فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت English Version
الصفحة الأولى    صور     خرائط  تاريخ شفوي حق العودة 101 نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع الصراع للميتدئين إتصل بنا
دير ياسين.. ذاكرة تأبى النسيان- وليد ياسين
شارك بتعليقك  (تعليق واحد

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى ديرياسين
כדילתרגם לעברית
مشاركة وليد ياسين في تاريخ 11 أيار، 2006
وليد ياسين


مقدمة

في التاسع من نيسان ؟ كل عام ؟ وبينما تعد اسرائيل العدة للاحتفال بعيد الاستقلال يحيي الشعب الفلسطيني ذكرى مجزرة دير ياسين التي قتل اهاليها برصاص العصابات الصهيوينة في اليوم التالي لاستشهاد القائد الفلسطيني عبد القادر الحسيني في معركة القسطل التي قاد سقوطها ومن ثم مذبحة دير ياسين، إلى سقوط القدس وقيام إسرائيل، باعتراف المسؤول المباشر عن المجزرة مناحين بيغن زعيم منظمة "الأرغون" الصهيونية، الذي كتب ان "أسطورة ساعدت العصابات اليهودية في الحفاظ على طبريا واحتلال حيفا" (مناحيم بيغن- الثورة ؟ ترجمه إلى العربية سمير صنبر- منشورات دار الجامعيين، بيروت)

لقد عانى الشعب العربي الفلسطيني منذ قيام دولة اسرائيل الوانًا شتى من الكوارث التي انزلتها به الصهيونية والامبريالية والرجعية العربية، ودير ياسين لم تكن الأولى ولا الأخيرة، فهناك الكثير الكثير، أسماء لا تعد ولا تحصى، ولكنها نقاط واضحة في ذاكرة كل فلسطيني، ويكفيها كي لا ننسى، ان نذكر دير ياسين، قبية، كفر قاسم، مدرسة بحر- البقر، رفح، عمان، الليطاني، عين الحلوة، صور، صيدا، بيروت، وغيرها المئات من القرى الفلسطينية التي هدمت بيوتها على رؤوس أهاليها، والمجرم واحد، هذا المجرم الذي ما زالت أفكاره الدموية تسيطر على قادة إسرائيل في تعاملهم مع الشعب الفلسطيني وحقوقه.

سنوات كثيرة مرت على مجزرة دير ياسين وما زال المجرمون يحاولون اقناع انفسهم والعالم بطهارة أيديهم وسلاحهم، الذي يطلق الرصاصة فتطير في الفضاء باحثة عن مكان تستقر فيه فلا تجد الا صدر العربي ليكون محطتها الأخيرة، وما زال الشعب الفلسطيني يدفع الثمن، فهل ننسى؟!

دير ياسين، تتمرد على النسيان، وأبدًا ستظل ذكراها خالدة في القلب، وحتى لا ننسى، ولتتعلم الأجيال جانبا من تاريخ المعاناة الطويلة التي يواجهها الشعب الفلسطيني حتى اليوم، بأيدي أحفاد مرتكبي المجزرة، ننشر فصولا مختارة من دراسة شاملة كنت كتبتها حول المجزرة. وقد كانت مسودة لهذه الدراسة قد نشرت في كتيب صدر عن جمعية الدراسات العربية في القدس في العام 1984. والفصول التالية التي تعتمد شهادات عيان ادلى بها ناجون من المجزرة نشرت لاحقا في الذكرى الـ50 للنكبة.

استشهاد عبد القادر ياسين استنفر اهالي دير ياسين
في منتصف الليلة الواقعة بين الثامن والتاسع من نيسان عام 1948، كان مخبز الفران عبد الرؤوف الشريف في قرية دير ياسين، الواقعة إلى الغرب من مدينة القدس، يعج بنساء القرية اللواتي جئن لخبز العجين.

وفي منتصف الليلة ذاتها، كان رجال دير ياسين، وبشكلٍ خاص أولئك الذين يملكون السلاح، وعددهم (80) مقاتلاً، يحرسون المواقع الرئيسية في القرية.

وعلى غير عادتهم، حيث كانوا يتبادلون الحراسة بورديتين خلال الأشهر الستة الأخيرة، شاركوا جميعًا في تلك الليلة بالحراسة بناءًا على قرار تمّ اتخاذه في اجتماع طارئ عقد بعد ظهر الثامن من نيسان، إثر وصول نبأ استشهاد القائد عبد القادر الحسيني في القسطل. فقد دب استشهاد الحسيني بعض اليأس في نفوس أهالي دير ياسين الذين تطل قريتهم على القسطل، وتحسبًا لعدوان غادر على القرية المحاصرة منذ ستة أشهر، قرر وجهاء القرية تعزيز الحراسة في تلك الليلة، وإبقاء أهلها يقظين تحسبًا لأي طارئ.

قبل ذلك

قبل ذلك، كان الصهاينة قد فرضوا الحصار على دير ياسين في شهر أيلول عام 1948، حسب ما يقوله أحد الناجين من المجزرة، الحاج محمد محمود أسعد عقل (أبو محمود)، فيما تروي الحاجة ام صالح محمد اسماعيل عطية، إنهم كانوا يقومون بجولات استطلاعية في القرية، مهدت للمذبحة.

