فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
السنة السوداء، عام النكبة - لوبية، من كتاب تلك الأيام، بقلم يوسف سامي اليوسف
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى لوبيا
כדילתרגם לעברית
مشاركة Jamal Ali في تاريخ 2 كانون ثاني، 2010
السنة السوداء، عام النكبة - لوبية، من كتاب تلك الأيام، بقلم يوسف سامي اليوسف


من كتاب تلك الأيام، الجزء الأول، الفصل الثالث، الصادر عن دار كنعان عام 2005 للناقد الكبير يوسف سامي اليوسف الذي ولد وترعرع طفلا في لوبية حيث كرس صفحات كتابه للسنوات العشر الأولى من حياته التي قضاها في لوبية منذ ولادته فيها عام 1938 حتى يوم النكبة.


الفصل الثالث
السنة السوداء

حين أنهيت السنة التاسعة من سنوات عمري، أصدرت الأمم المتحدة قراراً من شأنه أن يشطر فلسطين إلى شطرين، واحد للعرب وآخر لليهود، وذلك في التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام 1947. ولفت انتباهي أن الناس مضطربون على نحو لم ألفه من قبل، كما أذكر أنني رأيت الجريدة لأول مرة، إذ كانت في يد رجل عجوز يجلس أمام دكان على كرسي صغير ويقرؤها. ولقد راح الناس يتجمهرون في الشارع حول مذياع يملكه زوج عمتي فاطمة، وهو من يعمل في الشرطة برتبة رقيب.
ومما أذكره كذلك أنني ذهبت مع خالي محمود، الذي يكبرني بثلاث سنوات، إلى الكروم الواقعة في ظاهر بلدتنا من الجهة الشرقية، وذلك ابتغاء الحصول على بقايا التين والعنب، في أوائل كانون الأول، فالتقينا بالصدفة بفتاة بدوية اسمها حمدة، كان أهلها يأتون في بعض السنين وينصبون خيمتهم على بيدر جدي علي بين الخريف والربيع. ولهذا فقد كنا نعرفها منذ زمن بعيد. وحمدة من جيل خالي محمود، أي أن عمرها اثنتا عشرة سنة يومئذ.
وسألتنا الأعرابية، التي كانت تجمع الحطب، عن حال الناس في لوبيا، فقلنا لها بأنهم ميالون إلى الحرب ومتحمسون للقتال، ولا همّ لهم إلا السلاح وكيفية الحصول عليه. وتحدثنا طويلاً في ذلك الموضوع الذي كان حديث الساعة لدى الناس جميعاً. فقالت البدوية بأن عدداً كبيراً من أحسن الشبان سوف يقتلون في سبيل فلسطين. وفي الحق أن ما قالته تلك الفتاة قد حدث بالفعل.
كانت المدارس قد فتحت أبوابها قبل تلك البرهة بثلاثة أشهر. وكنت في الصف الثالث يوم صدر القرار المشؤوم الذي مهر الجريمة بخاتم الأمم المتحدة. وبعد افتتاح المدرسة بقليل، وبينما كنا نحن التلاميذ قبالة باب المدرسة ننتظر الجرس الذي يدق زهاء الساعة الثانية من بعد الظهر، ما عدا يوم الخميس، فقد مرت من ذلك المكان مجموعة من الشبان اليهود الذي اخترقوا بلدتنا من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها كنوع من التحدي للعرب. كانوا يسيرون في صفين متوازيين، وكان عددهم لا يقل عن مائة، نصفهم ذكور ونصفهم الآخر إناث. أما أعمارهم ففي العشرين أو نحو ذلك. وكل منهم يلبس بنطالاً قصيراً لا يغطي الركبتين. ولا فرق بين ذكر وأنثى.
حين بلغوا إلى مكان تجمعنا، كان هنالك ما يزيد عن مائة تلميذ، ليس فيهم قط من هو في سن البلوغ. وخيم علينا صمت ذاهل. وفجأة تناول أحد الأولاد حجراً من الأرض ورمى به اليهودي الذي أمامه، وعند ذلك أخذ كل منا حجر وقذف به يهودياً قريباً منه. فما كان منهم إلا أن هربوا جميعاً صوب المدّان، ومنه إلى سهل الحمى حيث كانت لهم مستعمرتان على الأقل. أما نحن فقد طاردناهم إلى أن ابتعدوا عن البلدة كثيراً.
كنا نحتقرهم بسبب جبنهم وإباحيتهم، واعتدنا أن نسميهم "أبناء الميتة"، وحتى بعدما أحرزوا انتصاراتهم الخلب، أو المزورة، في تلك السنة السوداء، فقد ظللنا على موقفنا نفسه، لاعتقادنا الجازم بأن تلك الانتصارات الزائفة إنما جلبتها لهم مؤامرة لا يعرف التاريخ لها مثيلاً قط. وهم يجهلون الأخلاق الإنسانية. فمما هو لافت لانتباه المهتم بالمعضلة الفلسطينية أنهم مولعون أيما ولع بدماء الأطفال والنساء. ولا بد لهذه الظاهرة من أن تكون ذات دلالة نفسية عميقة. وربما كانت دلالتها أنهم يكابدون عقدة ضعف، أو مركب شعور بالدونية، وربما دلت على أنهم يكرهون الحياة، أو وجود الآخر، على الأقل، ولهذا ينبغي إبادة الينابيع التي ينبع منها الوجود البشري. وما تلك الينابيع سوى النساء والأطفال.
ويوم طاردناهم بالحجارة حتى خرجوا من قريتنا وهم يولون الأدبار راكضين، فهمت لماذا كنا نسميهم أبناء الميتة. فهم جبناء وأخساء، وفي أمس الحاجة إلى جميع الأمم القوية والضعيفة ابتغاء أن يؤسسوا لهم دويلة، أو غيتو، على شطر من الساحل الشرقي للبحر المتوسط. وليس في التاريخ البشري كله غزو شبيه بذلك الغزو الذي تم تحت حماية الغرب والشرق على السواء. ولأنني مقتنع بأنهم لا يصلحون للقتال، فقد كنت وما زلت واثقاً بأن بضعة آلاف من المقاتلين كفيلون بإزالة ذلك الغيتو من الوجود إلى الأبد، ولا أدري لماذا كفت المقاومة اللبنانية عن الهجوم في أيار سنة 2000، إذ لو تابعت هجماتها لتغير مشهد منطقتنا بعد سنة أو سنتين فقط.
وعلى أية حال، فإن شعبنا الصامد في الوطن المحتل لن يعجزه هذا الغيتو الممسوخ المصطنع التافه. فلسنا نحتاج إلا إلى الوقت وحده.
***
في بداية ذلك الشتاء، سمعت الناس يقولون بأن الجيوش العربية السبعة سوف تأتي لتقضي على اليهود قضاء مبرماً، ما دام الإنجليز حماة الصهاينة، سوف ينسحبون من فلسطين بعد شهور قليلة. لكم أتمنى لو أنه لم تكن هنالك جيوش عربية بتاتاً. فلا ريب في أن الحكومات العربية يومئذ قد مارست علينا خداعاً لصالح الصهاينة الذين أرادوا منا أن نطلق النار عليهم كي يجدوا مسوغاً كافياً لطرنا من ديارنا، بعد أن يعتدوا علينا بذريعة أنهم يدافعون عن أنفسهم. وبسبب من الخداع الذي مارسته علينا الحكومات العربية المتآمرة، أطلقنا النار على الصهاينة، فوقعنا في الفخ الذي نصبه لنا أعداؤنا أنفسهم، فكانت النتيجة أن طردنا من ديارنا وبني الغيتو الصهيوني على أرضنا التي لم نتمكن من حمايتها بسبب تفوق العدو في السلاح. وعندي أن تلك الجريمة لا بد لها من عقاب ولو بعد ألف سنة، لأن من طبع الأشياء أن لا سلام حقيقياً بعد جريمة كهذه.

شاهدت الناس يتسلحون بعد صدور القرار المشؤوم بأيام قليلة. وكان السلاح غالياً جداً، فقد اشترى أبي بندقية ألمانية بمائة جنيه فلسطيني. وكان هذا المبلغ يومئذ مهراً لفتاة متميزة في بلدتنا. أما الطلقة الواحدة فكان ثمنها عشرون قرشاً، أي أن كل عشر طلقات بجنيه. ومع ذلك فقد تجمع في لوبيا زهاء مائتي قطعة سلاح في نهاية الربيع، ولكن معظمها ليس على ما يرام.
وأهم ما في الأمر أن الناس كانوا متحمسين للحرب على نحو عارم، وأنهم في حالة تفاؤل وثقة بالنصر الذي سوف تحرزه الجيوش العربية الآتية من وراء الحدود. ولكن بعض الناس كانوا ميالين إلى الابتعاد عن السلاح، وكذلك إلى التفاهم مع اليهود ومعايشتهم بسلام. بيد أن هؤلاء المسالمين قلة ضئيلة، وأصواتهم المهموسة ليست مسموعة إلا فيما بينهم. وفي الحق أن الذين راحوا يشككون بصدق نوايا الحكومات العربية قد كان لهم وجود فعلي. وهنالك من أكد بأن الإنجليز، الذين سوف ينسحبون من فلسطين، باقون في الأردن والعراق ومصر، فإذا ما تعرض الصهاينة للهزيمة تدخل أولئك الملتزمون بوعد بلفور، بأقصى سرعة. هذا فضلاً عن أنهم لن يسمحوا للحكومات العربية بإرسال العدد الكافي من الجنود إلى فلسطين ابتغاء إنقاذها من براثن الصهاينة.
لقد عرفت هذا كله من الرجال الذين يترددون على بيت جدي علي في المدان، وهم كثر، إذ حول القهوة السادة التي راح جدي علي يصنعها يومياً، كان يتجمع بعض الرجال من ذوي الأعمار المتباينة. والحقيقة أن بعضهم أذكياء، فاستطاعوا أن يقرؤوا خريطة الواقع السياسي قراءة صحيحة. إن الحكومات العربية يومئذ لا تعدو كونها أدوات في أيدي الإنجليز الذي سوف يشكمون (جاءت هنا بمعنى يخرسون ويسكتون، وأصل الشكيمة حديدة في اللجام تعترض داخل فم الفرس) تلك الحكومات إذا ما حاولت أن تفعل أيما فعل ذي بال.
وراح شاب اسمه مصطفى، وهو ابن حسن أبو دهيس، يحاول أن يقنع أبناء حمولته برمي السلاح والجنوح نحو الهدوء. فلقد كان على دراية ببعض الخفايا إذ إن له محلاً تجارياً في طبريا، يشاركه فيه بعض اليهود. ويبدو أن أولئك الشركاء مطلّون على أسرار السياسة. فأكدوا له بأن الدويلة الصهيونية قد صارت ناجزة بالفعل، أي قبل جلاء الإنجليز عن فلسطين. ومما يؤكد صحة هذا القول أن دبابات الهغناه (وهذه الكلمة كنعانية معناها الدفاع) قد شاهدتها أنا بأم عيني في بلدتنا على طريق طبريا-الناصرة، وذلك في شهر كانون الثاني سنة 1948. وهذا يعني أن الإنجليز قد أعدوا كل شيء لتدميرنا وتحولينا إلى لاجئين قبل خروجهم من بلادنا بسنوات. لهذا، أرجو ألا أموت إلا بعدما أرى بلادهم خراباً بلقعاً لا تتنفس فيه أية حياة.
ولكن أقرباء مصطفى، الذين انطلت عليهم خدعة الإذاعات العربية، رفضوا رأيه وأصروا على التسلح والقتال. فما كان منه إلا أن توقع لهم مصيراً محتوماً خلاصته التشرد تحت كل سماء. وحذرهم الرجل من تصديق ملوك العرب الذين ليس لهم من الملك شيء، إذ إنهم ليسوا سوى دمى في أيدي الإنجليز. والفلسطينيون يومئذ يعتقدون بأن الإنجليز لم يكونوا سوى خدم طيعين يعملون في خدمة اليهود ويتأرنبون أمامهم ويذلون.
وأيه مفارقة هي هذه؟ وما الذي يجري في هذا العالم الأخر الآخذ بالتدهور والضّعة؟ وكيف تم تدجين أوروبا وبقية الأرض على أيدي أولئك الظلاميين المدججين بكومة من الخرافات الباهتة فحسب؟
وفي مطلع السبعينيات حدثني واحد من وجهاء قضاء طبريا ، أن وفداً من أكابر أهل الجليل قد سافر إلى عمان،وهو معهم، وذلك في شهر آذار من عام النكبة، ليتشاور مع الملك الأردني في الأمر المعضل،وليعرف ما الذي يتوجب على الناس أن يفعلوه في هذا الظرف العصيب. والتقى الوفد بالملك فحذرهم من مغبة التسلح،
وأكد لهم صراحة أن الصهاينة يريدون الأرض خالية من السكان، وأن الإنجليز يدعمون الصهاينة ولا يجرؤون على أن يرفضوا لهم طلباً. وأضاف بأن السلاح سوف يكون ذريعة يتذرع بها العدو لطرد الناس من ديارهم والاستيلاء على أرضهم،كما صارحهم بأنه ليس سوى موظف عند الإنجليز من عمله.
وعاد الوفد على الجليل، و أبلغ الناس بما سمع من الملك ، ولكن الناس في بلدتنا لم يتقبلوا مبدأ السكينة، بل ثابروا على شراء السلاح أملاً منهم بأن الجيوش العربية آتية حتماً.
ومما يتوجب علي أن أثبته في هذا المقام، وذلك لوجه الحق الخالص،أنني سمعت بعض الرجال يقولون بأن الفلسطينيين سوف يطردون من ديارهم ولا محيد لهم عن التشرد في الأرض، سواء تسلحوا أم لم يتسلحوا، لأن الصهاينة يريدون البلاد فارغة من أهلها، وذلك ابتغاء إعدادها لاستقبال اليهود الذين سوف يتدفقون على فلسطين من جميع أرجاء الدنيا. وأضافوا إن جميع الجيوش العربية لا تملك أن تفعل أيما فعل ذي بال، وذلك لأنها من مقتنيات الإنجليز الذين أقاموا دويلة اليهود وانتهى الأمر. وقال أولئك الأذكياء بأن الفلسطينيين لا يملكون أن يدافعوا عن أراضيهم لان الصهاينة سوف يحصلون على أسلحة لا تبلغ أسلحتنا إلى عشر مقدارها فنحن على فقرنا، نشتري السلاح بالمال، وهم يحصلون عليه بالمجان.
