فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
تاريخ وجغرافيا لوبية قبل النكبة – من كتاب تلك الأيام، بقلم يوسف سامي اليوسف
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى لوبيا
כדילתרגם לעברית
مشاركة Jamal Ali في تاريخ 11 شباط، 2009
من كتاب تلك الأيام الصادر عن دار كنعان عام 2005 للناقد الكبير يوسف سامي اليوسف الذي ولد وترعرع طفلا في لوبية حيث كرس صفحات كتابه للسنوات العشر الأولى من حياته التي قضاها في لوبية منذ ولادته فيها عام 1938 حتى يوم النكبة:

إذا ما خرج المرء من مدينة طبريا المجاورة لشاطئ بحيرة الجليل الفاتنة، واتجه غرباً صوب الناصرة، وإذا ما اجتاز ثلاثة عشر كيلو متراً تماماً، فإنه سوف يشاهد عن يساره تلة مرتفعة قليلاً، وعليها اليوم غابة تسمى غابة لوبيا. على هذه التلة حصراً كانت ترخم فيما مضى قرية كبيرة بعض الشيء، وتمتد فوق التلة حتى حافتها الغربية،ثم فوق سفحها الجنوبي، وكذلك على امتدادها المتجه نحو الجنوب الغربي، وهو الشطر الذي كنا نسميه الخربة، والذي هو شديد القرب من قرية الشجرة التي استشهد فيها الشاعر عبد الرحيم محمود، في شهر تموز من عام النكبة.

ولقد دمر المخربون الصهاينة تلك القرية بعدما احتلوها في أواسط شهر تموز سنة 1948. ولا ريب في أنها قرية كنعانية قديمة، كما أن اسمها نفسه لفظة كنعانية أيضاً. ومن فادح الغلط أن يقال بأنه اسم عبراني، إذ ليست هنالك لغة عبرانية، قولاً واحداً. فاللغة التي يسمونها العبرانية هي اللغة الكنعانية نفسها، وقد ادعاها أولئك الأدعياء المتطفلون الملفقون ذوو الشخصية الزائفة المنتحلة.

وأياً ما كان الأمر، فإن تلة لوبيا محاطة بأرض سهلية من ثلاث جهات، وهي الشمال،الغرب، والجنوب. أما من الجهة الشرقية، فإن التلة يشطرها واد قصير جداً كنا نسميه وادي العين. والغريب أن يسمى بهذا الاسم مع أنه لا وجود لأية عين فيه أو بجواره. وهو يسيل في الشتاء من الجنوب إلى الشمال. وله سفحان، شرقي وغربي، وتقع لوبيا إلى الغرب منه. ويتلاشى السفح الغربي عند الطرف الشمالي للوادي، أي أن الأرض تنبسط هناك وتنخفض عن التلة. وفي ذلك الشطر المنبسط كان يقع بيدرنا الفسيح.

وقبالة البيدر تماماً، على السفح الشرقي، الذي كنا نسميه الصافح، كان لنا كرم مزروع بأشجار الكرمة التي نسميها الدوالي. وفي ذلك الكرم رحنا نقطع الحجارة سنة 1947 لنبني بيتاً جديداً في تلك البقعة النزهة العذية وعلى مسافة مائة متر إلى الشرق من كرم الصافح هذا، كان لنا كرم آخر يسمى كرم عبد النبي. وهو مخصص للزيتون وحده. وأغلب ظني أن عبد الرازق، الذي هو والد جدي يوسف، قد اشتراه من رجل اسمه عبد النبي، ولهذا سمي بهذا الاسم.

ولقد اعتاد وادي العين أن يسيل في الشتاء، أو في قلبه، يوم تصبح الأمطار غزيرة. فعند طرفه الجنوبي، وبالقرب من كرم لجدي علي اسمه كرم الجندي، وهو الملآن بأشجار التين والزيتون، كانت هنالك بركة تطفح بالماء عادة حينما يحتدم الشتاء أو يستفحل. وهنالك من زار المكان وأخبرني بأن المحتلين قد أنشأوا لهم مقبرة في موضع تلك البركة.

ويسيل الماء في وادي العين ليتلاشى في الأرض السهلية التي تقع إلى الشمال من الخط المعبد الذي يصل بين طبريا والناصرة، أو مدينة السيد المسيح، وهي التي تقع إلى الغرب من لوبيا على مسافة ليست بالطويلة. وكان الماء يمر عبر جسر صغير من صنف العبّارة (بتشديد الباء). قبل أن يتلاشى في الأرض السهلية الممتدة إلى الشمال من لوبيا.

وكان خط طبريا-الناصرة يلامس قريتنا من جهتها الشمالية، ومما هو مؤكد أن السيد المسيح كان يسير عليه في تجواله بين الناصرة وبحيرة الجليل، إنه الذي يحد قريتنا من تلك الجهة نفسها، إذ كانت لوبيا كلها إلى الجنوب منه ما عدا بيتاً واحداً حديث البناء.

لقد كان وادي العين يحد لوبيا من الجهة الشرقية على نحو غَورِيٍّ لا يسمح للناس بأن يبنوا بيوتاً إلى الشرق منه. ومع ذلك، فإن لوبيا التي راح وعيي يتفتح عليها قبيل النكبة، قد أخذت بالتوسع الدائم، إذ لقد بنى أحد الناس أول بيت إلى الشمال من طريق طبريا- الناصرة، كما أن بيتين آخرين قد بنيا إلى الشرق من وادي العين، أي في الصافح، وذلك لأول مرة في الزمان. ولو بقينا في بلادنا سنة واحدة أخرى لكان بيتنا الجديد هو البيت الثالث في تلك البقعة من الأرض، حيث تكثر كروم التين والكرمة والزيتون والصبار، إذ كنا نقطع الحجارة في كرمنا الذي لا تقل مساحته عن خمسة دنمات.

***

أما التوسع الكبير الذي عرفته لوبيا فقد حدث في مكان يسمى المَدّان(بفتح فتشديد) وهو درب عريض يبدأ في الجنوب الشرقي من لوبيا. وكان منزل جدي لأمي علي، أول بيت في ذلك المكان، أو على يمين النازل من التلة إلى السهل. وإلى الشرق من بيت جدي، كان هنالك حجر مميز اسمه حجر الغمّارة. والغمّارة هي الفتاة التي تلم أكداس القمح بعدما يحصدها الحصادون. والحجر مخصص للنساء الشابات، يقفن عليه حين يردن الركوب على حميرهن عندما يذهبن إلى العمل في الحقول، إذ لقد كان من المعيب أن تركب المرأة الشابة على أية دابة في أزقة لوبيا. ولهذا، فقد كان يتوجب عليها أن تقود دابتها، وأن تسير على أقدامها حتى تصل إلى حجر الغمّارة (وهي بالمعجمة المفتوحة، وبتشديد الميم)، وهناك تركب وتنطلق إلى السهل حيث العمل، بعدما تستفيد من الحجر كمرقاة.

ولا يخفى على اللبيب أن ذلك الحجر له معنى كبير في حياة قريتنا، ولهذا فهو عندي أنفس من مدينة أوروبية أو أميركية بكاملها، أنفس من لندن أو باريس أو نيويورك، وجميعها في نظر الخبير بشؤون المجتمعات مدن متجلطة أو متخثرة. وإني لصادق الصدق كله إذا ما قلت بأنه أنفس من أوروبا بأسرها، ولا أستثني أوروبا الشرقية الضالعة في خدمة اليهود منذ زمن طويل. فحجر الغمّارة يسهم في إضفاء القيمة على الحياة البشرية، أما أوروبا وأمريكا فلا عمل لهما سوى جعل العيش فوق الأرض صنفاً من أصناف العذاب. ماذا عساه أن يكون معنى لندن أو واشنطن اللتين نُهب كل حجر فيهما من عظام الأمم الضعيفة؟

بكل عشوائية واعتساف قرر بلفور أن يهب حجر الغمّارة للصهاينة الذين لا يعرفون له قيمة حتى لو عرفوا معنى ذلك الحجر النفيس، فأزالوه من الوجود، إذ ما من أحد في الزمن الراهن يعرف مصيره أو مآله. ولطالما سألت عنه أولئك الذين زاروا لوبيا في الفترة الأخيرة، ومنهم خالتي فاطمة وخالتي ذيبة، ولكن بلا طائل.

ترى، لماذا لم يمنحهم بلفور مدينة لندن نفسها؟ وأية صفاقة أو سماجة تلك التي دفعت وزيراً كي يهب شيئاً لا يملكه لكائنات لا تربطه بهم أية رابطة، سوى أن يكونوا أسياده يأمرونه فينفذ؟ ثم ماذا عساها أن تكون قيمة لندن لدى الحديث على مستوى اللباب؟ إن القيمة هي كل ما يعزز إنسانية الإنسان. أفلا يسهم حجر الغمّارة في تعزيز إنسانية البشر أكثر مما تفعل أوروبا كلها؟ نعم، أوروبا القرصنة والإرهاب، والتي لا عمل لها طوال القرون الخمسة الأخيرة سوى أن تخفض كرامة الإنسان.

ثم، أليس في الميسور الزعم بأن إذعان الغربيين للصهاينة هو علامة من علائم انحطاط الغرب، الذي صار شبابه وراءه، من دون أدنى ريب، ولكن من غير أن يأسف على ذلك أي عاقل بتاتاً؟ وهم يزعمون أن بلفور قد منحهم((أرض أجدادهم))، ولا يدري المرء كيف يمكن لفلسطين أن تكون أرض أجداد الأوروبيين الشرقيين الذين لا تسري في عروقهم أية قطرة من دماء منطقتنا بتاتاً. فلقد منحوا أرضنا لأنهم يهود فقط، وليس لأنهم من منطقتنا أصلاً.

ليتني أعرف متى ابتكرت قريتنا فكرة ذلك الحجر لأول مرة، ومن الذي اقتطعه من صخر ما، ثم وضعه في ذلك المكان على يسار المرء حين يخرج من القرية إلى السهل. وهل الحجر الذي رأيت هو أول حجر من هذا النوع، أم أن حجارة كثيرة قد سبقته إلى ذلك المحل؟

وإلى جوار الدرب العريض الذي نسميه المدّان، والذي تلامس حافته الغربية بيت جدي، كانت هنالك حكورة نسميها حكورة السبيل. (والحكورة كرم صغير جداً. ولا أحسبها إلا كلمة سريانية) وهي ليست ملكاً لأحد، وفيها عدد صغير من أشجار الزيتون. ولقد اعتاد الفقراء الذين لا زيتون لهم على المجيء إلى تلك الحكورة ليجنوا ثمارها. ولا يفصلها عن بيت جدي سوى المدّان، إذ البيت من الغرب والحكورة من الشرق. وفضلاً عن ذلك، فإنها لا تبعد كثيراً عن البركة التي تقع إلى الشرق منها. وهنالك حكورة أخرى اسمها حكورة السبيل، وموقعها إلى جوار البركة. أما كلمة السبيل ههنا فتشير إلى الشيء المشاع الذي يحق لأي امرئ أن يستفيد منه.

