| فلسطين في الذاكرة | من نحن | تاريخ شفوي | نهب فلسطين | English |
| الصراع للمبتدئين | دليل العودة | صور | خرائط |
| فلسطين في الذاكرة | سجل | تبرع | أفلام | نهب فلسطين | إبحث | بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت | English | |
| من نحن | الصراع للمبتدئين | صور | خرائط | دليل حق العودة | تاريخ شفوي | نظرة القمر الصناعي | أعضاء الموقع | إتصل بنا |
| إبحث |
| أريحا |
| بئر السبع |
| بيت لحم |
| بيسان |
| جنين |
| حيفا |
| الخليل |
| رام الله |
| الرملة |
| صفد |
| طبريا |
| طولكرم |
| عكا |
| غزة |
| القدس |
| نابلس |
| الناصرة |
| يافا |
| تبرع |
| سجل |
| إتصل بنا |
| فديوهات |
شارك بتعليقك
تمثل هذه الوثيقة عقد زواج شرعياً رسمياً محرراً في قضاء طولكرم بتاريخ 19 تشرين الثاني/نوفمبر 1933م، الموافق 2 شعبان 1352هـ، أي في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين. وتُظهر الصيغة المعتمدة والبيانات الواردة فيها خضوع عقود الزواج آنذاك لتنظيم إداري دقيق، يجمع بين المرجعية الشرعية الإسلامية ومتطلبات التوثيق الحكومي، ويتجلى ذلك بوضوح في الإشارة إلى "القسيمة التي ترسل إلى الحكومة"، وفي ذكر أرقام الجلد والقيد القضائي، وأجور المأذون المحددة رسمياً.
عُقد الزواج في قرية شويكة، داخل بيت أحد الشهود، وليس في مقر المأذون، وهو ما يفسر الإشارة إلى أجرة المأذون في غير محله. ويعكس هذا التفصيل طبيعة الحياة القروية في تلك المرحلة، حيث كانت العقود الشرعية تُنجز غالباً داخل الفضاء الاجتماعي المحلي (البيت، العائلة، القرية)، مع انتقال المأذون إلى مكان العقد. كما تكشف كثافة أسماء الشهود والمعرفين وأقارب الزوجة عن بنية اجتماعية قائمة على القرابة والعلاقات العائلية المتداخلة، بما يعزز من الرقابة المجتمعية على صحة العقد ومشروعيته.
يُظهر العقد بيانات دقيقة عن الزوجين، من حيث العمر، والمهنة، والانتماء القروي. فالزوج عبد الرحمن بن حسن الدرويش يبلغ ثلاثين عاماً، ويعمل في الزراعة، ومن قرية قاقون، بينما الزوجة عائشة بنت عبد الجابر عبدو تبلغ خمساً وثلاثين سنة، وتعمل كذلك في الزراعة، ومن قرية شويكة. وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة لكون الزوجة أرملة، وقد ذُكر صراحة اسم زوجها المتوفى ومدة انقضاء عدتها (ثلاثة عشر شهراً)، وهو ما يعكس حرص الوثيقة على استيفاء الشروط الشرعية بدقة، لا سيما فيما يتعلق بخلو الزواج من الموانع الشرعية.
تؤكد الوثيقة أن التحقق من سن الزوجين وخلوهما من الموانع الشرعية والنظامية تم بموجب مضبطة رسمية صادرة عن هيئة قرية شويكة ومصادق عليها من هيئة الاختيارية في طولكرم، إضافة إلى شهادة الشهود. وتبرز هذه الآلية الدور شبه القضائي الذي كانت تؤديه الهيئات القروية والاختيارية، بوصفها وسيطاً بين المجتمع المحلي والسلطة الإدارية، وضامناً لصحة البيانات الشخصية في ظل غياب سجلات مدنية حديثة شاملة.
حدد المهر بخمسة وأربعين جنيهاً فلسطينياً، وهو مبلغ معتبر في سياق ثلاثينيات القرن العشرين، خاصة في مجتمع زراعي قروي. وقد دُفع معظم المهر (خمسة وثلاثون جنيهاً) معجلًا في مجلس العقد، بينما أُجل جزء منه (أحد عشر جنيهاً) لمدة اثني عشر شهراً، مع تحرير كمبيالة رسمية بذلك. ويعكس هذا التفصيل مستوى متقدماً من الوعي المالي والقانوني، حيث لم يكتفِ الأطراف بالتعهد الشفهي، بل لجأوا إلى أداة كتابية (كمبيالة) ملزمة تضمن حق الزوجة المؤجل.
تولى شقيق الزوجة من أبيها، محمود بن عبد الجابر عبدو، مهمة وكيل الزوجة ووليها في آن واحد، بموجب وكالة شرعية موثقة بحضور الشهود والمعرفين. ويشير هذا الإجراء إلى مرونة النظام الشرعي في الجمع بين الولاية والوكالة، خاصة في حالة المرأة الأرملة البالغة الرشيدة، مع الإبقاء على الإطار الشرعي الضامن لرضاها ومصلحتها.
اشتمل العقد على شهود عقد، وشهود وكالة، ومعرفين للزوجين ولوكيل الزوجة، وجميعهم من الرجال المسلمين المكلفين شرعاً، مع ذكر أعمارهم ومهنتهم. ويؤكد هذا التعدد في الشهادة والتعريف الطابع الاحترازي للتوثيق، حيث لا يُترك مجال للغموض أو الطعن في صحة العقد مستقبلًا، سواء من الناحية الشرعية أو الإدارية.
خُتم العقد بصيغة الإيجاب والقبول الشرعيين الواضحين، وبألفاظ التزويج والنكاح الصريحة، وبحضور الشهود السامعين الفاهمين، وفق ما تقتضيه أحكام الفقه الإسلامي. كما ذُيل العقد بتوقيع المأذون وبصمات الإبهام للزوج ووكيل الزوجة، ما يعكس الجمع بين الثقافة الشفوية (اللفظ والرضا) والثقافة الكتابية الرسمية (التوقيع والبصمة).
تكشف هذه الوثيقة عن عقد زواج لا يقتصر على كونه إجراءً شرعياً شخصياً، بل يمثل نصاً اجتماعياً وقانونياً متكاملًا، يعكس تداخل الشريعة الإسلامية مع التنظيم الإداري في فلسطين خلال فترة الانتداب، ويبرز ملامح المجتمع القروي من حيث البنية العائلية، والاقتصاد الزراعي، وآليات الضبط الاجتماعي. كما تؤكد الوثيقة على مكانة المرأة القانونية في العقد، سواء من خلال توثيق مهرها، أو إثبات رضاها، أو ضمان حقوقها المؤجلة، ما يجعلها مصدراً غنياً لدراسة التاريخ الاجتماعي والقانوني لفلسطين في النصف الأول من القرن العشرين