فلسطين في الذاكرة من نحن تاريخ شفوي نهب فلسطين English Version
القائمة الصراع للميتدئين حق العودة 101    صور     خرائط 
فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على الإنترنت English Version
من نحن الصراع للميتدئين    صور     خرائط  حق العودة 101 تاريخ شفوي نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع إتصل بنا
عمواس في الدم تسري
شارك بتعليقك  (تعليق واحد

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى عِمواس
כדילתרגם לעברית
مشاركة ادهم ابو غوش في تاريخ 21 تموز، 2008
عبد المجيد أبوغوش
في ذكرى تدمير قرى اللطرون
عمواس في الدم تسري!!
شرايين قلبي نبضت وسط الأهل في عمواس، ورأسي برز للحياة وعلى أرض قريتي ولم أكن أعلم أني سأعيش الغربة والهجرة عن مسقط رأسي أكثر من ثلثي عمري حتى الآن، وما فكّرت يوماً أن الله كتب لنا أن نتزوج خارج الأرض العمواسية، وما دار بذهني وأنا في مقتبل العمر أستقبل الحياة بتفاؤل وجد ونشاط، وأنتقل من حزب إلى إطار عملي نضالي من أجل الأرض المغتصبة التي كنا ندرس عنها ونحفظ المواقع جيداً، ونراها من على بعد قريب تفصلنا عن مدنها وقراها كالرملة واللد بضع كيلومتراتِ ليس إلا أو يزيد قليلاً، ونزداد شوقاً لرؤية واجتياز الأرض الفاصلة التي كنا نسمع عنها ونحن صغار والتي أُطلق عليها اسم (الأرض الحرام)، إلا أن صوت المدافع والقنابل وأزيز الرصاص لم يغادر ذهني الطفولي حتى الآن حين كنا نسمع أهلنا يتحدثون عن ذلك ويتهامسون حول استشهاد هذا أو ذاك في تلك الليلة إثر هجوم يهودي على العزّل من أهل القرية أثناء فلاحة أرضهم... ويسود الحداد وألم الفراق والحزن على المفقود أو حتى المفقودين في اليوم التالي... ويجترئ أهل عمواس الحسرة.. ويحتسبون عند الله الشهيد أو الشهداء!!
حَرّك في نفسي ألم ووجع وحزن الفراق عن قريتي أبنائي الذين ولدوا خارج قريتهم إلا أنهم لا زالوا يطلقون على أنفسهم ويشتهرون بلقب (العمواسيين) نسبة إلى قريتهم الأصلية، ويسأل الأبناء عن المواقع التي يقرأون أسماءها على خارطة فلسطين بلا حدود، ويجدون أن الرملة لا تبعد سوى العشرة كيلو مترات عن القرية، ويقع نظر أحدهم على اسم قرية ملتصقة بالبلدة (عمواس) والتي يطلق عليها (الخلايل) ويسألون عن هذه القرية، وهنا تجيش في خواطري الذكريات الأليمة الحزينة وأذكر وأنا ابن الطفولة المبكرة لا تتجاوز الست سنوات حيث كنت أرافق أهلي وأركب الحمار منتقلاً من القرية إلى السهل الذي اسمه (الخلايل)، وأتذكر أن في السهل خربة رومانية قديمة تسمى (الخلايل) ولهذا أطلق على هذا السهل هذا الاسم، والخلايل أرض شاسعة تبدأ الآن إذا أردنا تحديدها جنوب غرب دير اللطرون، وعلى أرضها بُني الكبوتس الذي أُطلق عليه اسم (نحشون)، وهذه الأرض الخصبة أذكر تماماً أن طول بيت الذرة البيضاء فيها كان أطول من قامة أطول رجل في القرية. وكنا نسرح في الصباح المبكر بعد صلاة الفجر لقطع الذرة البيضاء أو لحصاد القمح أو الشعير، وكما يقولون دوماً (اسرح بكّير بتروّح بكّير) ويختار الفلاحون هذه الفترة حتى لا يتكاثر "البَرغش" في النهار ولا يستطيعون الحصاد، ولا أنسى أني لاحظت أن نباتات كثيرة غير التي كان يزرعها الآباء تنمو هناك كالبطيخ أو الخيار أو غير ذلك، وسألت عن من زرعها وتلقيت الإجابة بأنها من الله عز وجل، وفهمت من عمي رحمه الله حيث كان يكبرني بسنوات قليلة أن الفلاحين والأهل جميعاً يحضرون معهم بطيخ الصيف، وثمار أخرى كالخيار ويتناولونها هناك، ولا شك أن بقايا بذور الخيار والبطيخ ستبقى فوق التربة، ومع الحراثة "تدمل" البذور وتنمو لوحدها لخصوبة الأرض ووجود عيون الماء الكثيرة.
