فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت English Version
الصفحة الأولى    صور     خرائط  تاريخ شفوي حق العودة 101 نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع الصراع للميتدئين إتصل بنا
Silat al-Dhahr - سيلة الظهر : يوميات من ثورة 1936

شارك بتعليقك  (تعليق واحد

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى سيلة الظهر
כדי לתרגם עברית
مشاركة عماد حنتولي في تاريخ 18 شباط، 2008
مثل كل الثورات، تميزت ثورة عرب فلسطين الكبرى (1936-1939) بكثير من ملامح البطولة الخالصة، يخطها بدمهم أبطال بسطاء أفذاذ، ومن هؤلاء (القساميين) رفاق وتلامذة الشيخ عز الدين القسام الذي أعلن الكفاح المسلح من أحراش قرية يعبد قرب جنين في 20/11/1935م واستشهد عدد من رفاق القسام ثم استشهد هو بعد أن أعطى أمثولة في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية.

وأود هنا الاقتباس من مؤرخين صهاينة قارنوا بها بين القسام وآخرين "فهو غير النشاشيبي، وغير المفتي، وليست القضية بالنسبة له مسألة ممارسة عمل سياسي أو كسب مادي، فقد أظهر الشيخ القسام أنه مستعد للتضحية بحياته في سبيل عقيدته الدينية".

ولم تنته حركة القسام باستشهاده فأعاد رفاقه تنظيم أنفسهم وعينوا خليل محمد عيسى (أبو إبراهيم الكبير) قائدا لهم وانضمت إليهم أعداد كبيرة، ومارسوا عملهم ضد المحتلين الإنجليز والمستوطنين الصهاينة من جبال الجليل، وبعد نحو ستة أشهر ومع اندلاع ثورة (36-1939) كان القساميون جاهزين ليكونوا أفرادا وقادة، في خدمة الثورة، ومن بينهم الشيخ فرحان السعدي الذي لاحقه المحتلون الإنجليز حتى ألقوا القبض عليه في 23/11/1937 في قرية المزار قرب جنين وقدِّم بعد يومين لمحكمة عسكرية في حيفا وحكمت عليه بالإعدام شنقا ونفذت قوات الاحتلال البريطاني هذا الحكم بعد يومين أيضا (27/11/1937م) وهكذا استشهد الشيخ فرحان وعمره يزيد عن الثمانين ولقي وجه ربه صائما.

وبعد استشهاده أكمل ثوار جدد مسيرته وشكلوا فصيلا فدائيا باسم (إخوان فرحان).

ومن بين تلامذة القسام، البطل محمد الصالح الحمد (أبو خالد) من قرية سيلة الظهر، الذي بدأ حياته حمالا في حيفا وتعرف على القسام وأوكل له مهمات جهادية، وتتخذه المصادر الصهيونية كنموذج للاستقامة وعفة النفس والإخلاص للثورة، رغم انه "إرهابي خطير".

وتنسب إليه الكثير من الأعمال الفدائية وخلال الثورة قاد فصيل سيلة الظهر ونشط في منطقة غور الأردن ونابلس.
ومن أبرز مآثره ترتيب اجتماع دير غسانة الشهير في أيلول 1938 بين قادة فصائل الثوار لحل الإشكاليات بينهم، وما أكثرها.

وحسب بعض المصادر فإن نحو 500 ثائر حضر الاجتماع ناقش قادتهم خلافاتهم ونجحوا في حل بعضها، ولكن الاجتماع الذي بدأ في التاسعة صباحا انتهى نهاية مختلفة، واتضح بان الاحتلال البريطاني علم مسبقا بالاجتماع وقصفه بالطائرات، ووقعت معركة بين الثوار والبريطانيين تعرف باسم معركة دير غسانة، ووفقا للمصادر البريطانية والصهيونية فإن نحو 130 ثائرا استشهد في تلك المعركة، في حين أن مصادر الثوار آنذاك تحدثت عن ثلاثين شهيدا فقط، والمهم أنه كان من بينهم منظم الاجتماع القائد المخلص تلميذ القسام محمد الصالح الحمد (أبو خالد)، حسب بعض الروايات.

ولكن رواية الأستاذ أكرم زعيتر تختلف فهو يقول بأن (أبا خالد) ورجاله استطاعوا فك الحصار المفروض على دير غسانة، ولكن القوات البريطانية استطاعت تطويقه قرب قرية سرطة في جبال نابلس، فخاض معركة استشهد فيها مع عدد من رفاقه.

