فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
الزيارة الرابعة للاذقيّة - رشاد أبوشاور
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى ذِكْرِين/زِكْرِين
כדילתרגם לעברית
النسخة الأصلية كتبت في تاريخ 22 آب، 2007
زرت اللاذقيّة أربع مرّات علي مدي السنوات التي أقمتها في سوريّة، تحديدا في دمشق، في ضيعة (جوبر) التي ألحقت بدمشق وصارت حيّا من أحيائها، ومخيّم (اليرموك) الذي لم يعد مخيمّا، بعد أن انفجر اقتصاديا فبات مركزا تجاريا جاذبا ومنافسا.
الزيارة الأولي في العام 64 مع رحلة مدرسيّة...
تمشيّت علي الشاطئ وفرحت بالبحر، والرمل، والسماء المفتوحة المحدّبة في المدي البعيد.
كتبت اسم البنت التي أحب علي شجرة عتيقة، هل كانت فيروز غنّت:
بكتب اسمك يا حبيبي عالحور العتيق
بتكتب اسمي يا حبيبي عارمل الطريق
راح الحور العتيق، وامحّت الأسماء، فأمواج الزمن والماء تمحو آثار أقدامنا وما نكتبه.
في المرّة الثانيّة، اصطحبنا العميد الركن محمد الشاعر في رحلة بقيت في البال إلي حلب، واللاذقيّة، مرورا بحمص التي تناولنا فيها الغداء في نادي الضبّاط...
بتنا في اللاذقية في (رأس البسيط)، في تلك الشاليهات التي أشرف علي هندستها وإنشائها العميد بنفسه، واستمتعنا بوجبة سمك، والتمدد علي الرمل، وهو سرد لنا ما تيسّر من ذكرياته عن بحر يافا، وجمال حيفا...
الزيارة الثالثة كانت في العام 1982! من ينسي ذلك التاريخ، اقصد ذلك العام 82؟!
إنه عام معركة بيروت...
دعينا من قبل فرع اتحاد الكتّاب العرب، وفرع اتحاد المعلمين، في محافظة اللاذقيّة، للحديث عن معركة بيروت...
كنّا: نزيه أبو نضال، عز الدين المناصرة، أحمد أبومطر و..أنا.
استقبلنا الكاتب زهير جبّور، ودعانا علي العشاء في بيته، وامتّد بنا السهر مع عدد من الكتّاب حتي وقت متأخّر.
في اليوم التالي، مساءً، توجهنا إلي مكان المحاضرة، فإذا بالجموع تتدفق وتحتشد داخل القاعة، وفي المدخل، وتكاد تغلق الشارع علي اتساعه.
هل أقول بأن اللقاء كان مؤثّرا؟ كانت تلك الجموع تحتشد من أجل فلسطين، تحضر لتحيّة كتّاب فلسطين الذين كتبوا في الميدان مقالاتهم، وقصائدهم، وأذاعوا بأصواتهم، وشاركوا بالبندقية والكلمة في تلك المعركة المجيدة...
اقترحنا علي بعضنا أن نتوجّه إلي (جبلة) بلد قائد ثورتنا الكبري الشيخ الجليل الشهيد عز الدين القسّام.
ونحن ندخل البلدة التقينا بشيخ شاب، فسألناه عن بيت الشيخ عز الدين القسّام، فابتسم، وقال بتواضع وجديّة: أنا هو الشيخ عّز الدين القسّام...
بادرته:
ـ نريد بيت شيخنا الفلسطيني، جدّك يا ملانا...
أشار إلي بيت غير بعيد، فتوجهنا إليه، وقرعنا جرسه، وبعد وقت لم يطل كثيرا هبط إلينا شاب نحيل، ورحّب بنا حين عرف من نحن، ومن أين نحن.
التقينا بالشيخ محمد ابن الشيخ عز الدين القسام وهو الإبن الذكر الوحيد له.
بدا لنا هادئا، بسيطا، وقدّم لنا نفسه كفلسطيني، وبعد أن امتّد بنا الحديث، تعرّفنا إلي بعض أبنائه ـ فيما بعد التقيت بعز الدين الذي يدرس في إيران، وعرفت منه نبأ رحيل والده، وشفاء شقيقه الذين كان يشكو من متاعب في القلب ـ وبترفّع مرّ علي ظروف حياته، فعرفنا منه أنه كان يعمل معلّما، وأنه يصون ذكري الوالد، ويحتفظ بوثائق العائلة (الفلسطينيّة) ليوم العودة.
زيارتي الرابعة، أتت بعد 25 سنة من زيارة 1982 !
