فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
سنوات ما قبل النكبة في لوبية، من كتاب تلك الأيام، بقلم يوسف سامي اليوسف
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى لوبيا
כדילתרגם לעברית
مشاركة Jamal Ali في تاريخ 31 أيار، 2009
من كتاب تلك الأيام، الجزء الأول، الفصل الثاني، الصادر عن دار كنعان عام 2005 للناقد الكبير يوسف سامي اليوسف الذي ولد وترعرع طفلا في لوبية حيث كرس صفحات كتابه للسنوات العشر الأولى من حياته التي قضاها في لوبية منذ ولادته فيها عام 1938 حتى يوم النكبة.


تسع سنوات...


عندما ولدت في العام الثامن والثلاثين، وربما في شهر تشرين الثاني، كانت مفرزة من جيش الإنجليز تتمركز داخل لوبيا، إذ لقد استأجروا بيتاً في حارتنا، التي كان اسمها حارة الجُرَيْنة (بضم ففتح) وهي الواقعة إلى الشرق من الجامع. واتخذ الجنود ذلك البيت بمنزلة معسكر لهم، تنطلق منه دورياتهم في الليل والنهار. وقد فرضوا منع التجول على القرية منذ غروب الشمس وحتى بزوغها. كما فرضوا على جميع البيوت ألا تشعل ناراً أو نوراً خلال الليل. وكانت هذه حال سبعمائة قرية في فلسطين.
وذات ليلة كانت هنالك امرأة تلد طفلاً في أحد بيوت المدان، فاضطر أهل البيت إلى إشعال سراج ليتمكنوا من مساعدة المرأة على أن تضع مولودها. وعند ذاك جاء الإنجليز الهمج إلى النافذة وقتلوهم جميعاً، بما في ذلك الطفل الذي ولد للتو، أو ربما الذي لم يولد قط. ومع ذلك، فإن الغربيين ليسوا إرهابيين، ومن ضربهم ضرب الحرية والتقدم والديمقراطية. فيا لهذه الحضارة التي بنتها القرصنة والإرهاب من عظام الأمم الضعيفة، أو غير القادرة على حماية ثرواتها من جشعهم الذي لا حد له بتاتاً.
***
بعد ولادتي بشهرين، أصيبت أمي بوجع في أحد ثدييها، فأخذها أبي إلى مشفى في الناصرة، حيث أجريت لها عملية جراحية أرغمت أبّوي كليهما على البقاء هناك لمدة عشرين يوماً. ولم يبق في البيت سوى جدتي وأنا، فضلاً عن عم أبي وأسرته. فلقد كنت أنا الحفيد الأول والوحيد في الأسرة بفرعيها يومذاك.
***
لست أعي تلك الفترة التي قضيناها في بيت عبد الرازق، جد أبي، كما لا أذكر رحيلنا عن ذلك البيت نفسه إلى البيت الذي اشتريناه في حارة الجرينة، أي في منتصف لوبيا، يوم انفصل أبي عن عمه سليمان، إثر اقتسام الإرث الذي تركه جده. وقد تم رحيلنا سنة 1943، بعدما ولد أخي محمد بسنتين.
ولقد ترعرعت في ذلك البيت الكبير ذي القناطر الثلاث، إذ كان مالكه الأول واسمه خليل العبد، مختار لوبيا أو عمدتها يومذاك، أو قبل ذلك بفترة وجيزة. وبما أنه رجل ميسور الحال فقد كان بيته كبيراً جداً، وربما كان أكبر بيت في بلدتنا كلها. وقد ظل خليل العبد، الذي لم أره قط، في الناصرة، إذ كان ابنه محمد معلم مدرسة في تلك المدينة التي لم يحدث فيها قتال قطّ.
يبدأ البيت بباحة صغيرة فارغة نسميها عادة قاع الدار، وفي الناحية اليسرى حين يتجه المرء صوب الباب، فإنه يرى المضافة الواسعة التي يفتح بابها إلى الجهة الشمالية. وهي غرفة كبيرة قد تتسع لاستضافة خمسة عشر رجلاً. وعلى يسار المضافة ثمة ممر يفضي إلى التبان الذي هو مستودع التبن.
أما على الجهة اليمنى، فأول شيء تراه هو الفرن. والفرن غرفة صغيرة وفي داخلها المكان الذي نخبز فيه، والذي هو بمنزلة جدار دائري من الطين، ربما كان ارتفاعه شبراً، أو أكثر بقليل، كما لا يزيد سمكه عن سمك الإصبع. وفي داخله حجارة رقيقة أو مسطحة وصغيرة الحجم نسميها الرضف. وهذه كلمة عربية يشرحها القاموس المحيط بأنها (الحجارة المحماة). وهي تملأ أرض الفرن الدائري، وعليها يوضع الرغيف عجيناً، وحين ينضج فإنه يستحيل إلى خبز مقمّر شهي. ولا تتسع الدائرة إلا لرغيف واحد فقط، وهذا النوع من الأفران يعرف باسم الطّابون.
وهنالك أداة صغيرة اسمها المقحار(بضم فسكون)، وهي خشبة مسطحة ورفيعة عند المقبض. ووظيفتها تحريك الرماد عند الحاجة. وهذه الكلمة عربية هي الأخرى، إذ إن الفعل الثلاثي الذي تصدر عنه موجود في المعجم.
ويوضع الوقود، الذي هو قش أو تبن، حول الجدار المستدير، أي من الخارج، ثم تشتعل فيه النار، فيحمى الجدار وتنتقل الحرارة إلى الرضف الذي في القاع، فيخبز الرغيف على نار لينة، إذ ليس هنالك لهبٌ بتاتاً، وإنما احتراق بطيء يأكل التبن على مهل. وهذه الحرارة المعتدلة هي سبب جودة الخبز. فمما هو معلوم أن الحياة في الريف إيقاعها بطيء، أو تعاش دونما عجلة.
وبعد الفرن هنالك الكنيف (مكان قضاء الحاجة). وهو واسع بعض الشيء، إذ المكان في الريف لا يعرف الازدحام. وفي مقابل الكنيف على الجهة اليسرى، وبالقرب من الباب المفتوح باتجاه الشمال، هنالك مطبخ صغير موقعه تحت الدرج الذي يصعد إلى سطح المضافة. ونحن نستعمل ذلك المطبخ منذ أيار وحتى بداية تشرين الثاني، إذ نطبخ في داخل البيت أثناء الشتاء مستفيدين من نار الموقد في التدفئة.