والنعي الذي أعده زعيتر للشهيد أبو خالد يحمل رواية تتحدث عن أن المعركة وقعت في مكان غير سرطة "ننعي إلى العرب البطل الشجاع والقائد المقدام السيد محمد الصالح الملقب بأبي خالد قائد المجاهدين في منطقة نابلس، فقد طوقته واثني عشر من رجاله، في أثناء عودته من جبل القدس، قوات كبيرة من الجند تربو على الألف جندي واشتبكوا معه في معركة قرب عبوين-بديا (رام الله-نابلس) أسفرت عن استشهاد البطل وأربعة من رجاله الصناديد".

وأحسب أن الحديث عن عدد الجنود البريطانيين (ألف جندي) هو من قبيل المبالغة التي لا معنى لها، والتي درج كاتبو البيانات السياسية منذ زمن أكرم زعيتر، وهو واحد ما يمكن تسميتهم الجهاز الإعلامي للحركة الوطنية آنذاك، على اللجوء إليها دون سبب مفهوم ومقنع، وحتى انتفاضة الأقصى الحالية.

وتولى القيادة بعد أبو خالد قريبه الشيخ عبد الفتاح محمد الحاج مصطفى (أبو عبد الله) واستشهد يوم 26/11/1939م في معركة بيت فوريك.

وتختلف الروايات، أيضا، حول معركة دير غسانة، ومدتها والخسائر التي تكبدها الثوار، ولكن المؤكد أنها كانت إحدى المعارك البارزة والتي لم تقتصر المشاركة فيها على الحضور، فعشرات من المتطوعين حضروا للقرية بعد أن سمعوا بأنباء المعركة.

ومن بين الذين حضروا اجتماع دير غسانة الشيخ يوسف سعيد أبو درة وهو من قرية سيلة الحارثية، وكان قائدا لفصيل الثوار في الجليل الأسفل وجبال الكرمل، يضع على كتفه نجمتين وتاجا.

والمهم الإشارة هنا إلى أن أبا درة كان من رفاق وتلامذة الشيخ القسام وشارك معه في معركة يعبد، ومن الذين عاشوا بعد استشهاد الشيخ وكانوا خلال الثورة مثالا مميزا، شهد لهم "العدو قبل الصديق" كما يقال والعدو هنا: البريطانيون والصهاينة.
وتنسب لمجموعة أبو درة القيام بأعمال مميزة من بينها استهداف المستوطنين الصهاينة بعمليات جريئة مثل أسر ثلاثة منهم ينتمون لمستوطنة (جفعات عيدا)، وتمت عملية الاختطاف على بعد نحو كيلو متر واحد عن تلك المستوطنة، واقتيد الثلاثة إلى مقر الشيخ أبو درة وعقدت لهم محكمة ثورية أصدرت بحقهم أحكاما بالإعدام، وتم تنفيذ هذه الأحكام.

وكانت عملية الأسر هذه حافرا للثوار للقيام بأعمال مماثلة، ولكن من أهم ما قام به أبو درة ورجاله هو الهجوم على مستوطنة جفعات عيدا نفسها والذي جاء، حتى من وجهة نظر مؤرخي الجيش الإسرائيلي، في إطار ردود الفعل الانتقامية على الأعمال الإرهابية التي نفذها عصابة ايتسل الصهيونية بوضع القنابل والمتفجرات في الأسواق والأحياء العربية مما أدى إلى سقوط المئات من المدنيين الفلسطينيين.

وخطط أبو درة ورجاله للهجوم على تلك المستوطنة التي تقع على إحدى سلاسل جبال الكرمل وتم ذلك في 10/7/1938 واعتبرت عملية الهجوم على تلك المستوطنة وفق مؤرخي الجيش الإسرائيلي بأنها "من أجرأ العمليات التي نفذها رجال العصابات طوال فترة الأحداث".

تقدم يوسف حمدان المساعد الأول لأبي درة نحو مائة من الثوار وهاجموا المستوطنة وفق خطة أعدت سلفا ومن أكثر من محور، وحقق الثوار منذ بداية الهجوم، انتصارا موضعيا، وشلوا عمل حراس المستوطنة، ووصلوا إلى داخلها، وقتلوا وجرحوا العديد من المستوطنين ولم ينسحبوا إلا بعد أن بدأت النجدات تصل للمستوطنين.