وقالت أم صالح بلهجتها العامية: "لما كنت في دير ياسين كان اليهود يطلعوا كل يوم والثاني ع البلد وعاملين حالهن سياح، إحنا أمنّالهم (أي وثقنا بهم) أتاريهم كانوا يعاينوا البلد وكيف بدهن يخشوا يذبحونا".

وحسب ما يرويه بعض أهالي دير ياسين، فرض الحصار على مداخل القرية، بعد مواجهة وقعت بين مجموعة من أهالي دير ياسين والقوات اليهودية المرابطة في جبعات شاؤول، في منطقة المحجر الذي يملكه الحاج أسعد رضوان، ويؤكد أبو محمود هذه الحادثة، لكنه يقول بأنّ هذه المواجهة وقعت على خلفية ما جرى في حي روميما في القدس. فردًا على تعرض إحدى حافلات الركاب اليهودية للنسف، قامت مجموعة كبيرة من أفراد العصابات الصهيونية بمهاجمة مقهى صالح عيسى الليفتاوي وحصدوا رواده بالرشاشات ومن ثم نسفوا المبنى. "بعدها تحركت مجموعة مسلحة من جفعات شاؤول باتجاه بلدنا وحاولت السيطرة على أحد محاجر جدي المرحوم أسعد رضوان" يقول أبو محمود في لقاء خاص ويضيف: "كان الحاج في تلك الساعة موجودًا في المحجر يحرس مجموعة منا كانت تقوم بمحاولة لنسف الماكينات في المحجر، كي لا يستولي عليها اليهود".

وحين وصلت المجموعة إلى المحجر تصدى لها الحاج أسعد رضوان، سائلاً: إلى أين. فأجابه قائد القوة: "نريد أن نفتش المحجر".

في هذه الأثناء كانت المجموعة التي حاولت نسف الماكينات، قد خرجت من الموقع واستحكمت في أحد المواقع، وأرسلت مندوبًا عنها إلى القرية ليبلغ أهلها الخبر.

وفيما كان الحاج أسعد رضوان والضابط اليهودي يتجادلان اشتعل القتال بين الطرفين. وقتل، حسب ما يقوله أبو محمود، اثنين من المهاجمين. "كان جدي والقائد اليهودي يقفان بيننا وبين اليهود، لكننا أحجمنا عن قتل القائد خشية أن يقتل اليهود جدي، وأحجموا هم عن قتل جدي خشية أن نقتل قائدهم، واستمرت المعركة حتى حضرت إلى الموقع قوة بريطانية وقامت بالتفريق بين الطرفين".

تنبأ بالمجزرة

بعد هذه الحادثة قطعت العصابات الصهيونية الطريق الموصل إلى دير ياسين من جهة جفعات شاؤول، كما حاصرت الطريق الموصل إلى القرية من جهة "بيت هكيرم"، الأمر الذي اضطر أصحاب المحاجر إلى وقف العمل، إذ انه لم يعد بمقدور سياراتهم نقل الحجارة من المحاجر.

لكن الحاج أسعد رضوان بقي يحدوه الأمل بأن تهدأ الأوضاع، فواصل مع أحد أولاده تفعيل الماكينات وطحن الحجارة. ولما طال الحصار وفقد الأمل أوقف الماكينات مثل أهل بلده. لكنه كان في صبيحة كل يوم يحمل زاده ويتوجه إلى المحاجر، لحراستها من جهة وتقديم الغذاء للدواب التي كان تستخدم لنقل الحجارة.

وهكذا، أمضى الحاج أسعد رضوان أربعة أشهر يحمل زاده في الصباح ويتوجه إلى مكتبه في المحجر، يطعم الدواب، ثم يحمل نرجيلته ويجلس أمام مكتبه حتى إذا حل العصر، عاد إلى القرية.

في الثامن من نيسان، وبينما كان الحاج أسعد رضوان يجلس أمام مكتبه حضر إلى المحجر مسلح يهودي يركب دراجة، اقترب من الحاج وقال له: "حاج روّح ع البيت".

فسأله: "ليش أروح؟".

قال: "حاج لا تعاندني، أنا مبعوث هنا لأقتلك، لكني لن أفعل لأنك مسن، وبعد اليوم لا تأتي إلى هنا لأنّ هذه المحاجر أصبحت ملكنا".

ورغم ما عرف عن الحاج من قوة وصلابة، إلا انه شعر في داخله بالهزيمة... "لقد خضع جدي" يقول الحاج أبو محمود، ويضيف: "وضع عباءته على كتفيه وحمل عكازه وعاد إلى القرية. كانت الساعة تقارب العاشرة صباحًا، وكنا مجتمعين في الحارة، كعادتنا منذ فرض الحصار علينا. وعندما رأى الحاج محمد زهران، جدي عائدًا في مثل هذه الساعة المبكرة، على غير عادته، قال لنا: لقد حدث أمر ما، ثم هرع إلى جدي يسأله الخبر. فدقّ جدي بيده على حائط البيت المحاذي لمكان تجمعنا وأجهش بالبكاء".

"وكانت هذه مفاجأة لنا.. فلسنا معتادين على رؤيته يبكي. سأله الحاج محمد زهران عما جرى فروى له ما قاله المسلح اليهودي. ثم التفت جدي إلى المجتمعين وقال: إذا كان أهل بلدي وأقربائي يسمعون من "هالشيبة"، فهيا نقوم بجمع النساء والأولاد وإرسالهم إلى عين كارم. أما نحن فنبقى، وما كتبه الله سيقع".