سهول تمتد وتُسمى بأسماء كانت زمان، وشوارع وطرق تخترقها الآن، وهي محرمة على أهلها حتى لمجرد زيارة، وأحس بالألم والحزن الظاهرين على وجوه الأبناء، وسألوا عن صور قديمة، وعن أسماء مواقع عديدة، وعن مكان المدرسة وغيرها، وبدوري تحولت إلى قاصِّ أروي لهم ذكريات الطفولة والشباب، وأذكر لهم عن فريق مدرسة عمواس الكروي الذي أدهش معظم المربين الرياضيين في لواء القدس، وعن اشتراك المدرسة في المسابقات الرياضية وفوزها بكؤوس كسباق الثمانمائة متر والأربعمائة متر وغير ذلك، وسُئلت عن أسماء لاعبين اشتهروا وبدون تردد انطلق لساني بذكر الأسماء أمثال: عبد اللطيف عبد المجيد برغش، والذي قام بدور هام في الفرق الأردنية وآخرها كان مدير المنتخب الأردني، وأحمد عيسى، ومحمد صقر... والكثيرين غيرهم، وسألني الأصغر عن جده من أمّه محمود عبد الحميد أبوغوش، والذي عمل مدرساً أكثر من أربعين عاماً، وذكرت له عن أيام تدريسه حيث درّس معظم أبناء القرية وأنه غرس في نفوس الجميع حبّ وقوّة الإلمام باللغة العربية، ولا أنسى أنه كان مع بزوغ الشمس تجده متأبطاً دفاتر الإنشاء وأوراق الامتحانات ومتوجهاً إلى المدرسة، ولا يمر صباح يوم إلا كان لأحد الفصول درساً إضافياً لتقوية الطلاب، وقد تعامل مع الطلبة كأنهم أبناؤه ولهذا لم تمح الأيام ذكراه من نفوس أهل قريته، وأنه كان المساح للأرض حيث البيع أو القسمة، والصديق الصدوق للجميع، وأنه كان القاضي للنزاعات الشخصية بين الجميع حيث أجمع عليه أهل القرية بكل حمائلها وعائلاتها.
وينظر الأوسط لصورة عُلقت بالأبيض والأسود لجزء من القرية صورت في العام السابع والخمسين بعد التسعمائة وألف قبل التدمير، وسألني عن البيوت الظاهرة فيها وأشار بإصبعه لبيت يحيطه سور وفي (الحوش) تظهر نخلة طويلة، وفي الحال لم أقدر منع تساقط بعض الدموع من عيني لأن (الحوش) المذكور هو (حوش) بيتنا في عمواس، وأن النخلة تلك لها ذكريات مغروسة في دمي، وتلكأت في الإجابة، وأجاب الأكبر قاصداً إسكات أخوته عن الاستمرار في الأسئلة حتى لا يثيروا في نفسي الألم بأن البيت هو (دارنا) القديمة كما ذكرت له، ولكني بدأت أسرد لهم القصص، وأن هذه النخلة يحيطها (حوش) كبير كما كانت الأبنية قديماً، وغرف البيت داخل الحوش وسقفها جميعها من (الحوّر) وهو طين كلسي يستخرج من أرض البلد وبالذات من منطقة (خلّة البواردية) ووعر (يالو) ويجبل "بالقَصْوَل" وتسقف البيوت كلها بذلك، وفي العام الأخير قبل التدمير قمنا بسقف غرفة (الوالدة) بالاسمنت، ورويت لهم بأن معظم أيام الصيف كنا ننام خارج الغرف وفي "الحوش" الذي كان مبلطاً حسب ذاكرتي ببلاط كبير أحضره الأهل من (الكمب) و (الكمب) معسكر للجيش الإنجليزي في أرض "المطاين" إحدى مقاطع أرض القرية، وتمكنوا من خلعه بعد رحيل الجيش الإنجليزي، وتحركت الذكرى وذكرت لهم أنني تعرضت من أفعى للدغ حيث كانت فوق "اللحاف" ولكنّ عمتهم الأكبر استيقظت وصرخت وانتزعت اللحاف والأفعى من على جسدي، والنخلة لم تكن تثمر لأنها "ذكر" كما يقولون،وأن نخلة قريبة للعم "عيسى" رحمه الله والذي يعرفونه جيداً وأن العم "عيسى" كان يتسلق النخلة ويقطع "الطلع" ويحمله على كتفه متسلقاً النخلة الأخرى في أرضه لكي يلقّحها.