وكانت عملية أبو درة في هذه المستوطنة فاتحة لعمليات جريئة أخرى للثوار في مستوطنات أخرى (وقدر ليوسف حمدان أن يستشهد في بلدته أم الفحم يوم 25/5/1939).

وعاد أبو درة إلى أسر المستوطنين، وكان ذلك يثير الذعر في أوساطهم، وفي 16/7/1938 هاجم رجال أبو درة سجن عتليت، بقيادة سليم الصعبي من قرية عين غزال، وفي أثناء ذلك أسروا ستة من عائلة صهيونية، ولم تنجح العصابات الصهيونية أو المحتلون الإنجليز من تحرير الأسرى، وضرب أبو درة مثلا مهما في التفوق الأخلاقي فأطلق سراح ثلاثة من المخطوفين لأنهم أطفال وقدم الثلاثة الآخرين إلى محكمة ثورية قضت بإعدامهم وهو ما نفذه رجال أبو درة.

وكان أبو درة ورجاله وراء مئات العمليات الفدائية المتعددة، وكان رأسه مطلوبا لقوات الاحتلال البريطاني، التي جندت العملاء لرصد تحركاته وأرسلت له (المستعربين) لقتله، وكلمة (المستعربين) استخدمها بأثر رجعي، فهي لم تكن مستخدمة آنذاك واستخدمتها قوات الاحتلال الإسرائيلي للإشارة لوحداتها الخاصة التي تتوغل في المدن الفلسطينية وتلاحق المناضلين ورجالها متنكرين بملابس عربية.

وأتوقف هنا عند واقعة وصفها الأستاذ أكرم زعيتر، في يومياته، بالطريفة ومنها عرفنا عن (المستعربين) الإنجليز، يقول زعيتر نقلا عن تقرير رفعه أبو درة أنه في يوم 22/12/1938م كان "القائد الشيخ يوسف سعيد أبو درة وفريق من رجاله في قرية السيلة الحارثية وعددهم 16، إذا بالحرس يشاهدون عددا من الرجال آتين من جهة الطريق العام نحو القرية لابسين العباءات والعقل أي لباس الثوار. ولما اقتربوا صاح بهم أحد المجاهدين "كلمة السر؟" فأجابوه "رهمان" وكانت "رحمان" كلمة السر فأدرك المجاهد هويتهم! وكان اشتباك في معركة توالت في أثنائها النجدات للجنود من جهات أم الفحم ورمانة واليامون، وأسفرت المعركة عن عدة قتلى من الجنود واستشهاد مجاهد. ثم انسحب المجاهدون من القرية، وفي الصباح فتش الجند قرية السيلة بأسلوبهم الوحشي وفرضوا عليها غرامة مالية".

ولا جدال في أن أبا درة كان نموذجا مشرقا لتلك الثورة ولكنه لم يكن النموذج الوحيد، فمثلا تمرد أحد أفراد فصيله ويدعى رشيد الشيخ وهو من قرية الطيرة الجميلة على الكرمل، وشكل فصيلا من أهل قريته وأخذ يصول ويجول..!، ويتخذ قرارات لا تروق للمواطنين، مثلما حدث مع أهالي قرية الكبابير جارة الطيرة على الكرمل..!

وزرت الكبابير عام 2000م، ونزلت ضيفا على أهلها، الذين ما زالوا يذكرون أبو درة وشمائله والمنشق عنه رشيد الشيخ و(رذائله)..!

وكتب عبد الله عودة أحد أبناء الكبابير عن ذلك في كتابه الذي حمل اسم (الكبابير) وأهداني إياه ونحن جلوسا في منزله على إحدى قمم الكرمل وتحتنا حيفا عروس البحر ومحظيته وعشيقته التي منحته في تلك البقعة الفريدة على وجه الأرض، فتنة وجمالا، لا أظن أن البحر الأبيض أو بحر الروم هذا حظي بمثلها أبدا..!

يقول عبد الله عودة "في أحد الأيام أنفذ هذا القائد رشيد رسالة بالخط الأحمر يطلب فيها من أهل الكبابير دفع 500 ليرة فلسطينية في الحال، وكان ذلك من قبيل المستحيلات خاصة وان البلاد كانت تمر وقتها بأحوال اقتصادية سيئة فأنفذ أهل القرية أناسا إلى قيادة الشيخ رشيد لشرح الأمر، ولكن هيئة أركانه لم تمكن الوفد من مقابلته".