وثبتت صحة هذا الرأي السديد، حينما جزر العدو قرية ناصر الدين الشديدة القرب من طبريا، مع أنها لم تكن في حوزتها أية أسلحة قط. كما أنهم جزروا عدة قرى أخرى لا سلاح لدى رجالها، ولم تطلق على الصهاينة طلقة واحدة. إنهم يريدون الأرض بغير سكان حقاً.
ولقد أكد هذا التفكير الرشيد الذي أيدته الوقائع أن الذهن البشري قوة تعمل على نحو جيد في كل زمان ومكان. ولكن هذه السمة الأصلية وقف على الألباء من دون الناس، فما كانت الحقيقة في أي يوم من الأيام إلا نصيب أناس النخبة الذهنية وحدهم.
والغريب أن جيش الإنقاذ أخذ يعبر الحدود قادماً من لبنان وسوريا والأردن، وذلك ابتداءً من شهر كانون الثاني، بينما تربض قوى الإنجليز بكامل ثقلها على أرضنا التي أعدوها للافتراس، إذ لقد كانوا ينشرون فيها سبعين ألفاً
من جنودهم. فكيف سمحوا لجيش الإنقاذ بعبور الحدود ابتغاء شنّ الحرب على الصهاينة ؟
وفي أوائل نيسان من ذلك العام وصلت مفرزة صغيرة من ذلك الجيش إلى بلدتنا، وخيمت بالقرب منهم وأخذت تمارس الحراسة الليلية حول القرية بالاشتراك مع المسلحين المحليين، ولكن تلك المفرزة لم تشتبك مع العدو في أي قتال مهما يكن نوعه.
وتسارعت الأحداث خلال ذلك الشتاء. ففي شهر شباط من عام النكبة مر باص لليهود على طريق طبريا – الناصرة, وكنا في المدرسة يومئذٍ والوقت ضحى . وسمعنا صوت الرصاص يدوي في الجو فما كان من المعلمين إلا أن أخرجونا من الصفوف لنذهب إلى بيوتنا. وأغلقت المدرسة أبوابها ولم تفتح بعد ذلك قط.
كان أبي لايزال في حيفا خلال ذلك الشهر ولا يأتي إلا ليوم واحد في الأسبوع. وكان خالي محمد , وهو أكبر أخوالي ، غائباً عن البلد لسبب لا أذكره. أما بندقيته الإنجليزية فمعلقة على جدار غرفته من الداخل . فما كان من جدي علي، وهو العجوز السبعيني، إلا أن حمل البندقية وخرج إلى مكان الصدام. وكان باص اليهود محاصراً إلى الشرق من لوبية على طريق طبريا. ولكن جدي, حين وصل إلى الصافح لاقاه ابن خالته, وهو رجل في الخمسين من سنوات عمره، واسمه دواس فقال له هذا الأخير: إنني أصغر منك سناً، يا بن خالتي، فهات البندقية والذخيرة، ودعني أذهب إلى المعركة بدلاً منك. واستجاب له جدي، فاتجه دواس صوب مكان الصدام، واشترك مع المسلحين في إطلاق النار. وفي تلك البرهة أصيب برصاصة أودت بحياته. أما بندقية خالي فأعيدت إلى مكانها، ولكن بعدما أصابها عطب صغير في عقبها الخشبي. كما استشهد مع دواس رجل آخر من بلدتنا، وهو أكبر منه سناً. ولكنني أجهل مصير الباص، حينئذ ولا أكاد أذكره.
وفي ذلك الشهر نفسه ذهبت إلى مدينة حيفا. فقد كان جارنا حسين عبد الرحمن شرطياً في تلك المدينة. فطلبت إليه زوجته أن يأخذني معه لأعود في اليوم نفسه ومعي نصف كيلو من الشاي، أما هو فيلتحق بعمله إثر إنتهاء عطلته الأسبوعية. ووافقت أمي على ذلك، كما رغبت في شراء بعض الشاي هي الأخرى. فذهبت مع جارنا، وسار بنا الباص على طريق يمر من بلدة اللجون التي كان الكنعانيون يسمونها مجدّو. وسبب ذلك أن طريق الناصرة-حيفا، الذي هو الطريق المألوف، كان اليهود يقطعونه عند نقطة ما.
وحين وصلنا إلى المدينة التي يحتضنها جبل الكرمل، سمعنا أزيز الرصاص يملأ الجو. وكانت هنالك بقالية إلى جوار الكراج الذي توقف الباص فيه، فدخلنا إليها واستقبلنا صاحبها بالترحاب، لأنه كان صديقاً لجارنا. وسأله هذا الأخير عن الوضع، فأجاب بأن صداماً جرى بين الطرفين وأدى إلى مقتل رجلين من العرب، وأن الصدام ما زال مستمراً حتى تلك البرهة، ولكن مكانه بعيد. وعند ذلك سأله جارنا عما إذا كان لديه شيء من الشاي، فأجاب بالنفي. فما كان من عمي حسين إلا أن أعادني إلى الكراج، وأركبني في باص ذاهب إلى طبريا، ودفع أجرة الركوب، وأوصى السائق بأن ينزلني في لوبيا. فعدت إلى البيت في ذلك اليوم، قبل غروب الشمس، ولكن بخفي حُنين. وكنت مشتاقاً لرؤية البحر في حيفا، ولكن ذلك المطلب لم يكن في الإمكان.
***
أما في شهر آذار فقد نهض الصهاينة من مستعمرة الشجرة اليهودية وهجموا على قرية الشجرة العربية، وطردوا سكانها منها. ولم يستطع المسلحون من أهل لوبيا الذين تعاونوا مع أهل تلك الضيعة أن ينقذوها، ذلك لأن الصهاينة قد احتلوا القرية العزلاء فجأة، كما أن تسليحهم كان أفضل من تسليحنا بكثير. وفوق ذلك، فإن عدد جنودهم أكبر من عدد رجالنا. وأسفر ذلك الصدام عن مصرع رجل واحد من أهل بلدتنا.
أما الحادث الذي لم يكن في الحسبان فهو أن العدو قد كانت له في الجليل طائرة واحدة، قديمة وفاعليتها محدودة. ومع ذلك، راحت تقصف لوبيا كل ليلة ابتداءً من أوائل آذار وحتى أواسط أيار. واستطاعت أن تقتل أربعة رجال وامرأة في بلدتنا، كما استطاعت أن تخلق حالة من الذعر في نفوس الناس لم يألفوها من قبل.
ومن حسن الحظ أن طائرتهم تلك قد كانت هرمة أو بالية، ولولا ذلك لصارت أعالي بيوتنا أسفلها، وأصبح أسفلها عاليها، وصرنا نحن تحت أنقاضها. فكثيراً ما ارتكب الصهاينة المجازر بالطيران، ولا سيما مجزرة بحر البقر في مصر، حيث قتلوا مائتي طفل. كما ارتكبوا مجزرة أخرى بالطيران حين قصفوا سجن أبو زعبل في مصر أيضاً. وإذ جزروا تلاميذ بحر البقر، فإنهم قد برهنوا على كونهم مولعين بدماء الأطفال أيما ولع.
وبحث الناس عن مخرج ينجيهم من شر تلك الطائرة فوجدوه، إذ لقد اكتشفوا عدداً كبيراً من الكهوف يكفي لإيواء جميع سكان القرية (وهذه الكهوف برهان على أن القرية مأهولة بالسكان منذ العصر الحجري). فصرنا في كل ليلة نحمل فراشاً خفيفاً ونذهب إلى تلك الكهوف التي كانت وقفاً على النساء والأطفال وحدهم. واكتشف أحد جيراننا في حارة الجرينة مغارة في باحة بيته لها من السعة ما يكفي لاستيعاب عشرات الأفراد. فرحنا كل ليلة نذهب إليها لننام فيها.
ثم إن تلك الطائرة لم تكن تأتي في النهار، لأن المسلحين كانوا قادرين على إصابتها بالرصاص إذا ما ظهرت في نور الشمس. كما أنها لم تكن تأتي إلا مرة واحدة كل ليلة لأن ذخيرتها لم تكن متوفرة بكثرة. حقاً لم يكن الصهاينة مسلحين جيداً في ذلك الربيع الدامي. وهذه حقيقة تؤكدها كتبهم المخصصة للحديث عن ذلك العام، ولو كان العرب مخلصين لقضوا على شرهم قبل أن يتسلحوا.
واختفت تلك الطائرة ابتداءً من أوائل أيار. وخمن الناس أنها أصيبت بعطل آلي فلم تعد تصلح للطيران. ولكن العدو سوف يكون له طيران حربي جيد ابتداء من شهر أيلول. وهذا يعني أن العرب منحوا اليهود فرصة كافية لتسليح جيشهم بأسلحة حديثة. ولا ريب عندي في أن حكوماتهم كانت تنفذ الأوامر يومئذ، وإلا فلماذا أمهل الأعداء حتى تسلحوا وصاروا ذوي قدرة شديدة على الضرب.
***
وكما أسلفت إليك، فقد وصلت مفرزة من جيش الإنقاذ إلى لوبيا في شهر نيسان، وخيمت بجوارها، وراحت تطالب الناس بالطعام، فأخذ الفلاحون الفقراء يهبونها الطعام الذي يضنون به على أطفالهم، ولا سيما الدجاج والبيض والحليب والخراف. ولهذا، صار الناس يتمنون أن ترحل تلك المفرزة وتريح القرية من أعبائها. هذا فضلاً عن أنها لم تقاتل اليهود، مع أن العدو قريب جداً.
ولحسن الحظ، تحرك أولئك الجنود في أيار صوب الشمال وخيموا إلى الجنوب من عيلبون، أو إلى مكان قريب من مرج الذهب، وكان موقع ذلك المكان بين طرعان وعيلبون. وظلوا هناك حتى شهر أيلول، إذ انسحبوا مرة ثانية إلى الشمال في ذلك الشهر وخيموا في قرية مغار حزور، وذلك لإخلاء الدرب أمام العدو الذي احتل عيلبون في ذلك الشهر نفسه. وبعد انسحابهم من لوبيا، سمعت بعض الأذكياء، الذين هم من ذوي الألمعية، يقولون بأن العرب قد أفرغوا خط طبريا الناصرة من القوات لكي يصار إلى احتلاله من قبل العدو. والذي شجع أهل الألمعية على القول بهذه الفكرة أن مدينة صفد قد احتلها العدو، مع أن نسبة اليهود فيها وفي قضائها هي نسبة طفيفة جداً. ففي ميسورك أن تجزم بأن كل قطعة أرض احتلها العدو، أو كل مدينة وكل بلدة كانت تفرغ أولاً من القوات الرسمية ثم يدخلها الصهاينة من دون قتال بتاتاً، أو من دون قتال جدي خطير. إن هذه حقيقة مؤكدة وكل من قال غير ذلك فإنه يزور التاريخ.
وأهم ما في أمر تلك المفرزة أنها لم تفعل شيئاً ضد اليهود، مع أنه كان من الميسور أن تتدخل في طبريا لصالح الفلسطينيين، بينما كان في ميسور جيش الإنقاذ أن يدمر تلك المدينة على رؤوس يهودها، فهو يملك مدافع ممتازة، سلّح الغربيون العرب بها للتصدي للألمان فيما لو وصلوا إلى منطقتنا، بينما لم يكن لدى الصهاينة في الجليل كله مدفع واحد كبير طوال المدة التي سبقت الهدنة الأولى في حزيران.
وأذكر أنه قد جاء خبر مفاده أن معركة حامية كانت تجري في صفد خلال أواسط أيار، وأن العرب هنالك يحتاجون إلى نجدة. ولقد شاهدت باصين اثنين يقفان عند المطحنة الآلية في شمال قريتنا. واكتظ الباصان بالمسلحين الذين كان أبي بينهم. وحين بدأ الباصان بالإنطلاق صوب صفد، وصل خبر مفاده أن تلك المدينة صارت كلها تحت هيمنة العدو. وأكد شهود عيان أن جيش الإنقاذ انسحب من صفد تماماً حينما أخذ اليهود ينزحون عنها.
ومما أتذكره أن مدينة عكا قد احتلها العدو من دون أن يتحرك جيش الإنقاذ لإنجادها بتاتاً، مع أنه قد كانت له قطعات في ضواحيها. ومن الطرائف أن رجلاً من قرية نحف اسمه صالح الدوخي قد جاهد فيها وحده، وقاتل على أسوارها بغير معين حتى تمكن العدو من قتله. وبسقوط طبريا وعكا وصفد لم يبق للعرب من مدن الجليل سوى الناصرة التي كانت نظيفة من اليهود أصلاً. ومن العجائب أن تتمكن عكا من صد نابليون وجيشه الجرار، وأن تعجز عن صد هؤلاء الذين لا يصلحون لحكمة ولا لقتال.
***
وعلى الرغم من جميع تلك النتائج المحبطة، فقد ظل الناس يؤملون خيراً وينتظرون وصول الجيوش العربية التي سوف تسترد جميع المدن والقرى التي احتلها العدو، كما أنها سوف تخلص البلاد والعباد من شره. ولكن المؤامرة صارت شديدة النصوع أمام بصيرة الألمعيين. ولهذا فإن كثيراً من الناس قد أخذوا يرفعون أصواتهم ويدينون الحكومات العربية علناً. إنها الأقلية الحساسة النفيسة التي تتمتع بحس الاتجاه السديد، والتي يضيع صوتها في الضجيج أثناء الأزمات. ولقد جاءت الأحداث لتبرهن على صحة أفكار تلك الأقلية الحساسة الهادئة العميقة الموهوبة بهبة الرؤيا الصادقة.
ومن البراهين الحاسمة على صحة تفكير أولئك الحساسين أن جامعة الدول العربية أرسلت بعض الذخيرة إلى بلدتنا، وربما سواها من القرى والمدن في فلسطين. ولدى الممارسة العملية ثبت أن تلك الذخيرة فاسدة ولا تصلح للإستعمال. ومن هذه الحقيقة التجريبية أدرك بعض الناس أن ثمة مؤامرة مؤكدة على الشعب الفلسطيني وعلى أرضه ومصيره.
