موقع "طور الزاغ": التحقيق الجغرافي والنزوح المأساوي لأهالي الدوايمة
يُشير مصطلح "الطور" في جغرافية جنوب فلسطين إلى المنحدرات الصخرية الوعرة والكهوف الطبيعية الكبيرة. وفي حالة قرية الدوايمة المُهجرة، ارتبط هذا المعلم بواحد من أبشع فصول التطهير العرقي عام 1948. وفقاً للخرائط التوثيقية من دراسات الباحث "موسى هديب"، وتحديداً خريطة فلسطين التاريخية (بمقياس 1:50,000)، تم تحديد الموقع الدقيق لـ مغارة طور الزاغ عبر بقعة سوداء وضعها المؤلف مباشرة فوق منطقة رسم الزعيقة (Rasm ez Za'iqa)، جنوب شرق الدوايمة وشرق خربة أم الميس.
وعند مطابقة هذا التحديد التاريخي مع الصور الجوية الحديثة، تنجلي حقيقة جغرافية هامة: الكهف لا يقع في عمق أراضي الضفة الغربية، بل يقع تماماً عند خط الهدنة (الخط الأخضر) وجدار الفصل العنصري الحالي، أو إلى الغرب منه (داخل أراضي عام 1948) بأمتار قليلة جداً. لقد قسّم الترسيم الحدودي المصطنع هذه المنطقة الصخرية، ليترك المغارة جاثمة على الحافة الحدودية تماماً.
كيف تجمّع الأهالي في الكهف؟
في 29 أكتوبر 1948، اقتحمت قوات "الكتيبة 89" الصهيونية قرية الدوايمة، وبدأت بارتكاب عمليات قتل عشوائية داخل البيوت لترويع السكان. وتحت وطأة النيران، فرت عشرات العائلات (ومعظمهم من النساء والأطفال والشيوخ) باتجاه التلال والأودية الوعرة في الجهة الجنوبية الشرقية. وكانت مغارة طور الزاغ بمثابة الملاذ الطبيعي الأقرب؛ حيث احتمت وتكومت داخل عتمتها ما بين 30 إلى 40 عائلة. ظن الأهالي العزل أن تضاريس الجبل واختباءهم في جوف الأرض سيعميان أعين القوات عنهم، أو أن كونهم مدنيين سيشفع لهم إن عُثر عليهم.
تفاصيل المذبحة المروعة داخل المغارة
تثبت الشهادات الميدانية، ومنها شهادة الشاهد العيان عبد الله موسى حجي الدوايمة (وكان عمره 30 عاماً وقتها)، أن القوات الصهيونية تتبعت آثار الفارين بدقة حتى وصلت إلى فوهة المغارة:
- المحاصرة والإطباق: حاصرت المدرعات والجنود المشاة مدخل مغارة طور الزاغ بالكامل.
- إطلاق النار الجماعي: دون أي تحذير، صب الجنود نيران رشاشاتهم بكثافة وبشكل أعمى إلى داخل المغارة المظلمة، مما أدى إلى استشهاد العائلات وهي متكومة فوق بعضها. وتشير التوثيقات إلى استخدام المتفجرات لتدمير أجزاء من سقف المغارة فوق أجساد الضحايا.
- طمس الجريمة: أُجبر من تبقى حياً من الرجال تحت تهديد السلاح على جمع جثث النساء والأطفال وتكويمها داخل الكهف أو إلقائها في الآبار القريبة، وفور انتهائهم، أطلق الجنود النار عليهم وتصفيتهم مباشرة لتموت الشهادة معهم.
مسارات النزوح الاضطراري: من جيب الفالوجة إلى قطاع غزة
بعد هول المجزرة، تشتت من تبقى من أهالي الدوايمة في مسارات نزوح معقدة فرضتها ظروف الحرب:
- معضلة جيب الفالوجة المحاصر:
من الناحية الجغرافية والعسكرية، كان جيب الفالوجة (الذي كانت تتحصن فيه القوات المصرية بقيادة "الضبع الأسود" سيد طه ومعه جمال عبد الناصر) هو الملاذ الأقرب والأكثر منطقية، حيث كان يبعد نحو 20 إلى 25 كيلومتراً فقط شمال غرب الدوايمة. وبالفعل، اندفعت بعض العائلات نحوه التماساً للحماية.
لكن جيب الفالوجة كان محاصراً حصاراً مطبقاً وخانقاً من القوات الصهيونية، ويتعرض لقصف جوي ومدفعي يومي مستمر مع شح شديد في الغذاء والماء. لم يكن الجيب قادراً على استيعاب آلاف اللاجئين، بل كان البقاء فيه خطراً مميتاً، مما أجبر الكثيرين على مواصلة الفرار. - طريق الآلام نحو قطاع غزة:
انقسمت مسارات وصول أهالي الدوايمة إلى قطاع غزة إلى مرحلتين:- المسار الأول (عبر الجبال والنقب): فرت الكتلة الأكبر من الأهالي شرقاً وجنوباً شرقاً نحو مرتفعات الخليل وبلداتها (مثل بيت عوّا ودورا). ومن هناك، تشتتت العائلات؛ بعضهم استقر في مخيمات الضفة الغربية، بينما واصلت عائلات أخرى السير جنوباً عبر صحراء النقب وبئر السبع في رحلة مضنية وصعبة حتى وصلوا إلى قطاع غزة.
- المسار الثاني (تصفية جيب الفالوجة لاحقاً): استمر حصار الفالوجة حتى توقيع اتفاقية الهدنة في رودس (فبراير 1949). ونصت الاتفاقية على انسحاب الجيش المصري بكامل سلاحه إلى غزة. ونظراً للمضايقات الصهيونية اللاحقة ضد المدنيين، أُجبر من تبقى من أهالي الفالوجة واللاجئين الذين احتموا بها على الرحيل، وتولت جمعية الصليب الأحمر نقل معظمهم شاحنات عبر المجدل وصولاً إلى قطاع غزة.







شارك بتعليقك