بعض الناس وافقوا الشيخ رأيه والبعض الآخر رفض، يقول الحاج أبو محمود ويضيف: "عندما قال جدي: إذا رحلت الآن ستقولون أنني خنت وهربت... فليكن أمر الله".

كان ذلك في الثامن من نيسان، في اليوم الذي استشهد فيه عبد القادر الحسيني.. وفي تلك الليلة وقع ما تنبأ فيه الشيخ: وقعت المجزرة.

احتفالات تمويهية في جفعات شاؤول

في تلك الليلة، وحين كان المسلحون في دير ياسين يحرسون مداخل القرية ومواقعها الرئيسية، بدأ أهالي جفعات شاؤول بين الثامنة والتاسعة مساءًا بإطلاق الأنوار الكاشفة في الفضاء والاحتفال بمقتل عبد القادر الحسيني. ويقول أبو محمود: "الواضح أنهم أرادوا بهذه الأنوار الكاشفة تمويهنا كي لا ننتبه إلى ما كانوا يقومون به في تلك الساعة من تحركات باتجاه دير ياسين. فما أن بلغت الساعة الثانية والنصف فجرًا حتى كانت قواتهم قد تمركزت داخل القرية وقسمتها شرقًا وغربًا".

في تلك الساعة، كان أبو محمود ومعه مجموعة من الحراس، يأخذون مواقعهم في الجهة الغريبة للقرية، ولما اشتد البرد بالحراس طلب أحدهم من أبي محمود أن يذهب إلى بيته القريب ويعد لهم إبريقًا من الشاي، ويتذكر أبو محمود ما حدث فيقول:

"عندما وصلت إلى البيت وجدت بابه مفتوحًا فدبّ الخوف في صدري، وضعت بارودتي في إحدى الزوايا وتوجهت إلى الغرفة التي ينام فيها أخي وأخوتي الثمانية. استيقظت أختي فاطمة فسألتها عن سبب ترك باب الدار مفتوحًا، فقالت بأنّ خالتي فاطمة جاءت وأخذت أمي معها ورحن إلى الفرن لخبز العجين، فتركتها لترجع إلى فراشها ثم عدت لإعداد الشاي. وفيما كان الماء يغلي سمعت طلقات مدفع الرشاش من نوع "برن" المنصوب في الجهة الشرقية من القرية، ولما كُنا متفقين على أن لا يستعمل الـ "برن" إلا في حالة الخطر، أوجست بأنّ شيئًا خطيرًا قد حصل، رفعت البرداية (الستارة) عن الشباك وإذا بالقرية مضاءة بالأنوار الكاشفة، وكأننا في وضح النهار.

قلت في نفسي: "لقد أخذنا (احتلنا) اليهود، أطفأت الوابور وأيقظت أخي وأخواتي وقلت لهم إلحقوني، ثم أخذتهم إلى رأس الطريق الموصل إلى عين كارم، وهناك أرشدت أختي فاطمة كيف يمكنهم الوصول إلى عين كارم وقلت لهم "اذهبوا ولا تلتفتوا خلفكم".

"كانت الليلة بادرة، نظرت اليهم نظرات أسى وأنا أرى أخواتي الصغيرات لا يقدرن على المشي. فسقط قلبي، لكنني واصلت السير نحو الدار، حيث أخذت موقعًا لي على الشرفة وانضم إلي رفاقي. ثم سمعنا عدة طلقات نارية أطلقها الحارس محمود أسعد عطية الذي كان أول من شاهد اليهود فانطلق في القرية صائحًا: "أخذونا اليهود".

وفي هذه الأثناء، كانت المعركة قد بدأت في الجهة الشرقية للقرية، بين أفراد العصابات الصهيونية وحراس القرية، ومنهم الحاج صالح رضوان عقل وولده شاكر رضوان ورضوان أسعد رضوان وحسين محمد عطية، الذي كان مسئولاً عن المدفع الرشاش، وإبراهيم عطية ومحمود زهران وأحمد زهران وجمعة محمد زهران وخليل موسى زهران وسقط في هذه المعركة أول قتيل في دير ياسين، هو الشهيد رضوان أسعد رضوان".

"ولما وصلت المصفحات وأخذت تقصف مواقع مقاتلينا وأمام كثافة الجنود اليهود الذين بلغ عددهم قرابة (3000) مسلح، اضطر رجالنا إلى التراجع نحو الجهة الغربية، فيما بدأت حرب الشوارع وبدأت المجزرة".

قال له استفتح يا محمود فصاحت العصابات "لوحيمت"

حسب الرواية التي أجمع عليها مؤرخو المجزرة، والتي يؤكدها أبو محمود والحاجة أم صالح، ، كان الشاب محمود محمد إسماعيل عطية (شقيق ام صالح) أول من شاهد أفراد العصابات الصهيونية وهم يقتحمون القرية من الجهة الغربية.

ويقول أبو محمود عقل: "في تلك الساعة كان أبو العبد خارجًا من بيته حاملاً إبريقًا لجلب الماء للوضوء. فلما رأى محمود يطلق النار باتجاه بيته صاح فيه: "ولك استفتح يا محمود" وشتمه. فصاح محمود: يا أبا العبد أنا ما بطخ ع دارك، اليهود أخذونا، وما كاد أبو العبد يدخل داره حتى لحق به اليهود وقتلوه، ثم قتلوا زوجته وابنته وابنه وحفيدته".