يقيناً، إن الرسميين العرب قد خدعونا لصالح عدونا وهم يعلمون ما يصنعون. قالوا لنا: اصمدوا ريثما ينسحب الإنجليز في أيار، فتصل الجيوش العربية وتخلصكم من عدوكم. وصمدنا، وجاءت تلك الجيوش التي كانت شديدة القدرة على إبادة العدو، ولكن الذي فعلته هو أنها سلّمت فلسطين لأعدائنا بنذالة لا يعرف التاريخ لها مثلاً.
***
إثر سقوط طبريا، ارتكب العدو مجزرة مروعة في قرية ناصر الدين المجاورة لتلك المدينة. فقد جاءها الصهاينة في رأد الضحى وهم يلبسون الملابس العربية، وخاصة الكوفية والعقال. وراحوا يطلقون النار يمنة ويسرة ويقتلون الناس من دون تمييز بين الصغار والكبار. وهرب الأهالي تاركين للعدو كل شيء. وكان واضحاً أن الصهاينة أرادوا المجزرة عمداً، وذلك ابتغاء طرد الناس من ديارهم، مع أن أهل تلك القرية لم يؤذوهم بتاتاً، بل لم يكن لديهم أي سلاح قط. ومع ذلك، راحت الصهيونية تزعم بأن الحرب هي التي شردت الفلسطينيين وليس الإرهاب الصهيوني. ولكنهم في الحقيقة، طردوا الناس من مدن وقرى لم تصلها أية جيوش عربية، ولم تحدث فيها أية حرب، ومثالها طبريا وناصر الدين.
ولن يستفيد اليهود اليوم من زعمهم بأنهم يريدون السلام والتعايش الهادئ مع العرب، وذلك لأن السلام لا يظل ممكناً بعد هذه الأفعال اللاعقلانية كلها. إن العقاب على تلك الجرائم الكبيرة هو أمر حتمي، ولا بد له من المجيء ولو بعد ألف سنة، وإنه يتناسب طرداً مع حجم الأذى الذي لحق بالشعب الفلسطيني. يقيناً، إنهم حمقى، ولا يدرك حماقتهم إلا ذو الألباب.
وفي التاسع من شهر نيسان نفسه، وصلت أنباء عن مجزرة دير ياسين، بل وصلت أنباء عن مجازر كثيرة جداً، منها مجزرة بلد الشيخ ومجزرة حواسة ومجزرة في اللجون ومجزرة نحالين، حتى ليسعك أن تسمي شهر نيسان من عام 1948 باسم شهر المجازر. أما أيار فشهد عدة مجازر وأبرزها على الإطلاق مجزرة الطنطورة التي قتل فيها زهاء مائتين وسبعين. وقد استطاع مؤرخ صهيوني أن يكشف المقبرة الجماعية التي دفنوا فيها القتلى، وذلك منذ بضع سنوات.
وفي قرية عين الزيتون القريبة من صفد ارتكب الصهاينة مجزرة مروعة، إذ كان القتلة في منتهى الهمجية، فقد جمعوا الناس في أحد الأماكن وأبقوهم هناك مربوطين بالحبال طوال يومين، بغير طعام ولا شراب. ثم أطلقوا عليهم النار وقتلوهم جميعاً، مع أنهم كانوا بغير سلاح. أم الذين احتموا بالجامع، فقد أحاط بهم المجرمون الصهاينة من الخارج وأحرقوا المكان كله، ومن فرّ من النار تلقوه برصاصهم الغزير.
لقد أتيحت لليهود فرصة ممتازة ليثأروا لجميع الإهانات التي سددت لهم طوال التاريخ. ولكنهم من النذالة والخسة بحيث صبوا جام غضبهم على أناس بلا سلاح، ومعظمهم من النساء والأطفال. وربما حرضهم الإنسان الأورو-أمريكي على الإجرام. فلقد رمى ذلك الكائن الدموي، والذي لا خلاص له من همجيته بتاتاً، إذ أنها قوام دمه وخلاياه، رمى قنبلتين نوويتين على اليابان وهو هادئ تماماً، كما لو أنه كان ينفض الرماد عن سيجارته وحسب. وها هو ذا اليوم لا يفرغ من حرب إلا ليدخل حرب جديدة.
وبينما كان أهل قرية الصبيح البدوية القريبة من لوبيا ينامون ذات فجر، فقد دهمهم الصهاينة بعدد كبير من الجند، فقتلوا عدداً من الأرواح، بينها طفل رضيع غرزوا في بطنه حربة مركبة على بندقية رفعوها إلى الأعلى ثم ضربوا الطفل بالأرض. كما بقروا بطن امرأة حامل بحرية وأخرجوا الجنين من مكانه. وهرب البدو لا يلوون على شيء.
هذه هي الصهيونية التي دعمها الغربيون، تقتل الأطفال وتبقر بطون الحوامل وتزعم أن الأمر كله لا يعدو كونه دفاعاً عن النفس. وهم يظنون أن هذا كله سوف يمر بسلام، ويجهلون أن الزمن مفتوح وإغلاقه أمر متعذر أو محال.
ولكنني أذكر جيداً أن أنباء مبهجة قد وصلت إلينا في الجليل الأدنى، من قرية اسمها سَلَمى (بفتح ففتح)، وهي شديدة القرب من مدينة يافا، وخلاصتها أن صدامات دامية كانت تدور هناك بين الطرفين، وأن الفلسطينيين كانوا متفوقين تماماً على اليهود الذين نملك أن نهزمهم شر هزيمة لو كان لدينا السلاح الكافي.
ومن الأوقات التي لا أنساها ما حييت ذلك المساء الذي سمع الناس فيه بنبأ استشهاد عبدالقادر الحسيني، في الثامن من شهر نيسان نفسه. فلقد أذاعت النبأ إذاعة لندن مساء، وخرج الناس إلى الشوارع، ولا سيما إلى باب المدرسة حيث اعتاد الشبان أن يتجمعوا. وكان بوسعك أن تلاحظ بأن كل شخص قد خرج ليطلب العزاء من أي شخص آخر. وتبدى الحزن في أصوات الناس الخافتة، إذ لم تكن الوجوه ترى جيداً في الظلام. لقد صار ذلك المساء مأتماً صامتاً عميقاً وحزيناً جداً.
ولكن الفلسطينيين صاروا الشعب الوحيد الذي جعل من الإستشهاد في سبيل الوطن تقليداً من تقاليده الإجتماعية، أو ظاهرة من ظواهر حياته، بل سمة من سمات شخصيته العامة. وربما جاءت الأزمنة القادمة لتثبت اعتقادي بأن الشعب الفلسطيني هو القوة التي عهد إليها التاريخ بأشرف المهمات على الإطلاق، ألا وهي إزالة أولئك من الوجود وتخليص البشرية كلها من شرورهم، بل من استيلاءهم على هذا العالم المنكوب بالأنذال. ولئن لم يكن الشعب الفلسطيني هو المخلِّص الذي سوف ينقذ الجنس البشري من خبثهم وهيمنتهم المكتومة، فلا خلاص لهذا الجنس-أي الجنس البشري أبداً-، إذ إنهم- أي اليهود- بسيطرتهم على الإعلام يربون الناس في العالم كله كما يشاءون.
***
وفي السابع عشر من أيار دخلت الجيوش العربية إلى فلسطين، أي بعد يومين من جلاء الإنجليز عنها. وأذكر أن الملك الأردني قد خطب قائلاً: "لا ترويع بعد اليوم، ولن يتكلم إلا المدفع". ولكن تلك الجيوش صنعت مفارقة مريعة. بعد دخولها بأيام قليلة، إذ أعلنت أنها مستعدة لإبرام اتفاقية هدنة مع الصهاينة، وذلك لإعطاء العالم فرصة كافية للوصول إلى حل للمعضلة الفلسطينية. كما تعذرت تلك الجيوش، أو قياداتها السياسية، بذريعة خلاصتها أنها تريد أن تكمل تسلحها قبل مباشرة الحرب. ومما هو معلوم جيداً أن ثلاثة من تلك الجيوش، وهي العراقي والأردني والمصري، كان الإنجليز قد طوروها منذ الثلاثينيات ابتغاء مواجهة الألمان إذا ما اقتحموا مصر أو العراق من أجل الهيمنة على منابع النفط.
أو يعقل أن تكون الجيوش جاهزة لمحاربة الألمان وغير جاهزة، في الوقت نفسه، للاشتباك مع الصهاينة الذين كان تسليحهم ما زال خفيفاً جداً حتى بداية الهدنة الأولى في الحادي عشر من حزيران. فلو هجمت الجيوش العربية في أيار على المنطقة الممتدة بين حيفا وتل أبيب، والتي لم يكن عرضها يزيد عن بضعة كيلومترات، لأنهت الغيتو الصهيوني في مدة يومين وحسب، ولقضت عليه وهو لم يزل جنيناً لم يولد بعد. يقيناً، إن تلك الهدنة هي برهان حاسم على أنه لم يكن هنالك سوى مؤامرة، وعلى أن الجيوش العربية ما دخلت إلى فلسطين يومئذ إلا ابتغاء إنجاز الهدفين المذكورين في مقدمة الكتاب.
ولو قاتلت الجيوش العربية فعلاً لأصدر مجلس الأمن، وهو أداة إمبريالية لا تخفى، قراراً يقضي بإنزال قوات أوروبية وأمريكية في فلسطين، تماماً كما فعل سنة 1950 عشية الهجوم الإمبريالي على كوريا. فلقد كان قرار التقسيم حاجة ملحة للغيتو الصهيوني، إذ أنه جاء بمثابة شهادة ميلاد رسمية أعطيت للغيتو المصطنع. وما كان ثمة أي تقسيم بتاتاً، إذ إن الصهيونية كانت تريد فلسطين كلها. وقد نالتها بالفعل كاملة غير منقوصة. وحين رفض العرب الرسميون قرار التقسيم فإنهم كانوا ينفذون إرادة أسيادهم الغربيين، وذلك ابتغاء إطباق الفخ على الفلسطينيين الذين لا بد من طردهم إلى خارج وطنهم السليب. والطريف أن العرب رفضوا التقسيم بالكلام وقبلوا به قبولاً فعلياً، أما الصهاينة فوافقوا عليه بالكلام ورفضوه رفضاً عملياً.
لقد كان على الجيوش العربية أن تخلي بين الصهاينة وبين الشعب الفلسطيني السيء الحظ. كما كان عليها في الوقت نفسه أن تقوم بمظاهرة عسكرية، وفقاً لما صرح به أحد الرسميين العرب في مؤتمر بلودان الذي عقد سنة 1947. وإني لصادق إذ أقول بأن الجيوش العربية قد ساعدت الصهاينة علينا، فلقد كانت تنزع السلاح من الفلسطينيين أينما شوهد. وكانت تتذرع بأن مهمة الدفاع عن فلسطين ملقاة على كاهل الجنود النظاميين، وليس على كاهل المدنيين. وللتاريخ أقول إن دور الجيوش العربية في نكبتنا لم يكن بالشيء الطفيف أبداً.
فما دخلت الجيوش العربية إلى فلسطين إلا لتهزم، وبذلك ترتفع معنويات اليهود، وتنخفض معنويات العرب الذين سوف يقنطون من إمكانية تحرير فلسطين، فيأخذون باللهاث وراء الصهاينة طلباً للسلام. وهذا يعني التنازل عن الوطن السليب الذي اغتصبه العدو من أصحابه الشرعيين. وها نحن أولاء اليوم نعيش هذه البرهة التي خطط لها رجال خبثاء يعملون في الظلام الكثيف.
يقيناً، إن الذين فكروا بخطة إدخال الجيوش العربية إلى فلسطين سنة 1948، من دون أن تكون لديها أية أوامر بالقتال، وبحيث تخوض المناوشات الخفيفة الوطأة، ثم تهزم وتهان على نحو لم يسبق له مثيل في تاريخ الجنس البشري كله- إن تلك الكائنات تصلح لتكون أساتذة للشياطين، إذ لا ريب في أن تلك الخطة هي نتاج لخبث ولؤم لا يفوقهما أي خبث وأي لؤم على الإطلاق.
***
لست أذكر أن شيئاً ذا بال قد جرى في بلدتنا خلال شهر أيار من ذلك العام، ولكننا استيقظنا في الثامن من حزيران، قبيل الفجر، على أصوات انفجارات ورشاشات مريعة حقاً، إذ لم أسمع مثل تلك الأصوات من قبل في حياتي كلها. إنه فجر لا أنساه ما حييت، وذلك لشدة الهول الذي أحاق بنا في تلك البرهة العصيبة. وأذكر أن أحد الانفجارات قد كان هائلاً، فأيقظ أخي حسن من نومه وهو يصرخ صراخاً عالياً جداً ممزوجاً بالرعب الشديد.
وأصابتنا الحيرة ولم ندر ماذا نصنع. فقد كان أبي في الخنادق إلى الجنوب من لوبيا. وكنا ثلاثة أطفال وامرأتين، وسادسنا الرُهاب.
لم يكن مع الصهاينة سوى مدافع الهاون ذات التأثير الطفيف أما مصفحاتهم فعجلاتها من مطاط، فلو كانت لديهم دبابات مجنزرة، أو مدفعية ميدان لأبادوا القرية بغير رحمة، إذ إنهم يجهلون كل ما هو إنساني جهلاً مطبقاً. فهم كائنات حاقدة على الجنس البشري بأسره. ووجد حقدهم فريسة سهلة يصبون عليها جام غضبهم المزمن.
وظنت جدتي، التي لجأت إلى الدعاء والاستنجاد بالله العلي القدير، أن بيت عمتي فاطمة خير من من بيتنا في هذه البرهة الراعبة، وذلك لأنه يتألف من طابقين. فإذا جلسنا في الطابق الأرضي، فإن القذائف لن تصيبه بسوء لأنها لا تخترق العلوي إلى السفلي، بل تنفجر على السطح العلوي ونخلص من شرها.
ولهذا، غادرنا بيتنا إلى بيت عمتي قبل بزوغ الشمس، فوجدنا الطابق الأرضي يكتظ بالعشرات من النساء والأطفال. وكنت ترى الرعب في مآقي العيون وعلى الوجوه مجسداً بادياً للعيان. وراحت النسوة يبتهلن لله، ويناشدنه الأمن والنصر وإلحاق الهزيمة بالأعداء حلفاء الشياطين.
يا إلهي ما أشنع الخوف! ترى ما هذه الحياة المأهولة بالبؤس، بل حتى باللامعقول؟ لكأن الإنسان ما خلق إلا لكي يطيق.