وبجوار البركة من جهتها الشمالية الشرقية كانت هناك قطعة مزروعة بأشجار الصبار على نحو كثيف. وكنا نسميها الدِّيسة (الياء هنا بنقطتين والدال مجرورة). وأظن أن كلمة الديسة، التي أرجح أنها سريانية، لا تطلق إلا على مكان فيه شجر الصبار الكثيف. وإن لم تخني ذاكرتي، فإن هنالك ديسة أخرى إلى الشمال من طريق طبريا- الناصرة، بالقرب من واد صغير اسمه وادي إبريق. وهو مكان محاط بأشجار الزيتون السامقة الكثيرة. ففي ذاكرتي أنني ذهبت ذات مرة إلى ذلك المكان برفقة أولاد من صفي في المدرسة، وهم يسكنون في الحارة الشمالية، و كانوا يسمون المكان باسم الديسة. وقد أكلنا صباراً من ذلك الموضع المكظوظ بأشجار الصبار، التي هي مشاع للناس جميعاً أينما وجدت أرض لوبيا.
***
ولقد حدث توسع آخر في الجهة الجنوبية الغربية، أي على المرتفع الذي كنا نسميه باسم الخربة. فقد أخذ الناس يبنون البيوت بكثرة في ذلك المكان المكشوف والمفتوح على النسيم الغربي البليل الآتي من البحر المتوسط، وهو الذي لا يبعد عن لوبيا سوى خمسة وستين كيلومتراً، أو زهاء ذلك. فلقد كانت تلة لوبيا تنحدر من الجهة الغربية باتجاه أرض سهلية تسمى المغراقة. وهذه كلمة عربية مشتقة من الغرق، إذ يبدو أن تلك الأرض كانت تغرق بماء المطر في قلب الشتاء، وذلك لكثرة ما ينحدر إليها من مياه تأتيها من التلة نفسها.

ولكن تلة لوبيا تنحرف باتجاه الجنوب لكي تتلاشى على مشارف قرية الشجرة التي لم أرها سوى مرة واحدة في عام النكبة. وهذا الشطر من التلة هو الذي كنا نسميه باسم الخربة. ولئن كانت تلة لوبيا تمتد من الغرب إلى الشرق، أو بالعكس، فإن الخربة تمتد من الشمال إلى الجنوب، أو بالعكس أيضاً.

وأغلب الظن أن الخربة كانت مأهولة بالسكان في زمن غابر، ولكنها تعرضت للخراب ذات يوم، بسبب النقص الكبير الذي أصاب الأهالي إثر هجمة شرسة لداء الهيضة، الذي اجتاح لوبيا سنة 1907. وربما هجرت الخربة قبل ذلك التاريخ بكثير. ولكنني رأيتها وقد أخذ الناس يعيدون استيطانها منذ أواسط عقد الأربعينيات.

وهناك من أخبرني بأن المحتلين قد بنوا في الخربة مبان للنزهة والإستجمام، كما بنو مستوطنة في أرض كنا نسميها منجبة (بضم فسكون فكسر)، وهي إلى الشرق من لوبيا، حيث تملك أسرتي حقلاً صغيراً خصيباً. كما أن جدي علياً له حقل في تلك الأرض نفسها. ومنجبة لفظة عربية مشتقة من نجب، ولها صلة بالإنجاب، الذي هو الولادة. كما بنى المحتلون مستوطنة أخرى في أرض لوبيا، وذلك إلى الشمال الشرقي من بلدتنا، أو إلى الغرب من تل حطين، أو في أرض كنا نسميها القّنارة (بكسر القاف وتشديد النون)، حيث تملك أسرتي قطعة أرض كبيرة وخصيبة. وأغلب ظني أن هذه الكلمة، أعني القنّارة، هي كلمة يونانية، إن لم تكن سريانية.
***
ويرى المرء إلى الشرق من لوبيا أرضاً متموجة وعرة تنحدر انحداراً عسيراً بعض الشيء صوب سهل الحمى الخصيب المنداح إلى الشرق من بلدتنا، ولا يفصله عنها شيء سوى هذه الأرض التي تمتد على مسافة بضعة كيلومترات. أما اسم هذه الأرض الوعرة فهو العريض. وقد اعتاد الرعاة أن يأتوا بمواشيهم إليها لتأكل العشب، ولا سيما في الربيع. والعريض محصور بين وادي الشبابة من الشمال وبين طريق دامية من الجنوب.

أما سهل الحمى فهو المكان الذي وقعت فيه معركة حطين. فإلى الشمال من ذلك السهل يربض تل حطين الذي تحصن فيه الملك غاي، ملك القدس الإفرنجي، صباح يوم السبت الموافق للرابع من تموز سنة 1187، كما تحصن فيه الكونت ريموند، قائد سلاح الفرسان الإفرنج، في اليوم السابق تماماً. ثم إن الدرب الممتد بين طبريا والناصرة يمر بين سهل الحمى وبين تل حطين، الذي يقال بأن السيد المسيح قد صعد إلى مكان فيه وألقى على أتباعه خطبة مشهورة تسمى خطبة الجبل، وهي التي ورد ذكرها في العهد الجديد.

وكنا نرى ذلك التل من سطح بيتنا في لوبيا، إذ إنه يتوضع إلى الشمال الشرقي منها، على يسار الذاهب إلى طبريا. وربما بلغت المسافة بين القرية والتل ثلاثة كيلومترات. وبما أن لنا قطعة أرض إلى الغرب منه مباشرة، اسمها القنارة، وكذلك قطعة أخرى في واد صغير ينحدر على سفحه الجنوبي، واسمه وادي الشومر، فإنني أعرفه جيداً، إذ كنت أتردد على ذينك المكانين منذ بداية عمري. فالفلاحون يأخذون أطفالهم معهم إلى الحقول في أيام العمل، ولا سيما الذين تجاوزوا السادسة. وربما أنجبت الفلاحة الحامل في الحقل، أو حين تكون في سبيلها إليه. وأذكر جيداً أن قمة ذلك التل هي كتلة صخرية كبيرة ومستديرة بعض الشيء. ولهذا السبب فإن اسمها في تلك الناحية هو قرن حطين.
***
ومن جهة الجنوب الشرقي يتحول المدان إلى طريق تصل عين ماء اسمها دامية. وموقعها في الطرف الغربي من سهل الحمى، أو عند الفسحة التي تتلاشى فيها الأرض المتماوجة لتذوب في السهل المنداح الذي تتفتح مساحته الفيحاء حتى لكأنها تبتغي أن تشرح فحوى الحرية والانسياح النافر من كل تقييد أو تحديد.

وقبل الوصول إلى دامية، كان ثمة مكان عسير يعترض الدرب، وكنا نسميه العقبة. وفي ذلك الموضع كان الناس يشاهدون ضبعاً كبيراً بين الفينة والأخرى، ويسمونه ضبع العقبة. وعلى يسار الذاهب من القرية إلى العين، وحين يكاد يبلغها، ثمة حجارة شديدة الضخامة وكثيرة العدد، كنا نسميها شقفان دامية. والشقفان(بضم الشين المثلثة) جمع شقيف، والشقيف كلمة سيريانية معناها الصخرة العظيمة الضخمة. وكان بعض الناس يتهكمون على من له أسنان كبيرة بقولهم: (أسنانك مثل شقفان دامية) وأما من كان سميناً فيصفونه بأنه مثل ضبع العقبة.

وهناك بعض الكروم على جانبي الطريق المؤدي إلى دامية، والذي لا يقل طوله عن أربعة كيلومترات ابتداءً من المدان وحتى العين. وبين تلك الكروم ثمة واحد، من الجهة الشمالية، لرجل اسمه ذيب سليمان حجو، وهو جد زوجتي لأمها، وذلك في أرض يقال لها(المنجى)(بضم ففتح فشدة على الجيم المفتوحة) وهذه كلمة عربية مشتقة من فعل النجاة. وقبالة المنجى، أو إلى الجنوب الشرقي منها، ثمة أرض اسمها الخروبة، وموقعها إلى يمين الذاهب من البلدة إلى دامية. ولئن كانت أرض المنجى مرتفعة قليلاً، فإن أرض الخروبة منخفضة على نحو واضح. وفي الخروبة ثمة ثلاثة كروم على الأقل: واحد لجدي علي، وآخر لابن عمه إبراهيم طه، جد زوجتي لأبيها، وثالث لرجل من أقربائي اسمه عودة العلي، وهو من حفر قبره وهو حي في كرمه ذاك، ودفن هنالك، وخرجت المدرسة في جنازته خلال الشطر الأخير من سنة 1947. وتبعد هذه الكروم المتجاورة عن طريق دامية أكثر من مائة متر باتجاه الجنوب. وأذكر جيداً أن كرم جدي تكثر فيه أشجار المشمش واللوز والزيتون بوجه خاص، فقد كان الرجل فلاحاً نشيطاً وخبيراً بالزراعة. وأشجار المشمش واللوز لها زهر جميل، بل فاتن، ولا سيما اللوز الذي يزهر في الربيع الباكر جداً. فإذا أزهر شجر اللوز يكون الربيع قد بدأ حتماً، أما إذا أزهر المشمش فإنه قد يكون قد ترسخ تماماً.
أليس مما هو شديد الإثارة للحزن والأسى أن تؤول تلك الأرض العذبة الندية إلى تلك الكائنات المنسوجة من الخبث واللؤم والكلوح الشيطاني المقيت؟

وقبل الوصول إلى الخروبة، وإلى يمين الطريق الذاهب إلى دامية، كانت هناك رجمة من الحجارة اسمها العجمي. والرجمة كومة كبيرة من الحجارة. وتحت تلك الرجمة دفن شيخ أصله من بلاد العجم التي هي إيران. وراح الناس يعتقدون بأن الشيخ يظهر ليلاً ويتجول في المكان، ويصلي بعدما يتيمم بالتراب. ومما يشبه هذا الأمر أنه كان هنالك في الطرف الجنوب لسهل الحمى قبر آخر اسمه بسّوم (بتشديد المهملة)، وهو بجوار عين ماء غزيرة اسمها عين بسّوم. وكثير هم الذين زعموا أنهم شاهدوا الشيخ يتوضأ بماء العين كي يصلي الفجر.
***
وما من أحد يعرف لماذا سميت دامية بهذا الاسم، ولكنني أرجح أن تكون قد سميت بهذه التسمية التي تؤشر إلى الدم لأن صداماً جرى بين الإفرنج وبين الجيش الأيوبي من أجل السيطرة على تلك العين نفسها. فمما هو مؤكد أن الإفرنج أنهكهم العطش يوم حطين، وأنهم كانوا يلوبون على الماء، ولكن دون أن يصلوا إليه. وتقول بعض المصادر العربية أن فرسان الإفرنج، حين انقضوا من السفح الجنوبي لتل حطين على الجيش الأيوبي المحتشد في سهل الحمى، أو في طرفه الغربي، قرب كفرسبت، التي لا تبعد عن لوبيا أكثر من أربعة كيلومترات، فإنهم قد أحرزوا نصراً أدى إلى تقهقر الكتيبة الأيوبية صوب الجنوب. ولا بد لهذا الحادث من أن يكون قد حدث في بداية السهل من جهة التل، أي في طرفه الشمالي الغربي. فمما هو لافت للانتباه أن الأرض في تلك الزاوية اسمها الدمية (بفتح الدال وتشديد الياء المثناة)، حيث تمتلك أسرتي حقلاً خصيباً أعرفه جيداً. وهذه تسمية تؤشر إلى الدم هي الأخرى. وربما كان تقهقر الكتيبة الأيوبية أمام الفرسان الإفرنج مجرد استدراج وحسب.