وحين كان أبو العبد يصيح على محمود كانت القوات الصهيونية قد وصلت بجانب دار أبي العبد، فسمع أحدهم اسم محمود وظن أن الشق الأول من كلمة السر "أحدوت" قد انطلق، فصاح بالشق الثاني من الكلمة "لوحيمت"، وانطلق الرصاص.

وتصف ام صالح بلهجتها العامية بداية الهجوم على دير ياسين، قائلة: " في ليلة، الساعة ثلاثة الفجر طلعوا يحبوا حبي، ما كشفهن غير الله وأخوي محمود. صاح محمود: اليهود أخذتنا (هاجمتنا) ما حدا صدقّه. في واحد بقولولو أبو علي، من دار حسن، قاله: وينهم يا محمود، قاله: والله يا اخوي اليهود أخذتنا، إتطلع (نظر) وإلا صاروا وراه (خلفه). أخذ مرته وراح تخبّى في دار بنته، لحقوه اليهود، ذبحوهن 27 واحد على مصطبة واحدة، في دار مصطفى علي، منهم شاب اسمه محمود (18 سنة) طلع يحبي (يزحف) على إيديه ورجليه، تلاوح (التقى) زلمتي (زوجي) قاله: يا عمي طنيب ع الله وعليك، طنيب ع ولاياك ما تخليني بحكم اليهود، احملني يا عمي، حمله زلمتنا ع ظهره. لما حمله إتطلع وإلا مطوقين البلد، أخاف الله ما عرفنا كيف وقع (سقط) محمود عن ظهرة. سألته: ليش، قاللي: وقع عن ظهري، قلتله: ليش كندرتك بايده، قال: مسكين، من حلاوة الروح ضل (بقي) شادد على كندرتي وطلعت بايده، مسكين شاب بالهدلال، محمود بن علي مصطفى علي".

ونعود إلى الفرن

في تلك الساعة كان الفران عبد الرؤوف الشريف وابنه حسين منشغلين بإخراج الخبز الساخن من الفرن لإحدى النساء، اللواتي هرعن خارج الفرن حين سمعن أصوات الرصاص، وكانت فرقة من القوات الصهيونية التي وصلت إلى البلدة، قبل بدء إطلاق النار، قد وصلت إلى منطقة الفرن، فاقتحمته وأمسكت بابن الفران، حسين (14 عامًا)، وألقت به داخل الفرن، ثم قتلت والده الذي حاول الهرب خارجًا. وتقول الحاجة أم صالح: " أخذوا بطلع (20) حرمة من الفرن يسيرات (أسيرات)، خشوا عن الفرن، لاقوا ابن الفران عبد الكريم، يا ويلي عليه،إبن 14 سنة، حطوه في بيت النار، أبوه من حلاوة الروح شرد، لحقوه بالقنابل والبارود وقتلوه في الشارع".

واستمرت المذبحة، فيما استمرت المعركة أيضًا، بين المسلحين من أبناء دير ياسين والمهاجمين اليهود. وكان النهار قد انبلج حين تمكنت القوات الصهيونية من السيطرة على الجانب الشرقي من القرية وقام أفرادها بأعمال التنكيل بالنساء والأطفال والشيوخ.

واستمرت المعركة حتى الرابعة بعد الظهر، ولم يتمكن المهاجمون من السيطرة على القرية إلا بعد أن فقد آخر المحاربين في الجهة الغربية آخر طلقة في بارودته.. عندها لجأ المسلحون إلى قرية عين كارم. ليبدأ تناقل الأنباء عن المجزرة.

شهود عيان يروون فظائع المجزرة

لقد حاولنا جمع أكثر ما يمكن من التفاصيل حول وقائع المجزرة ومقتل كل واحد من شهداء دير ياسين، ووجدنا لدى الحاج محمد أسعد عقل وثيقة كتبها بخط يده، يحاول فيها توثيق وقائع المجزرة. ومنها نقتبس ما يلي:

"واصل العدو الصهيوني تقدمه بمصفحاته نحو وسط القرية وبدأ بإطلاق نيرانه الكثيفة والعشوائية على بيوتها". "وبعد قتال عنيف ومستميت تمكّن العدو من السيطرة على وسط القرية وقام بارتكاب أعمال شنيعة بحق الأهالي، من قتل وتنكيل بالنساء والأطفال والشيوخ، وأسر العديد من أهالي القرية مما حدا بقسمٍ كبير من الأهالي إلى الهرب غربًا فزعين تاركين بيوتهم وأمتعتهم".

"ودارت معركة في وسط القرية، وأذكر من المقاتلين الأبطال الذين استبسلوا في المعركة، الشهداء محمد إسماعيل عطية وولده محمود محمد إسماعيل عطية وشقيقه ربحي إسماعيل عطية" "الذين تمكنوا من تدمير مصفحة للعدو"... وحاول العدو جاهدًا الوصول إليهم دون جدوى".. "فاستخدم مدفع هاون وقصفهم فاستشهدوا".