أما المنزل من الداخل، وهو بناء مربع أظن أن كل ضلع من أضلاعه يساوي عشرة أمتار. فهو مجزأ إلى ثلاثة أجزاء. وأول هذه الأجزاء من الأسفل هو ما نسميه قاع البيت. إنه المكان المخصص للحيوانات. كما أنه شيء مختلف عن قاع الدار الذي هو باحة أمام البيت. أما النصف الآخر فهو المصطبة التي ترتفع زهاء متر، أو أكثر قليلاً عن قاع البيت. وهي مخصصة للسكن في الشتاء، ولها درج يرقى عليه المرء ليصل إليها.
وعلى المصطبة كانت هناك كوارتان. ولفظة الكوارة، التي أحسبها سيريانية المصدر، هي ما يعادل لفظة (الهري) العربية. وتشبه الكوارة خزانة كبيرة، ولكنها مصنوعة من الطين. وهي تمتد من المصطبة إلى ما دون السقف بمتر أو زهاء ذلك، أي لا يقل ارتفاعها عن ثلاثة أمتار. ولها ثغرة كبيرة في سطحها الأعلى. وهي تملأ بالحبوب من تلك الثغرة. كما أن لها ثغرة في قاعها، نسدها بخرقة، كما أن الثغرة العلوية تسد بشيء ما لست أذكره، ولعله يكون طبقاً من تلك الأطباق الجميلة الزاهية الألوان، التي كانت بلدتنا تصنعها من قش نبتة الحنطة. وهذا عمل من اختصاص النساء، وكان اسمه البدي(بفتح الموحدة). ولكي يتم تفريغ الكوارة كلياً أو جزيئاً، فيكفي أن يسحب المرء السدادة، كما يكفي أن تعود إلى مكانها لكي يتوقف التفريغ.
وبجانب كل كوارة من الكوراتين، ثمة خابية من فخار عليها غطاء خشبي له مقبض. والخابية جرة كبيرة، وإذا صارت كبيرة جداً سميت باطية. واليسرى مخصصة للماء، وعلى غطائها الخشبي المستدير ثمة إناء صغير للشرب نسميه الكيلة. أم اليمنى فمخصصة للزيت، إذ إن وجود الزيت في بيوتنا هو واحد من تقاليدنا الشعبية المجذرة في حياتنا. بل إن الزيت في بلادنا مادة مقدسة. وهذا تقليد موروث منذ أيام الوثنية التي من شأنها أن توحي للإنسان بأنه في قلب السر. ولقد كان يتوجب على من يملك زيتاً أن يهب شيئاً منه لمن لا يملك، ولا سيما الجيران والأقرباء. فمن شيمنا أنه ما من أسرة تجوع إلا إذا جاعت البلدة كلها. وهذه فضيلة عامة لدى شعبنا بأسره.
وأذكر أنه كان هنالك إلى جوار خابية الماء، حامل طيني صغير مرتفع قليلاً وملتصق بالكوارة الشرقية. وهو مخصص للسراج نضعه فوقه. ولقد تغير السراج المعدني قبل طرنا من بلادنا بسنتين أو ثلاث، فصار شيئاً نسميه ضوء الكاز، وهو ما زال معروفاً حتى الآن. وهو يصنع من الزجاج، عدا رأسه، فهو من النحاس، بينما يصنع السراج من التنك وحده. أما ذبالته فتصنع باليد من خرقة بالية ، بينما لا يملك أحد أن يصنع ذبالة ضوء الكاز، فكنا نشتريها من الدكاكين. وفضلاً عن ذلك فقد كان هنالك نوع من أنواع أدوات الإنارة اسمه القنديل، كما كان هنالك نوع آخر اسمه اللكس(مصباح يعمل بضغط الكاز وضوءه يصدر عن قميص مشع من الحرير المكلس). وثمة ما يسمى البريمس( اسم تجاري لنوع من مواقد الكاز المعدنية التي يطبخ عليها) الذي كان يستعمل للطبخ أو صنع الشاي. ولكننا كنا نفضل عليه الحطب لأن الحطب أرخص من الكاز.
وفي الزاوية الجنوبية الشرقية من بيتنا كان هنالك موقد صنعته جدتي خضرا. وللموقد غطاء فوقه نسميه الوجاق، وهذه كلمة لا أعرف مصدرها، ولا أحسبها لفظة عربية. وهو مصنوع من أغصان الشجر والطين، أو ربما من قضبان نبات السعادى الذي نسميه السعد. ووظيفة الوجاق أن يمنع انتشار الدخان في البيت، ويساعد على خروجه من المدخنة. وفي الشتاء نستعمل ذلك الموقد للتدفئة والطهي في آن معاً. أما الخبز فلا نصنعه إلا في الفرن. كما أننا نشوي فيه اللحم والكبة، ونطبخ بعض الأطعمة أحياناً.
وحين يطبخ الطعام في الفرن الطيني، ولا سيما المجدرة، تلك الأكلة التي نصب عليها الزيت المأخوذ من زيتوننا الشامخ كالسنديان، والتي نمزجها باللبن الخاثر أحياناً، فإنه يصير طيباً زكي المذاق، أو هو أشهى من ذلك الطعام الذي يطبخ على نار الحطب.
ولقد كنا نطبخ المجدرة(طعام من البرغل والعدس يقلى عليه بالبصل المقلي بزيت الزيتون)، وهي الأكلة الأكثر شيوعاً بين أوساط شعبنا، في إناء فخاري يسمى الطاجين يشبه الطنجرة، ويوضع داخل جدران الفرن ذي الحرارة المعتدلة، ويترك حتى ينضج على مهل، فنحصل على غذاء من ألذ الأغذية. وكانت طنجرة الفخار تلك أكبر من الطقّة( بفتح المهملة وبتشديد القاف). والطقة إناء فخاري صغير كنا نضع فيه اللبن الخاثر.
كان الفخار مادة شديدة الشيوع في قرانا. فهناك الخابية والجرة والطقة وطنجرة الطبخ وإبريق الماء والكوز، وهو إبريق صغير جداً للأطفال. كما أن هناك شيئاً كنا نسميه الكرزم( بضم فسكون فضم) وهو إبريق مسطح ضحل السمك ومستدير بعض الشيء، ولا يستعمله إلا الجمالون(بفتح فشدة على الميم) ويربطونه إلى حداجة الجمل بعدما يملأ بالماء بغية التزود منه في السفر. ولا يجوز أن يكون كروياً ما دام يشد إلى الحداجة، إذ إن كونه مسطحاً أنسب لهذا الغرض.
لقد اخترعت الحضارات القديمة الفخار والزجاج والخزف، وهذه مواد أشبه بالمنجزات الفنية حقاً، أما الحضارة الحديثة العديمة الذوق فاخترعت البلاستيك الشديد الافتقار إلى ما يرضي الروح. لقد كان الأنس غاية الإنسان الذي اشتق اسمه من الإيناس. أما اليوم فلا يفتقر عصرنا الموحش إلى شيء قدر ما يفتقر إلى الأنس، أو الحميم الذي لا أصالة للحياة من دونه قط. وربما كابد الإنسان الحساس في الزمن الراهن من أن هذا العصر الكالح يلتهمه كما يلتهم النسر كبد بروميثيوس المكبل بالسلاسل في جبل القفقاس.