ويضيف عودة "وفي مساء ذلك اليوم انتهز هذا القائد وفصيله وقت صلاة العشاء فضربوا طوقا حول المسجد وطلب رشيد الشيخ من المصلين إحضار المبلغ في الحال وحيث لم يكن بالإمكان تلبية الطلب اسر خمسة من المصلين كرهائن إلى أن يدفع المبلغ، وانصرفوا مع الرهائن باتجاه الطيرة".

وتدخل أحد أهالي الطيرة وتم دفع مبلغ خمسين ليرة تحت الحساب وعاد الرهائن إلى منازلهم، ولم يمهل الزمن رشيد الشيخ ليطالب أهل الكبابير أو غيرهم بضرائبه الباهظة، فبعد نحو أسبوع قتل رميا بالرصاص..!

وفي أثناء تنقيب الشاعر الراحل توفيق زياد في آثار شاعر تلك الثورة نوح إبراهيم عثر على موال عن أبو درة نشره في مجلة الجديد الحيفاوية (العددان:11+12 لعام 1970).

ويشير توفيق زياد إلى أن أبو درة هو احد القواد الشعبيين لتلك الثورة والذي "تطور من ثائر عادي إلى قائد فصيل، حتى أصبح اشد أولئك القواد سطوة في المنطقة الشمالية من البلاد".

وينوه زياد، وأنا اتفق معه إلى أن أبو درة وغيره من قادة الميدان "كانوا في نهاية الأمر، خاضعين للقيادة السياسية الفاشلة لتلك الثورة" وهو ما توقفت على جانب منه سابقا.

تقول كلمات الموال الذي كتبه نوح إبراهيم:

"فلسطين لا تفزعي، نجمك في السما درة

حولك فوارس يوم المواقع درة

ما يهابوا الموت ولو ما بقي ذرة

ثوار حايزين النصر صيتهم بالدنيا لمع

يهاجموا الأعداء وسيوفهم تضوي لمع

إسلام ونصارى نجمهم بالسماء لمع

يا رب نصرك ما دام رئيسهم أبو درة".

**

ويقطر هذا الموال جمالا وعذوبة ونضج نسبي، ولكنه لم يف قصة أبو درة حقها، فبعد انتهاء الثورة انسحب أبو درة إلى دمشق وعاد إلى الأردن، فاعتقله الأردنيون وكان ذلك يوم 25/7/1939م وحسب بلاغ الحكومة الأردنية آنذاك "إن دورية من الجيش العربي كانت تحرس الأنابيب بسبب عطل طرا عليها منذ أسبوع، فقبضت على ثلاثة أشخاص اشتبه بهم، وقد تبين من التحقيق معهم أن أحدهم، يوسف أبو درة، من فلسطين والحكومة تتدبر أمر إقامتهم إقامة جبرية في الكرك".

وسلمه قائد الجيش جلوب باشا، للمحتلين البريطانيين، المسؤولين عن كثير من شرور هذا العالم، حسب تعبير الدكتور زياد منى، وأعدموا أبا درة في القدس يوم 30/9/1939.

وما أشبه اليوم بالأمس، وكم مناضل في الثورة الفلسطينية المعاصرة سلم بهذه الطريقة للمحتلين الجدد: الصهاينة..؟!

وفي ذلك التاريخ لم يكن الشاعر الشعبي لتلك الثورة نوح إبراهيم ليكتب ما جرى لأبي درة لأنه استشهد في العام 1938 وتذكر سيرة حياته بالشاعر عبد الرحيم محمود صاحب:

"سأحمل روحي على راحتي وأرمي بها في مهاوي الردى

فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى

لعمرك إني أرى مصرعي ولكن أغذ إليه الخطى"

فكلاهماشارك في تلك الثورة ليس فقط بالقلم بل أيضابالسلاح واستشهد الاثنان، ولكن كان من حظ عبد الرحيم محمود أن ينال شهرة واسعةواهتماما لم يحظ بها الشاعر الشعبي نوح إبراهيم.




إذا كنت مؤلف هذه  مقال وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

 

شارك بتعليقك

مشاركة محمد في تاريخ 15 تموز، 2008 #45982

يعطيك الف عافية يا ابو عمر وانشاء الله الى الامام