وأغلب الظن أن بداية المعركة الدموية مع الإفرنج قد جرت في ذلك الموضع حيث سالت دماء غزيرة من الطرفين فسمي المكان باسم الدَّمِّيَّة، أي الأرض المدماة. وربما ظلت الكتيبة الأيوبية تتقهقر حتى دامية، التي وصلها الإفرنج فوجدوا –على ما أرجح- قطعة أيوبية كبيرة بانتظارهم. وهنالك حول عين الماء سالت دماء كثيرة من الطرفين، وأرغم الإفرنج على التقهقر شمالاً باتجاه تل حطين. فلقد كانت الكتلة الرئيسة من الجيش الأيوبي ترابط بالقرب من كفر سبت التي لا تبعد عن دامية أكثر من كيلومترين. وهنالك خيم صلاح الدين نفسه. ومن المحتمل أن يكون الإفرنج قد استبسلوا عند دامية، وذلك بسبب حاجتهم إلى الماء، فأدى ذلك إلى مجزرة سالت فيها دماء كثيرة. وأرجح أنه لهذا السبب حصراً سميت دامية بهذا الاسم.

وكان الطريق الذاهب من لوبيا إلى طبريا شرقاً يمر فوق جسر وادي الشومر. وتحت ذلك الجسر، أي في ظله البارد، كنا نتناول طعامنا في أيام الحصاد الحزيرانية الكاوية. وينحدر ذلك الوادي من الطرف الجنوبي الغربي لتل حطين، ويتجه صوب الجنوب، ولكنه يتلاشى في أرض اسمها الميشة(بفتح فسكون)، وهي تقع إلى يمين الدرب المتجهة نحو طبريا. وأغلب ظني أن كلمة(الميشة) هي كلمة عربية، إذ إن الميش هو الخلط، كما يقول أحد المعاجم.
***
ووادي الشومر خصيب جداً، والقسم المزروع منه تملكه أسرتي وأسرة زوجتي وأسرة أمي. وكثيراً ما سمعت الناس يقولون بأن وادي الشومر قد جبل ترابه بدماء الصحابة، أي صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام. ولكن الحقيقة غير ذلك. وأغلب الظن أن كتيبة أيوبية قد دهمت الإفرنج يوم حطين في ذلك الموضع. وأنهت المعركة عند الساعة الرابعة بعد الظهر. ومن المؤكد أن ذلك الهجوم كان بقيادة أمير أيوبي اسمه عمر، وهو ابن أخ لصلاح الدين. ومن المحتمل أن يكون عمر قد شن هجومه من جهة الغرب، أي من جهة القنّارة، فتصدى له الإفرنج في الوادي العريض وغير العميق ابتغاء صده عن مواقعهم التي كانت فعلاً إلى الشرق من الوادي. ولكنهم كانوا قد أنهكوا بعد قتال دام سبع ساعات في شمس تموز الحارقة. وأغلب الظن أن الإفرنج قد تعرضوا، في الساعة الأخيرة من ساعة المعركة، لهجومين متزامنين، الأول من الجهة الجنوبية، أي من جهة السهل، قامت به الكتلة العظمى من الجيش الأيوبي، والثاني من الغرب وقامت به كتيبة عمر الآنفة الذكر.
وقد كان بالقرب من وادي الشومر، وبجانب طريق طبريا-الناصرة من جهتها الشمالية، خان للمسافرين. وكانت آثار الخان مازالت باقية حتى عام النكبة. وكانت له آبار ظللنا ننتفع بها حتى خروجنا من ديارنا. وأنا أعرف تلك الآبار جيداً، وقد شربت منها مراراً، وهي قريبة جداً من حقلنا المجاور للجسر. وأذكر حجراً كبيراً كان في حقل جدي علي، أو على يسار الذاهب إلى طبريا، وقد رسمت عليه صورة سيف أتقنت أيما إتقان.
***
وثمة، إلى الغرب من ذلك الوادي، هضبة سهلية مرتفعة ومستوية، أو منحدرة قليلاً صوب الجنوب، وصالحة للزراعة، اسمها القنارة. وهي جد قريبة من وادي الشومر، وكذلك من قرن حطين. وإلى جوار حقلنا في القنارة كانت هنالك بركة اسمها بركة الرُخ. وهي تمتلئ بالماء في قلب الشتاء، ولكنها تجف ابتداء من شهر حزيران أو تموز، بل هي تجف في سنوات المحل منذ نيسان.

والرخ طائر خرافي يقال بأنه ينبعث من رماده، أو يتجدد تلقائياً. وربما كان الرخ هو طائر الفينيق نفسه، أو ذلك الطائر الخرافي الذي سماه العرب(عنقاء مغرب) (بضم الميم). ومن المؤكد أن كلمة عنقاء هي تعريب لكلمة عنخ الفرعونية التي تعني الحياة. ولكن أهل قريتنا يسمونها بركة الرق (بضم الراء). وذلك خلافاً لما ورد في بعض المصادر التاريخية التي تضع حرف الخاء مكان القاف.

وإلى الجنوب من الميشة التي ينتهي عندها وادي الشومر، أو إلى الشمال من العريض، ثمة واد تمر فيه الدرب المتجهة من لوبيا إلى سهل الحمى، فتلامسه من جهته الشمالية الغربية، إذ إن ثمة دربين تربطان البلدة بالسهل، وهما هذه الدرب وطريق دامية التي تخرج من الطرف الجنوبي الشرقي لبلدتنا، بينما تخرج الثانية من الطرف الشمالي الشرقي.

ويسمى ذلك الوادي المحاذي للعريض من جهته الشمالية باسم وادي الشبابة(بضم المعجمة وتشديد الباء الأولى). وبجوار هذا الوادي، أو من جهته الجنوبية، ثمة أرض تنحدر انحداراً عمودياً نسميها المصايات(بفتح الميم وشدة على الصاد). ويبدو أن هذه التسمية قد جاءت من أن الماء (يمصي)، أي يسيل على شكل قطرات، أو بكمية طفيفة جداً، من أرض مرتفعة هي جزء من العريض الذي ينداح بين المصايات وبين عقبة دامية. وينحدر الماء المتقاطر من ذلك المكان شتاءً باتجاه وادي الشبابة الذي يبدأ بالقرب من طريق طبريا-الناصرة، أو بالقرب من جسر وادي الشومر، ثم يتجه شرقاً حتى يتلاشى في سهل الحمى.

وإلى الغرب من منجبة تماماً، كانت هنالك قطعة أرض لجدي على اسمها العوينة. وتفصل بين الحقلين درب تأتي من البركة وتنزل إلى وادي الشبابة، وكذلك إلى طريق طبريا-الناصرة. وكلمة عوينة عربية لعلها تكون تصغيراً لكلمة(عينة) التي قد تعني الينبوع، بل ربما كانت تصغيراً لكلمة عين نفسها في حين أن مصغر (عين) هو (عيينة). وأذكر جيداً أن شطراً صغيراً جداً من بحيرة طبريا كان يرى من العوينة قبيل غروب الشمس في الصيف. فالبحيرة لا ترى من أرض بلدتنا إلا من ذلك الموضع وحده، وفي ذلك الوقت حصراً. فهي في غور شديد الانخفاض والعمق. ولن أنسى بتاتاً أن خالتي أمينة، الشديدة الذكاء، قد لفتت انتباهي إلى ذلك المشهد يوم كنت في الثامنة من عمري.

وقد اعتاد جدي أن يزرع حقل العوينة المطل عن طريق طبريا-الناصرة والقريب منها، بالبطيخ والشمام والقثاء والخيار وعباد الشمس، وذلك في الموسم الصيفي التي تبدأ زراعته في نيسان. إن أرضنا كلها تروي بالأنداء طوال الصيف. وكان تساقط الندى يبدأ زهاء الساعة التاسعة مساء. وفي الصباح ترى الأرض وكأنها مغسولة بالماء المقطر. ويظل الندى يغشيها حتى الساعة العاشرة صباحاً. وهو يصير أكثر غزارة كلما تفاقم حر الشمس، أي في تموز وآب. ولهذا، يتضح أن مصيبتنا كبيرة فقد خسرنا أرضاً نفيسة لا تبزها أي أرض أخرى سوى أرض الفردوس وحدها.
***
وأغلب الظن أن أرض دامية المجاورة للينبوع كانت معمورة في زمن سابق، وهنالك من أخبرني بأنه شاهد حجراً في ذلك الموضع، وقد كتب عليه:(( يا دامية، أنت بعد العمايري خراب))، والعمايري رجل كان يعمر البيوت في دامية قبل مائتي سنة من الآن، أو زهاء ذلك. ولهذا، سمي العمايري، أي البناء، وقد رحل عن لوبيا و سكن في قرية الجاعونة القريبة من صفد، وذلك إثر شجار دموي بين أفراد أسرته. ولكن سلالته ما زالت معروفة حتى اليوم في مخيم اليرموك.

والأرض المحيطة بلوبيا مقسمة إلى أماكن، أو إلى أجزاء، وكل جزء له اسمه الخاص به، فهناك في أواسط سهل الحمى أرض تسمى المعترضة، وأخرى تسمى المعبر، وثالثة اسمها الزعفرانية، ورابعة اسمها البصاص(بكسر الباء)، وخامسة اسمها الخلال(بالكسر)، وسادسة اسمها الكراسي، وهي أبعد مكان عن لوبيا، إذ تقع بجوار ناصر الدين الشديدة القرب من مدينة طبريا.