وفي بعض الأحيان نخبز من الذرة البيضاء خبزاً نسمي الرغيف الواحد منه كردوشاً(بفتح فسكون فضم). والكردوش رغيف كبير وسميك يشبه رغيف الجيش الضخم الذي يسمى السمّون. وربما كانت كلمة( كردوش) سريانية أو تركية. وهو شهي جداً حين يخرج من الفرن ساخناً، ولا سيما إذا أكله المرء مع زيت الزيتون. ومما هو جدير بالذكر ههنا أن الذرة البيضاء كثيراً ما يزرعها أهل بلدتنا في سهل الحمى خلال الموسم الصيفي الذي يروى بماء الندى. أما الذرة الصفراء فلم أرها إلا بعد النكبة.
ومن أشهى المأكولات التي كنا نعدها في الفرن أكلة اسمها المحمر(بضم ففتح فشدة على الميم المفتوحة)، واسمها المسخن في جنوب فلسطين. وهي مصنوعة من الخبز والدجاج البلدي والبصل المفروم وزيت الزيتون. ومازلنا حتى اليوم نأكل هذه الأكلة في مخيم اليرموك، ولكنها ليست شهية كتلك التي كنا نأكلها في فلسطين. فلقد حل دجاج المزارع المصطنع محل الدجاج البلدي الذي ينمو على مهل، وبطريقة طبيعية. كما أن زيتنا موثوق لأننا نصنعه بأيدينا، بينما لا يدري أحد حقيقة هذا الزيت في هذا الزمن الراهن الموغل في التزوير. والأهم من ذلك كله أن الحرارة التي ينتجها الفرن الطيني لا تملك أن تنتجها هذه الأفران المبنية على مبدأ السرعة في زمن بغير قواعد. ثم إن مأكولاتنا كثيرة ومتنوعة جداً، منها البسارة(بكسر الباء) والططماجة(بضم فسكون) والششبرك(بضم فسكون) والبحتة والمهلبية، وحساء العدس المجروش، وحساء العدس غير المجروش، وكذلك الباذنجان بالحمص، والحمص المدمس والفول المدمس والبامياء والبطاطا والفاصولياء والسمك الآتي من بحيرة طبريا، ولا سيما السردين بالبصل والطحينة، وما إلى ذلك من أكلات شعبية كثيرة. ولقد كنا نزرع صنفاً من البندورة الصغيرة الحجم نسميها الرصاصية، كما نزرع صنفاً من البطاطا الصغيرة الحجم أيضاً. ولم أشاهد تينك المادتين بعد طردنا من بلادنا.
يقيناً إننا مؤصلون في المكان، أما أعداؤنا فعرضيون زائلون وزائفون، لأنهم بغير جذور ولا أصول. والغيتو الذي بناه لهم الغربيون"لا يساوي قشرة بصلة"، كما يقول أهل بلدتنا حين يريدون أن يحقروا شيئاً أو شخصاً.
إن كومة خرافاتهم لا تصنع أصولاً ولا تنجز رسوخاً، ولا تملك أن تصمد في وجه أمواج الزمان. فليس بالصدفة أنهم يحتاجون إلى دعم الدنيا بأسرها، وكذلك إلى جميع أصناف الأسلحة التقليدية والإستراتيجية، كي ينتصروا على شعب صغير وفقير، تشكل الدالية والزيتونة والخابية والجرة وسكة المحراث أبرز أدوات حياته، بل أكبر معالمها.
أن يكون لهم هذا العز كله، ذلك أمر له معناه. فإما التاريخ يمزح، وإما أنه يمكر بهم ويهيئ لهم ضربة قاصمة لوجودهم نفسه. ولهذا، فإنهم، وإن كانوا مجرمين، لا يثيرون في الحكيم إلا الشفقة. وللعاقل أن يتأمل وضعهم. فإذا ما فعل ذلك خلص إلى نتيجة فحواها أنهم سوف يكفون عن الوجود تماماً يوم يكفون عن ممارسة القتل وسفك الدماء. فأي بؤس هذا الذي يحتم عليهم أن لا يكون لهم حضور في الدنيا إلا إذا كانوا قتلة يحترفون الإجرام؟
***
وثمة درج يصعد من المصطبة إلى القسم الثالث من بيتنا، وهو ما نسميه السدة(بكسر وشدة على الدال)، ولكن اسمه السقيفة في أماكن أخرى. وتغطي السدة قاع البيت كله، ولكنها لا تغطي من المصطبة شيئاً البتة. ولسدة بيتنا ثلاث نوافذ، اثنتان تطلان على الشمال، وأخرى تطل على الغرب. ومن هذه الأخيرة تدخل الشمس إلى البيت طوال أيام السنة. كما أن ثمة ثغرة في سقف المنزل فوق السدة، وهي ما يسمى عندنا باسم الروزنة. وهذه لفظة لا أعرف مأتاها، وأظن أن لها صلة بكلمة (الروشن)، وربما كانت أوروبية الأصل. أما وظيفتها فهي التهوية، أو تخليص البيت من الروائح الكريهة.
ويتدلى من السقف، غرب الروزنة، حبل طوله متر ونيف، ويرتبط به شيء اسمه القرطل(بفتح فسكون ففتح). وهذا وعاء يشبه السلة، ولكنه أوسع منها، كما أنه مصنوع من جذوع نبات قد يكون بنات السُّعادى، أو ربما من أغصان لا أعرف مصدرها. أما وظيفة هذا الوعاء فهي صيانة الطعام في منأى عن القطط وسواها.
وبمناسبة ذكر القرطل، يجب أن أذكر القبعة(بضم فسكون) والقفة(بضم فشدة على الفاء) والجونة(بضم الجيم). وهذه أوعية نستعملها للحبوب والفواكه والخضروات. والقبعة والقفّة شكلهما كروي. والأولى أصغر من الثانية، بل إن القفة هي قبعة مكبرة. وكلتاهما تصنع من قش نبات الحنطة. أما الجونة فبابها أوسع من قعرها. وهي تصنع من نبات لا أذكره. ربما كان قش الحنطة أيضاً.