***
وعلى غير توقع ظهرت خالاتي الثلاث ومعهن أخولاي الثلاث الذين كانوا دون سن البلوغ: محمود وياسين وحسين. ونادين أمي إلى خارج البيت، وقلن لها بأن أباهن أمرهن بالذهاب إلى عرابة البطوف، حيث كان له صديق يثق به تمام الثقة. فوافقت أمي، واستأذنت جدتي خضرا، وذهبنا جميعاً، ما عدا جدتي التي بقيت في بيت ابنتها. ولم تأت جدتي فدوى، والدة أمي، مع بناتها وأبنائها، لأن العجائز لا خوف عليهن من الصهاينة.
وكانت أمي حاملاً، كما كانت تحمل حسن أخي على صدرها، إذ كان عمره ثلاث سنوات. أما أخي محمد فأمسك بفستانها من جهتها اليمنى. وكانت خالتي ذيبة، وهي صغرى خالاتي، متزوجة ولها طفل واحد اسمه سعيد. وكان عمره سنة واحدة أو دون ذلك بقليل. وهو دائماً على صدرها أو في حضنها. أما خالتي أمينة الشديدة الطيبة والذكاء، فكانت ما تزال عزبة. وقد أصابها مرض القلب بعد طردنا من بلادنا وماتت سنة 1957. وكانت خالتي فاطمة عزبة أيضاً، وهي لا تزال حية ترزق، وتعيش في الطرف الغربي من مخيم اليرموك.
وعندما صرنا خارج بيت عمتي، رأيت مجموعة من الشيوخ يقولون: أخرجوا النساء والأطفال من البلدة. وراحوا يكررون هذا القول مراراً. فلقد كان هنالك خطر على عفاف النساء الشابات، كما أن الصهاينة مولعون بدماء النسوة والأطفال ولعاً يثير الاستهجان. ولا ريب في أن مجزرة ناصر الدين هي التي حرضت الشيوخ على ترحيل النساء والأطفال من البلدة إلى أن ينجلي الموقف.
واتجهنا نحو الغرب حتى وصلنا إلى المقبرة التي تقع في الزاوية الشمالية الغربية من بلدتنا. وهبطنا باتجاه خط طبريا- الناصرة. ولم أكن أعلم يومئذ أن سيدنا المسيح كان يسير على تلك الدرب التي عبرناها متجهين نحو نمرين فمرج الذهب، أي نحو الشمال. وحين وصلنا ذلك الخط عند الطرف الشمالي الغربي من لوبيا، حيث كان هنالك مقهى تملكه أسرة من آل الشهابي، فقد راحت الشمس تبزغ فوق طبريا مثل قرص كبير من الذهب الإبريز. وكانت آليات الصهاينة المصفحة تقف على الخط نفسه، ولكن من الجهة الشمالية الشرقية، وعلى مسافة لا تزيد عن خمسمائة متر، إذ لقد اعترضها حاجز كبير من الحجارة كدسه الناس على عرض الشارع منذ بضعة أشهر. وبكل تأكيد كان المسلحون يحيطون بها من جميع الجهات، ويطلقون الرصاص على دواليبها المطاطية.
وعند ذلك ركض الجميع كي يبتعدوا عن مكان الخطر. أما أنا فوقفت في وسط ذلك الشارع وأخذت أعد آليات العدو. كان عددها ثلاث عشرة آلية، بعضها مصفحات، والبعض الآخر ناقلات جنود. وحين التفتت أمي إلى الخلف ورأتني أعد الآليات، أخذت تصرخ بأعلى صوتها وتؤنبني أشد التأنيب، فأسرعت نحوهم، ومضينا صوب الشمال.
وكان هناك، بعد الخط ذاته كرم زيتون له جدران طينية منخفضة تحيط به من جميع جهاته، وبحماية الجدار الغربي كانت تجلس على التراب نساء وأطفال كثيرون، لقد كن نساء متنوعات الألوان، فيما أذكر. ففيهن السمراء والبيضاء والبرتقالية، ومن هي بلون الزيتون الأخضر. وكانت هنالك مرضعات جلسن على الأرض يرضعن أطفالهن، وكلهن صبايا، أو في مقتبل العمر. ولكن الخوف يهيمن على وجوه الجميع، بل رأيت بعض النساء والأطفال يبكون بمرارة. وسمعت بعضهن وهن يتحدثن عن أولئك الشبان الذين استشهدوا في ذلك الفجر الكئيب.
أما نحن فتابعنا سيرنا إلى الشمال. وشاهدنا بعد ذلك عدداً من الرجال المسلحين بالبنادق، لا يزيدون عن ستة، وربما أقل، وأظنهم من قرية نمرين، إذ كانوا آتين من جهة تلك القرية ومتجهين صوب آليات العدو. وسمعتهم يصرخون قائلين: الله أكبر. كما سمعتهم يكررونها كثيراً.
ومررنا بالقرب من نمرين دون أن ندخلها، ثم وصلنا إلى الطرف الشمالي لمرج الذهب، حيث كان يخيم جيش الإنقاذ إلى جوار الطريق العام الذي ينطلق من مسكنة ذات المفرق الرباعي، ويتجه إلى صفد وعكا، ومنهما إلى سوريا ولبنان. وهنالك، إلى جوار ذلك الخط، رأيت معسكراً كبيراً يعج بالآليات والمدافع والبنادق والجنود. ورأيت بعضهم يحملون النواظير ويراقبون الاشتباك. كما شاهدت بعض النسوة المتكهلات من أهالي بلدتنا وهن يتشاجرون مع الجنود ويصرخن قائلات: إن شبابنا قد أبيدوا، وها أنتم أولاء تقفون متفرجين. وها هي ذي بنادقكم ومدافعكم، وأولئك هم اليهود مرئيون بالعين المجردة، فلماذا لا تهجمون؟ والله إنكم لا تجيدون شيئاً سوى الأكل والنوم.
وأخذت النسوة يشتمن الجنود وقياداتهم، ويشتمن ملوك العرب ورؤساءهم، ويتهمن الجميع بالتآمر على الشعب الفلسطيني. وعلا صياح النسوة وتفاقمت شتائمهن. ولكن الجنود راحوا يردون قائلين بأنهم اتصلوا بقيادتهم وأبلغوا بنبأ الهجوم الصهيوني على لوبيا، ولكن قيادتهم أمرتهم بألا يتحركوا قيد أُنملة، وأن يدافعوا عن أنفسهم ضد أي هجوم قد يتعرضون له. فليست هنالك أوامر بالقتال، ولا حتى بتقديم أي دعم للمقاتلين الفلسطينيين. ولكن النساء رحن يسألن الجنود قائلات: ما الذي أتى بكم إلى فلسطين ما دمتم لا تريدون أن تحاربوا؟؟ ما جئتم إلا لكي تقبضوا الراوتب الضخمة وتأكلوا اللحم والرز.
وهكذا ثبت أن جيش الإنقاذ انسحب من لوبيا إلى الشمال ليمنح الجيش الصهيوني فرصة كافية للهيمنة على خط طبريا-الناصرة الذي يفضي إلى حيفا. وبذلك تصبح جميع الأراضي الواقعة إلى الجنوب من الخط تحت هيمنة العدو. والأهم من ذلك كله هو هذا السؤال: لماذا أتت الجيوش العربية إلى فلسطين ما دامت لا تريد أن تقاتل، بل ليس لديها أوامر بالقتال؟ لا بد من غاية، بل لا بد من غايات.
أما المفاجأة فهي أن الجيش الصهيوني قد أثبت بالتجربة أنه أعجز من أن يهيمن على خط السيد المسيح في تلك الآونة، وأنه بحاجة إلى أسلحة أقوى لكي يحرز نصراً على بضع مئات من المسلحين الفلسطينيين.
وأياً ما كان جوهر الشأن، فقد تركنا النسوة أنصاف الشائخات يتشاجرون مع الجنود، وتابعنا مسيرنا، ولكننا اتجنا إلى الغرب هذه المرة. ووصلنا إلى سهل البطوف الذي يشبه حفرة عميقة بين مرتفعات تحيط به من جميع الجهات. وشاهدنا بعض الحصادين يحصدون القمح في السهل، فسألناهم عن الماء فدلونا على عين كانت هنالك في سفح المرتفع الغربي، واسمها عين ناطف. وكنا في جوع وظمأ شديدين. وحين وصلنا إلى ذلك الينبوع العذب كان التعب قد أخذ منا كل مأخذ، ولكننا بعد استراحة قصيرة إثر الشرب، تابعنا مسيرنا إلى قرية عرابة.
وأخيراً وصلنا إلى مضيفنا، فما كان من أهل البيت، بل جميع أهل البلدة، إلا أن استقبلونا بالترحاب. وأحضروا لنا غداءً يتألف من اللبن والزيتون والبيض. وكنا جائعين جداً ومنهكين من التعب والحر. ولست إلا صادقاً إذا ما قلت بأن شعبنا كله طيبة وكرم وشهامة وسخاء.
بقينا في عرابة يومين أو ثلاثة، وبضيافة أناس أنقى من شعاع الشمس. وبعدما تمكن رجالنا من صد الجيش الصهيوني خاسئاً يجرر أذيال الخيبة، جاء أبي وزوج خالتي ذيبة وخالي أحمد، وأخذونا في ذلك اليوم نفسه إلى بدلتنا التي برهنت على أن الصهاينة لا يصلحون للقتال بتاتاً.
***
هاجم العدو لوبيا على محورين، أولهما المحور الآلي الذي أتى من طبريا، وثانيهما محور المشاة الذي انطلق من مستعمرة الشجرة الواقعة إلى الجنوب من بدلتنا. وكان المحور الجنوبي كثيفاً وضاغطاً. وانصب معظم الضغط على الخربة وإلى الشرق منها حيث كانت هنالك مطحنة آلية نسميها البابور القبلي، أي الجنوبي. وامتد القتال حتى شمل الجهة الجنوبية الشرقية، إذ اندفعت سرية من سرايا العدو عبر الكروم التي نسميها الخروبة واتجهت صوب لوبيا، ولكن موقعاً لرجالنا المسلحين قد تصدى لها عند شروق الشمس وردها على أعقابها خاسئة. إنه موقع صغير فيه عشرة رجال فقط، سلاحهم البنادق وليس معهم من الأسلحة الآلية إلا رُشيش إنجليزي من طراز برن.
ومن أخبار المعركة أن رجلاً عمره زهاء خمسين سنة، واسمه حسن العبد، كان له كرم إلى الجنوب من البلدة. وفي الكرم بيت يعيش فيه وأسرته. فلما بدأت المناوشات في شباط، نقل عائلته إلى بيته القديم في داخل البلدة، وظل وحده في الكرم ومعه مسدس رشاش من طراز ستن. وحين هجم الصهاينة على لوبيا في ذلك اليوم نفسه كان بيت حسن العبد أول بيت اصطدموا به. فراح الرجل يقاوم وحيداً حتى نفذت ذخيرته نهائياً. وعند ذاك اقتحم الجنود البيت وأمسكوا بصاحبه ورموه أرضاً، ووضعوا رقبته على عتبة الباب، ثم ذبحوه وفصلوا رأسه عن جسده، وحين جاء الناس إثر الهزيمة التي مني بها اليهود، وجدوا آثار دماء حول البيت وبالقرب منه.
وحدث حادث آخر في بيت ليس بالبعيد عن البيت السابق، إذ كان هنالك رجل اسمه أحمد عوض الشاويش، وبيته في الفسحة السهلية التي إلى الجنوب من القرية، ولكنه أقرب إليها من البيت الأول. وكان الرجل وحده حينئذ، فتصدى للعدو ساعة حاول اقتحام المكان، ولكنه قتل بعد صدام طويل. وعندما جاء الناس في اليوم التالي، وجدوا خمس جثث للصهاينة بالقرب من البيت، ولكنهم وجدوا جثة الرجل مشوهة، إذ لقد مثّل بها العدو انتقاماً لخسارته الجسيمة.
ولئن كان المحور الآلي قد دحر في الساعة التاسعة من صباح ذلك اليوم نفسه، فإن محور المشاة الكثيف والغزير النيران في الجنوب قد ظل في مكانه حتى المساء المتأخر. ولكنه دحر هو الآخر، بل راح شبابنا يطاردون الصهاينة ليلاً حتى مشارف مستوطنة الشجرة.
ولقد وصلت نجدات من القرى المجاورة، كما وصلت نجدة من الناصرة، وهي سرية من الجهاد المقدس التي نظمها الحاج أمين الحسيني. كما جاءت نجدة من قرية عيلبون المسيحية. وشهد بعض الناس لشبان تلك القرية بالشجاعة والتحمس لمقاتلة الصهاينة. ولكن حشد المقاتلين في لوبيا لم يزد عدده كله عن خمسمائة مقاتل. كما أن النجدات قد وصلت متأخرة، فلم تشترك في القتال ضد المحور الآلي. ومعظم الشهداء من أبناء بدلتنا قد استشهدوا قبل وصول النجدات.
ومع أن الصهاينة مشهورون بقدرتهم على إخلاء ساحة المعركة من القتلى والجرحى، فإنهم تركوا وراءهم أربعاً و سبعين جثة. وهناك من أخبرني بأن الصهاينة قد كتبوا أسماء قتلاهم في ذلك الصدام على رخامة ثبتوها على نصب تذكاري أقاموه عند المفرق الرباعي المذكور آنفاً، والذي هو في مسكنة، إلى الغرب من لوبيا. ولكن العدد المسجل على تلك الرخامة هو ستة وثلاثون فقط. وهذا يعني أن اليهود قد زوروا الحقيقة كعادتهم.
ولكن هذا الأمر له تفسير. فالصهاينة ما كانوا يذكرون القتلى المتطوعين الآتين من الخارج، أي الذين هم ليسوا مواطنين في الغيتو. وهذا يعني أن متطوعين من أوروبا وسواها، وبخاصة أوروبا الشرقية، هم الذين هجموا على لوبيا. ماذا عساه أن يكون ذلك الأوروبي الصغير العقل الذي يهاجم قرية صغيرة ليطرد أهلها منها ويقدمها هدية للصهاينة؟ فلو لم يكن اللاعقل هو المحرك الأول للتاريخ لما جاء أولئك المتطوعون المأفونون، إلى بلادنا ليموتوا بالنيابة عن المرابين ذوي الأنياب الزرقاء. قد يزعمون بأنهم جاؤوا ليؤسسوا دولة الحرية. ولكن هذا التأسيس إنما يتم على حطام شعب آخر قذفوا به إلى البؤس والشقاء.
