فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
قصة من داخل لوبية - أنقاض تروي سيرة حياة - عن جريدة الأخبار بقلم فراس الخطيب
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى لوبيا
כדילתרגם לעברית
مشاركة Jamal Ali في تاريخ 11 تموز، 2008
لوبية ــ فراس خطيب

ظهيرة اليوم الأول بعد «عيد الفصح» اليهودي. توقفت السيارة عند إحدى محطات الوقود على الطريق الواصلة بين مدينتي طبريا والناصرة. كان العامل اليهودي (الروسي) مبتسماً، أنهى «مهمة تزويد الوقود»، وتناول من أحد الجوارير القريبة، أربع حبات صغيرة من الحلوى المغلفة، ووزّعها على ركاب السيارة: «عيد سعيد». قالها بعبرية ثقيلة.
على غلاف حبة الحلوى رسم علم إسرائيل بخطٍ صغيرٍ والرقم 60 بمناسبة «استقلال» الدولة العبرية. لم يعرف العامل أنَّ بين ركاب السيارة الشقيقين أبو سميح وأبو عفيف، وهما متجهان لزيارة قريتهما لوبية، التي هُجِّرا منها قبل 60 عاماً.
شعور الشقيقين في تلك اللحظة يختصر مشاعر غالبية فلسطينيي 48، الذين عاينوا الاحتفالات الإسرائيلية بالعام الستين لـ «الاستقلال». هذا الروسي يمثّل نموذجاً لمجموعات متعدّدة الجنسيات استجلبت من أصقاع الأرض وزرعت على أرض فلسطين مكان أهلها الأصليين.
أبو سميح يبلغ من العمر الثامنة والسبعين. سحنته سمراء وملامحه قوية تصارع جيله. عندما سقطت لوبية بين يدي العصابات الصهيونية، كان عمره 18 عاماً. أما شقيقه أبو عفيف (70 عاماً)، فهجّر وهو في سن التاسعة. يسكنان اليوم في قرية دير حنا الجليلية. هما حالة من الشتات المألوفة بعد النكبة. بالنسبة إليهما، لوبية ليست تاريخاً، هي الحاضر أيضاً، «قالوا لنا سنعود إلى بيوتنا بعد أسبوع، لكنَّ الأسبوع صار 60 عاماً، ونحن لا نزال نحلم، ما دمنا موجودين»، يقول أبو سميح وهو في طريق عودته المؤقتة إلى لوبية.
يطلّ أبو سميح وأبو عفيف من نافذة السيارة المتجهة نحو التاريخ: «كلّها كانت عربية... هذه مسكنة، كفر سبت، السجرة، وأرض مرج الذهب و... و...». باتت كلّها مساحات ممسوحة، منها ما اختفى كلياً، ومنها ما بنيت على أنقاضه بلدات استيطانية تعيش على زراعة أرض من هجّروا. يبيعون الخضار والحليب للمنطقة كلّها. وأشجار الصنوبر الحديثة تمتد على جانبي الطريق لتخفي المكان، حتى أنقاضه.
الكذب في كل مكان. متقن إلى حد فرض «الحقيقة». يتسلل إلى اللغة واللافتات والشوارع والنُصب التذكارية والحدائق العامة، وإشارات المرور ولافتات «حماية الطبيعة». مشاهد تطغى على الحقيقة فتزيفّها بحنكةٍ. الطريق كلها كذبة مكشوفة لمن عاش فيها قبل 60 عاماً. كانت نظرات الشقيقين تختزل المأساة بصمتٍ وتلغي ذلك الخط الفاصل بين التاريخ والحاضر، إلى أن وصلت السيارة إلى أعتاب قرية لوبية.