وثمة ثلاثة أوان فخارية تستحق الاستبقاء في الذاكرة والصيانة من الزوال، وهي الطقّة(بفتح فشدة على القاف) والهشة(بكسر فشدة على المعجمة)، والكوز. والطقة إناء فخاري بابه مساوي لقعره من جهة المساحة. وهو لا يتسع إلا للقليل من اللبن أو الحليب. أما الهشة فإناء فخاري يشبه الإبريق، ولكنه بغير زنبعة. وأما الكوز فإبريق صغير جداً، مزخرف ببعض الألوان الزاهية، يشتريه الناس ليبهجوا به أطفالهم. إن من واجبنا نحن الفلسطينيين أن نخلد جميع الأدوات التي كانت تستعملها حضارتنا المفعمة بالأنس قبل أن يطالها الدمار على أيدي أولئك المخربين الإرهابيين. وفي قناعتي أن صيانة هذه العناصر الحضارية المحلية من سطوة الزوال هي واجب وطني وصنف من أصناف المقاومة الوطنية والتأصيل الحضاري.
***
ولقد أسلفت إليك في أن سدتنا الواسعة لها ثلاث نوافذ، إحداها غربية، والثانية فوق باب البيت تماماً، وتطل على الشمال البعيد. وبما أن جدارها سميك جداً، فقد كنت أجلس فيها لأكتب وظائفي المدرسية على الطبلية. ولهذه النافذة الوسطى قضبان حديدية. وللنافذة الغربية مثلها، فضلاً عن مصراعين لكل منهما.
وينداح المشهد عبر النافذة الوسطى على امتداد مسافة طويلة جداً. ومنها تعودت أن أطل على المطر في الشتاء، وهو شيء أحبه حباً جماً. وأذكر أنني كثيراً ما رأيت قوس قزح من تلك النافذة. كما تعودت أن أشاهد الغيم عبرها، والغيم عندي سر، أو شبيه بالسر. فقد كنت، وما زلت، مغرماً به إلى حد الهوس. ولا أحسبني أحب شيئاً من أشياء الطبيعة قدر ما أحب الغيم، أو بعض أصنافه، اللهم إلا القمر، أو البدر حصراً، وهو ما أواظب على رؤية بزوغه من مكان مرتفع في اليوم الرابع عشر من كل شهر قمري.
ولكم راقني الغيم الذي شاهدته في السويد حين زرتها خلال تموز وآب سنة 1994. وبوسعي التأكيد على أن أجمل شيء رأيته في ذلك الإقليم النائي هو الغيم، ثم أشجار السنديان العملاقة. ويبدو أن جمال الغيم في السويد أثناء الصيف سببه كمية النور المراق من الشمس على الأرض.
أما النافذة الشرقية وهي المطلة على الشمال أيضاً، فلم يكن لها قضبان معدنية بتاتاً، بل مصراع واحد يشبه الباب، إذ كنا نمر منها إلى سطح المضافة حيث اعتدنا قضاءَ ليالي الصيف الحارة. وهنالك عريشة على سطح المضافة نفسها، وقد اعتادت جدتي خضرا أن تصنعها بإتقان كل عام. كما اعتادت تلك المرأة النشيطة أن تزرع الكثير من نباتات الزينة في أوان من الفخار والتنك وتضعها على ذلك السطح حصراً. وأكثر ما تزرع النعناع والحبق والعطرة وعرف الديك، ونبات آخر كنا نسميه الشيب، وهو شديد الشبه بالشعر الأشيب الطويل.
وينبغي ألا أغفل حامل الفراش الذي كان في الجدار الجنوبي فوق المصطبة، ويسمونه اليُوك. وهو تجويف مربع لا يقل طول كل ضلع من أضلاعه عن مترين. وأما في الجدار الغربي، وعلى ارتفاع متر ونصف المتر من المصطبة، فقد كان ثمة تجويف آخر يشبه المشكاة، وكنا نضع فيه جميع أدواتنا المطبخية الصغيرة، ولا سيما الصحون والملاعق. كما كنت أضع فيه كتبي ودفاتري وبعضاً من أشيائي الأخرى.
وأذكر أن الكوارة الغربية قد كان إلى جوارها، ولكن على السقيفة هذه المرة، صندوق كبير جميل، بني اللون، ومطعم بالعاج، يضم ملابس عرس أمي. وهو كالخزانة أو بديل عنها. ورأيت فيه فستاناً من المخمل الأزرق الداكن. والمخمل ترف في ريفنا يومئذ، فلا تلبسه الفلاحة إلا في المناسبات السعيدة، ولا سيما في الأعراس والأعياد. كما رأيت قطعة ملابس أخرى اسمها المنتيان(بكسر فسكون فسكون)، وأغلب الظن أن هذه الكلمة سيريانية(والأغلب أنها تركية بمعنى الصدار، ويقابلها الشنتيان وهو الخراطة في لغة النساء اليوم. فالمنتيان مع الشنتيان لباس لكامل البدن)، إن لم تكن فارسية. والمنتيان يشبه البلوز الضيق الذي يجعل النهدين يشرئبان إلى الأعلى، أو يحتشدان ويبرزان على نحو لافت للانتباه. ولم تكن تلبس المنتيان إلا الفتيات البالغات اللائي ما زلن في ميعة الصبا، وفي المناسبات السعيدة فقط.
كما كانت هنالك خزانة خشبية صغيرة بنية اللون تستند إلى الجدار الشرقي من السدة، وبجوار النافذة الشرقية. وكنا نضع فيها ملابسنا كلها.
وإذا ما خرجت من تلك النافذة إلى سطح المضافة وجدت إلى يمينك درجاً، وإذا ما ارتقيته صرت على سطح البيت الذي يطل على جميع الجهات ما عدا الجنوب، إذ لم يكن في بيتنا في أعلى التلة، ولكنه كان دون الذروة بقليل، إي على سفحها الشمالي.
وكانت لنا بقرة لها عجلة صغيرة، وكنا نشرب حليبها، وأحياناً نروبه، أي نخثره، ونأكله مع الخبز الساخن في الصباح. وكان لنا حمار نجلب عليه الماء من بئرنا التي في الصافح. ونستعمل، عادة، شيئاً اسمه المشتيل(بفتح فسكون)، وهو مصنوع من عيدان نباتية متينة، لها شكل كروي يقبل احتواء جرة من الجهة اليمنى وأخرى من الجهة اليسرى. واعتدنا على أن نملأ الجرتين بالماء يومياً ونعود بهما إلى البيت لنفرغهما في الخابية.
***
إذن، كانت حضارتنا الريفية بسيطة العناصر والأدوات. ولكن بساطة أدواتنا هي السبب الذي جعل حياتنا طفيفة التوتر. وحيثما كان التوتر طفيفاً كان الشقاء خفيف الظل هو الآخر.