وبجوار الكراسي، هنالك أرض في السهل اسمها البُسكَندية(بضم فسكون ففتح فسكون فكسر). ولقد لفت انتباهي يوم كنت في السويد، سنة 1994، وفي مكان يقع بين مدينة يوتوبوري الواقعة على بحر الشمال، وبين ضاحية من ضواحيها اسمها هسنغن، حيث أقمت لمدة أسبوع في شهر تموز من ذلك العام، أو من الثالث عشر وحتى التاسع عشر من ذلك الشهر- لقد لفت انتباهي مكان اسمه بسكنديا (بضم الباء). فنبهت من كانوا معي يومئذ إلى التشابه بين الكلمتين. ولا يمكن لهذه الكلمة أن تكون عربية، ولا أحسبها سريانية أيضاً. ومما هو جد محتمل أن تكون من بقايا الأسماء الإفرنجية التي تركها الصليبيون في بلادنا فلسطين.

وعلى أية حال، فإنني أذكر هذه الأسماء كلها وهذه التفاصيل جميعها من أجل تخليدها، أو ابتغاء تزويدها بالمناعة التي تصد عنها أمواج الزمان الذي من عادته أن يترعرع في الكائنات فيحيلها إلى خلاء. ثم إنه لابد من إطلاق هذه الأسماء مرة ثانية على الأماكن التي تخصها، إذ قد يتاح لأحفاد أحفادنا أن يعودوا إلى بلادنا المغدورة التي لابد من استردادها كلها في المستقبل البعيد، على الرغم مما قد نواجهه من المحن والكوارث. وهذه الحقيقة هي الحتمية التاريخية الوحيدة التي أومن بها من دون أدنى تردد أو ارتياب.

وإنني أهيب بأبناء لوبيا الذين ظلوا في فلسطين المحتلة حتى اليوم، أو حصراً في قرية دير حنا، التي ولد فيها خليفة من الخلفاء الأمويين نسيت اسمه، أهيب بهم أن يرسموا خرائط مفصلة لأراضي لوبيا التي تبلغ مساحتها ثمانية وأربعين ألف دنم، وأن يثبتوا على كل جزء من تلك الأراضي اسمه الذي يخصه دون سواه، وذلك بغية حفظه وصيانته من عبث الطفيليات المتطفلة على بلادنا، وهي الكائنات التي لا يبزُّها أحد على تزوير الحقائق وتشويهها، وذلك ابتغاء الحؤول دون وصول قوى التحرير التي سوف تنتزع الأرض منهم شبراً إثر شبر.

***
أما القرى المحيطة بلوبيا، أو القريبة منها، فعددها خمس. وفضلاً عن ذلك فقد كان هناك ثلاث مستعمرات لليهود، وهي لوبيا الجديدة ويمّا(بفتح فشدة على الميم) ومستعمرة الشجرة المجاورة لقرية الشجرة العربية. وتقع الأولى والثانية في سهل الحمى الخصيب. وأنا أعرف مستعمرة لوبيا الجديدة، إذ أن لنا حقلاً في أرض اسمها المعبر مجاورة لأرض المستعمرة. أما مستعمرة يمّا فبعيدة عن لوبيا إلى حد ما، فهي تقع في الشطر الجنوبي الشرقي من سهل الحمى الفسيح.

وأولى تلك القرى المحيطة بلوبيا هي قرية الشجرة التي تقع إلى الجنوب الغربي من بلدتنا، ولا تفصلها عنها إلى مسافة قد لا تزيد عن ثلاثة كيلومترات. وعلى مشارف تلك القرية استشهد الشاعر عبد الرحيم محمود سنة 1948، كما ولد الشاعر علي الأحمد، الذي لم أره قط، والذي ظل في الناصرة فنجا من التشرد وذل اللجوء. ولقد كتب قصيدة جيدة تسربت عبر الحدود إلى البلدان العربية المجاورة سنة 1950 تقريباً، وراح بعض شبابنا يحفظها عن ظهر قلب، ولكن السلطات لم تسمح للناس بتداولها يومئذ. وهو يخاطب ملوك العرب ورؤساءهم بقوله:
قسماً لو أن المومسات مكانكم لتركن ماخور الفجور عيانا
ولبسن مُسح الراهبات تقشفاً هرباً من العار الذي أخــزانا

ولئن كانت الشجرة إلى الجنوب الغربي من لوبيا، فإن نمرين إلى الشمال الغربي. وهي ترى بالعين المجردة من تبّة المقبرة الواقعة في الزاوية الشمالية الغربية من بلدتنا، ولهذا، فإنها تُطل على الشمال والغرب في آن واحد. أما المسافة التي تفصل نمرين عن لوبيا فأظنها لا تزيد عن كيلومترين، وربما أقل من ذلك.

وأما كفر سبت فهي، مثل نمرين، قرية صغيرة جداً، وموقعها على تلة يلامس شطرها السفلي سهل الحمى الذي تجاوره من جهته الغربية. وكانت ترى من لوبيا بسهولة. ولا تزيد المسافة الفاصلة بين القريتين عن أربعة كيلومترات. وهي إلى الجنوب من بلدتنا.

ولكن قرية حطين ذات الينابيع الغزيرة فهي أشهر القرى الخمس وأكثرها ينعاً وإخضلالاً. وهي تقع عند أسفل السفح الشمالي لتل حطين. ولهذا، فإنها لا ترى بالعين من لوبيا، لأن ذلك التل يفصل بين القريتين. ولقد زرتها ثلاث مرات قبل أن تطردنا من بلادنا قوى الشر المتحالفة والمغرمة بالعدوان وصنع البؤس لبقية الجنس البشري. ففي المرة الأولى كانت هنالك في حطين امرأة هي بنت أخت جدتي لأبي، وأصلها- كجدتي نفسها - من كفر عنان الواقعة إلى الشرق من الرامة. ولقد زرتها بمعية جدتي خضرا، التي هي خالتها، إذ ركبنا حمارنا وذهبنا إلى هناك حيث قضينا ليلة وعدنا في اليوم التالي. وأغلب ظني أن تلك الزيارة قد تمت سنة 1946، وفي فصل الربيع، وربما في شهر أيار حصراً.
وكانت لها بنت تكبرني بأربع سنوات أو خمس، وقد أخذتني البنت مع أختها الصغرى إلى بستانهم اليانع، وأطعمتني خساً، فأكلت ذلك النوع من الخضروات لأول مرة في حياتي. ورأيت الماء ينساب غزيراً في بساتين حطين. وهذا مشهد غير مألوف عندنا في لوبيا التي تجمع ماء المطر في الآبار ليشرب الإنسان والحيوان. فحطين محاطة بجنة غناء تغرد فيها الطيور مفعمة بالنشوة.

وأذكر أنني ذهبت مع أبي ذات يوم إلى طبريا (ربما سنة 1946، أو في السنة التالية)، وكان معنا حمار ركبناه إلى تلك المدينة. ولا أذكر الغرض من تلك الزيارة، ولا ماذا فعل أبي هناك. وقد وصلنا إلى البحيرة حيث سبحت لأول مرة، ولكن على الشاطئ تماماً. كما أذكر أننا اشترينا تيناً وخبزاً وأكلنا في الخان حيث وضعنا الحمار ريثما عدنا من البحيرة. ولم نرجع إلى لوبيا من طريق الناصرة، بل سرنا مع وادي الحمام من طبريا إلى حطين. وفي الوادي لفت أبي انتباهي إلى طائرين يطيران في الجو، وقال إنهما يمامتان. واليمام هو الحمام البري، أو هكذا كنا نعتقد. فسألت أبي: هل سمي هذا الوادي بوادي الحمام لأنه مأهول بالحمام البري؟ فقال: ربما.

وفي الوادي مررنا ببيت شعر فيه أعرابي، فدعانا للاستراحة عنده فدخلنا وشربنا الماء أولاً، ثم صب البدوي لكل منا فنجاناً من تلك القهوة العربية اللذيذة التي نسميها السادة. ولقد شربتها يومئذ لأول مرة في حياتي. ثم تابعنا طريقنا إلى حطين حيث زرنا ابنة خالة أبي، وحيث تناولنا طعام الغداء. وبعد ذلك غادرنا تلك القرية إلى لوبيا، فوصلنا قبل الغروب.

وحين قرأت (سفر نامة)، أي (كتاب السفر) للرحالة الإيراني ناصر خسرو، علمت أن وادي الحمام هو الطريق الذي سار عليه ذلك الرجل حين سافر من حطين إلى طبريا، ولو أنه لم يذكر اسم ذلك الوادي. ولقد سبقني إلى هناك بتسعمائة سنة، إذ وصل إلى فلسطين سنة 1047م. ونوه الرحالة بأن سكان طبريا ومحيطها كانوا من الشيعة يوم مر بها في العصر الفاطمي.

ومما هو معروف أن حطين فيها قبر النبي شعيب، أو لعله أن يكون مزاراً فقط. وطائفة الدروز يهتمون بذلك النبي اهتماماً يفوق اهتمام سواهم من الطوائف الإسلامية. وهو في ظاهر القرية وليس في داخلها، أو على السفح الشمالي الغربي لتل حطين. وقد ورد في الأخبار أن السلطان بيبرس قد جعل إحدى قرى صفد وقفاً على النبي شعيب، وذلك بعدما استرد تلك المدينة من الإفرنج سنة 1266م.

وذات مرة زرته في يوم عيده، الذي يأتي في كل سنة في شهر نيسان، فبينما كنت أسير في أحد شوارع لوبيا من الجهة الشرقية، وكان الوقت صباحاً، صادفت مجموعة من الأولاد، بعضهم من تلاميذ صفي. فقال لي أحدهم بأنهم ذاهبون إلى حطين لمشاهدة عيد النبي شعيب، وطلب مني أن أذهب معهم، ففعلت. وأظن أن تلك النزهة قد حدثت في شهر نيسان سنة 1947. وكانت معنا مجموعة صغيرة من البنات الصغيرات أيضاً. وأذكر جيداً أنه كان يوماً ممتعاً جداً، لا ينسى. كما أذكر أن المسافة لم يزد اجتيازها عن ساعة واحدة في الذهاب ومثلها في الإياب.

ولقد ذكر ناصر خسرو قبر النبي شعيب، ولكن من دون أن يذكر حطين صراحة في كتابه الآنف الذكر، كما ذكر قبر أبي هريرة الذي في ظاهر طبريا. ثم ذكر أسماء الكثير من المدن والقرى الفلسطينية، وخاصة عكا وحيفا و طبريا في الشمال، وكذلك كفر كنا التي هي قانا الجليل المذكورة في العهد الجديد، حيث حول السيد المسيح الماء إلى خمر في عرس يعرفه كل من قرأ الأناجيل. إنها قرية مشهورة بالرمان الذي وصفه إبراهيم طوقان في إحدى قصائده، يوم كان معلماً فيها. أما موقعها فهو إلى الغرب من لوبيا على طريق الناصرة، بعدما يسير المرة عشرة كيلومترات أو أكثر بقليل.

كما أن ناصر خسرو قد ذكر عين الماء الساخنة التي في مدينة طبريا، والتي استحممت فيها ذات مرة سنة 1944، أو ربما بعد ذلك بسنة واحدة. ثم تحدث عن سور طبريا وبحيرتها وجامعها الكبير، ولكنه لم يذكر لوبيا قط.