"وقام العدو بالتحرك بقواته نحو الجهة الجنوبية من القرية عن طريق المقبرة، فوصل محاولاً تطويق مقاتلينا في الجهة الغربية. فتصدى لهم مقاتلونا بقيادة البطل علي القاسم ودارت معركة عنيفة".. "كبّدوا العدو خلالها خسائر بالأرواح والمعدات وردوه على أعقابه نحو القرية واستمروا بملاحقته "الأمر" الذي اضطره إلى الاختباء داخل أروقة القرية ومنها رواق أحمد حسن جابر، وقام علي القاسم بإلقاء قنبلة يدوية عليهم داخل هذا الرواق" "وتمكن أحد الجرحى من العدو من إصابة علي القاسم إصابة بالغة في بطنه".. "فصحبه مقاتلونا إلى رواق أحمد صلاح وهناك أسعفته الحاجة ديبة عطية عقل والحاجة رابعة عطية عقل والحاجة جميلة أحمد صلاح والمعلمة حياة بلبيسي. وقمن بحمله على سلم ونقله إلى قرية عين كارم، ومن هناك نقل إلى مستشفى بيت صفافا للعلاج".

ماكو أوامر

لكن المقاومة سرعان ما خبتت مع انتهاء الذخيرة، وجرى ذلك كله في الوقت الذي كانت ترابط فيه غير بعيد عن القرية، في منطقة الرواس، قوات جيش الإنقاذ العربي التي انسحبت من القسطل. وقد توجه الهاربون من المجزرة إلى هذه القوات واستغاثوا بهم، فصاح بهم جندي أو ضابط عراقي: ماكو أوامر. وكانت زوجة محدثنا أبي محمود بين ثلاث نسوة مررن بالقوات العراقية، حين كن هاربات مع الأطفال من المجزرة، وتقول أم محمود: كنت أنا وعائشة البسطي وخديجة البسطي. قلنا للعراقيين: ذبحنا فأنجدونا. فقالوا: ماكو أوامر.

عندها صرخت بهم احداهن غاضبة: الله يصيبكوا اللي صار في دير ياسين.

ولم تكن هؤلاء النسوة من أول ولا آخر من استنجد طلبًا لإنقاذ دير ياسين. ويقول أبو محمود: لقد رفضوا تقديم المساعدة حتى حين توجه إليهم مختار القرية، الذي ذهب أيضًا إلى الحرم القدسي، حيث كانت تجري مراسم دفن عبد القادر الحسيني، فصاح بالمشاركين في الجنازة: الطيب أفضل من الميت يا جماعة... راحت دير ياسين فأغيثوها.. لكن أحدًا لم يرد عليهّ!

قتيلاعلى مصطبة واحدة

وتقول أم محمود: "حين هربنا نحو عين كارم حاول العدو قطع الطريق علينا لذبحنا فتصدى لهم علي القاسم وعلي صلاح وردوهم. وقالت لي أمي فيما بعد، إنها أرسلت لعلي القاسم دلوًا مليئًا بالقنابل التي كانت تخبئها في دارنا.. ولما أصيب علي القاسم أسعفته النسوة وحملنه إلى عين كارم".

ويروي أبو محمود وزوجته وام صالح، الكثير من الحكايا حول استشهاد أبناء قريتهم. ومن هذه الحكايا، قصة ذبح 25 نفرًا من عائلة زهران على مصطبة واحدة.

يقول أبو محمود: عندما اقتحموا بيت زوج عمتي، جمعة زهران، وهو حي يرزق اليوم في عمان، تناول بارودته وطخ قائد المجموعة وهرب مع ابن خالته، فانتقم العدو لمقتل قائدهم بالقاء وابل من القنابل على بيوت عائلة زهران، وذبح جراء ذلك، فتحي جمعة زهران، ومحمد علي زهران، وزوجته فاطمة محمد عيد، وابنه علي زهران، وابن علي، محمد، وعمتي بسمة رضوان وفاطمة جمعة محمد زهران وأخواتها صفية وفتحية ويسرى وميسر وشقيقتها الطفلة التي لم يتجاوز عمرها الأسبوعين وغيرهم.

وتؤكد الحاجة ام صالح في شهادتها هذه الجريمة، حيث قالت انه بعد ان ابلغ شقيقها محمود، أبو علي حسن بأن اليهود هاجموا القرية، هرب أبو علي مع زوجته إلى بيت ابنته فلحق بهما اليهود وذبحوا كل من تواجد في بيت مصطفى علي. وحسب شهادة أم صالح فقد بلغ عدد القتلى 27: "ذبحوهن، 27 واحد على مصطبة واحدة، في دار مصطفى علي".

وتروي أم محمود فظاعة المجزرة فتقول: عندما دخل رجال الصليب الأحمر إلى البيت كانت النار تأكل أقدام الطفلة، فحاول أحدهم إنقاذها فصرخ أحد القتلة: والله لأقتلن من يقترب منها. لقد ماتت أمها وأخواتها ويجب أن تموت معهن.

ويعود أبو محمود إلى وصف فصول أخرى من مأساة عائلة زهران فيقول: "زوجة أخي التي تعيش اليوم في أمريكا، كانت في حينه طفلة في الرابعة من عمرها، فهربت من دار عمي أحمد مع جدتها، وكانت الجدة تحمل شقيق زوجة أخي، فأطلق العدو عليهم النار وقتلوا الجدة وحفيدها. وهربت البنت صوب دار عمتها بسمة ولما وجدتهم مقتولين نامت بين القتلى ودهنت رقبتها بالدم.