وحسب المرء أن يتذكر أعراسنا وأعيادنا، وقدرتها على أن تجعل الفرح يتدفق من صميم النفس، كي يدرك إلى أي مدى كانت حياتنا منسوجة من الهناء وهداة البال. فلقد كان العرس طقساً جماعياً وروحياً شديد العمق، حتى كأنه يأتي من النائيات لينعش الجميع، ويكسر رتوب المجرى اليومي للحياة. ولهذا، فقد كنا نسمي العرس باسم الفرح.
أما العيد فبرهة ذات ماهية غنائية تهدف إلى تسريح النفس، أو إلى تزويدها بنشوة سرية تذاق جوانياً فحسب. كما أنه يجدد الصلات بين الناس الذي يشعرون يومئذ بأن اتصال بعضهم ببعض واجب مقدس، فهو يوم بهجة عظيمة يهبط على البشر من السماء. ويرى المرء فيه مجموعات من الناس وهي تطوف على البيوت لتهنئ أصحابها بالعيد، والمسرة بادية، بل ناصعة، على الوجوه. كما أن كل فرد يلبس الملابس الأنيقة النظيفة، التي يغلب عليها أن تكون زاهية الألوان.
ويشتري الناس اللحم الذي يشوونه في الأفران على هيئة شرائح، كما يشترون شيئاً من الحلويات الجافة مثل الملبس والكعكبان والطوفي، وما إلى ذلك. فيشعر المرء بأن فرحاً أصيلاً يتدفق في الشرايين وينتج شعوراً غامراً بالسعادة. ومن عاداتنا أن كل والد يأخذ فستاناً إلى كل بنت من بناته المتزوجات صبيحة العيد. وكان ذلك الفعل نفسه واجباً على كل أخ منتج له أخت متزوجة، أو أخوات متزوجات، إذ إن وصل الرحم واجب مقدس لدى شعبنا كله.
وفي ليلة العيد تحنّي الأمهات أيدي أطفالهن ذكوراً وإناثاً. وتصنع النساء الزرد والكعك المحشوين بالعجوة واللذين يشويان في الفرن عند الفجر. ويسلقن البيض ويضعن معه ورق البصل لكي يصير أحمر اللون، أو بنياً ضارباً إلى الحمرة بعدما كان أبيض تماماً. وفي الصباح نخرج نحن الأطفال، ومع كل منا بيضة أو أكثر، فنقوم بفعل نسميه "المفاقسة"، وهي أن تضرب البيضة التي معك بالبيضة التي مع طفل آخر لتعرف أي البيضتين تكسر وأيهما تبقى سليمة. وفي بعض الأحيان يكون هنالك رهان، فمن كسرت بيضته خسرها.
وكنا نحن الأطفال نلعب معاً، ولا سيما في المساء الباكر. واختلاط الجنسين من الأطفال شائع تماماً في قريتنا. و لعبتنا الأكثر انتشاراً هي "الطميمة" (بضم ففتح). وتقتضي هذه اللعبة أن ينقسم اللاعبون إلى شطرين، أحدهما يختبئ، والآخر يغمض كل فرد من أفراده عينيه وهو يضع جبهته على أحد الجدران. وبعد أن يتم التواري يأخذ الطرف الظاهر. أما هؤلاء فيتسللون، أو يندفعون سراً إلى الجدار نفسه، فكأنما الوعي ينقب ليتعرف على المكنون. ومن وصل من المختبئين إلى الجدار دون أن يمسكه أحد من الفريق الظاهر، فإنه يكون قد نجا. وإذا نجوا جميعاً توجب على الفريق الذي "طم" أن "يطم" من جديد. ومما هو لافت للانتباه أن الولد الذي يصل إلى الجدار دون أن يمسك به، فإنه يقول"حجيت"، أي حججت كأنهما هو قد وصل إلى مكة المكرمة، أو إلى الكعبة نفسها.
وربما جاز الظن بأن اللعب والعيد والعرس من فصيلة الغناء، الذي هو سمة الحياة الشابة، والذي يهدف إلى تسريح النفس وتخليصها من كل توتر. أما المأتم فلا أتذكره جيداً لانني لم أشارك في المآتم قط، وذلك بسبب صغر سني.
***
ما من شيء في حياتنا إلا وهو ثابت مؤصل متين الجذور، وذلك لأن أزماناً مديدة عتقته ورسخته، إذ طهته على نار لينة، فجعلت له مذاقاً عذباً طيباً، فصار عنصراً تركيبياً في بنية حية ذات قوام رصين. وما كان في ميسور أية قوة أن تهدم تلك البنية الموارة بالحياة إلا هذه الصناعة اليرقانية، بل الجذامية، الموغلة في اللؤم، وهي التي ما خدمت غير الشر في أي يوم من الأيام، والتي لولاها لما كان في الإمكان أن نتحول من مواطنين إلى لاجئين. ويفعل ما تختزنه هذه الصناعة الاستهلاكية من شرور، خسرت الحياة عذوبتها ونكهتها الطبيعية، واستحالت إلى كابوس محموم في نظر الحساسين، على الأقل. فمن المحال أن يستهلك الإنسان البضائع دون أن يستهلك روحه. بل إن استهلاكه لروحه، التي هي ماهيته، يتناسب طرداً مع استهلاكه للبضائع. فكلما أسرف في ذلك أو غل في الانحطاط. وتلكم الحقيقة اللبابية في نظرية ابن خلدون الذي أكد أن الترف هو ألد أعداء الإنسان، وأن الغنى، وليس الفقر هو هادم الممالك والمجتمعات.
***
أما جيراننا، فقد كان هنالك بيت إلى الشمال من بيتنا، ويشترك معه في المدخل والباحة أيضاً. وكانت في ذلك البيت أسرة تتألف من رجل شاب وزوجته وأمه وأطفاله الثلاثة وأخيه الشاب الذي لم يتزوج بعد. أما الرجل فهو حسين عبدالرحمن، وأما المرأة فهي زهرة. وستي أم حسين صديقة لجدتي خضرا، وخالتي زهرة صديقة لأمي. والأطفال الثلاثة من أصدقائي، أو ممن ألهو معهم كثيراً. واعتدنا على أن نرسل لهم صحناً من طعامنا في بعض الأحيان، كما يأتوننا بصحن من طعامهم أيضاً، ولا سيما في المساء، إذ كان ذلك الوقت هو ساعة الطهي في بلدتنا.
وكانت الجدات جميعاً يروين لنا الحكايات الممتعة جداً في السهرات أو الأمسيات، ولا سيما على الدك الطيني الذي كان عند المدخل الشمالي لبيت ستي أم حسين. وهو ما نسميه القُصة(بضم القاف)، وهذه كلمة مشتقة من القص حصراً، فما سمي بهذا الاسم إلا لأنه المكان الذي تروي عليه القصة والحكايات.
