فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين  خرائط 
القائمة الصراع للميتدئين دليل العودة صور
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  دليل حق العودة تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا

وادي الحوارث: مكماهون وحسين.. يدفنان في وادي الحوارث - من كتاب لأحمد الشقيري

مشاركة Wadina في تاريخ 19 أيلول، 2010

صورة لقرية وادي الحوارث - فلسطين: : نهر الإسكندرونة أنقر الصورة للمزيد من المعلومات عن البلدة
مكماهون وحسين.. يدفنان في وادي الحوارث
من كتاب أربعون عاما في الحياة العربية والدولية
تأليف احمد الشقيري -- وهو اول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية

" حاولت جاهدا بعد انهماكي في الإعداد لقضية البراق أمام اللجنة الدولية، أن أتفرغ ما استطعت إلى معهد الحقوق، وإن كان نشاطي السياسي لم يكن يخلو من الدراسات القانونية، وقضيت بضعة أسابيع في الحياة العلمية المحضة مع أساتذتي وزملائي.
وكانت فترة وجيزة انغمست بعدها في الحياة العامة، فقد واجهت البلاد مرحلة جديدة تحمل بوادر الخطر، وزهدت في الدراسة وراحت الأحداث تجرني إلى ميدان النشاط العام.
ففي أوائل الثلاثينات وما بعدها استفحلت الهجرة اليهودية إلى فلسطين نتيجة للسياسة الهتلرية في المانيا، وقد صاحبتها موجات من الهجرة المهربة، وبتنا نرى أنفسنا أمام غزوة يهودية تجتاح وطننا.
وزاد من خطورة الموقف أن تولى منصب المندوب السامي في ذلك الوقت" آرثر واكهوب" فجاء من لندن يحمل بين أنامله خيوطا سياسية جديدة تستهدف" تمييع" الحركة الوطنية.
وأخذ المندوب السامي غداة وصوله يطوف البلاد ويجتمع بالفلاحين ويعرب عن عطفه ويعدهم بالقروض وتخفيف الضرائب وما إلى ذلك من الأساليب التي كان يرمي من ورائها أن يصرف الجماهير عن النضال القومي ويشغلهم بالحياة اليومية. فتنادينا نحن الشباب لمقاومة هذا الخداع السياسي، واجتمعنا في فندق ماجستيك في القدس، حيث كنت أقيم في ذلك الوقت، واتفقت كلمتنا أن نقوم بحملة توعية كبرى لإيقاظ الشعور الوطني، وكانت القدس وما حولها من نصيبي كميدان للنشاط، وانصرف إخواني إلى سائر أنحاء البلاد.
ولكن المندوب السامي كان أسبق منا في نشاطه، وهو يملك من السلطة والوسائل ما لا نملك، فأخذ يطوف المدن ويجتمع بالتجار وأصحاب الأعمال الحرة يبحث معهم التدابير الكفيلة بالتنمية الاقتصادية.وزاد على ذلك بأن أخذ يتصل بالعائلات المعروفة في فلسطين لتعيين أبنائها في مناصب مغرية في الحكومة، ولقد أفلح "واكهوب" في مسعاه واستطاع أن يجتذب عددا من أبناء الأسر: الحسينية والنشاشبية والدجانية والتاجية وآل عبد الهادي وسواهم، وكان هؤلاء الشباب هم النخبة الممتازة الذين يستطيعون قيادة الحركة الوطنية وتنظيمها بما لهم من خبرة وكفاءة، ولكن هذه الخطة من جانب المندوب السامي قد انتزعت إلى دوائر الحكومة" زبدة" البلاد، وربطت العائلات الكبرى بالسلطة البريطانية.
والواقع أن هذه الإجراءات في مجموعها قد ساعدت المندوب السامي على تهدئة الحركة الوطنية" وتمييع" النضال القومي…. ولكن إلى حين.
ومضينا نحن الشباب الذين بقينا خارج المناصب الحكومية. نوقظ الشعور الوطني، ولم يكن يخلو يوم أو ليلة إلاّ وأعقد فيها الندوات والاجتماعات في " دائرتي"- القدس- كما كان يفعل باقي زملائي في المناطق الأخرى في فلسطين، وهكذا عادت الحركة الوطنية إلى نشاطها" الشعب في جانب، والقيادة الوطنية في الجانب الآخر.
وكان من مظاهر هذا النشاط في ذلك الوقت أن تأسس حزب الاستقلال- فنفخ في الحركة الوطنية روحا جديدة، وكان من مؤسسي الحزب عوني عبد الهادي، عزة دروزة، معين الماضي، رشيد الحاج ابراهيم، صبحي الخضراء، أكرم زعيتر، فهمي العبوشي، وعجاج نويهض.
وكانت لي صداقة مع مؤسسي الحزب وقد عرضوا علي أن أنضم إليهم فاعتذرت بعد تردد طويل. فقد كنت مؤمنا بمبادئهم وهي المبادئ التي كنت أدعو إليها، ولكني كنت أنفر من الحزبية والأحزاب، ولا أرى مبررا لقيامها قبل أن تصل البلاد إلى الاستقلال، فضلا عن أن عددا من أعضاء الحزب كانت لهم روابط بالحاج أمين الحسيني، وكنت أخشى على حزب الاستقلال أن يكون غير قادر على الاستقلال، بالتخطيط والتنفيذ، والتفكير والتدبير!!

