فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
a night
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى صفورية
כדילתרגם לעברית
مشاركة Imad Mouaid في تاريخ 11 أيار، 2003
تلك الليلة..

د.محمود موعد ؟
تلك الليلة لا يمكن أن ننسى. وكيف تنسى وهي الحد الفاصل بين عالمين؟ عالم الوطن وعالم المنفى، عالم الحضور وعالم الغياب. ليلة صاغت كل تفصيلات حياتنا. كان يمكن أن تمضي كغيرها من الليالي، ولقد كانت كغيرها من الليالي لملايين البشر، ولكنها لم تكن كذلك لنا، كانت نهاية عهد وبداية عهد آخر. ولقد حفرت في أنفسنا مجراها وما زالت. كل يوم يرتد إليها الوعي فتكبر وتعظم، ونرى صورتها في مرآة ذواتنا المشروخة فترتد دوامات لا قرار لها.
ما حدث في النهار أمحى تماماً من الذاكرة. ولقد علمت بعد سنوات أن القرية كانت في الأيام الأخيرة قبل تلك الليلية مهددة بالهجوم بين لحظة وأخرى، لذلك استنفرت زمرة من شباب الجهاد المقدس لحراسة مداخلها بين الحواكير وعلى طريق العين البعيدة. وكانت العصابات الصهيونية تحسب لها حساباً شديداً، لما أبدته من نجدات متتابعة للقرى التي واجهتهم في أماكن مختلفة. وحين سقطت شفا عمرو، أصبح الهجوم وشيكاً. وقام الفتية بوضع حفر ألغام على جسر الخلدية القائم على الطريق إلى شفاعمرو بمساعدة شاب عربي اسمه أمين السوري وفي أماكن أخرى، وفي صبيحة اليوم ذاته تدخل بعض عناصر من جيش الإنقاذ. فرفعت الألغام ليسمح لهذه القوة بشن هجوم لاستعادة شفاعمرو على حد زعمها.
في المساء والشمس تميل نحو الغياب، كنت أصغي لأصوات مختلطة تأتي من القرية، إلى الغرب من بيتنا، بعضها يعلو على بعض بـ ثغاء الأغنام العائدة من المراعي، ورنين أجراسها النحاسية. صوت رجل. ربما كان ينادي على أحد أبنائه بإلحاح ليترك اللعب مع الأولاد ويتوجه نحو البيت. صياح الأولاد يتجاوب من بعيد. شيئاً فشيئاً تلتئم أصواتهم في صوت واحد مدوٍ وقد صعدوا على أسطح الطوابين يحثون الخطيب (المؤذن) ليعلن آذان المغرب فيفطر الصائمون:
أذّنْ يا خطيبْ
قبل الشمس تغيب
طاسة عَ طاسة
في البحر غطاسة
تغطس وتغطس
بين البساتين
بقرتنا صبحيّة
تحلب مدّ ورُبعيّه
شيل الله
يا رفاعية
الخ.
نزل الظلام بعد الإفطار، وما كدنا نرفع الأطباق حتى حضر أخواي الأكبران بالملابس العسكرية، بصحبتهما زميل لهما، كانوا جميعاً في معركة بإحدى القرى، عرفت فيما بعد أنها «الدامون» قضاء عكا. وقد مضى عليهم أيام لم يناموا فيها. كانوا في غاية من الجوع و التعب. أكر أن الجو كان حاراً ففرشنا لهم في العراء لصق الحائط الشمالي من البيت.. خلعوا ملابسهم وأحذيتهم الثقيلة. وارتموا على الفرش. ومنهم من غرق في النوم قبل تناول الطعام. وضع إبريق الشاي على النار. وكنا ننتظر عودة أختي الصغرى من بيت جدها لتحمل من عندهم شيئاً من السكر. والدي كان يتهيأ للذهاب إلى مضافة المختار من عائلتنا لسماع الأخبار، ولعله الوحيد الذي كان يملك مذياعاً في الحارة يجتمع في مضافته الرجال. يسمرون ويتسقطون الأخبار. لم أكن أدري يومذاك معاني كثير من هذه الكلمات. توضحت لي تدريجياً من بعد. سمعته وهو يتحدث إلى أخوتي قبل ذهابه، وكانت عيناي تلاحقان طائرة سوداء تحوّم في سماء القرية. اذكر أني شاهدت مثلها من قبل. ولكني لم أكن أدري لأي غرض تستخدم. سمعته يقول: البواريد وأجندة الرصاص على مطوى الفراش. ربما يكون قد أتمّ جملته حين لمع في سواد ذلك المساء نور مبهر غطى على كل شيء وأعقبه على الفور دويّ مخيف، اضطرب له الجميع. وتداخلت الأشياء في بعضها.