وهنالك قرية اسمها طرعان، وموقعها إلى الشمال الغربي من لوبيا، وكذلك من نمرين. وهي ترى من المقبرة بالعين المجردة والمسافة الفاصلة بينها وبين بلدتنا لا تزيد عن أربعة كيلومترات أو خمسة. وهي ترخم عند أسفل السفح الشرقي لجبيل كنا نسميه جبل حجفا (بفتح فسكون). وهو يرى من سطح بيتنا الواقع في حارة الجرينة التي تتوسط لوبيا على وجه التقريب، والتي هي حتماً أقدم جزء من أجزاء بلدتنا، لأن فيها الجامع وحجر المعصرة. وكما كان تل حطين يرى من سطح بيتنا هو الآخر. ولئن كان جبل حجفا إلى الشمال الغربي من لوبيا، فإن تل حطين إلى الشمال الشرقي. ولا ريب في أن السيد المسيح قد رأى ذينك التلّين إلى يساره حين كان يسافر من الناصرة إلى بحيرة الجليل، على الطريق الذي يلامس لوبيا من جهتها الشمالية.
***
وأذكر أنني قرأت في أحد الكتب منذ زمن بعيد أن الإمبراطور الروماني فسباسيان، الذي جاء إلى فلسطين ليقمع ثورة في ستينيات القرن الأول الميلادي، قد خيّم في أرض طرعان لمدة من الزمن، وذلك قبل أن يعهد بقيادة الجيش لابنه تيتوس، لأنه عاد إلى روما ابتغاء تسلم العرش بعد وفاة نيرون سنة 68 للميلاد ولئن كان ذلك الإمبراطور قد خيم في أرض طرعان حقاً، فربما كان مرج الذهب و المكان الذي نصب خيامه فيه.

ويقع هذا المرج، وهو أرض سهلية فسيحة، بين نمرين وطرعان، ولكنه يرى بالعين المجردة من قريتنا، أو من طرفها الشمالي الغربي، حيث المقبرة التي ما زالت حتى الآن (أيلول سنة 2004).

وإلى الجنوب من قرية طرعان، كان هنالك مفرق تتشعب منه أربع طرق: واحدة تذهب شرقاً باتجاه لوبيا فطبريا، وثانية تذهب غرباً صوب الناصرة بعد أن تمر بكفر كنا، وثالثة تسير شمالاً نحو صفد وعكا و ولبنان، ولكن من دون أن تمر بطرعان التي هي إلى الغرب من الطريق، ورابعة تذهب جنوباً باتجاه جنين فنابلس فالقدس، ولكن بعد أن تعبر مرج ابن عامر. ويمر ذلك الدرب نفسه ببلدة العفولة القديمة و المتوضعة في سواء المرج.

وكانت هنالك، بجوار المفرق، بركة تحتشد فيها المياه أثناء الشتاء والربيع. وأذكر عموداً أثرياً قديماً في وسط البركة، ولعله أن يكون رومانياً حصراً. ونحن نسمي تلك البركة باسم مسكنة. وهذه تسمية قديمة جداً، وأغلب الظن أنها كنعانية، أو ربما من الأسماء ذات الصلة بالهكسوس. ولقد كان بعض الأولاد ممن يكبرونني سناً يذهبون في الربيع إلى تلك البركة ليسبحوا ويتنزهوا في ذلك المكان الفسيح.

ويمتد مرج الذهب من مسكنة إلى مشارف قرية عيلبون التي هي بين طرعان والمغار، أقصد مغار حزور، إذ ثمة قرية أخرى، اسمها مغار الخيط، في محيط مدينة صفد الرابضة على ذروة جبل كنعان الرابض إلى الشرق من جبل الجرمق. والجدير بالتنويه أن جبل حزور الذي تقع بلدة المغار في سفحه الجنوبي كان يرى من سطح بيتنا بكل وضوح.

ولا أذكر أن أحداً كان يستخدم مرج الذهب للزراعة، مع أنه خصيب ومنبسط وواسع. وربما راح الرعاة يسرحون فيه أغنامهم لترعى، وخاصة في الربيع. وأذكر أنني ذهبت مع أبي ذات يوم لجلب الحطب من ذلك المرج، أو ربما من الوعر المجاور له من الجهة الشمالية الشرقية. ومن الطرائف أنني أتذكر مرج الذهب دوماً حين يذكر على مسمعي كتاب (مروج الذهب) للمسعودي. وهذا سفر ممتع حقاً، وقد طالعته منذ أكثر من عشرين سنة. ومما هو مؤسف جداً أن معظم ذلك الكتاب النفيس قد ضاع.

أما قرية عيلبون، الواقعة إلى الشمال من طرعان، وإلى الجنوب من مغار حزور، والتي لا ترى من لوبيا قط لأنها في أرض منخفضة، أو في واد لعله يكون امتداداً لسهل البطوف الذي هو واد عريض يقع إلى الغرب من عيلبون، ولعل الوادي الذي تربض فيه تلك القرية يمتد حتى الغرب من عيلبون، ولعل الوادي الذي تربض فيه تلك القرية يمتد حتى يصل إلى حطين، ثم إلى وادي الحمام المتصل ببحيرة طبريا. إن قرية عيلبون ربما كان اسمها الأصلي هو عين لبون، ولكن الناس حرفوا ذلك اللفظ ابتغاء تسهيل النطق به. وبالفعل هناك عين في تلك القرية الصغيرة، وهي تسقي مجموعة من البساتين، ولكنها ليست وارفة مثل بساتين حطين، أو هكذا رسخ في ذاكرتي، أو في الذكريات التي ورثتها عن طفولتي. وفي مخيلتي أن جميع سكان عيلبون كانوا من المسيحيين، أم طرعان فغالبية سكانها يعتنفون النصرانية، ولكن ثمة أقلية مسلمة في تلك القرية. ولا أدري ما حالها في الزمن الراهن.

ومن المؤكد أن الملك غاي، ملك القدس الإفرنجي، حين تحرك بجيشه من صفورية صوب طبريا لإنقاذ الأميرة إيشيفا، زوجة الكونت ريموند، التي كان صلاح الدين يحاصرها في داخل قلعة تلك المدينة، والذي كان يقود مشاة جيش الإفرنج، بينما أسندت قيادة الفرسان لذلك الكونت نفسه - إن الملك غاي قد خيم مساء يوم الجمعة الموافق للثالث من تموز سنة 1187، في أرض لوبيا، وذلك بعدما تمكنت الكمائن الأيوبية من إنهاك جيشه، ولا سيما الساقة التي يقودها الكونت أرناط، وهو من قتله صلاح الدين بيده في اليوم التالي. وما إن خيم الملك حتى أرسل رسولاً إلى ريموند، الذي كان يتقدمه بمسافة قصيرة، يأمره بالتريث، فالتجأ هذا الأخير إلى السفح الجنوبي لتل حطين، بحيث صار التل درعاً يقيه الهجمات من الخلف على الأقل. وفي الصباح، أي في يوم المعركة الفاصلة، التحق الملك بالكونت في سفح التل، وخاضا كلاهما معركة حطين.

ولا أدري، وربما لا أحد يدري، أين خيم الملك غاي بالضبط، أو أين قضى تلك الليلة التي يسميها المؤرخون الغربيون (ليلة لوبيا). وأرجح أنه خيم في الأرض السهلية المحاذية لبلدتنا من جهة الشمال الغربي، حيث بنيت قرية نمرين فيما بعد، أو ربما في القرن التاسع عشر، على أيدي أناس جاؤوا من سهل حوران. وتقع تلك الأرض الفيحاء التي تتسع لآلاف الجنود إلى الشرق من مرج الذهب، أي إلى الشرق من طرعان ومسكنة. ولكن، من المحتمل أن يكون الملك قد خيم في المغراقة، أي في الأرض السهلية التي تقع إلى الغرب تماماً من تلة لوبيا. وربما كان أهل لوبيا مسيحيين في ذلك الزمان، الأمر الذي يتضمن أن لا خطر على الجيش الإفرنجي منهم، أو من جهتهم. فمن المؤكد أن تانكرد، وهو أحد الفرسان الإفرنج الصناديد، قد طرد المسلمين من الجليل إثر احتلاله من قبل الصليبين في بداية الحروب الصليبية، وذلك بعدما عينه ملك القدس الإفرنجي حاكماً على الجليل.

أما إلى الجنوب من لوبيا، وعلى مسافة تبلغ بضعة عشر كيلومتراً، فكان ثمة تل تسميه كتب الجغرافية جبل طابور، ونحن نسميه جبل الطور( والطور كلمة سيريانية معناها الجبل)، وموقعه عند الطرف الشمالي لسهل مرج ابن عامر الذي هو سهل يزرعيل في اللغة الكنعانية (أي: يزرع إيل، وإيل هو الله سبحانه وتعالي عند الكنعانيين) ومن المعلوم إن سرسك الأرمني اللبناني قد باع ذلك المرج للصهاينة في مطالع القرن العشرين. ولقد كنت أرى ذلك التل وأنا في طريقي إلى المدرسة.

ومما هو معروف أن معركة كبيرة قد دارت بين الجيش التركي وبين نابليون يوم كان هذا الأخير يحاصر عكا. فقد جاء من دمشق جيش كبير ليطرد الفرنسيين من فلسطين، وتقول المصادر الفرنسية بأن طليعة ذلك الجيش التركي قد تمركزت في (هضبة لوبيا). وأغلب الظن أن تلك الطليعة قد تمركزت في الخربة وفي الوعر الممتد منها إلى مشارف قرية الشجرة. أما نابليون وكليبر، الذي قتله سليمان الحلبي في مصر، فقد تمركزا على سفح جبل طابور. ومن المؤكد أن المعركة قد جرت في السادس عشر من نيسان سنة 1799. ويبدو أنها امتدت من جنوب طرعان وغربي لوبيا وأرض الشجرة إلى الجنوب حتى جبل طابور. وانتهت بأن مني الأتراك بهزيمة نكراء، إذ تم دحرهم إلى خارج فلسطين التي عادوا إليها بعد رحيل الفرنسيين عنها في شهر أيار.

