فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت English Version
الصفحة الأولى    صور     خرائط  تاريخ شفوي حق العودة 101 نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع الصراع للميتدئين إتصل بنا
Jericho - أريحا : أريحا مدينة القمر وعطر البساتين الفلسطينية... بقلم علي قليبو

شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى أريحا
כדי לתרגם עברית
مشاركة Rajae mahmoud في تاريخ 26 أيار، 2012
أريحا مدينة القمر وعطر البساتين الفلسطينية... بقلم علي قليبو

تعتبر أريحا من أقدم المدن فهي أول حاضرة في التاريخ الإنساني، حيث نجد فيها آثار ثورة العصر الحجري والتي انتقل فيها الإنسان من حياة التنقل و الترحال بحثا عن الطعام إلى حياة الاستقرار التي تعتمد على الزراعة وتدجين الماشية وبصورة خاصة "القمح" و "الجدي". وتستمر الأهمية التاريخية لها لتبلغ ذروتها في العصر الكنعاني ومن ثم العصر الروماني والأموي حتى وقتنا الحاضر و التي أصبحت فيه مشتى فلسطين الرئيسي حيث لعبت مياه عين السلطان وعين الديوك ومياه واد القلط دورا أساسيا في تشكيل أهميتها لجميع الشعوب التي تعاقبت على ثراها عبر التاريخ.

تظهر الجذور الكنعانية في اسم مدينة أريحا العربي، فأريحا هي مدينة إله القمر الكنعاني "ياريخ" ومن نفس المصدر الثلاثي نجد الكلمة "يريح" بمعنى العطر. فأريحا هي مدينة القمر العطرة نسبة لبساتينها وأزهارها التي تغرق المدينة بعبقها عبر التاريخ، و تذكر الأساطير الكنعانية أن نيكال وهي آلهة البساتين قد تزوجت من ياريخ الذي من أهم وظائفه التي ارتبط بها نجد ندى الليل، فباقترانهما يقترن الندى بالحديقة لتزدهر أراضي أريحا الزراعية خصوبة.

تقع أريحا على مستوى 258 مترا تحت سطح البحر و بالتالي فإنها تعتبر أوطأ مدينة في العالم ومياهها وخاصة مياه عين السلطان لا تنقطع صيفا ولا شتاء حيث يبلغ تدفقها ألف جالون مربع بالدقيقة أضف إلى ذالك اعتدال جوها معظم السنة وتربتها الحمراء الخصبة.و نلمس هنا تضافر جميع هذه العناصر لتجعلها منطقة زراعية خصبة أتاحت الفرصة لأولى حركات الاستيطان البشرية.

في هذه البيئة الطبيعية الغنية بمقومات الحياة، اكتشف الإنسان الأول ومنذ العصر الحجري أنه وفي حاله كفره لحبة القمح الجافة فإنها وبعد مئة يوم ستنبت غلة وفيرة من القمح. بينما اكتشف أنه لو حافظ على الجديان في حظيرة واعتمد فقط على أكل الذكور وترك الإناث للتكاثر فإنه يستطيع زيادة ماشيته.
بتدجينه للقمح والجدي قام الإنسان بالمشاركة في انتخاب وتفضيل أنواع معينة من القمح والجديان التي نعرفها الآن.

في "تل عين السلطان"، و التي لا نعرف اسمها في العصر الحجري ولا القوم الذين سكنوها، توفر لأول مرة فائض في الكربوهيدرات والبروتين أتاح الفرصة لتوزيع العمل والتخصص في مختلف الصناعات في المجتمع الإنساني البدائي فتخصص البعض في الزراعة وآخرين في صناعة الفخار وآخرين في الحراسة كجنود وآخرين في البناء وآخرين بتقديم القرابين وإقامة مختلف الطقوس الدينية و التي تسوقنا إلى ما اكتشفه العلماء في أريحا من بوادر للفكر الديني حيث وجد علماء الآثار عظام الموتى وقد رتبت على هيئة الجنين بالرحم بداخل جرات فخارية.


و قد اكتشف العلماء في بعض المنازل في أريحا بعضا من الرؤوس الآدمية وقد شكلت بالجبس ووضع في مكان العين صدف من الحلزونيات المائية التي تعيش في مياه عين السلطان وهذه بالمناسبة تمثل أول تشكيلات فنية انسانية. كما نجد أيضا أول التجارب الإنسانية في البناء باستخدام الحجر ألا و هو السور المبني و ما يلحق به من برج يبلغ ارتفاعه حتى الان سبعة أمتار و يسبق بناؤه عظمة سومر بآلاف السنين.



بالإضافة إلى موقعها كميناء بحري – فالبحر الميت كان قريبا جدا للمدينة قديما- فقد اشتهرت المدينة لموقعها على تقاطع الطرق التجارية ولمحاصيلها الزراعية المتنوعة ولكن الصناعة احتلت أهمية كبرى في شهرة هذه المدينة و خاصة عملية تصنيع أملاح البوتاسيوم الضرورية في عملية التحنيط عند الفراعنة فكانت أريحا هي هدية القائد الروماني مارك انطوني إلى فرعونة مصر كيليوبترا.



