الخارج. عربياً عليه المجاملة وإخفاء مشاعره شاء أم أبى. تدارك الأمر وابتسم وحاول جاهداً أن يكون طبيعياً.
-بخير يا ليزلي.
-كيف كانت أجازتك؟
شعر أن سؤالها يخفي معرفة بالمكان الذي كان فيه. أجابها:
-أرجو أن تخبري السيد توم أنني قد وصلت.
-يمكنك الدخول. دخل المكتب فوجد توم جالساً.
-اهلاً يوسف
-اهلاً سيد توم.
-سمعت انك كنت في الأردن؟
هنا أحس أن عليه أن يكون جاهزاً لكل الاحتمالات.
-نعم نعم. كنت عند أهلي. شعر بعدها أن عليه أن يقول كل الأشياء دفعةً واحدةً. كان هروباً للإمام دفعه إليه شعور عارم، كان قد تسلح به من أنه لا يحق لمخلوق حرمانه من أن بكون نفسه وبأنه السيد الحقيقي في هذا المكان.
- ماذا؟ لهذه الدرجة أصبح الناس هناك في مقام الأهل؟ أم أنتم العرب تعدون أي عربي جزءاً من الأهل؟
- هذا صحيح. لكنني الآن أعني أهلي. أبي وأمي وأخي أحمد وعمي سراج. شعر أنه تعمد ذكر تلك الأسماء التي لا تكون إلا عربية.
-لا أفهم يا يوسف ماذا تقول.
قال ذلك وهو يجلس ويخلع نظارة القراءة عن عينيه.
وبسرعة وبدون أي تردد أو مقدمات بدأ يروي إلى المدير كل تفاصيل الأحداث الأخيرة في حياته.
شعر المدير بان إحساساً معيناً تجاه يوسف قد تغير بثوانٍ، لكن شدة الصدمة جعلته لا يملك إلا أن يصمت. لكنه تمالك نفسه وقال:
- حقيقة أنا لا اعرف ماذا أقول لك الآن. لكنني أقترح أن تذهب الآن ونلتقي غداً في نفس الموعد.
ما أن غادر يوسف المكتب حتى التقط السيد "عمير" سماعة الهاتف وأجرى مكالمة مهمة!؟
عاد يوسف في اليوم التالي. بدا كل شيء غريباً. شعر أن كل شخصين يتحدثان لا بد أنهما يتحدثان عنه. وما إن دخل مكتبه حتى قام بعض من زملائه بمغادرة المكتب حتى من دون أن يردوا السلام. وفجأة وبعد مرور بعض من الوقت الذي كان ثقيلاً والذي لم يتكلم أي منهم معه خلاله، وقف وصاح:
ما بكم؟ أنا يوسف. أنا هنا قبل أن يكون أي منكم هنا. أنا لست متهماً انتم المتهمون. أنا عربي واسمي يوسف. أنا من عاش أبوه وأمه هنا ولم يأتيا من البحر. انتم الغرباء.
فجأة صاح احدهم: أخرجوه من هنا. هذا الشخص يجب أن لا يبقى هنا.
في هذه اللحظة حاول أحدهم ضربه بمزهرية إلا أن صديقاً ليوسف قام بمنعه. وكان الشخص الوحيد المدافع عن يوسف في تلك اللحظة القاسية. من المكتب المقابل جاء شخص وهو يصيح:
-هذا الشخص يجب أن يفصل من هنا اليوم قبل غد.
- لا اهتم. ولو كان هناك عدلاً لفصلتم جميعاً وبقيت أنا. من اليوم لن أعمل في هذه الشركة. ولن يكون لي هدف بعد اليوم إلا كشف الحقيقة. قال ذلك وغادر المكان مسرعا.ً
ذهب فوراً إلى منزله. جلس في غرفته المطلة على البحر ورآه للمرة الأولى باسمه العربي: البحر الأبيض المتوسط. رآه حزيناً كما لم يره من قبل، ولكن رآه أيضا بريئا كما لم يره من قبل. قرر أن يكرس كل حياته لرفع الظلم عن هؤلاء الذين وقع عليهم الظلم. قرر أن يفعل المستحيل ليكشف الحقيقة.


بعد أيام كان في قاعة كبيرة يلقي الندوة الأولى من سلسلة كبيرة من الندوات التي قرر أن يبدأ بإلقائها ، وعلى يمينه "أولا" وأمام حضور كبير. وفي الصف الأول تجلس "جوليانا" وعمير. تحدث عن كل شيء. تحدث عن المخيم والغرف الضيقة وقلة الهواء. تحدث عن إنسان ولد هنا وبقوة الباطل حرم من أن يموت حيث ولد!عن إنسان مات قبل الأوان قهراً وعن إنسان يحرم من رؤية المكان الذي من أسمه اشتق اسمه.