ولقد كان على ذروة ذلك الجبل دير يرى بالعين المجردة من لوبيا. والدير قديم يعود إلى الطور البيزنطي. وذات يوم ذهبت مدرستنا في رحلة ربيعية إلى ذلك الدير نفسه، ولكن المعلمين أخذوا تلاميذ الصفوف الثلاثة العليا، أما أنا فكنت من تلاميذ الصفوف الدنيا. ولهذا فإنني لم يقيض لي أن أزور ذلك المكان الأثري القديم.
وهناك خبر مفاده أن الظاهر بيبرس قد خيم في التل نفسه، أو مستنداً إليه، وذلك سنة 1263، أي قبل نابليون بأكثر من خمسة قرون، وأنه قد هدم ذلك الدير الآنف الذكر لأن الإفرنج حاولوا أن يحيلوه إلى قلعة حصينة.
***
كانت لوبيا التي راح وعيي يتفتح عليها بين سنة 1944 وسنة 1948، أي خلال السنوات الأربع الأخيرة من وجودي فيها، مكاناً خصيباً كثير الخيرات، فالقرية محاطة بكروم التين والزيتون على نحو خاص. ولا سيما من الجهة الشرقية، أي إلى الشرق من الصافح الذي هو السفح الشرقي لوادي العين. والكرمة متوفرة فيها، وكذلك اللوز والمشمش، أما الصبار فهو كثير جداً، ولا سيما في الجهة الشرقية حيث تشكل الأشجار ما يشبه أن يكون غابة كثيفة.

ولكن بلدتنا لا تعتمد على الشجر، أو على الفواكه، في إنتاجها الزراعي، بل على الحبوب بالدرجة الأولى، فسهل الحمى كان ينتج القمح أولاً، ثم الشعير والعدس. أما الفول فكان الناس يزرعونه في الأرض القريبة من البلدة. ويزرعه جدي علي في منجبه. كما أنه يزرع السمسم والحمص، فضلاً عن القمح والشعير والعدس والفول. وفي الميسور أن يقال بأن لوبيا كانت شديدة الاهتمام بمادتين زراعيتين، وهما القمح والزيتون، إذ القمح هو الغذاء الأول للناس، أما الزيت فمقدس في نظر الجميع حتى لكأنه سر مجسد.

ثم إن لوبيا التي رأيتها قد كانت واسعة الانتشار ومكتظة بالسكان. وأما مساحة أرضها المزروعة وغير المزروعة فتبلغ ثمانية وأربعين ألف دنم. وفي تقديري أن عدد سكانها في ذلك الأوان لم يكن يقل عن أربعة آلاف نسمة، وربما بلغ خمسة آلاف في عام النكبة. وينتسب ناسها إلى سبع أسر، وكل أسرة تنقسم إلى عدد من الأسر الفرعية الصغيرة.

ويحسب الجميع أن هذه الفروع تربطها رابطة قرابة أو نسب، وأغلب ظني أن الأمر ليس كذلك، وإنما هي تكتلات كان يمليها النظام القبلي السائد في فلسطين يومئذ، والذي هو صورة عما كان عليه الحال منذ آلاف السنين.
ولقد كان هناك جامع في لوبيا، وموقعه إلى الغرب من بيتنا، وعلى مسافة لا تزيد عن مائة متر إلا قليلاً، أي هو في حارة الجرينة، أو عند طرفها الغربي. وتقع معصرة الزيتون في مكان قريب من الجامع وهي إلى الشمال الغربي من بيتنا، وعلى مسافة لاتزيد عن مائة متر. وهي ملك للبلدة كلها. ولها حجر مستدير كبير كان يدار بالثيران أو بالحمير. وهنالك، إلى الجنوب من الجامع، زاوية، أو تكية، يؤمها الصوفيون المسافرون، ولا سيما أولئك الذين يتنقلون بين مصر والشام، أو بالعكس. وقد دخلتها ورأيت المتصوفين وهم يمارسون فيها الذكر والصلوات.

وهنالك من أخبرني بأن قبتها ما زالت قائمة حتى يوم الناس هذا. كما كان في الحارة الشرقية المطلة على وادي العين بقايا مسجد صغير. وفي مقبرة لوبيا ثمة ضريح مميز لنبي اسمه شوامين. وأغلب الظن أنه قديم جداً، وأن قدمه يؤكد قدم لوبيا نفسها. ولعل ذلك النبي كان من الكنعانيين القدماء، لأن الكنعانيين والمصريين كان لهم أنبياء قبل أنبياء اليهود. بل لقد كانت هنالك في مصر الفرعونية مرتبة كهنوتية اسمها مرتبة النبوة. كما أن الجليل لم يكن يهودياً في أي يوم من الأيام، ولهذا، فإن التوراة تسميه جليل الأمم. فالأرجح أن النبي الآنف الذكر شخصية كنعانية، وليست غير ذلك.

ومع أن لوبيا لا تخلو من اللصوص والزناة المقامرين والمحتالين وهواة الشجار والعدوان، حتى إنها لم تخل من القتلة. فإن أهلها، مع ذلك، من ذوي النجدة والشهامة والنخوة والشرف. والناس لا يسمحون لأحد بأن يعتدي على أحد، كما أنهم دوماً مع المظلوم ضد الظالم. وإذا مرض طفل أو كبير، أو أي امرئ، وطال مرضه، فإن معظم أهل لوبيا، أو أقله معظم أهل حارته، يأتونه زائرين، وهم يحملون بعض الهدايا، ولا سيما الفاكهة أو الحلوى. ولا يتزوج أحد إلا ويساعدونه بالمال، إذ إن ثمة تقليداً اجتماعياً يسمونه (النقوط). وخلاصته ان يدفع المرء للعروس مبلغاً زهيداً من النقود. ولكن كثرة من يدفعون من شأنها أن تجعل المبلغ كبيراً في بعض الأحيان. أما العروس فتحصل على نقوط هي الأخرى، ولا سيما من ذويها وصديقاتها. ويلمس المرء في هذا التقليد صنفاً من أصناف التكافل الإجتماعي. والحقيقة أن الفرد تحمله أسرته الكبيرة، ولهذا السبب فإن تلك الأسرة تسمى الحمولة عندنا. وهذه لفظة مشتقة من حمل بكل وضوح. فما من أحد يهمل في لوبيا البتة.
أما المرأة التي تلد، فإن قريباتها وصديقاتها وجاراتها يأخذن لها شيئاً يسمى النقل(بضم فضم). وربما كانت له هذه التسمية لأنه شيء ينقل من بيت إلى بيت آخر. والنقل دائماً مقلى بيض كبير، فيه أربع بيضات على الأقل، وهي مقلية بزيت الزيتون الممتاز. وربما كان في النقل ربع رطل من اللحم، أي ستمائة غرام، أو نحو ذلك. وفي كثير من الأحيان يكون النقل لحماً مع بيض في آن واحد. فضلاً عن ذلك، فإن المولود، أكان ذكراً أم أنثى، يتلقى بعض النقوط من الجيران والأقرباء والأصدقاء. فالعطاء شيمة من شيم شعبنا بكل تأكيد.

وحين تلد امرأة، فإن الجارات والقريبات يتوافدن الواحدة إثر الأخرى إلى بيتها، وذلك للإسهام في التنظيف والخدمة والعمل على راحة الوالدة والمولود معاً. ففي الحق أن الشهامة في قرانا كلها أكثر حضوراً من الخسة والنذالة. أما الفرد المستأثر الذي يقف متفرجاً عند الحاجة إليه، فهو كائن مكروه من الجميع. فالمثال في قرانا هو بذل الجهد والإسراع إلى الفعل الكريم الذي يجعل من الفرد كائناً زاكياً شريفاً.
***
ويبدأ الزواج عادة بأن يعرض أهل الشاب على ابنهم أن يخطبوا له هذه الفتاة أو تلك. ثم يذكرون على مسامعه أسماء بضع فتيات ليختار واحدة منهن. فإذا وافق ذهبت أمه إلى والدة الفتاة وتحدثت معها بالأمر. ثم تستشير المرأة زوجها وابنتها وأبناءها. فإذا تمت الموافقة بلغوا أهل الشاب بذلك. وعند ذاك يذهب والده ومعه مجموعة من الرجال المسنين إلى والد العروس ليكونوا (جاهة)، أي وفداً يتوجه إليه راجين من أن يهب ابنته المتفق عليها سلفاً إلى الشاب المتفق عليه. ويقولون له إنهم يطلبون القرب منه، أي يطلبون ابنته زوجة لابنهم. فيقول: أتتكم، بلا جزاء ولا وفاء. وذلك يعني بغير مهر. ولكن الطرفين يكونان قد اتفقا على المهر سلفاً.

ثم تتم الخطبة ويأتي المأذون، فيكتب الكتاب الذي كنا نسميه العقد، أي عقد الزواج. ويتقرر يوم الزفاف، وتبدأ الدبكة في مساء اليوم السابق، وربما دبكوا لمدة أسبوع قبل يوم العرس. وهم يسمون الاحتفال السابق على يوم الزفاف بليلة أو أكثر باسم (التعليلة) أي السهرة المصحوبة بالدبكة. كما أن أهل قريتنا يطلقون اسم التعلل على الإجتماع ليلاً. فيقول لك جارك أو صديقك: (تعال نتعلل)، أي تعال لنمضي المساء معاً.

وقبل العرس بيومين أو ثلاثة يطوف شبان من أقرباء العريس على أهل البلدة يدعونهم لحضور العرس. كما تطوف فتيات من قريبات العريس، وغالباً ما يكن أخواته، على بعض نساء القرية يدعونهن إلى العرس. وكثيراً ما تتم دعوة أناس من القرى المجاورة، ولا سيما بعض الشيوخ المرموقين، وكذلك من كان مشهوراً من أهل الطرب والغناء.

أما يوم العرس فهو يوم فرح حقيقي للجميع، ولذلك فإنهم كثيراً ما يسمون العرس باسم الفرح. وفي الليلة السابقة على العرس، التي هي ليلة التعليلة، فإن الشباب يحنون العريس بالحناء، وكذلك تحني الصبايا العروس بالمادة ذاتها، وكل منهما على حدة، إذ الأعراس في بلدتنا ليست مختلطة، على خلاف الحال في بعض قرى الشمال الأقصى.

وفي صبيحة يوم العرس، بل بعد الفجر بقليل، تذبح الذبائح ويبدأ الطبخ. وغالباً ما كان يطبخ اللحم باللبن ليخلط بطبخة ثانية من البرغل، الذي كان الموسرون يستبدلون به الأرز.

وبعد الغداء تتم زفة العريس، إذ يركب على حصان أو فرس، ويسير وراءه الشباب وهم يغنون. ووراء الشباب كانت تسير الفتيات وهن يغنين أيضاً. أما غناء الفتيات فهذا مثال له:
عددوا المهرة وهاتوا البرودة واصمدوا العريس براس العقودة
أما العقودة فهي الأروقة ذات الأعمدة والقناطر.
وأذكر أغنية كن يغنينها في دبكتهن اللطيفة. وهذا مطلعها:
على بلاط عكا رنّت كنادرنا.
ومن أغانيهن الجميلة هذا القول:
يا رايح الشام جيب الشام بالمنديل
والقمر بالمكحلة والشمس بالقنديل.