"في العصر الروماني أصبحت أريحا مشتى فلسطين والقدس الرئيسي":

بنى الملك هيرودس قصره على شمال وجنوب وادي القلط واتخذ أريحا كمشتى له قضي فيه آخر سنوات حياته
والجدير بالذكر أن الملك هيرودس كان كنعانيا ينتمي إلى القبائل الادومية التي استقرت جنوب الخليل وبلغ نفوذها وامتدادها في أوجها وصولا إلى صحراء النقب جنوبا أما العصر الكلاسيكي فلقد انحصرت جنوب الخليل في إطار حدود دورا الآن. ويذكر أن الحارثة - خال هيرودس – هو ملك الأنباط الذين توسعهم ليصلوا أيضا مناطق التعامرة والسواحره الآن حيث بنى هيرودس قصره الشهير بيهيريديون الآن


و حتى لا ينتقل الحكم من الأسرة الهيرودية إلى الأسرة الهاسمونية اليهودية اتخذ هيرودس الكنعاني موقفا تجاه أولاده منها – وهم نسبة لوالدتهم يهود بالطبع - فاضطر لقتلهم ولم يبق إلا على أولاده الكنعانيين من النسل النبطي والادومي مما جعله مكروها عند اليهود كما نجده في كتابات يوسفوس التاريخية والإنجيل فيصبح شخصه عدوا لدودا لليهود و شيطانا رجيما. أما في سنواته الأواخر في أريحا وبعد أن أنهكته الأمراض اعتزل الناس في قصره على شاطئ واد القلط و عكف يعيد تقسيم ولايات فلسطين على أولاده الثلاثة.
و من الطريف أن نجد أن اليهود حاولوا من بدء الأمر الاستحواذ على الادوميين فادعوا في عام 125 ق.م أنهم من سلاله اليشع أخ سيدنا يعقوب وأجبروهم على أتباع الشريعة اليهودية، علما بأن المؤرخين ينظرون إلى الادوميين كقبائل منحدرة من صلب الأنباط العرب واستمر نسبهم حتى فترة متأخرة مع الأنباط الذين كانوا بمثابة أخوالهم




أما في العصر الأموي نجد أن الخليفة هشام بن عبد الملك كان قد أمر في أواخر عهده ببناء قصر هشام عام 734 و الذي أنهاه الخليفة الوليد بن يزيد عام 744 وإاليه يعزى الفضل في جميع الزخارف التشكيلية من فسيفساء وتماثيل لنساء عاريات ورجال متدثرين بالملابس السوداء.



و لا بد في حال زيارتنا للقصر الشتوي من استرجاع قصيدة ميسون الكلبية زوجة الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان:
لبيت تخفق الرياح فيه أحب إلي من قصر منيف
ولبس عباءة تقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف
وكلب ينبح الطرقان دوني أحب إلي من قط ألوف

في هذه القصيدة تحن ميسون الكلبية إلى حياة البادية وتفاضل بين حياة الخيمة بالصحراء وبين حياة القصور فتجدها تفضل الحياة البدوية في خيمة تخفق الرياح فيها على حياة المدينة. و يعتبرهذا الولع والتشبث بالصحراء من أهم صفات العصر الأموي الذي اهتم خلفاؤه اهتماما فائقا ببناء مجموعة القصور المنتشرة شرق الأردن وأريحا حيث نستشهد بمقدمة ابن خلدون الذي شرح فيها شرحا وافيا لظهور واندثار الحضارات معتمدا في شرحه لعلم العمران على أهمية العصبية القبلية والتي رفعت بادي ذي بدء من شأن الأمويين وانتشارهم وعظمتهم بالأندلس ومن ثم أفول نجمهم.
و لكنه يسترعي انتباهنا تواجد عناصر فنية للفن الأموي - كالنحت والرسم الطبيعي للإنسان والحيوان – تعتبر مغايرة لما ألفناه في الفن الإسلامي الخاص بالجوامع والمدارس التي تعتمد زخرفتها على الأنماط الهندسية والخط والأشكال النباتية التجريدية و لكننا نجد في قصر هشام طابعا علمانيا للفن الأموي كما تبينه الصور التالية:


في الساحة الرئيسية لقصر هشام نجد النافذة القديمة قد انتصبت في وسط الساحة عوضا عن نافورة المياه الموجودة الآن مع بقيه التماثيل في المتحف الفلسطيني بالقدس و بالتالي لا بد أن نتصور المشتى كتحفة فنية تلعب المياه والحمامات والبرك دورا عظيما في تحديد معالمها كما يتجلى إذا ما نظرنا إلى قصر الحمراء في غرناطة.




في أريحا نجد التاريخ متدثرا في عبق أشجار الحمضيات والفتنة والياسمين ومختلف الورود. فتجتمع فيها كل عناصر التراجيديا الإنسانية من تناقضات و أضداد كالحب والغيرة والحسد والكراهية وحب العظمة والحكمة والكرم والأنانية، فيما يخفي التاريخ هذه الاختلاجات الإنسانية في دثاره القديم.
و في نظرة تأملية للتاريخ نجدها قد وفرت لكل أجناس البشر و لعشرة آلاف سنة كاملة، مسكنا وملجأ أمينا وبيتا نتعرف فيه على هشاشة وضعف وضع الإنسان في الكون والوجود.

في أريحا نلمس ملامح إنسانيتنا




إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

 

شارك بتعليقك