وأشهر المسرودات يومئذ حكاية الشاطر حسن وحكاية مدينة النحاس وحكاية الغولة، ونص نصيص، والست بدور، وما إلى ذلك من أدب شفوي شديد القدرة على الإمتاع والمؤانسة. ويبدو أن الأنس حاجة من كبريات حاجات النفس البشرية. فهنالك على تلك المصطبة الصغيرة كنا نتعلل في ليالي الصيف، أي نسهر، أو نقضي المساء الباكر، إذ الفلاحون لا يسهرون طويلاً لأنهم يستيقظون حتى لو لم يكن لديهم عمل. والتعلل في اللغة العربية وثيق الصلة بالعلة والعُلالة. وأغلب ظني أن العلالة هي ما يعوض عن العلة أو ما يلهي عنها.
وإلى الشرق من مصطبة ستي أم حسين كانت هنالك مصطبة( أو قُصة) خارجية أخرى لأسرة لم أعد أذكر اسمها. واعتادت العجوز صاحبة المصطبة أن تسرد لنا الحكايات المؤنسة. ولكن أهم ما في الأمر أن أضواء مدينة صفد كانت ترى كل ليلة من ذلك المكان، مع أنها تبعد زهاء أربعين كيلومتراً إلى الشمال، أو ربما إلى الشمال الشرقي.
أما إلى الغرب من بيتنا مباشرة فتعيش أسرتان تشتركان بمدخل واحد وباحة واحدة. وفي الأسرة الشمالية امرأة عجوز اسمها ستي نجمة، وهي صديقة لستي خضرا. ولها حفيدة اسمها نجمة أيضاً، وأظن أنها تصغرني بسنة واحدة. ولنجمة الصغرى أخت اسمها بدرية، وصديقة اسمها لولو. وهن جميعاً صديقاتي، وألعب معهن في ساحة كانت تتوسط حارة الجرينة. كما كان هنالك عدد آخر من الأولاد والبنات أصدقائي، فالناس في القرى منفتحٌ بعضهم على بعض دوماً.
أما الأسرة الثانية في ذلك المكان الغربي فتضم عجوزاً طاعنة في السن، ولا عمل لها سوى العبادة والصلاة. كما تضم رجلاً كهلاً وثلاثة أطفال ذكور وبنتاً صغيرة جداً. وكان إبراهيم، وهو أوسط الثلاثة، صديقاً حميماً لي. كما كان لي صديق آخر بيته إلى الغرب من بيتنا اسمه عوض، وثالث اسمه حمزة، ورابع اسمه توفيق. ولست أدري ماذا حل بهؤلاء جميعاً، إذ لم أصادف أحداً منهم قط، باستثناء نجمة التي رأيتها في مخيم اليرموك سنة 1958، وقد تزوجت وأنجبت طفلة يومئذ. ومنذ بضع سنوات رأيت واحدة من بناتها متزوجة ولها أطفال وتقيم في هذا المخيم نفسه. وقد بلغني أن بدرية، أخت نجمة، ماتت في حادث سير. وفي سنة 1970 ذهبت إلى مخيم البرج في صور بحثاً عن إبراهيم، حصراً ولكنني لم أجده، مع أنه كان يقيم في ذلك المخيم.
***
إن أول سنة أذكرها جيداً هي سنة 1944، أي يوم بلغت عامي السادس. وفي تلك السن كنا نلتحق بالكُتّاب(بضم فشدة على التاء). ولقد كان الشيخ علي الصالح هو الأستاذ الوحيد في ذلك الكتّاب. ففي أواخر سنة 1944 بدأت أتعلم القراءة والكتابة. وكان الكتاب في مكان قريب من المقبرة، أي في الجهة الشمالية الغربية من لوبيا، حيث توجد حفرة كبيرة جداً، وعميقة جداً، إذ اعتاد الناس على أن يأخذوا منها الكلس ليدهنوا به جدران بيوتهم من الداخل. وهذا فعل نسميه التشييد، لأنه مأخوذ من الشيد الذي هو الكلس نفسه. فهذه الكلمة الأخيرة، أعني الكلس، لم نكن نعرفها قط. أما تلك الحفرة فاسمها خُرَيْوِش(بضم ففتح فسكون فكسر).
وكانت السنة الأولى في الكتّاب تسمى الصف التمهيدي. وهو ليس صفاً رسمياً ولا تعترف به السلطات التعليمية يومئذ. ولكن الشيخ توصل إلى اتفاق مع تلك السلطات مؤداه أن يدرس الأطفال الصف الأول في كتّابه، وأن من يرفعهم إلى الصف الثاني ينتقلون إلى مدرسة الحكومة ويقبلون فيها، شريطة أن يكونوا في السنة الثامنة من سنوات العمر، إذ لا يقبل الطفل في المدرسة إلا إذا أتم السابعة. وأغلب ظني أن السلطة التعليمية قد رضيت بهذا الاتفاق نظراً لضيق مدرسة الحكومة التي تأسست في عصر السلطان عبد الحميد، يوم كانت القرية أصغر مما هي عليه في عقد الأربعينيات.
***
ولقد حدث حادث كبير في بلدتنا إثر دخولي إلى الكتّاب سنة 1944، أو ربما خلال تشرين الأول حصراً، إذ قتل رجل كنت الشاهد الوحيد على مقتله الذي تم في رأد الضحى.
كان الرجل شاباً اسمه صالح رقية، ورقية هي والدته، إذ إن أهل بلدتنا ينسبون الولد إلى أمه في أحيان نادرة. وللحق أن صالح هذا أفضل من ألف رجل على الأقل. فقبل أن يموت بسنوات كانت النساء في بلدتنا يغنين قائلات:
صالح، يا صالح، يابو الشاليش قتلت الزابط مع الشاويش
أما الشاليش(وهذه لفظة تنتهي بشين مجرورة، وأحسبها تركية) فهو الشعر المسرح بالمشط، والزابط هو الضابط. والشاويش كلمة تركية تعني الرقيب.
ولكن هذه الأغنية التي لها تتمة ذات أصل واقعي، إذ كان صالح من الثوار سنة 1936. واعتاد ورفاقه على أن يكمنوا لسيارات الإنجليز ليلاً، وذلك عند المنعطفات الحادة المشرفة على مدينة طبريا من جهتها الغربية، أي إلى الشرق من لوبيا، وعلى مسافة لا تقل عن ثمانية كيلو مترات. ثم يطلقون على تلك السيارات فيقتلون ويجرحون بعض الجنود.
وللإنجليز عيون في كل مكان، فبلغوهم عن صالح وشأنه. فأرسلوا سيارة فيها سائق وضابط وشاويش، أو رقيب. ولكن جاء إلى بيت صالح من أخبره بأمر السيارة، فما كان منه إلا أن حمل بندقيته وذخيرته، وامتطى حصانه واتجه صوب الشمال. وراح الجواد يخبّ في الأرض السهلية التي تفصل بين لوبيا ونمرين. ولكن السيارة الصغيرة الحجم طاردت الرجل وأطلقت عليه النار، فأصابته في ساقيه، كما أصابت الجواد فأردته قتيلاً.