ولئن كانت دبكة الرجال على هيئة نصف دائرة، فإن دبكة النساء دائرة مقفلة. وفي وسط الدائرة يقف الأطفال فتدور النساء حولهم أثناء الدبكة. (الدوران حول مركز) أما الرجال، فكان غناؤهم في الزفة مثل هذا القول:
عريسنا عنتر عبس، عنتر عبس عريسنا
يا شمس غيبي من السما، عالأرض في عنا عريس
وهذا النوع من الغناء هو ما نسميه التراويد. فالرجال يزفون العريس وهم يرودون(بضم ففتح فشدة على الواو المكسورة). أي يغنون هذا النوع من الغناء.

ثم يصمدونه، أي يجلسونه، في مكان ما على كرسي مريح، وعند ذلك ترجع النساء إلى العروس. وهي تُصمد (بضم فسكون ففتح) عند أخوالها في الغالب. أما الرجال فيدبكون على أنغام الشبابة، وأحياناً على أنغام المجوز. وأثناء الدبكة يكون هنالك من يغني الدلعونة والجفرا وظريف الطول. وكلمة (الدلعونة) سيريانية، على ما أرجح. أما (الجفرا) فعربية حقاً، ومعناها النعجة الصغيرة. ولكنها في قريتنا تعني الفتاة التي في بداية مراهقتها. (يقول أحد أمثالنا الشعبية: أكل الجفار يخرب الديار) وقد بادت أغاني الجفرا في هذه الأيام.

وإثر غروب الشمس يزفون العريس من جديد إلى باب بيته. وتكون العروس قد وصلت إلى ذلك البيت قبله، وتكون النساء قد زفتها هي الأخرى، أي سرن وراءها وهن يغنين، أما هي فتركب فرساً أو جواداً. ويمسك زمام الجواد أحد إخوتها، كما أن أخاً ثانياً يمسكها هي نفسها لكي لا تسقط عن الفرس. وتكون مغطاة بعباءة وإحدى يديها مرفوعة إلى الأعلى. وحينما تبلغ إلى بيت زوجها، فإن إحدى النساء تناولها قطعة عجين جاهزة فتلصقها فوق الباب تماماً، أو إلى جواره إن كان عالياً. وقطعة العجين هذه رمز للخصوبة بكل وضوح. وقبل أن تزف العروس على الفرس أو الحصان، فإن النسوة يضعن على وجهها منديلاً شفافاً، ويثبتنه جيداً. وهي تسبق عريسها إلى بيته. فحين يدخل العريس يجد العروس ومعها مجموعة كبيرة من الصبايا. وأول عمل يعمله هو أن يرفع المنديل عن وجه العروس ويراها. ثم يجلس إلى جوارها بينما تغني الفتيات ويرقصن لبرهة من الزمن.

وفي بعض الأحيان كانوا يأتون إلى العرس برجل يسمى (الحدّا) ليغني في ذلك اليوم البهيج. فيصطف الرجال على البيدر بالمئات في صف واحد. ويقف الحدّا أمامهم ويقول كلاماً غنائياً، فيرددونه وهم يسحجون، أي يضربون الكف الأيسر بالكف الأيمن. فهو يقول مثلاً: (وإحنا على ظهور الخيل تعلمنا الفروسية) أي: نحن تعلمنا الفروسية على ظهور الخيل. وقد رأيت ذات مرة على بيدرنا صفاً من الرجال يناهز المائتين أو الثلاث، يقفون في نصف دائرة، ويقف أمامهم الحدّا وهو يقول وهم يرددون أقواله.

ولئن كان العرس فرحاً لا يبزّه فرح في بلدتنا، فإن الزفة هي قلب العرس، أي هي فرح الفرح. يقيناً، إنها برهة سرية لا تبزها أي برهة أخرى في الحياة الجماعية للقرية، إذ يشعر المرء بالنشوة والبهجة الخالصة، حتى لكأنه يشارك في شعيرة من الشعائر الاستسرارية، فيشعر بأنه في قلب الروعة نفسها، أو كأنه خرج من ضيق الحاضر والمياوم إلى تفتح ينداح فوق مساحات مطلقة السراح. إذ هكذا كنت أشعر يوم أسير في الزفة، مع أنني لم أكن إلا طفلاً، ولا محل لي في العرس كله إلا على الهامش.

واليوم لم يعد هنالك في مخيماتنا شيء من هذا كله. فلقد ابتزنا الصهاينة حتى تقاليدنا التي كان من شأنها أن تجعل لحياتنا معنى أو مذاقاً عذباً تستسيغه الأفواه. ولعل أهم ما في أمرنا أننا خسرنا الكثير من قيمنا النبيلة الرفيعة، ولا سيما ذلك العرف الذي يرسخ المثال بوصفه كرامة الغايات التي تهدف إليها الأفعال. ولهذا كانت قيمة الإنسان عندنا، بل في قرانا كلها، وكذلك في مدننا، تتحدد بأفعاله الكريمة. فأنت تقوّم حصراً بما تفعل أو تصنع.
***
هذا وقد ورد ذكر لوبيا في بعض الكتب التراثية، وخاصة كتاب ابن شداد الذي عنوانه (المحاسن اليوسفية)، وهو المكرس لأفعال صلاح الدين يوسف بن أيوب. وينص هذا الكتاب بوضوح على أن معركة حطين جرت في أرض لوبيا. كما أن لوبيا قد ذكرت في ثلاث مرات في الجزء الثالث من( كتاب الروضتين) لأبي شامة المقدسي. فقد ذكر في ذلك الجزء نفسه أن شاعراً يسمى الجلياني الأندلسي قد مدح صلاح الدين بقصيدة رائية جاء فيها هذا البيت:
أما رأيتم فتوح القادسية في أكناف لوبية تجلى، وذا عمر

وأذكر أنني قرأت ذات مرة في كتاب نسيت عنوانه أن السلطان سليم، حين فتح بلاد الشام سنة 1916م، قد أعدم شيخ لوبيا في مدينة عكا، لأنه كان موالياً للمماليك ومعادياً لآل عثمان. وأظن ظناً أن ذلك الكتاب هو (مفاكهة الخلان) لابن طولون. كما أذكر أن كتاباً آخر قد أشار إلى شيخ كان يعيش في دمشق أثناء القرن السابع عشر، وكان اسمه الشيخ اللوبياني. وقد بلغني بالمشافهة أن إبراهيم باشا، حين غزا بلاد الشام سنة 1832، قد أعدم في مدينة الناصرة عدداً من رجال لوبيا، ويبدو أن أهل لوبيا، أو بعضهم، كانوا في عداد الثائرين على المصريين.
***
ينتابني على الدوام شعور بأن المكان الأول قد امتزج بالزمان حتى لم يبق أي منهما يقبل الانفكاك عن الآخر. إن لوبيا لم تعد مكاناً خالصاً، في وعيي، بل صارت زماناً راسخاً في الوقت نفسه. فهي طفولتي بقدر ما هي وطني الذي عشت فيه السنوات العشر الأولى من عمري، وبذلك غدت صورة عليا ومصباً خيالياً لأشواق تندفع بين الفينة والأخرى باتجاه البرهة الابتدائية التي صارت أشبه بفردوس مفقود.

فإذا تخطر بالبال تلك الأيام الشبيهة بالأحلام، فإن حنيناً أنأى من طائلة اللغة، ولهفة ممزوجة بالأسى، يهيمنان على روحي، فينتابني شعور غامض لا يخلو من مرارة وحزن. ولولا ذلك الشعور المرير لما تجشمت عناء تصنيف هذا الكتاب وعندما أتذكر المروج الشديدة الاخضرار في آذار ونيسان من كل عام، فإنني أوشك أن أصرخ قائلاً: (آه، لا تسرفي في الخلب والسحر، أيتها المروج، فإن فؤادي يوشك أن يتفطر). وبداهة، ما زالت الطبيعة تمارس فنونها مثلما كانت من قبل ولا زالت الطيور تحلق في الجو، ولا سيما العصافير وطيور الزرزور وطيور السمانى، وأخص بالذكر القبّرات التي لكل منها قنزعة جميلة على رأسها.

فعند تخوم السهل، حيث ما برحت تنهل طوال الصيف أنداء رطيبة منعشة، ومازال في ميسور المرء أن يسمع للنسيم جرساً منغوماً، وأن يحس فيه، لا أرجاً فنشوة وحسب، بل خصيصة من تلك الخصائص التي لا يملك الذهن أن يدرك ماهيتها. فهاهنا ما برح شعاع الشمس البرتقالي ينثال رائقاً على المرج الشاسع النديان، وكذلك فوق الآكام الساجية الرابضة في مكانها بوقار جليل.

فإذا جاء نيسان، الذي يرث جهود أمطار غزيرة تهطل بين تشرين الثاني وبين آذار، رأيت الحمرة والصفرة، فضلاً عن الخضرة، توشّي أديم الأرض السندسي الفينان، ورأيت السماء تسرف في الزرقة اللازوردية الصافية. إنها الزرقة المسفوحة من الأفق الأيمن إلى الأفق الأيسر. فيا للاندياح المترامي الرحيب، ويا للعالم الذي يغدو وكأنه استحضار أو تجسيد للألطاف الحسنى، بل حتى للأسرار، أو للمستورات نفسها.

ويرق النسيم المسرف في العذوبة والقدرة على الإنعاش، يرق حتى لكأنه مادة تبث في النفس شيئاً من الخّدر والنشوة، بل يغدو أشبه بأنفاس ساحرة تعزّم وتهينم، كأنما هي تسترضي الأرواح المستورة، وتحاول تلبية سؤلها المنشود. وأذكر أن رقة النسيم المعتل كان من عادتها أن تعاود حضورها الفاتن في النصف الثاني من شهر تشرين الأول. وعندي للخريف مذاق لا يدانيه مذاق الربيع، بل إنني لا أبالغ إذا ما زعمت بأن الخريف فصل صوفي بامتياز.

فمن شأن الغموض الخريفي أن ينتج في النفس شعوراً بأن الزرقة في الفضاء البعيد ترعش، أو تخفق وتتماوج، وكأنها مفتونة بشيء سري مكتوم. كما قد يشعر بأن الأفق برزخ يتلاحم فيه البر والبحر.

فسرح البصر ليجوس ذات اليمين وذات الشمال، تشاهد آكاماً وروابي ونجوداً تغطيها الخضرة الساجية المطمئنة المفعمة بالحيوية والفتون في آن معاً، وتبصر القمم والجبال وقد توجها غمام أبيض طري شامخ نبيل، يمخر أجواء الفضاء من الجهة الشمالية التي ترى بنصوع من سطح بيتنا. وكثيراً ما كنت أشاهد في الأفق الشمالي قوس قزح فاتن إثر المطر الربيعي الهادئ الناعم، فيتفتح له الفؤاد وتنتعش الروح.