أما شهداء بلدتنا فقد بلغوا العشرين في ذلك اليوم وحده، أو ربما أكثر بقليل. ولقد دفن الناس سبعة عشر شهيداً في مغارة في الخربة اسمها مغارة العريس، إذ لقد كان كل عريس من أهل الحارة الجنوبية يستحم يوم عرسه في تلك المغارة، ولهذا سميت مغارة العريس. ولو بقينا في فلسطين لتغير اسمها فصار مغارة الشهيد.
وألف الجيش الصهيوني كتاباً عنوانه(حرب الاستقلال)، وذلك بعد مدة من زمن تلك الأحداث. وترجم الكتاب إلى اللغة العربية، فأتيح لي أن أقرأه زهاء عام 1993، ووجدت فيه اعترافاً صريحاً من الصهاينة بأن هجومهم على لوبيا قد باء بالخيبة. وفضلاً عن ذلك، فإن الكتاب يذكر اسم بلدتنا أكثر من مرة، ويسميها(لوبيا الملعونة).
ولقد ذهب رجل من أهل بلدتنا إلى فلسطين بجواز سفر دنمركي، وقابل الضابط الصهيوني الذي قاد الهجوم على لوبيا صباح الثامن من حزيران، وطرح عليه جملة من الأسئلة، بينها سؤال ذو صلة بعدد الجنود الذين قاموا بالهجوم، فأبلغه الضابط بأن عددهم ألف وخمسمائة. وهذا يعني أنهم ثلاثة أضعاف المسلحين الذين احتشدوا في بلدتنا يومئذ. ومن المؤكد أن ثمة فارقاً آخر، وهو الفارق في التسلح بين الصهاينة وبين الفلسطينيين. وهذا الفارق هو الذي حتم أن يكون الفلسطيني غير قادر على طردهم من بلاده.
إذن هجموا بألف وخمسمائة جندي. أما أهل لوبيا فقدروا العدد بأربعة آلاف وخمسمائة جندي. ولكن الرقم الأول هو الصواب، لأن من عادتهم دوماً أن يهجموا على القطعة بثلاثة أمثالها. فقدروا أن لوبيا فيها مائتان من المسلحين، وأنها سوف تتلقى نجدة مقدارها ثلاثمائة مسلح. وهذا يعني أن المجموع سوف لن يزيد عن خمسمائة. وهم جميعاً من الفلسطينيين الذين يندر أن تجد فيهم واحداً سلاحه جيد أو جديد.
أما جيش الإنقاذ فحياده مضمون. وكان هنالك جيش عربي آخر إلى الشرق من لوبيا، وعلى مسافة لا تزيد عن عشرين كيلومتراً. وحياده مضمون هو الآخر، إذ وقف متفرجاً دون حراك. وأصيب الناس بالذهول عندما رأوا جيشين عربيين يتفرجان على قرية عربية وهي توشك أن تذبح بأيدي أولئك الحاقدين على الجنس البشري كله. وصرحوا عند ذاك بأن ثمة مؤامرة عالمية كبيرة على الشعب الفلسطيني، كما أدركوا أن اللجوء أو التشرد في الآفاق صار حتمية تاريخية لا بد منها.
وعلى أية حال، فقد برهن الصهاينة، بهذه الهزيمة التي حلت بهم في لوبيا، على أنهم لا يصلحون للقتال في لوبيا، على أنهم لا يصلحون للقتال بتاتاً. ومن المفارقات التي لا دفع لها أن تهزمهم قرية فلسطينية وأن يهزموا، في الوقت نفسه، سبعة جيوش عربية. وحين يتذكر المرء أن تلك الجيوش لم تكن لديها أوامر بالقتال، عدا بعض المناوشات الطفيفة الهادفة إلى ذر الرماد في العيون، فإنه يستهجن ما قد جرى، ويدرك أن العجائب قابلة للحدوث في هذه الدنيا الدنية.
يقيناً، إن الجنود الصهاينة المدربين المسلحين قد هزمهم بعض الفلاحين الذين قلما تجد فيهم من يملك بندقية جيدة بالفعل. إذ ولوا مدبرين وتاركين جثث قتلاهم على الأرض، فضلاً عن الكثير من الأسلحة أيضاً، ومنها مصفحتان تهتكت عجلاتها المطاطية بتأثير الرصاص. ولقد برهنوا على أنهم لا يصلحون للحرب في أماكن أخرى كثيرة، ولا سيما في جنين حيث اشتبكوا مع كتيبة عراقية ملاكها خمسمائة جندي فقط، راحوا يساندون ثلاثمائة مسلح فلسطيني. وانتهى الصدام بخسارة فادحة مني بها العدو الذي اعترفت إذاعته بألف ومائتي إصابة بين قتيل وجريح.
إنهم لا يصلحون للقتال. وأحسن برهان على ذلك هو طردهم من جنوب لبنان، مع أن تسليحهم هو أكمل تسليح عرفته البشرية حتى اليوم الراهن، لأن الغربيين قد وضعوا أنفسهم في خدمة الصهيونية من دون أي مسوغ عقلاني، بل من دون أي شعور بالامتهان.
لو كانت الشجاعة هي العامل الوحيد في إحراز الإنتصارات لما قيض للغيتو الصهيوني أن يعرف دربه إلى الوجود. فبكل صدق، أعرف رجلاً خرج إلى القتال بلا سلاح بتاتاً، وراح يضرب الحجارة على مصفحات الصهاينة. كما أعرف رجلاً آخر خرج وهو يحمل عصا فقط، وكَمَن خلف كومة من الحجارة، فاصطاد جندياً معادياً، إذ ضربه بعصاه من الخلف فرماه أرضاً، ثم انتزع منه سلاحه وقتله به.
***
وبعد مضي يومين سرى مفعول الهدنة، وذلك في الحادي عشر من حزيران. فراح الناس يعملون في حقولهم ويحصدون قمحهم وينقلونه إلى البيادر ويدرسونه بأدواتهم القديمة. إلا أنهم قبل الانتهاء من دراسته، قد تحتم عليهم أن يجابهوا الصهاينة من جديد. والمفاجئ حقاً أن أسلحة العدو صارت الآن شيئاً مختلفاً تماماً، فلديه في الطور الجديد مدفعية ميدان بعيدة المدى، وكذلك مدرعات مجنزرة لا تؤثر فيها نيران البنادق بتاتاً.
وفي الفترة القصير الفاصلة بين الهدنة الأولى والهدنة الثانية(من التاسع إلى السادس عشر من تموز) أخذ الصهاينة اللد والرملة والناصرة، وابتعدت الجيوش العربية عن ضواحي تل أبيب، مع أن جيش الصهاينة قد أبدى عجزاً واضحاً عن زحزحة الجيوش العربية من أي مكان في فلسطين. وليس ذلك بغريب، فالجيوش العربية كانت قد أعدت لمواجهة الألمان. ولوجه الحق الخالص أقول بأن الجيوش العربية كانت تقاتل على نحو جيد حين تصدر إليها الأوامر بالقتال. ومن المؤكد أن العدو لم ينتصر على أي جيش عربي، إلا إذا هاجم مفرزة صغيرة جداً لا تزيد عن مائة جندي، كما هو الحال في المالكية حيث أباد الصهاينة ثمانين جندياً لبنانياً.
يا الهي لقد صار العرب جثة هامدة, كما قالت غولدا مائير ذات يوم.
وفي الجليل الأدنى , أي في صقعنا , اشتبكت كتيبة من كتائب جيش الإنقاذ مع مستوطنة الشجرة الشديدة التحصين ، والتي كان يكفي أن تحيط بها قطعة عسكرية ما من جهتها الجنوبية لتسقط بعد فترة وجيزة،
بسبب حاجتها إلى الماء في ذلك الجو الحار. وفي تلك المناوشة التي دامت زهاء اسبوع ،والتي لا لزوم لها أصلاً
غذ الهجوم على طبريا أجدى نفعاً، لو كان هناك حسن نية – في تلك المناوشة استشهد الشاعر عبد الرحيم محمود، الذي كان ضابطاً صغير الرتبة في ذلك الجيش., وقد اشترك عدد كبير من شبان قريتنا في الهجمات المتكررة على تلك المستوطنة.
ويوم استولى الصهاينة على مدينة طبريا وطردوا سكانها منها تحت سمع الإنجليز وبصرهم، وذلك في شهر نيسان، جاءت أسرة من تلك المدينة وسكنت في بيت حسين عبد الرحمن المقابل لبيتنا تماماً. وهي تتألف من رجل شاب يحمل بندقية،وكذلك من زوجة وثلاث بنات. وكانت البنت الكبرى أصغر مني بسنة أوسنتين، وسرعان ما صارت صديقتي او شريكتي في اللعب.
وذات يوم من أيام تلك المناوشة التي دارت حول مستوطنة الشجرة في تموز، رأيت المرأة الطبرانية تخرج من البيت حاسرة الرأس تماماً، مع أنها كانت حريصة على أن لا يظهر وجهها للعيان، بل هي لا تخرج من البيت إلا لماماً، وذلك على عادة أهل المدن في تلك الأيام. كما أنها بكت وصرخت وولولت وشدت شعرها على نحو مثير للحزن والشفقة. وتجمع الناس حولها، ولا سيما النسوة اللائي شاركنها البكاء بمرارة.
وعلمت أن زوجها قد استشهد بالقرب من تلك المستوطنة التافهة. كانت الشمس لم تغرب بعد، فركضت إلى المقبرة حيث سيتم الدفن، ورأيت الشهيد ممداً على الأرض، مضرجاً بدمائه. وأظن أن رصاصة قد أصابته في قلبه، إذ شاهدت ثقباً في ثوبه قرب ثديه الأيسر. وكانت بندقيته وذخيرته إلى جوار جثته. وراح الرجال يحفرون له ضريحاً، وعندما انتهوا من الحفر حملوه وهم يوحدون الله سبحانه وتعالى، ووضعوه في الضريح، ثم هالوا عليه التراب. وكان ذلك أول شهيد رأيته في حياتي. وإنه لمشهد لا أنساه ما حييت. أما أسرته فلا أدري ما آلت إليه بعد ذلك اليوم.
***
وفجأة صمت الرصاص فلم يعد يسمع في الجوار. وجاء نبأ مفاده أن الصهاينة يعدون العدة للهجوم على الناصرة. ولم يكن هنالك أي جيش عربي في تلك المدينة الجليلة المقدسة، بل لم يكن هنالك سوى سرية صغيرة من قوة ثانوية اسمها الجهاد المقدس.
وقبيل غروب الشمس، في يوم من تلك الأيام القليلة التي تفصل بين الهدنة الأولى والهدنة الثانية، نادتني جدتي من الحارة، حيث كنت ألعب مع بعض الأصدقاء، وكان أخي محمد معها، وقالت لي: هيا إلى نمرين. فهي تعرف أسرة في تلك القرية سوف تستضيفنا لليلة واحدة. وسرنا صوب الشمال حتى بلغنا المكان المنشود، فاستقبلتنا تلك الأسرة بالترحاب. وحين نهضت إثر بزوغ الشمس في اليوم التالي، ونظرت إلى لوبيا، رأيت قذائف المدفعية وهي تدك بيوتها دكاً، والدخان يتصاعد في الجو عالياً. ومن جراء ذلك القصف اللئيم جرح بعض الناس وقتل بعضهم الآخر. وكان هدف هذا اللؤم ناصعاً تمام النصوع، فهم يريدون إخراج الناس من ديارهم بغية إعدادها لاستقبال المهاجرين اليهود القادمين من أوروبا الشرقية وسواها. وبالفعل خرج أهل بلدتنا في الخامس عشر من تموز. ولكن العدو ظل يدك المنازل بالمدفعية طوال ثلاثة أيام. ومع ذلك فهم يزعمون أن الحرب التي خاضوها ضد الجيوش العربية هي التي شردت الفلسطينيين. ترى عن أية حرب يتحدثون؟ أو هل كانت هنالك حرب بالفعل؟
غادر الناس بيوتهم وراحوا يتشردون تحت كل سماء. ووصلت أمي وأبي وأخي حسن إلى نمرين سالمين. كانت والدتي تحمل الصغير على ظهرها، وكان أبي مهتماً بالحمل الذي على ظهر الحمار. وهو كل ما نملك من متاع الدنيا ابتداء من ذلك اليوم المرير.
ولم يبق في لوبيا سوى بعض الرجال والنساء الهرمين الذين لا يستطيعون السير على أقدامهم. ولقد اختبئوا في أحد الكهوف التي كنا نختبئ فيها هرباً من الطائرة الآنفة الذكر، والتي تؤكد وجود الحياة في لوبيا منذ العصر الحجري. وحين دخل الصهاينة البلدة قابلتهم امرأة عجوز من تلك الفئة التي ظلت في المغارة، وأخبرتهم بأمر أولئك العجزة وبمكان وجودهم، فأمروهم بالبقاء في المغارة نفسها دون حراك.
وراح الصهاينة يدمرون بيوت البلدة، الواحد إثر الآخر، بالمواد المتفجرة. فخافت المرأة على نفسها وعلى من معها. (لقد نسيت اسم تلك المرأة بسبب طول المدة) وحين جنّ الليل، وتوقف العدو عن النسف، أخذت المرأة معها من يستطيع السير قليلاً، وغادرت البلدة، فالمسافة لم تكن طويلة، إذ هي لا تزيد عن خمسة كيلومترات، أو أقل. فعند الطرف الشمالي من مرج الذهب يخيم جيش الإنقاذ الذي قدم شيئاً من المساعدة لأولئك العجزة، ولا سيما الطعام. وأخيراً وصلوا إلى لبنان بطريقة لا أذكرها.
أما الذين لا يملكون أن يسيروا تلك المسافة القصيرة، فقد ظلوا في المغارة، ولم يعرف مصيرهم. وأغلب الظن أن العدو قد نسيهم هناك، أو تعمد إغفالهم ونسيانهم. وعندما هدموا البيوت المجاورة للمغارة، سدت الأنقاض بابها وماتوا في داخلها بسبب نضوب الهواء. وهذا هو الأرجح. ولو كان مصيرهم خلاف ذلك لعلم بهم ذووهم بواسطة الإذاعة والصليب الأحمر، أو لعلم بهم أهل بلدتنا الذين ظلوا في دير حنا.