وعندما عادت أمها لتبحث عنها برفقة رجال الصليب الأحمر، ودخلوا الدار كانت العائلة كلها مقتولة وظنت أن ابنتها مقتولة أيضًا، فصرخت، وحين سمعت البنت صراخ أمها انتفضت من بين الموتى فخاف رجال الصليب الأحمر وهربوا".

ألقوا بمسن من الطابق الثاني

وتروي أم محمود كيف ألقوا بالحاج جابر مصطفى، الذي كان مشلولاً، من الطابق الثاني إلى الشارع فتقول: عندما كنا في دار أخي، جاء ياسين جابر كي يأخذ السلم لينزل عمه من الطابق الثاني، فطلبت منه أن يحضر السلم من تحت شجرة المشمش وينزل أولاد أخي ثم يأخذه، ولما أخذ السلم وذهب، رأى عمه مطروحًا في الشارع.

وتقول: الصهاينة كانوا يختبئون وراء دار محمود مرسي، ويقتلون كل من ينزل من داره. عندما خرجت من البيت ومعي أولاد أخي، نادت علينا الحاجة حلوة زيدان كي نختبئ في بيتها، فقلت لها بأننا ذاهبون إلى عين كارم، ولما رآها اليهود قتلوها، فنزل زوجها الحاج عايش فقتلوه، ونزل ابنها محمد فقتلوه هو الآخر.

صاح الله أكبر وضرب الجندي فقتلوه

ويروي أبو محمود وام صالح وغيرهم من شهود العيان، المزيد من الحكايا عن مقتل أبناء دير ياسين في شوارع القرية. يقول أبو محمود: "جاؤوا وأخذوا جدي أسعد من الدار، واقتادوه نحو مكان تجميع الأسرى، وعندما وصل إلى منتصف القرية وجد الشاب محمود علي مصطفى مقتولاً في الشارع، فقال: إذا كان هذا قتل هنا في وسط القرية، فماذا يكون جرى لأولادي وأولادهم الذين يسكنون عند مدخل القرية، ثم رفع عصاه وصاح باطل، الله أكبر، وهوى بها على رأس الجندي الذي كان يسير أمامه، وعندها أطلق عليه الجندي الذي كان يسير وراءه النار وقتله".

جاءت لتعلم اولاد القرية، ضمدت جراحهم واستشهدت على ترابها

المعلمة حياة بلبيسي، من سكان الخليل أصلاً، كانت عينت للتدريس في مدرسة دير ياسين للبنات قبل عدة شهور من وقوع المجزرة، وحسب ما يرويه بعض أهالي دير ياسين، كانت حياة هربت مع مجموعة من الأطفال لتنقذهم، لكنها قررت العودة من منتصف الطريق، لتسعف الجرحى، ويقول أبو محمود: جاءت من وسط القرية إلى داري غربًا، كانت حافية القدمين، فسألتني عن حذاء، فقمت بإعطائها حذاء كنت اشتريته ولم استعمله بعد. وقلت لها ادخلي واختبئي في الدار، فرفضت وقالت إن من واجبها مداواة الجرحى. وعادت إلى منتصف القرية، وحين كانت تحاول إسعاف القتيل عيسى أحمد عليا، طخوها فسقطت فوق جثته.

قتلوها وابنها على صدرها

وتروي أم عزيز، الحاجة زينت الياسيني حكاية أخرى شاهدتها بأم عينها، فتقول: "عندما كنت مارة بالطريق مع الأسرى، مررت بابنة عمي صالحية زوجة شاكر مصطفى. كانت مقتولة في منتصف الطريق، وعلى ذراعها، مقتول أيضًا، ابنها إسماعيل.

وكانت صالحية ساعة بدء المجزرة تخبز عجينها في الفرن، فهرعت إلى البيت لإنقاذ طفلها وتحذير زوجها، وعندما كانت خارجة من البيت، وطفلها على صدرها، طخوها فاخترقت الرصاصة جسدها وجسد طفلها، فارتميا معًا".

قتلوا شقيقها أمام عيونها

الحاجة زينب الياسيني (أم عزيز)، هي إحدى الناجيات من مذبحة دير ياسين. وقد روت الحاجة أم صالح في شهادتها، أن زوجها هرب بعد المجزرة التي نفذها اليهود في بيت مصطفى علي، إلى بيت الحاجة زينب، بحثا عن منفذ يقوده إلى عين كارم. ووصفت ما دار بين زوجها والحاجة زينب قائلة: " راح زلمتي ع دار خالتي الحجة زينب، قالها يا حجة اليهود أخذتنا، فش شباك نهرب منه ناحية عين كارم، زلمتنا طلع من الشباك غربًا، خشوا عليها من الباب الشرقي وأخذوها يسيرة (أسيرة) معنا".

وكانت أم عزيز من الناجيات القليلات اللواتي أسرتهن العصابات اليهودية، وبقيت على قيد الحياة لتروي فظائع المجزرة. وقد التقيت بها في العام 1998، في بيتها الواقع في منطقة الشياح، عند مفرق راس العامود في القدس الشرقية.