عند ذاك تمترس صالح خلف الجواد المقتول، وراح يطلق النار صوب السيارة، فأصابت الرصاصة الأولى الضابط فمات. أما الثانية فقتلت الشوايش. وعند ذاك فر السائق بسيارته ليبلغ قيادته بما حدث.
والمثير للاستغراب أنه ما من أحد يدري لماذا يتوجب على الإنجليز أن يقتلوا من أجل الصهاينة، أو من أجل أن يؤسسوا لهم صنفاً من أصناف الغيتو في بيئة معادية له أشد العداء. فكيف يمكن للمرء أن يفسر ظاهرة مفادها أن الغربيين متحمسون للغيتو الصهيوني أكثر مما هم متحمسون لبلادهم. وأغلب ظني أن الإنجليز اليوم-عدا نخبتهم- يجهلون أننا، نحن الفلسطينيين، ما زلنا نكابد النتائج المريعة لوعد بلفور العجيب، بل المثير للاستهجان والاستغراب.
إن الغيتو الصهيوني الذي لا لزوم له، والذي يقدسه الغربيون ببلاهة ودونما فطنة، يكلف البشرية(أو ربما العرب حصراً) آلاف الأطنان من الذهب الخالص كل سنة، ولكن دون أية جدوى. ثم أليس هذا الإفراط في عبادة الصهيونية هو علامة من علائم انحطاط أوروبا وأمريكا؟ وعندي أن الغربيين يثيرون الشفقة بسبب هذا الإذعان المغمى عليه.
ولنعد إلى صالح. فقد زحف على مرفقيه وركبتيه، لأن رجليه الجريحتين لم تقويا على المشي. وظل يزحف حتى وصل إلى قرية نمرين، أو إلى تخومها. وهناك حمله رجال تلك الضيعة الصغيرة ووضعوه في بئر جافة لا ماء فيها، ثم أغلقوا بابها من الأعلى، ولكن بعد ما قدموا له خرقاً ليضمد بها رجليه، كما أتوه بالطعام والشراب الكافيين.
وبعد قليل وصلت قطعة عسكرية، وأحاطت بنمرين من جميع جهاتها. واعتقل الجنود رجال القرية كلهم، ولكنهم لم يعتقلوا النساء والأطفال، مع أنهم كثيراً ما كانوا يعمدون إلى الاغتصاب، بل حتى إلى اغتصاب الأطفال الذكور. يقيناً، إن الإنجليز قد استباحوا أعراضنا ودماءنا وأراضينا، ومع ذلك فإنهم المتحضرون ونحن الهمج. وها هم أولاء الغربيون يتشدقون بحقوق الإنسان كلما اقتضت مصالحهم أن يفعلوا ذلك، وجلهم يجهلون أنهم ما نالوا حريتهم إلا بعدما حرموا الشعوب الضعيفة من حرياتها.
وعلى أية حال، راح الجنود يجلدون رجال نمرين كي يدلوهم على صالح، ولكن أحداً لم يعترف قط. ولم تنفع الكلاب المدربة والمعدّة لهذا الغرض، إذ إن الرجال قد حملوا الجريح بأيديهم، فانقطعت رائحته عن الأرض، أو عن التراب الذي راحت تشمه الكلاب.
وبعد ثلاثة أيام، يئس الإنجليز من إمكانية العثور على صالح، فرفعوا الطوق عن البلدة ورحلوا. وحين جنّ الليل أخرجه بعض الشبان من البئر ووضعوه فوق حمار، واتجهوا به شرقاً حتى وصلوا إلى الحدود السورية بعدما عبروا نهر الأردن الذي نسميه الشريعة. ومن هناك نقلوه بسيارة إلى دمشق، حيث عولج وشفي تماماً. وظل في المنفى حتى بداية الحرب العالمية الثانية سنة 1939، يوم أصدر الإنجليز عفواً شاملاً عن الثوار. ولكن الجنود المحتلين قد جاؤوا إلى بيته بعد نجاته من براثنهم، ونسفوه بالمتفجرات.
ومما هو معلوم أن فرنسا كانت تحتل سوريا في تلك الأيام. ولكن الفرنسيين رحبوا بصالح عند الحدود السورية، لأنهم كانوا أنصاراً للثورة ضد الإنجليز، الذين هم الأعداء التاريخيون لفرنسا.
وعاد صالح إلى لوبيا، وبنى منزله من جديد. وكان ذلك المنزل مجاوراً للجامع من الجهة الجنوبية. ولقد درست في الصف الأول أثناء العام الدراسي 1945-1946، إذ إن الشيخ قد استأجره من ورثة صالح بعد مقتله بسنة واحدة تقريباً، وجعله مقراً للكتّاب.
***
لم يتوان صالح عن الفعل الوطني، وهو المتيقن من أن الكفاح ضد الصهاينة وأدواتهم الإنجليز لم ينته بعد، وأن الثورة سوف تتجدد، ولا سيما إذا منيت ألمانيا بالهزيمة في الحرب. ولهذا، فقد راح يسعى من أجل الحصول على السلاح، وأغلب الظن أنه كان على صلة ببعض رجال الحاج أمين الحسيني.
انتهى العام الدراسي الأول في أواخر شهر حزيران سنة 1945، فصار عمري سبع سنوات، وصرت مؤهلاً للدخول إلى الصف الأول الابتدائي، ولكن في كتاب الشيخ علي. وقبل نهايته بشهر واحد تقريباً، ولد حسن أخي، فصرنا ثلاثة أطفال، وصار مجموع أفراد الأسرة ستة، نصفهم كبار ونصفهم الآخر صغار.
وفي ذلك الصيف نفسه سمعت الناس يقولون بأن هتلر قد هزم، ورأيتهم مزعوجين من ذلك الخبر، لأن معناه أننا، عما قريب، سوف نصير لاجئين، لا مستقبل لنا سوى الضياع في دنيا الوحوش اللاحمة التي يغتذي بعضها ببعض.
وفي تلك السنة نفسها، وربما في السنة السابقة، جاء نفر من البدو الخيالة الذين كانوا يشتركون مع جدي يوسف في سباق الخيل، جاؤوا إلى لوبيا لزيارة أخيه سليمان. وذهبت بصحبة أبي للترحيب بهم، فرأيت خيولهم المسومة تأكل على المعلف، كما رأيت رماحهم الطويلة وقد أسندت إلى الجدار. وعندما قيل لهم أنني يوسف الذي جدي صديقهم يوسف، أخذوا يعانقونني ويضمونني إلى صدورهم، ويقبلونني بحرارة وصدق، وذلك وفاء منهم لذكرى الرجل الذي كان الجميع يحترمونه أشد الاحترام.