وهكذا تمكنت عصابات جاءت من روسيا وبولونيا وأوكرانيا ورومانيا وسواها، من طرد أصحاب الأرض الذين يعيشون فيها منذ آلاف السنين، وهدموا بيوتهم وشردوهم بصفاقة وخسة، وقذفوا بهم إلى البرد والجوع والفقر وجميع أصناف البؤس والتعاسة. ولقد تمت هذه الجريمة الشنعاء بتأييد من الهمجية السافلة التي تدعي أنها راعية الحضارة والحرية والديمقراطية.
ودمر الصهاينة جميع بيوت لوبيا، ونقلوا حجارتها إلى الشمال قليلاً، حيث شقوا شارعاً جديداً ليكون بديلاً عن طريق طبريا – الناصرة القديم، أي أنهم أبعدوه إلى شمالي الطريق الأول نحواً من مائة متر. واستعملوا حجارة بيوتنا في بناء ذلك الطريق الجديد. وهكذا أزالوا بلدتنا من الوجود، وغرسوا غابة في مكانها، مع أنها- كما يدل اسمها- بلدة قديمة جداً. ولكن الذي فاتهم هو أن لكل صعود هبوطاً لا محالة. والدنيا يومان، يوم لك ويوم عليك.
***
واتجهنا شمالاً إلى ضيعة جدتي خضرا، وهي كفرعنان التي تقع إلى الشرق من الرامة، وعلى مسافة مقدارها أربعة كيلومترات. إنها بالضبط عند الزاوية الجنوبية الشرقية لجبل الجرمق، وتجاورها من الشمال قرية فرادة (بفتح فشدة على الراء)، وهي التي تعيش على نبع ماء شديد العذوبة. وإلى الجنوب من كفر عنان يقع جبل حزور الذي تعشش على سفحه الجنوبي بلدة المغار. وينداح زيتون الرامة الشهير بين حزور والجرمق، وكذلك بين كفر عنان والرامة نفسها.
ومن المؤكد أن كفر عنان وفرادة تنتميان إلى الزمن الكنعاني. وكانت الأولى تسمى برود والثانية تسمى شفر. هكذا تقول خارطة موجودة في حوزتي، وأظنها من صنع الصهاينة. ولكنني أرجح أن يكون برود هو اسم فرادة القديم، وشفر هو اسم كفر عنان القديم. وقد هدم الصهاينة كفر عنان كما هدموا لوبيا، بل كما هدموا مئات القرى الفلسطينية. ولهذا، فإن تحديد موقعها صار أمراً ضرورياً، وذلك لكي يتاح لقوى التحرير الوطني أن تعيد بنائها من جديد، ولو بعد ألف سنة. وكان أخوال أبي، أو أخوة جدتي، أناساً طيبين، فأعطونا بيتاً، وقدموا لنا طعاماً كافياً، وعشنا معهم حياة وئام واندماج، حتى لكأننا بعض أفراد أسرتهم.
وأذكر أن أبي قال لأمي، ونحن في الطريق إلى كفر عنان التي تبعد عن لوبيا زهاء خمسة عشر كيلو متراً: ليس لنا سوى دمشق. فسألته أمي قائلة: ولماذا دمشق حصراً؟ فأجاب: لأن دمشق مدينة تكثر فيها فرص العمل، وهناك سوف أشتغل وأحصل على ما يكفي لتغطية نفقاتنا. ولكن أمي قالت: إنهم سوف يعيدوننا إلى بلدتنا. فأجابها أبي: ثقي تماماً بأن هذا لن يحدث أبداً، لأن اليهود يريدون الأرض خالية من السكان بغية إعدادها لاستقبال اليهود الذين ما زالوا في الخارج.
كما أذكر أنني قلت لأبي: كثيراً ما كنت تؤكد لي أن جيوش العرب لن تتخلى عنا. وها نحن قد صرنا لاجئين كما ترى، وها هو ذا مصير فلسطين قد حسم لصالح من نسميهم أبناء الميتة. أما تشعر الآن بأنك لم تكن على صواب؟ فقال لي: إياك أن تثق بالعرب بعد اليوم أبداً.
***
وقضينا في كفر عنان ثلاثة أشهر ونصف الشهر. وهناك، وفي يوم من أيام شهر آب، أنجبت أمي بنتاً سمتها مريم. وعرفنا المكان الذي لجأت إليه أسرة جدي علي، وهو عرابة البطوف. وذهبنا إليهم أكثر من مرة. ولكن أسرة جدي انتقلت إلى المغار لسبب لا أذكره. وقد زرتهم هناك، وكانوا يسكنون في بيت استأجروه، ومن سطحه كانت لوبيا ترى بالعين المجردة. ورأيت في بيت جيرانهم نخلة جميلة. ويومذاك عرفت النخيل لأول مرة في حياتي، إذ لم يكن في قريتنا نخيل قط.
وكي نحصل على نفقاتنا، راح أبي يعمل بتجارة القمح والعدس والخضروات. فصرنا نشتري كيل قمح أو عدس (والكيل سبعون كيلو غراماً) من سخنين أو من عرابة ونبيعه في الجش أو في الصفصاف، بعدما ننقله على حمارنا الذي لم نبق نملك من حيوان سواه. وكنا نشتري البندورة من الصفصاف، بخاصة ونبيعها في عرابة أو في سخنين. ووصلنا أحياناً إلى بعض القرى التي هي إلى الشرق من الجش (وهذه بلدة قديمة كان اسمها جسكالا في العصر الكنعاني) وأذكر من تلك القرى واحدة اسمها الرأس الأحمر. وذات مرة ذهبنا إلى قرية اسمها البقيعة، وهي إلى الغرب من الجش.
وإذا سار المرء من كفر عنان إلى فرادة ثم إلى السموعي، فالصفصاف على الطريق المعبد يومئذ، فإنه يرى مدينة صفد إلى الشرق من ذلك الطريق. فهي تربض على ذروة جبل كنعان مثل يمامة في عشها. فلابد من أن تكون مدينة عذية، طيبة الهواء، وذلك بسبب ارتفاعها ونزاهة مكانها.
وعلى يسار المسافر من السموعي إلى الصفصاف كانت هنالك قرية لليهود اسمها مرون، أو مارون. وهي صغيرة جداً وموقعها في السفح الشرقي من جبل الجرمق، أي قبالة صفد تماماً.
وكانت هنالك بين مرون والصفصاف ساقية ماء بارد تنساب من مكان لا أعرفه، ولكنها تنحدر باتجاه الوادي العميق الذي يفصل بين جبل الجرمق وجبل كنعان. وما دام الشيء بالشيء يذكر، لا ضير إذا ما ذكرت جدولاً عذب الماء اسمه وادي سلامية (بفتح السين وتشديد اللام). لقد كان في طريقنا من كفر عنان إلى دير حنا فعرابة. إذ كنا نلقاه عن الطرف الغربي لجبل حزور، أي عند الزاوية الجنوبية الغربية لزيتون الرامة. ومما لا يروقني أن علم الجغرافيا يهتم بالأنهار الكبرى، ويدير ظهره لوادٍ كواد سلامية، أو وادي الشومر، أو لنبع صغير مثل نبع دامية، أو سواه من الينابيع الصغيرة.
وأغلب ظني أن وادي سلامية كان ينبع من عين الأسد التي هي في السفح الجنوبي من الجرمق، إلى الشمال من الرامة. وهو يحاذي الطرف الغربي لزيتون تلك البلدة الشهير، ثم يتابع سيره باتجاه الجنوب ولكنني لا أدري أين يتلاشى. وقد رأيت رجلاً أتى من الجليل إلى دمشق في أوائل سنة 2001، وسألته عن وادي سلامية الذي ما زلت أذكر عذوبة مائه، فأخبرني بأنه قد جف نهائياً، وذلك بسبب الإفراط في ضخ المياه الجوفية.
***
وبتلك التجارة التي رحت أمارسها مع أبي أتيحت لي فرصة كافية للتعرف على جزء من الجليل. ومما ينبغي معرفته أن جيش الإنقاذ كان يملأ الأرض، ولا سيما زيتون الرامة والمغار وكفر عنان والسموعي والصفصاف. وهذه حقيقة رأيتها بأم عيني. ولكن ذلك الجيش قد رحل في أواخر تشرين الأول من دون أن يقوم بأية مناوشة ذات بال، سوى واحدة صغيرة جداً قرب مجد الكروم التي هي إلى الغرب من الرامة، وذلك ابتغاء تغطية انسحابه، كما سبق له أن خاض مناوشة حول قلعة جدين لا أذكر تفاصيلها.
يقيناً، لو أن جيشاً عربياً صغيراً قاتل الصهاينة من الجرمق وإلى جواره لظل ذلك الجبل الأشم في حوزة العرب حتى اليوم، شريطة أن يتوفر الإمداد. أقول هذا اعتماداً على حقيقة فحواها أن عدونا جبان لا يجرؤ على مهاجمة أي جيش عربي. وحين أقول إنهم جبناء فأنا لا أقصد أن أهينهم، بل أن أصفهم على حقيقتهم تماماً. فهم لا يهاجمون أي أرض إلا بعد إفراغها من القوات العربية. ولا يهجمون على أي جيش عربي ويشتبكون معه إلا إذا كان مجرد مفرزة صغيرة يداهمونها ويفتكون بها ما لم تنسحب أمامهم، كما انسحبت سرية أردنية من اللد والرملة. وذات مرة فتكوا بمائة جندي سوري إلى الغرب من الجش، أو إلى الشرق من سعسع. وذلك في أواخر تشرين الأول. ولا يمكن لحصار الفالوجة في الجنوب أن يكون إلا نتيجة مؤامرة، فالهر لا يحاصر النمر. وأهم ما في أمره أن الجنود المصريين قد ظلوا متفوقين على الجيش الصهيوني، مع أنهم محاصرون. وكانوا كل ليلة يهاجمون مواقع العدو ويلحقون به خسائر ليست بالطفيفة. ولا عجب فالجيش المصري قديم، أما الجيش الصهيوني فحديث الولادة يومئذ. ولهذا السبب فإنهم لم يتجاسروا على أن يقتحموا ذلك الجيش مع أنهم يحاصرونه من جميع الجهات. فلو هاجموه لدفعوا الثمن باهظاً. ولكنهم معتادون على أن يربحوا بأقل جهد ممكن، سواء في الحرب أم في التجارة.
***
ومرت بقية تموز، وكذلك آب، دون أي توتر ذي بال. أما أيلول فكان مضطرباً بعض الشيء. فقد أذيع خبر اغتيال الكونت برنادوت السويدي في القدس، وهو من كان وسيطاً دولياً بين العرب والصهاينة.
وذات يوم قصفت طائرات العدو بلدة مغار حزور وقتلت أربعة رجال من المدنيين الدروز. وكان ذلك القصف بقصد الضغط على الأهالي ليطردوا جيش الإنقاذ من جوار بلدتهم. وخاف الناس إثر ذلك من قصف جوي أو من هجوم بري، فقرروا أن يرحلوا النساء والأطفال إلى مكان آمن في جبل الجرمق، إذ يتيسر أن يهاجروا من هناك إلى لبنان بسهولة. فللحق أن شبح المجزرة قد أخذ يطارد الفلسطينيين منذ شهر نيسان.
وفي ذلك الشهر نفسه انسحب جيش الإنقاذ من جنوب عيلبون إلى المغار، فتقدم الصهاينة فوراً وأخذوا تلك القرية بلا خسائر، ولا قتال. فهم لا ينالون أرضاً إلا إذا أفرغت سلفاً من القوة العربية التي ترابط فيها. ويبدو أنهم لا يتحملون خسائر كبيرة، لأن الخسائر الكبيرة من شأنها أن تبخر المشروع الصهيوني. وبما أن رجال عيلبون قد ساهموا في صد الصهاينة عن لوبيا قبل ثلاثة أشهر. فقد جزروا بعضاً من أهل تلك القرية المسيحية، وطردوا بقية السكان من ديارهم، بعدما أمسكوا الخوري ونتفوا لحيته شعرة إثر شعرة. وقد رأيت أهل عيلبون وهم يمرون بكفر عنان متجهين إلى لبنان، ولم أشاهد الخوري المعتدى عليه، ولكن الناس شاهدوه وتحدثوا في أمره، وقد سمعت ذلك الحديث في حينه. ولكن الصهاينة سمحوا لأهل تلك الضيعة بالعودة إلى ديارهم بعد برهة وجيزة، فمنهم من عاد ومنهم من ظل في عداد اللاجئين.
وإثر احتلال عيلبون وقصف المغار بالطيران، رحلنا إلى جوار قرية اسمها عين الأسد القائمة على السفح الجنوبي لجبل الجرمق، إلى الشمال من الرامة. وكنا كومة كبيرة من النساء والأطفال. وأقمنا تحت بعض أشجار السنديان الشامخة المتينة. والسنديان شجر لم أره من قبل ذلك اليوم. وكنت أنام تحت سنديانة شديدة الضخامة لم أشاهد لها مثيلاً من بعد إلا في السويد. وإني مازلت دائم التساؤل عن مصير تلك الشجرة التي ألفتها كثيراً. كما رأيت إلى جوار النبع في تلك القرية أشجار الحور لأول مرة أيضاً. وأذكر أنني راقبت أوراقها وهي تغير لونها من الأخضر إلى الأبيض حين يداعبها النسيم. ومكثنا في عين الأسد بضعة أيام، ثم عدنا إلى كفر عنان.
آه! كم كابدنا نحن الفلسطينيين لكي ينشأ على أرضنا هذا الغيتو الصهيوني الذي لا يساوي شروى نقير.
***
كان جيش الإنقاذ يخيم في زيتون الرامة الواسع المساحة، ولا سيما إلى جوار كفر عنان تماماً. وذات يوم راح ذلك الجيش يرحل بسياراته نحو الشمال. ومعنى ذلك الرحيل أن الصهاينة آتون، إذ هكذا كانت العادة بالضبط. فالجيوش العربية تخلي مواقعها أولاً، ثم يأتي العدو ويأخذ الأرض من دون عناء. وبعد ذلك راحوا يروجون إشاعة زائفة وينشرونها على مدى العالم كله، ومفادها أنهم قد هزموا سبعة جيوش عربية. وذلك مما شجع آرثر كوستلر، وهو كاتب صهيوني واسع الشهرة يوم ذلك، على الحديث عن "طرزانات عبرانية". وهذه هي عبارته بالضبط. يقيناً، إن هذا افتراء على الحقيقة وتزوير لها. فلكي يكونوا طرزانات ينبغي أن يخوضوا معركة واحدة تستحق أن تسمى معركة، فهل لهم أن يذكروا اسم معركة واحدة خاضوها منذ سنة 1948 وحتى يوم الناس هذا؟؟ فقط معركة واحدة، وإنني أتحداهم.