أم عزيز كانت في الثمانين من عمرها عندما التقيتها، لكنها مثل أبو محمود، كانت تذكر كل ما حدث، فذاكرتها لم تخنها، وكل أخدود من الأخاديد المحفورة في جبينها وخديها، ينبئك بجانب من المأساة التي عاشتها، منذ تركت دير ياسين، بعد أن شاهدت العصابات وهي تقتل شقيقها دون أن تستطيع مساعدته، وبعد أن فقدت زوجها ولم يتبقَ لها إلا طفلها ابن السنتين ونصف السنة من العمر، وطفلتها الرضيع، ابنة الشهور الخمسة، وجنينها، الذي كانت تحمله في أحشائها، ثم أنجبته فيما بعد في سلوان.

وتحكي أم عزيز، كيف سرقت العصابات ممتلكات أهالي دير ياسين من ذهب ومال، فتروي ما حدث حين حملوها في حافلة باص مع غيرها من النساء، وبدأوا بتفتيشهن بحثًا عن المال والذهب، وتقول: "عندما صعدوا إلى الباص وبدأوا عملية التفتيش، خاف ابني أن يفتشونا، وكان معه (60) قرشًا وزوجًا من الحلق (الأقراط)، فأخرجهم من جيبه وأعطاهم لليهودية".

وما روته أم عزيز هو القليل القليل عما رواه ناجون آخرون من المذبحة حول سرقة ممتلكاتهم، وبشكلٍ خاص ذهبهم وأموالهم، وشهد أحدهم فقال، بأنّ أفراد العصابات كانوا ينتزعون الحلق من الأذن بشدة، حتى لو أدى ذلك إلى قطع الأذن!

وأم عزيز هي من "الناجين المقطوعين"، أي الذين لم يكن لهم أقارب خارج القرية لمساعدتهم بعد أن فقدوا كل ما كانوا يملكونه في القرية.

وقد ضحت هذه المرأة بشبابها في سبيل تربية أولادها، لكن المعاناة ما زالت تلاحقها حتى اليوم.

حين زرتها، في نيسان 1998، في بيتها الذي تعيش فيه مع ابنتها، تلك التي خرجت بها من القرية، ومع أحفادها، أعلمتني بأن احد أحفادها معتقل منذ ستة أشهر في سجون الاحتلال. ولما سألت والدته عن السبب قالت: "جاؤوا وأخذوه". وقد مضت ستة شهور دون أن يقدموه إلى القضاء، ولا نعرف أي تهمة يمكنهم أن يوجهوها له إلا كونه مؤمنًا يؤدي واجباته الدينية!

ولم تكن الحاجة زينب الياسيني (أم عزيز)، هي الوحيدة التي شاهدت أفراد العصابات الصهيونية يقتلون الأطفال أمام ذويهم. فمثلما كانت الحاجة زينب شاهدة على ذبح شقيقها، أمام أعينها، شاهدت الحاجة أم صالح، أيضاً، ذبح شقيقها موسى بأيدي سفاح يهودي. وتتذكر ما حدث والدموع تغمر وجنتيها:

لمن خشوا علينا في البيت، قالوا: افتح الباب، قال رحمة اخوي موسى: يا أختي إن فتحوا الباب علينا والله ليفرمونا زي التتن (الدخان) ع المفرمة. تفتحيش الباب يا أختي. قال اليهود: بنخبط قنبلة في البيت. قلت: اخبطوا. زتوا (ألقوا) قنبلة وقعت في برميل كاز وسعه (12) تنكة، دقت النار فيه وصارت الدار زي الطابون.

بنتي مريم تصاوبت في رجلها، بعد أن راحت الدخنة، خلعوا الباب واطلعونا، شدوا رحمة اخوي موسى وضربوه كفوف على وجهه، قلت: يا خواجة حرام، هذا ابن (14) سنة وطالب مدرسة، قاللي: استني افرجيك شو اسوي بأخوك الحنون، والله لاذبحه ذبح.

يشهد الله علي بقول الصدق. كان معي 250 ليرة في عبي، طلعتهن وقلتله يا خواجه، من شان الله، تقتلش اخوي، أخذ المصاري وبطح اخوي قدامه وحط خمس طلاق في رأسه. والله ما نزل منها ولا نقطة دم. قتله يا حسرتي عليه.

لما قتله، في بير طافح مي، ما احنا كنا في شهر نيسان، فتحت البير تدب حالي فيه (لأقفز بداخله) ما خلانيش.

بنتي لما شافت قتلوا خالها شردت ع دار أبوي، ثاني طابق، خشت ع اول طابق لاقت زوجة ابوي مدبوحة عَ العتبة. طلعت ع ثاني طابق، طل أبوي محمد وقال بالله تعفوا عن هالطفلة، عمرها ثلاث سنين.

تناول أبوي الباروة وقتل أكبر قايد (قائد)، اليهود ضربوهن مدفع هاون، إنقتل ابوي واخوي محمود، ارتبط لساني في تمي، اخذوني معهم. لما وصلت سوى (بجانب) دار عبد المجيد، لقيتهن جامعين بطلع 40 حرمة، منهن خواتي وعماتي، لاقتني أختي جميلة قالت: مالك، إجيت تأقلها انه موسى انقتل، مش قادرة، قلتلها: مو.. مو.. موسى.. ان .. انقتل. طلعت اختي أشطر مني، قالتلي يا اختي مليح اللي انقتل قتل. لو تشوفي شو سووا بالشباب، عذبوا فيهم العذاب الأكبر.