■ البلدة قائمة

السيارة تدخل ببطء إلى أراضي لوبية. شيء ما يتبدل في ملامح الشقيقين، ذكريات تختلط بالنشوة وحب الحديث عن المكان، مكانهما. بدأ الاثنان يتحدثان من دون فواصل. يذكران كل ذرة تراب هناك: القرية مهدومة فعلاً، لكنَّها لا تزال مبنية في قلب كليهما وفي فكرهما وذاكرتهما، مع إضافة الفعل الناقص «كان». الذكريات تنهال من حديثهما مثل قصيدة غير منظومة: «هنا كان يسرح العجّال عند مدخل البلدة»، و«هناك كانت مزبلة العجاينة»، و«مدرستنا، تعلمت فيها عامين» يقول أبو عفيف. كل هذا الحطام يبنى بلحظة ذكريات كانت واقعاً ذات يوم.
لا يسلّمان بالواقع ويواصلان: «في هذا الحوش كان يسكن أربعة أخوة، وهناك كانت عائلة الشهابي، وهناك أرض فايز الفواز». كان الاثنان يتوقفان عند كل اسم واسم «أين فايز الفواز اليوم؟» يسأل أحدهما والثاني لا يجيب. بالنسبة إليهما، لوبية، التي صارت رهينة الركام، تأبى أن تسقط أو أن تنهزم، على الأقل في الذاكرة. كانا يتحدثان عن لوبية قبل 60 عاماً، فيعودان إلى لسانٍ شبابهما. في وجهيهما ابتسامة وتعابير غير مفهومة. يعلو صوتاهما ويشرحان عن كل شيء ويشيران بالأيدي إلى كل مكان، حتى وصلا إلى صخرة شبه مستوية، تتوسطها بئر عميقة. يقول أبو سميح: «هذه البئر كان اسمها بئر جودة، على اسم جدي. هنا، بالضبط، ساحة بيتنا».
بيت لم تبق منه حتى الأنقاض. مجرد أحجار متناثر تشير كأحد المعالم الأثرية، توحي بأن حياة كانت قائمة في المكان. حياة كان أبو سميح وأبو عفيف جزءاً منها قبل ستين عاماً حين قامت العصابات الصهيونية بهجماتها المتلاحقة على القرى، التي لم يكن أهلها يدافعون سوى ببنادق قديمة ورثوها عن آباء حاربوا في الحرب العالمية الثانية.

■ سأعود وحدي!

لا يمل الاثنان من العودة إلى المكان نفسه. على العكس، كلما عادا يشتعل الحنين أكثر. من ينظر إلى أبي سميح وهو جالس على طرف البئر يدرك أن هذه الجلسة وفنجان القهوة في يده يختزلان 60 عاماً في شردة ذهن مسن يشتاق إلى كل شيء، حتى إلى الهواء. لكن الواقع دائماً أشدّ، البيت لم يعد له أثر، ولا الجيران ولا البيدر، ولا العجال ولا الزيتون. لم يبق من الذكريات سوى جذوع شجر هرمة، وصخر وخيال وعشب ربيعي أخضر.
بعد خمس دقائق من الحديث الصامت عن لوبية، يعود أبو سميح إلى «العودة الأولى» له إلى أنقاض المكان في عام 1974. «كان الوضع خطيراً، لكنّي لم أحتمل البعاد أكثر، قلت لزوجتي في حينه، أحضري لي زوادة، سأتجه إلى الدامية (شرقي لوبية). قد أعود، وربما لا، لا أعلم لكني سأذهب». حزم أمتعته وجلس طوال النهار على مقربة من القرية «شعرت بأني بحاجة للعودة إلى المكان». منذ ذلك الحين، لا يكف عن زيارة المكان مرتين أو ثلاثاً في الأسبوع. حين تسأله ماذا تفعل هناك؟ يقول: «لا شيء، آتي الى بلدي».
لا يزال أبو سميح يرى في لوبيا بلده، رغم أن لا أثر لها على واقع الأرض المكسية بالعشب. حاضره في ذهنه بيوتها وأزقتها. لا يزال يذكر ملاعب صباه وشقاوة طفولة لم تدم طويلاً. دخل باكراً معترك الحرب والتهجير. يتذكّر النزوح الأوّل وتجربة العمل الأولى، قبل أن يعود إلى ذكريات لوبية التي لا تفارقه.
أثناء القصة كلّها، كان أبو عفيف يتجول على مقربة من المكان، ويشرح من بعيد: «هناك استشهد دوّاس العثمان. قتله شخص يدعى أفني، فانتقم أبناء لوبية له وقتلوا أفني». يقولها بفخر كمن يتذكّر معركة دارت بالأمس. تؤمّن له القصة شيئاً من انتقام لأحداث تتالت لم تتيح له ولأمثاله القتال.