أما أهل كفر عنان فقرروا أن يرفعوا الرايات البيضاء، ثم البقاء في بيوتهم. ولكنهم احتاطوا للأمر فأرسلوا شبانهم إلى أعالي الجرمق خوفاً من المجزرة، وأوصوهم بأن يراقبوا الوضع، فلئن تبين لهم أن لا خطر عليهم، فإن في ميسورهم الإياب إلى القرية عن ذاك، وإلا فإن لبنان قريب. وكان لأبي خال طيب جداً اسمه إبراهيم. فأخذ ذلك الخال، وأنا حاضر، يقنع ابن أخته بأن يظل في كفر عنان، شأنه شأن أهل تلك البلدة. ولكن أبي قال لخاله: أنا من لوبيا، واليهود لئام ولا ينسون ثأرهم. فإذا ما دخلوا كفر عنان تركوا القرية كلها وذبحوني مع زوجتي وأولادي. ولهذا، فإننا راحلون عند الفجر. وعبثاً حاول خاله أن يقنعه بتغيير رأيه، إذ أصر على موقفه تمام الإصرار.
وفي مساء تلك الليلة، وأظن أن مساء الثامن والعشرين من شهر تشرين الأول، وصل خالي أحمد من المغار ومعه رجلان آخران، وكانوا ذاهبين إلى الصفصاف ومعهم حمير تحمل قمحاً للبيع، إذ تعلم تلك التجارة من أبي. ولقد سبق أن جاء خالي أحمد وحده ذات مرة إلى كفر عنان، وكان معه حمار عليه حمل قمح، وطلب من أبي أن يرسلني معه لأدله على الطريق التي صرت أعرفها جيداً بسبب طول الممارسة، فوافق أبي في تلك المرة الأولى، وذهبت مع خالي إلى الصفصاف، وبعنا القمح واشترينا البندورة وعدنا إلى كفر عنان، فذهبت إلى أسرتي، وتابع الرجل مسيره إلى المغار، حيث يقيم ذووه.
وفي هذه الليلة، وهي آخر ليلة قضيناها في فلسطين، جاء خالي ومعه الرجلان اللذان ذكرتهما للتو. وطلب من أبي أن يرسلني معهم لأدلهم على الطريق، فما كان منه إلا أن رفض رفضاً باتاً، لأنه قرر الرحيل إلى لبنان. ونصح لهم بأن يتخلوا عن القمح وأن يعودوا إلى ذويهم. فالجيش قد رحل، واليهود آتون لا محالة، ولم يبق إلا أن يحسم المرء موقفه.
وذهب الرجال الثلاثة من دوني. وناموا تلك الليلة في الصفصاف التي تبعد زهاء عشرة كيلومترات إلى الشمال. وقبيل الفجر هجم الصهاينة على تلك القرية آتين من صفد. (وكان من عادتهم أن يهجموا في السحر، أي قبيل الفجر دائماً). وجمعوا الناس على البيادر، وهناك ارتكبوا مجزرة مروعة، فلقد أبادوا اثنين وتسعين شاباً رمياً بالرصاص، مع أن تلك القرية لم تطلق عليهم أية نيران، ومع أنه لم يحدث فيها قتال مهما يك نوعه. أما الرجال الثلاثة فلم يذهبوا إلى البيادر، بل تخلوا عن القمح والحمير، ونزلوا إلى وادي الجش الذي يشبه الملجأ لشدة عمقه. وساروا إلى لبنان، فالتقينا بهم مساء في قرية الرميش، أي بعد مرور أربع وعشرين ساعة على لقائنا بهم في كفر عنان.
ولم يكتف الصهاينة بمجزرة الصفصاف، بل قصفوا بلدة الجش القريبة جداً، وكان القصف بمدفعية الدبابات، فقتلوا عدداً من الناس في داخل بيوتهم، كما أبادوا أسرة من حطين سبق لها أن التجأت إلى الجش وأقامت في مدرستها. وعند ذاك وصل باصان يحملان مائة جندي سوري إلى أرض الجش كنجدة، فوجدوا أنفسهم محاطين بدبابات الصهاينة. ولم ينج من الباصين إلى القليل جداً، هذا إن كان قد نجا أحد بالفعل.
وقد ذكر الإرهابي بن غوريون، وهو أول رئيس للعصابات الصهيونية، بأن بعض المجازر قد ارتكبت في الشمال وفي الجنوب، أثناء تلك البرهة. ولا ريب في أنه يقصد مجزرة الصفصاف وسواها من مجازر الجنوب. فمما هو ناصع تمام النصوع أنهم قد طاردونا بالمجازر كي نخلي لهم أرضنا ليؤسسوا عليها هذا الغيتو الدموي الذي لا يساوي قشرة بصلة، كما يقول أهل بلدتنا حين يريدون أن يقوموا شيئاً لا قيمة له. فلقد ارتكبوا كل شناعة وفظاعة من أجل تجمع متفسخ فاسد سلفاً، وقائم على امتصاص دماء الشعوب المنهوبة. إنه تجمع طفيلي يعيش عالة على سواه، فلا بد للعالم من أن يعافه ويمل منه، عاجلاً أو آجلاً، إذ السأم داء من أدواء البشر لا علاج له البتة.
***
قرر أبي أن نرحل قبيل الفجر، ولكن خاله أصر على أن تبقى جدتي عند إخوتها. وتيقنت أن لا لقاء مع جدتي بعد ذلك اليوم. وأنا أحب تلك المرأة كثيراً جداً، ولكنها تحبني أكثر. ولقد بكيت بإفراط بسبب فراقها، بل بكيت على نحو لم أعرفه من قبل ولا من بعد. وبكت العجوز بمرارة، بل بكت جميع النساء اللائي كن في ذلك البيت الكبير. ولكن النعاس غلبني فنمت باكراً. وههنا يحق لكل عاقل أو حساس أن يتساءل عن قيمة هذه الحضارة الحديثة الموغلة في الهمجية والتي تفرق بين الأم وابنها، أو بين الجدة وحفيدها. ترى، ماذا عساها أن تكون قيمة حضارة بلا ضمير؟
وعند الفجر أيقظونا نحن الأطفال، فودعت جدتي بالبكاء من جديد. إنه فجر لا أنساه ما حييت، وعندما أتذكره فإن صورة عمائية تخطر في بالي أو تتشكل في مخيلتي، إذ إننا لم نكن نعرف إلى أين نحن ذاهبون. وخرجنا من البيت في الغبش الذي يصنعه الفجر نفسه، ولكن النجوم الزاهرة كانت لا تزال تتألق في الفضاء. ولم نسر على الطريق المعبد الذي كان يربط كفر عنان بالرامة. بل سرنا على درب ترابي يتجه غرباً في السفح الأدنى لجبل الجرمق. وبلغنا الرامة بعد بزوغ الشمس، ثم صعدنا شمالاً إلى عين الأسد، واجتزناها إلى الأعلى صوب قرية أخرى اسمها بيت جن.
وقبل أن نصل إلى تلك القرية الأخيرة، صادفنا شبان كفر عنان الفارين من وجه الصهاينة. لاقيناهم هناك في أعالي الجرمق. وكان عددهم يربو على العشرين. فجلسنا على الأرض جميعاً. وأخرج أبي علبة التبغ المعدنية ولف سيجارة، ثم ناول العلبة لكل من أراد أن يدخن. وعد ذلك سألوه: ما رأيك يا أبا يوسف؟ ماذا نفعل؟ أنرجع إلى القرية، أم نمضي إلى لبنان؟ إننا منقسمون على أنفسنا، إذ منا من يريد الرجوع، ومنا من يريد اللجوء، فأشر علينا.
فقال أبي: كونوا جميعاً على يقين من أن اليهود أنذال ولئام، فهم لا يؤمن جانبهم أبداً. وإياكم والعودة إلى القرية. إن لبنان صارت على مرمى حجر. فاعبروا الحدود، وهناك سوف تجدون أعمالاً وتعيشون، شأنكم شأن هذه الجموع البشرية التي ترونها راحلة إلى بلاد الله الواسعة - وأشار بيده إلى رتل كبير من النازحين كان يسير على الدرب- وإن لم يتيسر لكم العمل في لبنان فارحلوا إلى سوريا، وخاصة إلى دمشق.
فقال بعضهم: وكيف نترك أهلنا وبيوتنا وأرضنا؟ وكيف نتحول إلى لاجئين بائسين؟ وقد لا نجد عملاً في لبنان ولا في سوريا، وعند ذاك سوف يتحتم علينا أن نتسول.
فقال أبي: لقد أخلصت لكم النصيحة، وهذا هو حقكم عندي. وإني أحذركم مرة أخرى من العودة إلى القرية. وأرجو لكم السلامة وأستودعكم الله رب العالمين.
وتركناهم منقسمين على أنفسهم، ومضينا إلى هدفنا. وشعرنا بالتعب والجوع الشديد، بل لقد ابتدأ جوعنا منذ ذلك اليوم حصراً. وشكونا الجوع للوالدين، فقال أبي بأنه يعرف شاباً في بيت جن كان وإياه شرطيين في حيفا، فإن وجده أكلنا وشبعنا. وبالفعل التقينا بالرجل، وهو شاب أصغر من أبي ببضع سنوات، وله زوجة شابة في مقتبل العمر. كما كان والد الشاب في البيت وكذلك والدته. ورحبوا بنا ترحيباً صادقاً، وجاءونا بالطعام من دون أن نطلبه. وكان الطعام من دبس العنب واللبن والخبز. وأكلنا حتى الشبع حقاً. ثم أعطونا خبزاً مدهوناً بالدبس من أجل عشائنا. وأخيراً ودعناهم ومضينا إلى لبنان التي صارت قريبة جداً.
ومررنا إلى الغرب من قرية اسمها حرفيش. وهي آخر قرية فلسطينية من جهة الشمال. كما أن بلدة دير القاسي كانت إلى الغرب منا، أي إلى يسارنا. ثم عبرنا خطاً معبداً يتجه من الشرق إلى الغرب، أو بالعكس، وشاهدنا قرية سعسع القريبة من الجش، والتي كانت إلى الشرق أو إلى اليمين. ثم هبطنا أرضاً منحدرة فوصلنا عند غروب الشمس إلى قرية اسمها الرميش، وهي أول قرية لبنانية. وطلبنا الماء فلم نجده، ولكن كانت هنالك بركة تشرب منها المواشي وتبول فيها، وترى الديدان على صفحة مائها بالعين المجردة. أما لون الماء فهو أسود، أو ربما ضارب إلى الزرقة أو إلى الخضرة بسبب كثرة الأوساخ. وبسبب تعذر الحصول على الماء النقي، فقد شربنا منها جميعاً، بل شرب منها آلاف اللاجئين المحتشدين في ذلك المكان.
والتقينا ببيت جدي علي بالصدفة عند حافة تلك البركة. كما التقينا بخالي أحمد وبالرجلين اللذين كانا معه. وسردوا علينا ما قد جرى لهم خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة، أي منذ أن تركونا في كفر عنان وحتى التقينا في الرميش.
ورأيت عدداً كبيراً من النساء والأطفال يبكون بسبب ما هم فيه من كرب وبلاء. ولم يبك الرجال، لأن بكاء الرجال في تقاليدنا عار كبير، فلا يجوز للرجل أن يبكي إلا إذا توفي شاب ذكر من أقربائه القريبين جداً. وسمعت من يقول بأن هذه الكارثة لو حلت بفرد لقتل نفسه، ولكنها عامة، وفي ذلك عزاء لكل منا. وكان لهم عزاء آخر في اعتقادهم بأن ما يجري هو إرادة الله رب العالمين.
ولكن الجميع راحوا يشتمون الإنجليز واليهود وملوك العرب. وقد ظل الفلسطينيون حاقدين على أولئك الملوك طوال عشرات السنين، كما ظلوا حاقدين على الإنجليز حتى اليوم. وسمعت الكثيرين يرجون الله القوي العزيز أن ينتقم للفلسطينيين من الإنجليز واليهود وملوك العرب. ومما تقتضيه الأمانة والإخلاص للحقيقة أن أذكر أن الفلسطينيين كانوا وما زالوا ينظرون إلى الإنجليز بوصفهم أحذية ينتعلها اليهود.
أما تاريخ ذلك اليوم فهو التاسع والعشرون من تشرين الأول، إذ في ذلك اليوم حصراً حدثت مجزرة الصفصاف. وعندي أن من واجب كل فلسطيني أن يسجل جميع تلك الأخبار، ولا سيما أخبار المجازر على شغاف قلبه، إذ لا بد من أن يجيء العقاب ولو بعد ألف سنة. ولكن العقاب لن يجيء إلا إذا ظلت ذاكرتنا حية حتى يجيء.
ونمنا تلك الليلة في العراء عند الحافة الجنوبية لبركة الرميش. وفي الصباح التالي رحلنا مشياً على الأقدام إلى بلدة قريبة اسمها بنت جبيل. ولكننا لم نقم فيها، بل تابعنا سيرنا حتى وصلنا إلى قرية اسمها بيت ياحون. وبالقرب من جدار، أو ربما بناء مهجور، وضعنا أمتعتنا القليلة وجلسنا على الأرض. وجمعنا شيئاً من الحطب وطبخنا المجدرة. وبقينا هنالك لبضع ليال. وكان معنا بيت جدي كلهم، وكذلك خالتي ذيبة وزوجها وطفلها سعيد.
وهكذا فعل الصهاينة بنا ذلك الفعل اللئيم الذي لا يفعله أحد سوى أولئك الحاقدين على الجنس البشري كله. ولو كان فيهم ذرة من إنسانية لما شردونا بهذه الطريقة الإجرامية السوداء. إن تشريدنا على هذه النحو الاضطهادي هو أنذل فعل بين جميع الأفعال التي فعلتها البشرية بأسرها، وإن الذين شردونا هم أنذل أصناف الجنس الإنساني على الإطلاق. ولكن، لا ريب في أننا محظوظون، إذا وازن المرء بين مصيرنا ومصير الهنود الحمر.