ما قالوا عن الرواية من النقاد
أحسستُ وأنا اقرأُ رواية الدكتور محمود السلمان- أنه يسردُ سيرتي أنا، بكل تفاصيلها. كيف لا وهو ابن عمي الطيراوي النبيل، الذي "قوص أهله، الذين هم أهلي، البحر، لأن موجةً من موجاته تجرأت على أن تلامس أقدام الحبيبة، التي كانت تسير بمحاذاة البحر، مع الحبيب.. المزنر دائماً بالمسدس (جرياً على عادة الطيراويين في ذلك الزمان البعيد). وتقول الحكاية إن الحبيب نبه البحر، وأنذره ألا يعيدها.. وحين أعادت الموجة فعلتها أطلق عليها الرصاص!
قد لا يكون هذا الذي أقوله في السياق الروائي ولكنني أُؤكد أن السياق كُله فيه.. وإن كان الكاتب، الذي تخصص في اللغة الإنجليزية ونال درجة الدكتوراه من أهم جامعات بريطانيا.. مـتأثراً بالطريقة الغربية في سرد أحداثٍ "طيراوية" بعينها..إلا أن الرواية-التي يمكن القول إنها مختلفة عن الأنماط المعروفة-تُعتبر إضافة مهمة للرواية الأردنية والعربية بشكل عام..وأنا جد سعيد، بالكتابة عنها باختصار شديد.

معالي الشاعر حيدر محمود( الشاعر ووزير الثقافة الاردني السابق)

هذه الرواية أشبه ما تكون برواية واقعية، ترسم حدثاً أشبه ما يكون بالحلم تمكن فيها الدكتور محمود السلمان من أن يصنع مكاناً في نفس شخوص الرواية يشبه المكان الحقيقي بكل جمالياته التي تتداخل في صنعها هوى القلب وعبق الذكرى، كما استطاع أن يبدع زمناً حوله ببراعة من زمن رواية إلى زمن داخل النفس، سرمدي يكاد يطغى على الخيط التاريخي الشفيف الذي غلف الأحداث ومنحها جمالاً حزيناً، دون أن يغفل الخيط الدرامي الرومانسي-على الرغم من واقعية العمل السردي.لقد تمكن الكاتب من تقديم صورة ليست نمطية للبحث عن الأمل عبر أسلوب تبشيري يبشر بالآتي عبر إعلانه عن العودة السكولوجية إلى الوطن (الطيرة) تمهيداً للعودة الطبيعية إلى فلسطين كلها.

الأستاذ الدكتور يحيى عبابنة



بسم الله الرحمن الرحيم
التعريف بالكاتب
الاسم: محمود أحمد (محمد سعيد) السلمان
العنوان: الأردن-عمان-جامعة البلقاء التطبيقية
المؤهلات الجامعية:
1- بكالوريوس إنجليزي
1- دكتوراه لغة إنجليزية - جامعة درم - بريطانيا 2003
2- كورس متقدم حول الثقافة و الحضارة الأمريكية-جامعة نيويورك-الولايات المتحدة الأمريكية 2006
3-ماجستير لغة إنجليزية
4- ماجستير أنثروبولوجي (علم الإنسان) - بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى - جامعة اليرموك
البحوث والدراسات الميدانية:
1- العلاقة بين التغيرات اللغوية والعوامل الاجتماعية في الكرك - الأردن
2-لهجة طيرة حيفا. جامعة انديانا في الولايات المتحدة.2003.
3- تغير المفردات القديمة في لهجة طيرة حيفا
4- اللهجة في تونس وعواملها الاجتماعية
5- العلاقة البربرية العربية في المغرب اجتماعياً ولغوياً
6- التنافس السياسي اللغوي والهوية في المغرب-الأمازيغية والعربية كمثال.
البحوث المتعلقة بالانثروبولوجيا (علم الإنسان)
الدراسات الأدبية
1- طيرة حيفا ما بين 1900/1948 -دراسة تاريخية اجتماعية-دار قدسية للنشر.وهو أول كتاب عن قرية طيرة حيفا باللغة العربية.صدر 1991
2- مأساة في طيرة حيفا-قصة قصيرة
3- لقاء البحر رواية

الجوائز:
1-جائزة جامعة اليرموك للطالب المتفوق 1994
2- الأستاذ المتميز: جامعة البلقاء التطبيقية 2007


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى الطيرة
 

شارك بتعليقك

مشاركة Falasteen في تاريخ 2 شباط، 2019 #159451

لها نستحق الحياة
مشاركة Roumieh في تاريخ 12 حزيران، 2015 #156705

ادامك الله فلسطين مخلدة في قلوبنا واذهاننا.....وانت بكتابتك....ماء ريان.تنعش ذاكرتنا
مشاركة لينا ذنيبات في تاريخ 19 نيسان، 2011 #133012

ما شاء الله على الابداع سلمت يداك