■ استيطان

المشي لا يتعب أبو سميح وأبو عفيف. ربما هي الحاجة إلى البوح أو الشوق. يواصلان البحث عن الآبار. رفضا الذهاب إلى «حرش لوبية»، الذي أعلنته دولة الاحتلال «حديقة قومية». يواصلان السير بين الصبّار والتين. يتذكّر أبو سميح «عندما هجّرنا من المكان كان القمح لا يزال في البيادر، ينتظر من ينثره. هناك من هجر إلى الشمال وهناك من هجّر إلى الغرب بعد سقوط القرية. قالوا لنا ستعودون بعد أسبوع لكننا لم نعد».
تفاصيل يوم الخروج لا يزال حاضراً في ذهنه وكأنه أمس. ويقول «أتى جيش الإنقاذ إلى البلدة ووضع السلاح والمدفعية على أطرافها وطلب منّا المغادرة». ويضيف «الناس ذعرت من المجازر، وكانت أنباء ما حدث في دير ياسين والصفاف، تتردد على ألسنة الجميع، ففضلنا الخروج».
ويروي بعض ما كانت تشهده القرية من العصابات الصهيونية بالقول «كنت أسمع صوت الديناميت بإذني عندما كانت بيوتها تهدم». ويقول «كان اليهود يأتون في الليل مستخدمين بغالاً ومعهم متفجرات، وكان معهم عملاء من البلد أو القرى المجاورة، لأن الدروب التي كانوا يستخدمونها كانت مجهولة حتى لأبناء البلد».
الجولة في «شوارع لوبية» لا تنتهي. لوبية مليئة بالآبار والأجران: «هذا الجرن الذي أمامك، كنا نستعمله للمرصوص (الزيتون الأخضر قبل كبيسه)». ويسيران حتى «مقبرة البلد». القبور تبدو مهدّمة ومهملة. المقبرة كبيرة توحي بكبر القرية. فيها قبور للشهداء وأهالي القرية. المقبرة لكل أهالي القرية، لكن كل عائلة وحدها، العجاينة والشهابي وغيرهم كثيرون.
على أراضي لوبية الشرقية، بنى الإسرائيليون بلدة استيطانية اسمها «غفعات أفني» وتندرج ضمن مخططات تهويد الجليل والنقب. بيوت أرضية، لكل بيت حديقة ومدخنة وقرميد وموقف للسيارات. إشارات ضوئية عند مدخلها، تسكنها قرابة 600 عائلة (يهودية طبعاً)، ومخطط توسيعها قائم دائماً. حوض سباحة وملاعب تنس ومدارس ابتدائية وروضات وحضانات. كل شيء فيه جودة الحياة على أرض مسلوبة الحياة. في شمال القرية بنيت أيضاً مستوطنة «لافي». الذكر للوبية مفقود. وقف أبو عفيف قبالتها وقال: «بنيت على أراضي أهالي القرية».
المشهد يمر من أمامه، إنّ التاريخ في هذه الأيام يكتبه القوي. الناس يدخلون ويخرجون إلى «جفعات أفني»، نظارات شمسية، وسيارات جديدة فارهة، وهناك من يتجول في شوارعها بهدوء. هو أحق بهذا المكان منهم جميعهم، لكنه ممنوع من البوح بالحقيقة، وحتى لو باح بها، فإن الحقيقة دائماً مع القوي.
حين تسأله عن العودة مرة أخرى، يرد بالتمني الشديد. لكن الخارج من هناك يعي بأن الحال ثقيلة، حيث تختفي ملامح القرى الفلسطينية المهجرة من عام إلى عام. لم يبق منها سوى حجارة سوداء لا تنطق، وعشب أخضر يحيط بما كان بيتاً وقبوراً لمن استشهد دفاعاً عنها. كل شيء يزول في قرية لوبية، البيوت والآبار والملامح، لكن الأمل كعادته يبحث عن مكان ليؤويه. فتراه على شكل ألواح صبر خضراء، نضجت حديثاً هذا الربيع.