ولقد نشط الحزب في أوائل عهده بالدعوة لمقاومة الاستعمار والصهيونية معا، وعقد اجتماعات وطنية كبرى في القدس ونابلس ويافا وحيفا في مناسبات وطنية كثيرة ومثيرة، مثل ذكرى موقعة حطين، واحتلال القدس، غزوة بدر وغيرها.
وقد اشتركت في معظم هذه الاجتماعات الوطنية وخطبت فيها، حتى ظن الكثيرون أنني عضو في حزب الاستقلال، والواقع أنني كنت على لقاء دائم بأعضاء الحزب، ولم يبق إلاّ أن أحضر اجتماعاتهم الرسمية، كواحد من مؤسسي الحزب.
وكان الشعار الذي طرحه الاستقلال: الاستعمار البريطاني أصل الداء وأساس البلاء*. فقد كانت الحركة الوطنية إلى ذلك الحين تبدو وكأنها خلاف بين العرب واليهود، وأما بريطانيا فهي الحكم الفصل، وكان النشاشيبيون في مجالس البلدية يجاملون السلطة البريطانية، والحسينيون في المجلس الإسلامي الأعلى لا يجاهرونها العداء، والحاج أمين الحسيني وراغب النشاشيبي يتخاصمان حينا ويتهادنان حينا آخر، ويجران البلاد وراءهما في الخصام وفي السلام!!
و أخذت اجتماعات حزب الاستقلال فعلها في نفوس الشعب، وأصبحت المعركة موجهة ضد الاستعمار والصهيونية والزعامة التقليدية، وبات الحوار في كل مدينة وقرية، بل وفي كل بيت: الاستعمار البريطاني، أم الصهيونية العالمية أم كلاهما معا.
وفي اجتماع عقده الحزب في نابلس، كنت أخطب عن الخطر الذي يهدد البلاد من جراء الهجرة اليهودية المتدفقة، و إذا بأحد الشباب يصيح وسط الجمهور متسائلا هل تقاوم الصهيونية أم الاستعمار؟ فبادرته على الفور ببيت من الشعر.
لاتقطعن ذنب الأفعى وترسلها
أن كنت شهما فأتبع رأسها الذنبا
ونشرت أخبار ذلك الحدث في الصحف وأصبح بيت الشعر هذا شعارا وطنيا يحفظه الرجال والنساء والأطفال والشيوخ على السواء.
وبينما كانت تتعاظم هذه الموجة العارمة من المشاعر الوطنية الفياضة وقع حادث خطير اهتزت له البلاد من أقصاها إلى أقصاها.
في الوقت الذي كان فيه المندوب السامي يزور الفلاحين ويأكل على موائدهم ويباسطهم ويجالسهم، كان رجال الشرطة يحيطون بعرب وادي الحوارث، يطوقونهم ويحاصرونهم، ليخرجوهم من الأرض التي عاشوا عليها، وترعرعوا فيها هم وآباؤهم وأجدادهم.
كانت هذه الأراضي مسجلة باسم أسرة" تيان" اللبنانية، وإن كانت في الواقع تحت تصرف أهلها من بدو" الحوارث" وكانت مساحتها أربعين ألف دونم. وقد بيعت هذه الأراضي الخصبة إلى اليهود من قبل" المالكين" المسجلين الذين لا يعرفون من أمرها شيئاً.
وذهبت مع نفر من المحامين، لنحقق في هذه الكارثة على " الطبيعة" فكان منظرا رهيبا، وقفت أمامه مذهولا حائرا.
لقد تمت المراحل القضائية كلها في دور المحاكم، وهذه المئات من العائلات العربية مشغولة في فلاحة أراضيها ورعي مواشيها، وفي صبيحة يوم ما جاء رجال البوليس ينذرونهم بالخروج من منازلهم واقتلاع خيامهم، والجلاء عن الارض.
رأيت جموع النساء والشيوخ والأطفال لا يدرون ما يفعلون،وسألت شيخ العشيرة عما جرى بينهم وبين البوليس، فقال لقد طلبوا إلينا أن نترك الأرض خلال ثلاثة أيام، فقلت له إلى أين؟ قال لا أدري.