في العام الماضي دعيت لمشاركة ثقافية بمناسبة مهرجان (المحبّة)، ولكن المهرجان أجلّ بسبب حرب تمّوز علي لبنان.
هذه السنة جدّدت الدعوة، فتوجهت إلي دمشق، ومنها إلي اللاذقيّة، حيث شاركت صديقي الدكتور الناقد نضال الصالح أمسية نقدية حول الرواية العربيّة، تحدثت فيها عن ما قدمه الروائيون الفلسطينيون في مسيرة الرواية العربيّة، وطاف بنا صديقي نضال في مراحل تطوّر الرواية العربيّة، وحركة النقد التي رافقتها، وساق مآخذه علي النقد الأكاديمي وتقصيره، وهو ما أثار جدلاً في نهاية الندوة، خاصة مع حضور عدد من الأساتذة الجامعيين المعروفين، والرواد في النقد الأكاديمي بسوريّة.
الجمهور في المحافظات يبدي عادة اهتماما وجديّة في متابعة النشاطات الثقافيّة، وهو ما باتت تفتقر له النشاطات في العواصم العربيّة لأسباب كثيرة.
اللاذقية يعني البحر، وبحر اللاذقيّة يتجاور مع الغابات التي لا تنتهي، الغابات التي تكسو الجبال بحر أخضر لا ينتهي. البحر والجبل والغابة...هذه جيرة تتداخل فيها أبهي وأحلي وأمتع عناصر الطبيعة، وهي هناك في اللاذقية وامتداداتها الريفيّة التي تتداخل غاباتها مع غابات تركيّا.
من اللاذقيّة سافرت إلي حلب بالقطار السريع، الذي يقلع باكرا جدّا: الساعة الخامسة وأربعين دقيقة، فاستمتعت رغم النعاس، أنا وزوجتي وابني كنعان، بأبهي ما يمكن أن تراه العين من طبيعة ساحرة خلاّبة، في قطار سريع أنيق نظيف، قطع بنا المسافة في ساعتين ونصف، فكسبنا النهار من أوله، وهو ما يبدو أن هيئة القطارات تأخذه بالحسبان...
حلب!
المدينة العملاقة، بقلعتها المهيبة، بتاريخها الضارب عميقا مع جذور القلعة التي تعود لألوف السنين، بعراقة أحيائها التي تحيلك إلي الشعر والسيف!
صديقي نضال الصالح يقيم في حي (سيف الدولة)، يشير لنا وهو يصطحبنا في سيارته لتناول الغداء في بيته: هناك علي تلك التلة المشرفة كان قصر سيف الدولة الذي يقيم فيه صيفا...
أين كان المتنبي؟ وهل كان يبقي ذكر يعتّد به لسيف الدولة لولا المتنبي؟ ولكن:ماذا لو حذفنا سيف الدولة ومعاركه ووقائع أيام حياته من شعر المتنبي، ماذا يبقي من شعر الفروسيّة والبطولة والتأمّل؟!
في فجر اليوم الثالث توجهنا إلي محطة القطار، الذي أقلع بنا في الساعة الخامسة وأربعين دقيقة، متجها إلي دمشق...
سهول، حقول، فلاحون نشيطون يجنون محاصيلهم من الخضار والفاكهة...
تنهدت بحسرة وأنا أسرح بخيالي: لو أننا الآن، أنا وزوجتي وابني نتوجه إلي الحقل مثلهم، أنا علي تراكتور صغير أحرث به الأرض، أتنسم هواء الصباح بنظافته، نملأ الصناديق بالبندورة، والباذنجان، والبطاطا...
ترنّح جسدي مع حركة العربات، فإذا بزوجتي تسألني:
أين وصلت؟
رأيت نفسي في جبال الخليل، في قريتنا، في سهول أريحا، علي شاطئ يافا..رأيت نفسي علي تراكتور صغير، وجسدي يبلله الندي، والمواويل الصباحية تنعش روحي، والخضرة الممتدة تنفرش لتحتضن جسدي، وان أوقف التراكتور، ثمّ اسقط بلطف علي البساط الأخضر، فتمتلئ روحي، ونفسي، وعيناي وفمي بالخضرة، بالتراب المبلل بالندي، وطفل صغير ينادي: جدّو، جدّو..وأنا أنام راضيا مرضيّا...آه كم تسبب لنا أولئك السفلة المحتلون بالعذاب..آه كم حرمونا من حياة بسيطة علي أرضنا!

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى ذِكْرِين/زِكْرِين
 

شارك بتعليقك