الصمود وجيش الإنقاذ

لوبية كانت ولا تزال رمزاً فلسطينياً للصمود. هذا ليس شعاراً، لقد كانت من آخر القرى التي سقطت. قاومت دائماً. سكنها أكثر من 2350 فلسطينياً قبل النكبة. سقطت بعد معارك دامية بين مقاوميها وعناصر الهاغاناه. وتعرضت أثناء فترة النكبة إلى قصف شبه يومي من الطائرات المقلعة من قاعدة الجاعونة (روشبينا اليوم). كانت تستهدف دب الرعب في قلوب سكانها، إلا أنَّها لم تفلح.
سجلت لوبية مقاومة حقيقية نهاية الثلاثينيات قبل النكبة. يقول كتاب «حرب الظلال» الصادر حديثاً إن قرية لوبية كانت «القرية الأقوى في الشمال». في تاريح لوبية قصص عن مقاومة حقيقية، ولا يزال تاريخها يشهد أيضاً على تخاذل جيش الإنقاذ العربي. استمرت هذه المعارك منذ تشرين الثاني حتى منتصف تموز عام 1948. كانت المعارك حامية الوطيس مع العصابات الصهيونية. ويقدر عدد شهدائها بأكثر من 55 شهيداً. لكن وقعت خسائر كبيرة في صفوف العدو وصلت إلى ما يقارب 90 عنصراً.
في كتابه «قرية لوبية»، يروي الدكتور إبراهيم يحيى الشهابي، ما حصل مع جيش الإنقاذ في المعركة في مستعمرة السجرة الملاصقة لقرية السجرة الفلسطينية، قرية الفنان الفلسطيني الشهيد ناجي العلي.
ويقول كتاب الشهابي: «كانت دبابة جيش الإنقاذ تقف قبالة مدخل مستعمرة السجرة وتطلق نيرانها على بيت أحد السكان. كان البيت خالياً، ولا تكف الدبابة عن إطلاق النار إلا عندما تأتي مصفحة يهودية من الجنوب من جهة مستعمرات مرج ابن عامر تحمل الذخيرة والمؤن لسكان المستعمرة. عندئذ تتوقف دبابة جيش الإنقاذ عن القصف ولا تعود إليه الا بعد أن تنجز المصفحة اليهودية مهمتها في المستعمرة وتخرج منها عائدة إلى حيث أتت».
ويواصل: «غضب المجاهدون اللوبيون من تصرف جيش الإنقاذ فشنوا هجوماً على المستعمرة. أدرك أهل السجرة الهدف من هذا الاندفاع فهبّوا لمساعدة أهل لوبية من جهتهم واستطاع الجميع اختراق المنطقة وشوهد اليهود يفرون. ولكن في تلك اللحظة الحرجة انصبت مدافع جيش الإنقاذ المرابضة في مرج الذهب على المجاهدين وأجبرتهم على التراجع، بعدما قتلت منهم من قتلت وجرحت من جرحت، وهكذا أنقذ جيش الإنقاذ المستعمرة مرة أخرى».


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى لوبيا
 

شارك بتعليقك