ولكن، وا أسفاه، إن الأنساغ لا تدري ولا تشعر بالتصوح يلازمها ويستوطن معها في كل نبتة مخضلة ريانة، مما يجعل التناوب بين الينع والذبول سنة من سنن الحياة. ومع ذلك فإن للاخضلال والاخضرار قيمة كلية من شأنها أن تضارع الشباب. والربيع هو فورة السنة أو سورتها. فإذ يسمع المرء تنهدات النسيم في نيسان، يخيل إليه أنها تهينم هينمة ذات لون لا تستوعبه البصيرة، وعند ذاك قد يشعر بموجة من حنين إلى مجهول صوفي غامض لا يملك أن يعرف ما هو ولا أين هو، حتى لكأن ما لا زمن له قد حضر أمام الخيال، بل حتى أمام الوهم، بعدما كان ملكاً للحدس وحده.

وفي سواء مرج أخضر قد تشاهد العين أرخبيلاً من الأزهار الصفراء والحمراء التي نسميها البرقوق في الشمال والحنون في الجنوب. إنه التفويف الذي من شأنه أن يضاعف الملاحة، وأن يحيل الحسن إلى بهجة وفتنة للناظرين، بل ربما شعر المرء بأنه الحرية وقد صارت برسم البصر والعيان. فالأزهار التي تتفتح في الربيع، حتى لكأن الحقيقة المضمرة في المادة قد أخذت تمعن في التجلي، أو الحضور والمجيء من الغياب، هي كثيرة الأصناف والأشكال والأصباغ، كما أن لكل منها قدرتها الخاصة على الاجتذاب والتأثير في الألباب. ولكن عندما يتأهب الربيع للرحيل في أواخر شهر نوار، طفقت البراءة نفسها تستعد للزوال هي الأخرى.

تلكم هي أرض الغبطة والسعادة في ذاكرتي، أو في مخيلتي التي كانت غضة يوم استتبت هذه الصور في عقرها الطفولي الرحيب. ولست بمبالغ إذا ما زعمت بأنها الفردوس المفقود الذي خسرنا كرامتنا يوم خسرناه، فعوضنا عن الكرامة المهدورة بعدد كبير من الشهداء الذين صنعوا شرفاً لشعبنا الأبي. وقد لا تكون بلادنا كما وصفتها تماماً. وربما كانت الطفولة هي التي ضخمتها فظهرت على هذا النحو الفردوسي الجليل. بل ربما جاءت هذه الصورة الخلابة من جنوح الإنسان الدائم إلى تمجيد ماضيه وتفضيله على حاضره، حتى ليبتدى الماضي وكأنه منسوج من الغبطة وهدأة البال. فمشهد أشجار اللوز والمشمش حين تزهر في كرم جدي قد تضخم في خيالي الطفلي حتى صار كأنه الفتون نفسه. وإني لا أذكر ذلك الاشتعال الخلاب إلا بوصفه اندلاعاً مفاجئاً للجمال، أو فورة تنقل جميع الكائنات من كيفية إلى كيفية أخرى لها مذاق لا تطاله اللغة حتى وإن تفورت مثل قدر يغلى. وما من شيء يتمتع بالقيمة التي يدخرها ذاك الذي لا تطاله اللغة. ولئن كنت أضفي شعوري على الماضي وأشيائه النائية، فإنني لا أصف في هذا الموضع شيئاً سوى طفولتي.
***
وفي الربيع تكثر الأعشاب البرية الصالحة للأكل أو للغلي فالشرب. ومنها العكّوب والقرصعنّة والعلت والخبازى والشومر والرشاد والسنارية والعوصلان والحليان والبابونج والميرمية والزعتر البري، وما إلى ذلك مما تنبت الأرض وتمنح الإنسان بالمجّان. فتخرج النساء، ولا سيما الشابات، إلى المروج والحقول في دفء الشمس ولطف النسيم، بحثاً عن تلك الهبات الطبيعية السخية. فيصنع الناس من هاتيك النباتات أغذية شهية جداً، ولا سيما العكّوب الذي يقلون بيضه بزيت الزيتون والبيض البلدي، فيحصلون على طعام لذيذ، وخاصة بعد أن يعصر عليه الليمون الذي هو متوفر، بل جد متوفر في بلادنا فلسطين.

أما اليوم، إذ أعود إلى الوراء، إلى برهة سلفت وغاصت في العدم منذ أكثر من نصف قرن، فإن لواعج الشوق الكاوي لابد لها من أن تعتلج في جوف نفسي عارمة موارة. فلئن كانت فلسطين تقبل الاسترداد، بل هي سوف تستعاد جزماً، وكاملة غير منقوصة، ولو بعد ألف سنة، فإن تلك البرهة الجلى ما عاد في الميسور استردادها قط، إذ لقد اندثرت إلى أبد الآبدين. وإذا ما قيّض لي أن أعود إلى لوبيا، أو إلى الأماكن التي أعرفها، وعشت طفولتي الباكرة الأولى، فلا أدري كيف سيكون شعوري بعدما ذبلت النفس أو جفّت فما بقيت تستطيع التوهج والتألق أبداً، إذ لقد مرّ ريق العمر، فتلاشت سورة الحيوية الروحية التي كانت تملك أن تنتج مشاعر الاغتباط والإحساس السعيد.
***
وأياً ما كان جوهر الشأن، فإن لوبيا التي رسمتها في البداية هي لوبيا الواقع، أما هذه التي أحنّ إليها وأشتاق فهي لوبيا الداخل، أو تلك التي تخص الفؤاد وحده. إنها المكان الذي تصون الروح رعشته في جوفها الدافئ الحنون. ففي الحق أن تلك الصورة العليا المهيمة إنما تستمد فحواها من الأزلي الساكن في نواة الباطن السحيق. ولكم هو شاعر صادق ذاك الذي قال:

كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل

ولكن ينبغي أن أعترف بأن فلسطين وطفولتي قد اندغمتا في صورة واحدة لا تعنو للتحلل أبداً إلا يوم يتحلل جسدي ويستحيل إلى تراب.

ولقد لاحظت أن شعوراً مريراً بالخسران ينتاب كل لوبياني عندما يزور أرض لوبيا بعد النكبة، أو في هذه الأيام. وكثر هم الذين فعلوا ذلك، ومنهم خالتي ذيبة التي زارتها زهاء عام 1990. وحينما شاهدت حقول أبيها التي حرمت منها ومن ثرواتها بعدما استولى عليها الصهاينة، سقطت مغشياً عليها من شدة الصدمة، وأخذت تبكي وتنشج وتحثو التراب على رأسها، في وسط أناس راحوا يناشدونها التجمل والتصبر.

يقيناً، إن هذا العالم المتجمد الوجدان لا يملك أن يدرك عمق الكارثة التي حلت بنا في عام النكبة. لقد استطاع العدو الناشط في الظلمات أن يستولي على بلاد الغربيين والشرقيين، كما استطاع أن يجند العالم العربي الرسمي لخدمة مآربه على نحو شائن معيب. ترى، كيف تسلل أولئك الأشرار إلى المواقع التي من شأنها أن تتحكم بمصير الكرة الأرضية بأسرها؟

ومع ذلك، فإن على المرء ألا يخاف أولئك الظلاميين الذين ليس من شيمتهم أن يتشبثوا بغير المال بتاتاً. فهم يستوطنون في داخل المال، وحيثما كان المال كان حضورهم المقيت. ولهذا، فإنهم سيظلون يتمسكون بفلسطين ما داموا ينهبون ثروات العرب، أقصد نفطهم الغزير. ولكنهم سوف يغادرون فلسطين من تلقاء أنفسهم عندما تشح تلك الثروات، أو تضمحل، في المستقبل البعيد. وعندي أن طريقتهم في الاستيلاء على بلادنا ليست طريقة كائنات تريد أن تتعايش مع الناس في منطقتنا، بل هي نهج عصابة تبحث عمن يجرزها أو يلحق بها كارثة مريعة. ولا ريب في أنهم يجهلون ذلك المثل الشعبي الذي يقول: ((الأسى ما بينتسى)). والمقصود بالأسى ههنا هو الأذى. وهذا يعني أن الأذى لا ينسى. فلا بد من عقاب فتاك.

إن هذا النهج الدموي الذي اتبعوه ليس نهجهم التقليدي، بل هو نهج الغربيين الذين أمضوا القرون الخمسة الأخيرة وهم يحملون الأسلحة ويطورونها ويدهمون بها كل صقع من أصقاع الأرض. يقيناً إن حضارة الغربيين ما صنعها إلا الإرهاب وغرائز العدوان ذات العرام في الشخصية الأورو-أمريكية. فنهبوا الأمم التي لم تقدر أن تنافح عن ثرواتها ضد عدوانهم الدؤوب. ولكن تلك الحضارة سوف تكف عن الوجود يوم تكف عن ممارسة العدوان. أما طريقة أولئك في الاستيلاء فهي الهيمنة على الأسواق والسلع ومصادر الثروة. وسلاحهم دوماً هو المال وليس النار.

ولكم كانوا خبثاء يوم أشاعوا أن الفلسطينيين باعوا أرضهم للصهاينة. وهذا حديث إفك لا تخفى غايته الفاسدة على الألباء. فهم يبتغون من وراء ذلك أن يفكوا الارتباط القائم بين الشعب الفلسطيني وبين الشعوب العربية التي تسانده ضدهم. ولو كان الخبر صحيحاً لنشروا الوثائق في كل مكان من أماكن العالم، ولا سيما العالم العربي الذين يصرون دوماً على تحييده وإخراجه من حلبة الصراع، وذلك بغية أن يستفردوا بالشعب الفلسطيني الذي لا يملك أن يغلبهم بسبب البون الشائع بين الطرفين من جهة التسلح.

ولقد ابتلى شعبنا باللؤم الذي يسم الصهاينة، وبالإرهاب الذي يسم الغربيين. وها هو ذا يكافح ويناضل منذ مائة سنة أو أكثر كي يصون أرضه من خسة أولئك الطفيليين الذين يؤسسون وجودهم على خرافة شائهة زائفة يتعذر أن يكون لها أية قيمة في نظر أي عاقل، ومفادها أن يهوا قد اختار لهم فلسطين وطناً أبدياً. فمن سوى الممرورين يشتغل على وعد إلهي في زمن العلم واكتشاف الفضاء؟ ما شاء الله كان!

إن كائنات من هذا القبيل هي بالضرورة أنفس موغلة في السخف والتفاهة والسفاهة وضمور العقل. والأسخف منهم، بل ذوو الضمائر الأكثر ترمداً، هم أولئك الذين دعموهم بجميع الأساليب الدعم المادي والمعنوي. وفي تأييد الغربيين للصهاينة على هذا النحو الممرور، الذي من شأنه أن يؤشر إلى ضعة الغرب وجنوحه إلى الزوال، ثمة برهان حاسم على أن الجنون، وليس العقل، هو القوة التي تسهم الإسهام الأكبر في تحريك هذا الجحيم الجاحم الذي يسمى التاريخ.


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى لوبيا
 

شارك بتعليقك