***
أما شبان كفر عنان الذين تركناهم في أعالي الجرمق، فقد سار بعضهم إلى لبنان، ولكن معظمهم رجعوا إلى القرية، وناموا ليلتين في بيوتهم. ودخل الصهاينة إلى كفر عنان في صبيحة الثلاثين من تشرين الأول. وكان معهم أفراد من يهود العالم العربي الذين يتكلمون العربية مثلنا تماماً. فأخذوا يقرعون الأبواب ويأمرون الناس بالاحتشاد على البيادر. وهذا يعني المجزرة. وبالفعل انتقوا أربعة عشر شاباً ممن كانوا في ريعان العمر، وأخذوهم إلى كروم الزيتون المجاورة، وأطلقوا عليهم النار، باستثناء شاب واحد استطاع أن يهرب بين الزيتون وينجو. وهذه مجزرة أخرى من المجازر التي أشار إليها بن غوروين في مذكراته. وقد ارتكبها الصهاينة مع أن كفر عنان لم تطلق عليهم طلقة واحدة، ومع أنه لم يجر أي قتال في تلك البلدة.
ومما هو مثير للشعور بالتقزز أن الغربيين والصهاينة قد رسخوا مفهوماً خلاصته أن الإرهاب هو أن يدافع البشر عن أنفسهم ضد هذا الشر الذي يجهل الحدود.
وكان من بين القتلى شاب وسيم جداً أصله من مدينة صفد، وكله جمال وهدوء وصفاء. وقد جاء في أيار مع أمه وزوجته وابنته الوحيدة التي كانت ما تزال في طور الرضاع، وسكنوا في كفر عنان بدلاً من الالتجاء إلى لبنان، ظناً منهم أنهم سوف يعودون إلى بيتهم عما قريب. وكان له أخ استشهد في صفد أثناء الصدامات. ولم يكن الشاب يدري بما أصاب أخاه الشهيد، إذ قالت له أمه بأنه قد لجأ إلى لبنان، وأنه سوف يأتي بعدما تستتب الأوضاع. ورحلت أمه وكنتها وحفيدتها إلى دمشق، وسكنّ في حارة اليهود، وذهبت أمي إلى بيتهن وزارتهن وجاءتني ببعض أخبارهن.
وما زلت أذكر ذلك الشاب الصفدي المسالم الهادئ الناعم الشديد الطيبة. لقد كان أبيض الوجه، شأنه في ذلك شأن معظم أهل صفد. وكان أنيق الهندام، نظيف الثياب، ويحمل ساعة في يده اليسرى، الأمر الذي لم يكن كثير الشيوع في تلك الأيام.
وبعدما جزر اليهود أولئك الشبان الأبرياء بالرصاص، فقد احتشدوا حول جمهور الناس وأخذوا يضربونهم دون أن يحترموا شيخاً أو امرأة، كما أنهم لم يشفقوا على الأطفال، ولا قدموا لهم أي غذاء.
وظلوا يطاردون أهل تلك القرية، وفيهم جدتي خضرا، بالضرب حتى قذفوا بهم إلى خارج الحدود. ولقد حدثت مجزرة كفر عنان بعد مضي يوم واحد على مجزرة الصفصاف الآنفة الذكر. وبذلك يكون الصهاينة قد ارتكبوا بضع مجازر في الجليل، ولكن أكثرها شناعة وفظاعة هي مجزرة الصفصاف ومجزرة عين الزيتون التي تنم تفاصيلها المريعة عن مرض يعطب جذور الشخصية اليهودية.
لقد طرد الصهاينة أهل كفر عنان من ديارهم، ثم هدموا بيوتهم وأحالوها إلى خرائب، مع أن أولئك الفلاحين لم يطلقوا على العدو ولو رصاصة واحدة في أي يوم من الأيام، بل إنهم لم تكن لديهم أية قطعة سلاح، باستثناء مسدس كان لواحد من أبناء أخوة جدتي اسمه محمد. فهدف المذبحة واضح لا يخفى حتى على الأطفال.
ومنذ سنوات قليلة، اجتمعت في مخيم اليرموك برجل كان مع الشبان الذين التقيناهم في أعالي الجرمق بين عين الأسد وبيت جن، ولكنه من الفئة التي قبلت بنصيحة أبي والتجأت إلى لبنان، فبادرني بالقول: رحم الله والدك، لقد كان حكيماً. أتذكر يوم التقينا في جبل الجرمق؟ فقلت له: أذكر. فقال: إن أباك قد حذرنا من اليهود ولؤمهم الأسود. ولكن لا ينفع حذر من قدر.
ولقد أشاع الصهاينة أننا غادرنا بلادنا بسبب رهاب الحرب. وهذا افتراء على الحقيقة وتزوير، إذ لم تكن هنالك حرب بتاتاً، وإنما صدامات ومناوشات طفيفة فقط، ولا سيما في الجليل. وأنا أؤكد للمؤرخ الذي لم يولد بعد أن الحرب ممنوعة الحدوث في منطقتنا، وذلك لأن الصهاينة سوف يفرون إلى أماكن بعيدة لو أن حرباً فعلية قد نشبت في أي يوم من الأيام. يقيناً، إن أي حرب حقيقية في فلسطين معناها إخفاق المشروع الصهيوني إلى الأبد، حتى لو أسفرت الحرب عن نصر للصهاينة، وذلك لأن معظم سكان الغيتو الصهيوني سوف يغادرونه بلا رجعة.
لقد طردونا عمداً، وبقوة السلاح، وكانت المجزرة هي الطريقة التي استعملوها للهيمنة على أرضنا. وأنا لم أذكر جميع المجازر التي ارتكبوها في فلسطين خلال عام النكبة، وخاصة مجزرة المنشية في يافا، ومجزرة اللد المروعة التي جرت في شهر تموز. حبذا لو يقوم أحد كتابنا بتأليف كتاب مخصص للمجازر التي منينا بها منذ سنة 1948 حتى اليوم. إنهم ما زالوا يلاحقوننا بالمجازر، كما أنهم قد ارتكبوا عدة مجازر في مصرولبنان، وكانت ضحاياها من المصريين واللبنانيين. وبهذا يثبتون أن الغيتو الذي بناه لهم الغربيون سوف يكف عن الوجود يوم يكف سكانه عن القتل وسفك الدماء. ومن واجب كل فلسطيني أن يسجل أخبار تلك المجازر أو تفاصيلها على شغاف قلبه، وذلك لأن هذا التسجيل هو تأسيس ليوم العقاب الذي سوف يأتي دون أدنى ريب.
***
وفي بيت ياحون بعنا حمارنا بست ليرات لبنانية، واستأجرنا سيارة تكسي نحن وبيت خالتي ذيبة، ورحلنا إلى مدينة صور، بعدما تركنا أسرة جدي في تلك الضيعة. ودفعنا ثمن الحمار كله للتكسي، أو للسائق الذي قال لنا: إن قطاراً يجيء كل مساء إلى المحطة في صور ويشحن اللاجئين مجاناً نحو الشمال. سآخذكم إلى المحطة، وهنالك تركبون وتسافرون إلى حيث يشاء الله.
وبالفعل وصلنا إلى المحطة، وركبنا القطار مع سوانا من اللاجئين، وفيهم أناس من أهل بلدتنا. وسار بنا القطار صوب الشمال. وجعنا في الطريق كثيراً، إذ لقد انتصف الليل ونحن ما زلنا دون عشاء. وحينما توقف القطار في محطة بيروت، نزل أبي ليشتري لنا طعاماً، فوجد بائع سندويش، وسأله عن ثمن السندويشة، فقال: ربع ليرة. فقال له أبي: معنا نقود فلسطينية، وربع ليرتكم تساوي قرشين فلسطينيين أو أكثر بقليل، سأعطيك ثلاثة قروش لكل سندويشة، فهل تقبل؟ ولكن البائع قال إنه لا يأخذ أي عملة سوى العملة اللبنانية. وهكذا بقينا بلا طعام.
وحين وصلنا إلى طرابلس، وتوقفنا في المحطة عند الفجر، نزلت بعض النسوة إلى الأرض، وأشعلن ناراً وخبزن شيئاً من الخبز على الصاج. وحين انتهين صببن ماء على ذلك الصاج ليبرد، ثم حملنه وحملن الخبز وصعدن إلى القطار. وأعطيننا ثلاثة أرغفة أو أربعة أكلناها بغير إدام.
وتابع القطار مسيره إلى حمص ثم إلى حماة. ونزلنا في المحطة بناء على أوامر السلطة، وجاءت سيارات شاحنة وشحنت الناس ونحن معهم إلى الجامع الكبير القريب من الناعورة. ووجدنا الجامع مكتظاً باللاجئين، وحين وصلنا إليه صار شبيهاً بالمحشر.
ومكثنا في حماة أسبوعاً كاملاً. وكان هنالك من يوزعون علينا شيئاً من الطعام دون ثمن كل يوم. ولكن طعام يتألف من الخبز واللحم المعلب فقط.
ورأيت النواعير لأول مرة في حياتي، كما رأيت المصباح الكهربائي عن كثب أيضاً. وكنت أتساءل أنا وأخي محمد حول كيفية إشعال اللمبة وإطفائها. ووقفنا تحت إحدى اللمبات ذات مساء لنشاهد كيف يبدأ الاشتعال، ودهشنا عندما رأينا أنه يتم فجأة ودون تدخل الأيدي بتاتاً. إن الأمر يشبه السحر. وفي الصباح وقفنا تحت إحدى اللمبات لنشاهد كيفية الإطفاء، وفوجئنا بأنه يتم على نحو تلقائي أو فجائي.
وبعد أسبوع جاءت سيارات شاحنة، وأخذت تنقل الناس إلى القرى المجاورة. وركبنا في سيارة واحدة زهاء سبع أسر أو أكثر بقليل، وكلنا من أهالي لوبيا. وأنزلتنا السيارة ليلاً على الطريق العام الذي يصل بين حماة وحلب، وذلك في قرية اسمها مورك. ونمنا في بيت إلى يمين الطريق لم يكن بناؤه قد اكتمل، فضلاً عن أنه لم يكن مأهولاً بتاتاً. وفي الصباح جاء بعض الرجال والنساء من أهل مورك، وجلسوا معنا يسألوننا عن أحوالنا ويرحبون بنا، ويواسوننا لما حل بنا من مصائب على أيدي اللئام.
وعند ذلك بكت أمي وخالتي، وبكت النساء الفلسطينيات كلهن، وبكت نساء مورك، وبكى الأطفال وأنا منهم، فكانت هنالك مناحة في ذلك الصباح الذي لا أنساه ما حييت. وكلما تذكرته فإنني أتذكر ما جاء في أحد أسفار التوراة: قرب أنهار بابل جلسنا وبكينا. إنني جازم بأنهم سوف يبكون مرة ثانية، وذلك عقاباً لهم على ما أنزلوه بنا من ويلات.
وراح أهل مورك يواسوننا ويذكروننا بالصبر الذي امتدحه الله في كتابه الكريم. ثم أخذونا إلى داخل القرية، وأعطونا بيوتاً، وجاءونا بالطعام، ورحبوا بنا أجمل ترحيب. فلا ريب في أن الإنسان الطيب موجود في كل زمان ومكان حتى في بلاد الغربيين التي هي قلاع الشياطين.
وكان هنالك في مورك تل صغير اعتدت أن أرتقيه بصحبة بعض الأولاد من أبناء تلك البلدة، إذ سرعان ما شكلت صداقات مع أطفال من جيلي، ورحنا نلعب على ذروة التل، كما رحنا نتسابق في صعوده وهبوطه.
وعلمت أن بيت جدي علي يسكنون في بعلبك. وعند ذاك استطاعت خالتي ذيبة أن تقنع زوجها بالرحيل إلى تلك المدينة. وبالفعل سافرت خالتي وزوجها وابنها، وبقينا نحن في مورك بصحبة بضع أسر من أهل بلدتنا. فلقد وجد أبي عملاً يقينا غائلة الجوع. وحاولت أمي أن تقنع أبي بالرحيل فرفض، وقال لها إن سوريا أحسن من لبنان. فالعمل متوفر في سوريا أكثر مما هو متوفر في سواها من الأقطار المجاورة لفلسطين.
كان هنالك رجل ثري اسمه الحاج كرمو، لديه سيارة شاحنة يسوقها واحد من أولاده. فصار أبي عاملاً يشحن تلك السيارة وينزل حمولتها. وكان أجره ليرتين سوريتين يومياً. وهذا مبلغ جيد في ذلك الحين. والحق أن أبي كان حكيماً دوماً. فقد ثبت فيما بعد أن سوريا أفضل من لبنان للفلسطينيين، أقله من الناحية المادية، ولا سيما خلال السنوات الثلاثين التي تلت النكبة مباشرة.
ولكن حادثاً مأسوياً قد عكر علينا صفونا في مورك، وهو أن أختي مريم التي كان عمرها ثلاثة شهور فقط، مرضت وماتت دون أن يراها أي طبيب، إذ لم يكن هنالك طب في تلك القرية بتاتاً. إن جسمها لم يحتمل ذلك العذاب الشديد، فأثرت الموت على حياة أفسدها الصهاينة والغربيون وشحنوها بالبؤس والشقاء.
وذات يوم فوجئنا بخالي محمد يدخل بيتنا في مورك، إذ لقد أخبرته خالتي ذيبة بمكاننا. وابتهجنا بقدومه كثيراً، ورحب به بعض أهالي مورك الطيبين. وطلب إلينا أن نجمع أشياءنا وأن نستعد للرحيل. وضغطت أمي على أبي بالتعاون مع خالي، فوافق أخيراً. وبعد ذلك حزمنا أمرنا ورحلنا إلى بعلبك، بعد أن قضينا ثلاثة أسابيع في مورك الواقعة إلى الشمال من حماة على طريق حلب.
وأتذكر أننا وصلنا إلى بعلبك في مساء اليوم الأول من شهر كانون الأول سنة 1948، واجتمعنا بأسرة جدي علي وسررنا بلقائهم في نهاية المطاف. وهكذا فإن طوراً جديداً من حياتي قد ابتدأ في مدينة الشمس التي لم تكن سوى قرية كبيرة في تلك الأيام.


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى لوبيا
 

شارك بتعليقك