رجع أبي يحثنا على الهروب. واضطر أخواي وزميلهم إلى النهوض لارتداء ملابسهم وأحذيتهم العسكرية من جديد. وأخذوا يتراكضون نحو بنادقهم. واختفوا في الظلام. و غطى صوت زوجة أخي على كل الأصوات كانت مذعورة بحيث أنها لم تعد تعي ما تفعل، كانت متشبثة بثياب والدتي وأبت التخلي عنها ولحقت بها ابنتها الكبرى باكية. ولم تجد والدتي من دفعها بعيداً عنها وهرعت نحو الغرفة الشمالية وحملت ابن أخي الرضيع الذي نسيته أمه في السرير. ومضى الجميع باتجاه مغارة قريبة على طريق «الرينة». وأسرع والدي وهو يمسكني بيده اليمنى ويمسك أخي الأصغر بيده اليسرى ويقودنا في المقدمة. وكنت ارتجف رعباً دون أن أدرك ما يجري. كان الدويّ واللمعان والانفجارات والصراخ والحركة المذعورة التي استولت على الجميع قد أدخلت إلى نفسي خوفاً لم أعرفه من قبل، ولعل ليلتها اكتشفت لأول مرة معنى ما للموت وأنا أتخيل نفسي ممزقاً أشلاء بقذيفة الطائرة المهاجمة. حين وصلنا قرب شجرة الزيتون رأيت لمعاناً أضاء فجأة بقوة وأغمضت عينيّ بحركة تلقائية وأنا أحسب أن القازان الذي قذفت به الطائرة ساقط علينا لا محالة. أحسست للحظة إحساساً غامضاً لا أدري كيف أفسره بأننا انتهينا، فجمدني في موضعي ذعر شديد صلد لن يفارقني أثره أبداً. وكان أبي قد شدّنا إليه تلقائياً، واهتزت الأرض من تحتنا حين دوى الانفجار. كان بعيداً عنا وليس كما تخيلنا.. أنا نفسي لم أصدق يومها أننا نجونا. أخذنا نجري حتى غبنا بين الأشجار ووصلنا المغارة، وكمان قد سبقنا إليها خلق كثير. وقد توغل بعضهم بعيداً فيها دون أن يخشى لدغة عقرب أو عضة أفعى أو مفاجأة حيوان مفترس. واختلط بكاء الأطفال بأنين النسوة الخائفات. بدعاء العجائز، بمحاولات الرجال المسنين تهدئة الأمور: صلوا على النبي يا جماعة. وتسلل بعض الرجال إلى بيوتهم فاحضروا بعض الأغطية واللحف. وكانوا يظنون أن الأمر لن يطول أكثر من ساعات معدودة، ثم يعودون إلى بيوتهم وأرزاقهم.
ومضت معظم ساعات الليل وجاء من يقول: أن الدبابات الصهيونية قد دخلت البلدة من أكثر من جهة. فتابعنا مسيرنا نحو الشرق. وكنا ندوس على الحجارة والأشواك بأقدامنا الحافية وكأننا ندوس على بساط من حرير. وفي قرية المشهد استقبلنا بعض الأقارب حتى اليوم التالي وكانوا هم بدورهم يخشون من بدء الهجوم عليهم.