قلت ألم تحدد لكم الحكومة أرضاً تذهبون إليها؟ قال: لم تفعل الحكومة شيئا وكل ما طلبه البوليس، اخرجوا، اخرجوا.
وسألني شيخ العشيرة ما العمل؟ وكان إلى جواري المحامي صبحي الخضرا من صفد، من الضباط الأحرار الذين التحقوا بثورة الشريف حسين في الحرب العالمية الأولى، فسألته ماذا نقول لشيخ العشيرة.
فقال لي صبحي الخضرا، والحزن يعقد لسانه ولساني، لست أدري، وبماذا نشير؟ فقلت له: لست أدري، ولا أشير بشيء.
وودعنا العشيرة وشيخها بكلمات التعزية والمواساة، فذلك ما كنا نملكه وما تملكه الحركة الوطنية بأسرها.
وركبت السيارة، وعدنا كل منا إلى شأنه، وودعت صبحي الخضرا وأنا أقول له: أعزيك يا أخي. قال بماذا؟ قلت بثورة الشريف حسين وأنت أحد ضباطها، فهذه وعود الحلفاء، وهذه مراسلات حسين - مكماهون، انتهكت كلها في وادي الحوارث… وكأنما دفن الرجلان في وادي الحوارث… الحسين ومكماهون دفنا هنا معا.
ومضت مهلة الإنذار فخرج عرب وادي الحوارث من منازلهم وحملوا خيامهم على دوابهم، وأطفالهم على أكتافهم، وهاموا على وجوههم، ليكونوا قافلة من قوافل الجلاء عن أرض الآباء والأجداد.
ولم يكن تشريد عرب الحوارث الطليعة الأولى في قافلة التشريد الطويلة، فقد سبقته ولحقته حملات رهيبة من التشريد كان الفلاحون الكادحون ضحاياها الأليمة، ففي أوائل العشرينات استولى اليهود على أراضي الغور في بيسان التي كانت مسجلة" اسميا" باسم السلطان عبد الحميد، وكانت مساحتها 165 ألف دونم يقيم فيها خمسة عشر ألف عربي، هدم اليهود قراهم وأجلوهم عنها..
ثم جاء بعد ذلك تشريد 2546 أسرة عربية كانت تقيم في عشرين قرية عربية في مرج ابن عامر، كانت مسجلة باسم آل سرسق، فاشتراها اليهود وأجلوا أهلها عنها، وأقاموا مكانها المستعمرات اليهودية على أنقاض القرى العربية بمنازلها ومساجدها.
وها قد جاءت حادثة وادي الحوارث فاضطربت البلاد، وازدادت النقمة على القيادة الوطنية والزعامة التقليدية، واستنفد حزب الاستقلال زمانه واستهلك دعوته وطاقاته، فلم يكن حزب الاستقلال يملك إلاّ الفكر الصحيح والكلمة الشجاعة، على حين كانت الصهيونية تملك شركات الأراضي والبنوك وأجهزة الدعاية، والتنظيم الشعبي، والجباية القومية، يقف على رأس ذلك كله الصهيونية العالمية والاستعمار البريطاني بقواته العسكرية وسلطاته التشريعية والإدارية والتنفيذية.
ولم يكن أمام الشعب ليعرب عن سخطه إلاّ سبيل المظاهرات الوطنية والتصدي لليهود بالسلاح من حين إلى حين… وشتان بين طاقات الفريقين المتصارعين وقدراتهما… وكان أن نشطت الدعوة للقيام بمقاومة سلبية ضد السلطة البريطانية تبتدئ بسياسة اللاتعاون مع الحكومة، وتداعت القوى الوطنية لمؤتمر قومي عقد في سينما أبولو في يافا في آذار سنة 1933، وقد شهده الرجال الوطنيون من كل أنحاء البلاد. كما حضره رجال حزب الاستقلال التسعة واتخذوا مقاعدهم في الصف الخلفي يراقبون ويستمعون… وهم يعتبرون أن دعوتهم قد بلغت غايتها… فقد اتجهت الحركة الوطنية لمصارحة بريطانيا بالعداء، وكفى… ولم يكن عندهم ما يقدرون عليه بعد ذلك.