ولعل أهم حادث عشته في أواخر ذلك العام، هو أنني ضربتني سيارة على الطريق بين طبريا والناصرة، بالقرب من المطحنة الآلية التي كانت هناك، والتي نسميها بابور الطحين. وأخذني أبي إلى مشفى في الناصرة حيث بقيت زهاء أسبوعين. وقد ظل أبي معي طوال تلك المدة. وعندما شفيت عدت إلى المدرسة. وأذكر جيداً أنني في ذلك العام الدراسي، أحببت القرآن كثيراً، ورحت أحفظ عدداً من سوره القصار عن ظهر قلب.
وطلب مني جدي علي أن أقرأ له شيئاً من تلك السور يومياً، فاستجبت لطلبه. وكان يصنع الشاي كل صباح ويسقيني كأساً تشجيعاً لي على قراءة المحكم المنزل له أو بحضوره. والشاي نادر في بلدتنا يومئذ. ولكن جدي فلاح ميسور. ولقد ثابرت على تلك العادة، أقصد تلاوة القرآن الكريم على مسامع الرجل العجوز حتى توفي هنا في مخيم اليرموك سنة 1975 عن عمر يناهز السادسة والتسعين.
وفي سنة 1946، صار أبي شرطياً في حيفا. وكان يقبض راتباً جيداً مقداره اثنان وعشرون جنيهاً فلسطينياً كل شهر. وفي أواخر شهر آب من تلك السنة، ترفعت إلى الصف الثاني، والتحقت بمدرسة الحكومة، وهي الواقعة في الطرف الجنوبي الشرقي من لوبيا، أي في مكان قريب من بيت جدي علي. وللمدرسة يومئذ مزرعة صغيرة في السهل الجنوبي، نتعلم فيها الزراعة العملية. واعتاد نفر من تلاميذ القرى المجاورة أن يأتوا إلى بلدتنا ليتعلموا في مدرستها، وبخاصة أبناء نمرين المجاورة للوبيا.
***
كثيراً ما كانت هذه الأسرة أو تلك تبث إشاعة مفادها أن تبانهم يسكنه غول شديد الضخامة، وذلك ليرهبوا اللصوص الذي يسرقون التبن. وكُثُر هم الذين ادعوا أنهم قد شاهدوا الغول بأعينهم.
***
وبودي قبل إنهاء هذا الفصل أن أذكر بعض الكلمات التي يجب تصنيفها على أنها محلية جداً، أي هي غير معروفة على نطاق واسع. فأهل بلدتنا يسمون السكين الكبيرة ذات المقبض الخشبي باسم الخوصة(كلمة فصيحة معناها السكين، لأنه تشبه الخوصة وهي ورقة النخل.). وإذا أرادوا أن يصفوا شيئاً بأنه ممتاز قالوا: برنجي. وهذه كلمة تركية معروفة ومعناها الأول. وهنالك كلمة أخرى أظنها تركية، وهي جخّة(بفتح فشدة على المعجمة) ويقصدون بها الشيء المترف أو الممتع. ويقولون هذا جديد لنج(بفتح فسكون). وأظن أن كلمة لنج تركية، ونحن نستعملها بمعنى كلمة"جداً" العربية. ولكننا لا ننطقها إلا مقرونة مع"جديد".
وهنالك مجموعة من الكلمات لا أدري مصدرها، وهي الدبعي(بكسر فسكون) فهو الغبي البليد. وأما الهكو(بكسر فكسر) فهو الشديد الغباء والبلادة والفهاهة. والطلهينة(بفتح فسكون) فهو من لا يعرف شيئاً حتى لكأنه أبله لشدة ضعف ذهنه. ولئن كان الهتلة(بفتح ففتح فكسر) هو الجبان، فإن الخنجعة(بضم فسكون ففتح) هو من كان شديد الجبن رعديداً لا يقوم بأية حركة إذا ما اعتدي عليه.
كما أن هناك بعض الكلمات العربية التي غيرنا دلالاتها. ومنها، كلمة"المُبَدَّى"(بضم ففتح فشدة على الدال)، وهي المأخوذة من"بدا"،أي ظهر. وقد صارت عندنا بمعنى من له الأولوية. ونستعمل كلمات اشتقت من جذور عربية، ولكنه اشتقاق عشوائي. ومثال ذلك كلمة"دبار"(بضم فشدة على الباء) وهي كلمة معناها الحل الخاص بمشكلة ما. فيقولون: لها دبار، أي لها حل. وأصلها العربي هو التدبير.
وهم يطلقون اسم"الحيط" على الجدار، وكذلك على سطح البيت. فما من أحد في بلدتنا يقول السطح ولا الأسطوح، كما نقول اليوم. ويميزون بين الكرم والبستان. فالكرم يسقى بماء المطر، أما البستان فيسقى بماء الينبوع. وبما أن بلدتنا بغير ينابيع، فليس فيها بساتين، وإنما كروم.
يا إلهي، ما أمتع هذه الدنيا لو أنها خلو ممن يصنعون الشرور، وممن يمارسون العدوان.
لعل مما له بعض الأهمية أن أذكر شيئاً من الأخبار ذات الصلة بالكُتّاب أو بالقراءة والثقافة في لوبيا خلال السنوات العشرين السابقة على سنة النكبة. لقد كان هنالك عدد من المتعلمين في لوبيا، ومنهم من كان قد تخرج من الأزهر في القاهرة، كما أن منهم من كان يعمل في سلك التعليم. ومن المؤكد أن القرآن موجود يومئذ في عدد كبير من البيوت. كما كانت الروايات التي تسمى السير(بفتح الياء) تقرأ مل ليلة في المضافات التي هي من الوفرة بحيث تشكل ظاهرة من ظواهر الحياة. أما أهم السير المتداولة فهي سيرة عنترة وسيرة الزير سالم، وريادة بني هلال، وتغريبة بني هلال أيضاً.
وهنالك من أخبرني بأنه يعرف مجموعة من الرجال في لوبيا كانت تجتمع باستمرار لتقرأ ديوان المتنبي، والبيان والتبيان للجاحظ، وألف ليلة وليلة، وبعض الكتب التراثية الأخرى.
وإنني أعرف رجلاً اسمه محمود خليل الصمادي، وهو من كان يملك مكتبة في تلك الأيام. ولا زال الرجل يعيش في مخيم اليرموك، ولديه اليوم مكتبة ضخمة غنية بالكتب التراثية، وقد استفدت منها كثيراً طوال السنوات الأربعين الأخيرة.


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى لوبيا
 

شارك بتعليقك