وقد علمت ـ من بعد ـ من أخي أحمد ـ وكان له من العمر سبعة عشر عاماً ـ أمضى الليل مع نفر من الفتية، يتربصون للدبابات المهاجمة من الطريق الترابي الغربي الذي يربط القرية ببيت لحم وأم العمد. واضطروا إلى الانسحاب حين لم يُجد السلاح الذي يحملونه. والتحق بنا في المشهد. وأن أخي الأكبر سعيد قد صعد مع نفر من شباب القرية إلى القلعة. وظلوا يقاومون بم بقي لديهم من سلاح بعد دخول الدبابات حتى عصر اليوم الثاني. ولحق بنا في المشهد أيضاً. كان وجهه مسوداً قاتماً بسبب التعب وقلة النوم والقهر. وكان هو وهؤلاء الشباب آخر من غادر القرية. بكى الرجال والنساء لدى رؤيته إذ أيقنوا أن صفورية قد سقطت وانتهى كل شيء. لعل بكاء الرجال ـ وأنا أراهم لأول مرة يبكون ـ كان أشد على نفسي من سقوط القرية الذي لم أكن أدرك أبعاده تماماً آنذاك.
أما أخواي علي ومحمد فقد توجها إلى الناصرة في اليوم التالي لإحضار أختي الكبرى المتزوجة إلى المشهد مع أولادها. ونزل علي لاصطحاب سيارة تقلهم، ولما رجع، وكان القصف قد اشتد بعد الظهر، لم يجد أحداً، كانوا قد خرجوا قبل حضوره والتحقوا بنا في المشهد، فنام من الإرهاب والسهر ولم ينهض إلا بعد أن وقعت قذائف جوار منزل أختي. ولحق بنا في «عرّابة» وهو يقود سيارة عسكرية عتيقة لا أدري أين وجدها. كان بصحبته جريح سوري حمله في الطريق. وقد زارنا ـ معافى ـ بعد سنوات حين استقر بنا المقام في دمشق.
تابعنا مسيرنا نحو الشمال، نحو المجهول والقرى تسقط واحدة في أثر الأخرى وتضم قوافلها إلى أفواج الراحلين، صفوفاً صفوفاً تنتظم تارة وتتفرق في الحقول أو تحت الشجر تارة أخرى. رجال يحملون أولادهم الصغار، أو أغطية لهم، أو أشياء أخرى. نساء يضعن على رؤوسهن صرراً معقودة على حاجات لا يعلمها إلا الله، ومنهن من تجرّ طفلاً أو طفلين بيديها أو تجر نفسها متثاقلة. أطفال يتشبثون بثياب أمهاتهم الطويلة، وبعضهم يتخلف عن الركب وينتحب معانداً حتى يعود الأب أو الأخ الكبير لحلمه، أو دفعه قسراً على السير. حمير أو خيل تحمل ما لم يستطع حمله أصحابها من متاع وأطفال. عنزة هنا، خروف هناك، بقرة هنالك، هي كل ما تبقى لمالكيها من أرزاق. ومع الأصيل ترتفع في الناحية الغربية سحب الدخان، وأصوات الانفجارات، ودوّي القنابل التي تلقيها الطائرات. وسمعت اسم «ترشيحا» لأول مرة تلك التي تتعرض بدورها للهجوم.
ويطول الطريق، وتتعب الأقدام، ويتطلع الراحلون إلى الوراء وغصة تختنق في الحلق، ويمسحون الآفاق البعيدة بنظراتهم يتلمسون أقدارهم القادمة. ويرتفع صوت أحدهم هزه الحنين فجأة:
يا قمرنا يا عالي ياللي نجومك بتلالي
حسبنا الفرقة يومين تاري شهور وليالي


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى صفورية
 

شارك بتعليقك