وكان جو المؤتمر بالغ الحماسة، وتعاقب الخطباء على الكلام، وكان الزعماء ومنهم الحاج أمين الحسيني يستمعون ويراقبون ، كأنما المعركة بينهم وبين المؤتمر.
وطلبت الكلمة فشرحت خطورة الموقف وتحدثت بتفصيل عما شاهدته في وادي الحوارث وأن هذا المصير ينتظر الشعب بأسره، وختمت بالقول أن الأمر يستدعي قيام جبهة وطنية تضم كل" الزعماء" شريطة أن يتخلوا عن مناصبهم الحكومية ويتفرغوا لقيادة الحركة الوطنية، ووجهت في النهاية دعوة صريحة إلى كل من الحاج أمين الحسيني وراغب النشاشيبي بالاستقالة من منصبيهما والنزول إلى الميدان مع الشعب… وغدا جو المؤتمر مشحونا بالتوتر، وتطلعت الأبصار إلى قادة المجلسيين والمعارضين، وغادرت المنصة إلى مقعدي وسط عاصفة لاهبة من الحماسة.
ووقف عاصم السعيد رئيس بلدية يافا، من قادة المعارضين، أعلن باسم راغب النشاشيبي رئيس بلدية القدس وسائر رؤساء البلديات أنهم مستعدون لتقديم استقالاتهم والأخذ بسياسة اللاتعاون…
واشرأبت الأعناق إلى الحاج أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، وحسب الجمهور أنه سيعلن استقالته، فأخذ يخطب ويخطب عن أهمية المجلس الإسلامي والمحاكم الشرعية ودوائر الأوقاف والأيتام ثم راح يتساءل: من لهذه الدوائر إذا استقال؟ وما هو مصيرها؟ ومضى يقول إنه قبل مجيئه إلى يافا وصلته أنباء" بأنهم" سيورطونه" في المؤتمر وسيطالبونه بالاستقالة"، وأن هذا الأمر دسيسة استعمارية ومؤامرة صهيونية على المؤسسات الإسلامية، أنهى خطابه بأنه لن " يورط" وأنه باق في مناصبه رغم كيد الكائدين وحسد الحاسدين!!
وما أن عاد الحاج أمين إلى مكانه على المنصة الرئيسية حتى ساد المؤتمر جو من الهرج والمرج، بين مؤيد للاستقالة ومعارض لها، وكان الحاج أمين قد حشد لهذا الاجتماع حشدا من أنصاره، فشهروا عصيهم يلوحون بها، وهم يصيحون لا رئيس إلاّ الحاج أمين.
ولاحت بوادر الشر من جانب أعوان الحاج أمين، فأحاط بي عدد من شباب يافا، وكادت أن تقع المعركة داخل المؤتمر، بالأيدي والعصي والكراسي، ولكن سرعان ما أعلن انتهاء الاجتماع بعد أن تقرر مقاطعة اليهود والامتناع عن حضور الحفلات مع الإنجليز سرا أو علانية.
وخرج الناس وهم ساخرون بهذه الزعامة، يتندرون بما سمعوا،وتعاقبت أيام و أعوام وهم يتحدثون عن" مؤتمر التوريط" وعن الزعامة التي أبت" التوريط".
وكانت مأساة وطنية اكتوى الوطن بنارها، وكانت المأساة حقا في زعامته التي اعتبرت مواجهة الاستعمار مكيدة استعمارية ومؤامرة صهيونية.
ولقد عاش جيلنا ليشهد النكبة في حياته، وليرى ضياع الوطن ومعه المجلس الإسلامي والمحاكم الشرعية ودوائر الأوقاف وبقيت ذكريات مؤتمر التوريط، والزعامة التي أبت" التوريط"."

http://www.ahmad-alshukairy.org



إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

 

شارك بتعليقك

 


الجديد في الموقع