وأشار الأصغر لعمارة مبنية على شكل "دكاكين" كما قال، وذكرت له أنها كانت ملك جدي من أمي "الحاج محمد مصطفى أبوغوش" وقد بناها على طرف من أرض له كان يملكها وسط القرية، وأمام هذه المحلات التي كانت تحتوي على دكاكين وفرن ومقهى وملحمة كان موقف الباصات، والذي يطلق عليه أهل القرية "القاعة"، ويمر من تلك الساحة "القاعة" جدول صغير منبعه "عين نيني" في الحارة الفوقا، وبجانب "القاعة" المقبرة الوسطى التي تنمو فيها شجرة سدر كبيرة جداً أمام مقام أمين الأمة "أبو عبيدة" الذي مرض هناك بالطاعون والذي أُطلق عليه في كتب التاريخ "طاعون عمواس"...ومن الطرافة أن أهل القرية أرادوا قطع السدرة ولكنهم خافوا ولم يتجرأ أحد على قطعها لقربها من (الولي) وهو مقام أبو عبيدة ولذلك عرضوا على أحدهم الذين كانوا يعتقدون أنه (على باب الله) وبدون وعي قام ذلك الشخص بنشر السدرة، ويظهر أنه كانت عنده الجرأة لذلك.
ويتوالى طرح الأسئلة من الأبناء، وتثار الأحزان والشجون، ويسألون عن أسماء قتلهم اليهود وهم يزرعون أرضهم أو وهم يتسللون إلى قريتهم الأم "أبوغوش" أو إلى "القباب" وأبو شوشة وسلبيت والقرى الأخرى المجاورة، وأذكر لهم ذكرى استشهاد جدي في أرضنا والتي تسمى "خلة العذرا" وعن وفاة "محمد أبو القيسية" في نفس الموقع وبعد عام وتحت نفس السدرة " سدرة الفتاش" التي يمر من جانبها الآن خط يافا القدس مخترقاً أرض القرية، وتجيش في نفسي ذكرى لا أنساها أبداً وهي ذكرى رجل صبور احتمل الكثير واحترمه الجميع حيث استشهد أبناؤه الخمسة وهو "عبد العزيز برغش"، وكان رحمه الله "أبو العبد" من الرجال المعروفين في القرية، ومن الختيارية الأجلاء ومن اللجنة العاملة للقرية.
ويسألون عن التدمير والرحيل والتهجير القسري وهنا يتوقف لساني وتدمع أعيني حيث لم أكن آنذاك في القرية، وكنت أعمل في السعودية معلماً منتدباً، وتأخذ الأم دور الراوي، وتروي مسلسل التهجير القسري، والقتل والإذلال وقتل الفدائيين المصريين أمام أعينهم، والتنقل حفاة فوق الصخور، وبعث الأمل في نفوسهم والعودة من رام الله إلى مشارف "بيت نوبا" وإجبارهم على العودة إلى رام الله مرة أخرى... وتنتحب الأم بالبكاء حيث كانت فتاة في مرحلة الفتوة بعد.. ويستمر الحديث عن الشقاء والسفر وبعث الأمل، وتنتهي الأم بكلمات..سنعود..سنعود، ويسألها الأبناء: هل ستعود إن كُتب لها ذلك؟..وتقول .. سنعود ونبني قريتنا من جديد، وسنسكنها ولو تحت لوح "زينكو"!!
وهكذا أشعر في ذكرى تدمير قرى اللطرون..عمواس ويالو وبيت نوبا، بأن الأمل يعود من جديد رغم اليأس والإحباط والمرحلة التي نعيشها لأن الذكرى تسري في الدم، وتنتقل إلى الأبناء عبر الجينات، ونحن في انتظار العودة...
" وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تدبيرا" صدق الله العظيم
ولسان حال أهل القرى يقول:
ولا...ألف لا..بالطفيف أو القليل..من الاستبدال أو تصليح حدود.


إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى عِمواس
 

شارك بتعليقك

مشاركة Yousef Al-Sheikh في تاريخ 6 تشرين أول، 2010 #123003

الله يديمك فوق راسي يا بلادي
بحبك يا عمواس