لما انفلت لساني وفتحوا عيني، تذكرت بنتي مريم، قلت لليهودي بدك تجيبلي بنتي، قاللي: بدي اطخك، إنت بدك ترجعي وتجيبي كعكورة (صرة) الذهب، قلت والله يا خواجة مالي غير بنتي. قالتلي معزوزة حسك يا خايبة. هالقيت بطخوكِ، الله أهداني وقلتله جيبلي القايد أو نعيم. وأنا يشهد الله لا بعرفه ولا بعرفني، لمن أجا قللي: قديش عمر بنتك قلتله : ثلاث سنين، قال للجنود: عم تتشفوا فيها، ارجعوا جيبوا بنتها.

قلبي ما طاوعني اروح معهم، قلت للبنات: تيجي واحدة منكن معي، قالن: هسة بطخونا. قلتله (للجندي) أعطيني الأمان تأمشي قدامكم. قال: إمشي "بسيدر".

روحت، فتحت البير وناديت عليها، فتحت دار ابوي ما لقيتهاش، صرت اصوّت وأقول: هيه يا مريم، يمه يا مريم، لما طلعت مريم ع دار ابوي لاقت اخوي محمود مطخوخ، لمن شافها فكرها يهود، قطع صوته. خشت حده، لمن حس بحرارة فتح عينيه وقالها: انت مريم، يا خالي اسقيني، عطشان وريقي ناشف، قالت لي بنتي: يمة سقيته وغمض عينيه.

انتزعوه من فراش المرض وجرجروه على الجبال

لعل حكاية مقتل الأستاذ عبد الله عبد المجيد سمور والتنكيل بجثته من أفظع ما روى أبو محمود. قال: "كان الأستاذ عبد المجيد مريضًا ونائمًا في الفراش فأخذوه مع الأسرى. وعندما وصلت الشاحنة إلى جفعات شاؤول، أنزلوه من السيارة وقتلوه. وأخذ اليهود يرجمونه بالحجارة ويركلونه على مرآى من عيني أمه وبقية الأسرى".

وتروي الحاجة ام صالح اسماعيل ما رأته بأم عينها من تنكيل بالشاب عبدالله عبد المجيد سمور، وتقول: " الحاجة عزيزة إسماعيل، من بلدنا، متزوجة ومعها بنتين وولد، زوجها مات وربت ولادها من حبة عينها، إنقتل ابنها، لما إنقتل ما حزنت عليه قد ما حزنت على عبد الله عبد المجيد سمور، هذا عمره (18) سنة ووراءه طفل، شدوه من الحبل ورفعوا رجليه لفوق ورأسه لتحت، وجرجروه ع الجبال".

وعبد المجيد سمور ليس الأسير الوحيد الذي قُتل. فقد حملوا أربعة عشرة مواطنًا من أهالي القرية، ويقول الجنرال الإسرائيلي مئير بعيل الذي كان شاهدًا ووثق ما جرى بالصور، إنهم كانوا 25 رجلاً وأخذوهم إلى القدس فأجروا مسيرة عسكرية في بعض الأحياء اليهودية، وعادوا بالشبان إلى أحد المحاجر وأطلقوا عليهم النار. وقد عرفنا من هؤلاء (11) شخصًا هم: محمد محمود الطبجي وسليم محمد سليم، وعلي حسن زيدان، وعبد الله عبد المجيد سمور ومحمود محمد جودة وحسن إسماعيل البعبلي وعيسى محمد عيسى وربحي إسماعيل عطية وموسى محمد إسماعيل عطية وجميل عيسى وعلي الحاج خليل عيد.

الشاحنة التي حملت هؤلاء الأسرى كانت من جملة شاحنات حمل عليها الأسرى والأسيرات من النساء والأطفال والرجال والعجز، الذين أخذهم أفراد العصابات الصهيونية إلى أحياء القدس، في شبه مسيرة انتصار.

وتقول أم صالح: " لمن أخذونا، حطونا أسرى في الشارع وراحوا لموا شباب البلد وحطونا بالتراكات (الشاحنات) وطيحونا (أنزلونا) في غفعات شاؤول، وصاروا يزمروا (يطلقون أبواق السيارات)، إلتموا علينا وصاروا يتمسخروا، اللي عَ رأسها غطا شلحوها، طلعونا مفرعين (مكشوفي الرؤوس) وحافيين، الدنيا كانت برد، حطونا في التراك (الشاحنة) وطيحونا في المصرارة"!

وينقل أبو محمود عن والدته التي كانت من بين الأسيرات: "لقد تنقلوا بهم من جفعات شاؤول ومحنيه يهودا ومونتفيوري وشنيللر ورحابيا. وكان اليهود يصفقون ويرجمون الأسرى بالحجارة ويبصقون عليهم. وظلوا يتنقلون بهم من حي إلى آخر حتى ساعات الصباح، ثم أخذوهم إلى بوابة موشيرم، وسلموهم للصليب الأحمر المرابط عند باب الخليل".

الأسرى ينقلون جثث اليهود

ومما يرويه مؤرخو المجزرة، ويؤكده أبو محمود، هو قيام أفراد العصابات الصهيونية بتشغيل الأسرى العرب بجمع جثث القتلى الصهاينة ونقلها إلى سيارات الإسعاف.

وقد قتلت خلال ذلك الحاجة عائشة رضوان، بفعل رصاصة أطلقها أبناء دير ياسين، ويروي أبو محمود الحادثة فيقول: كنا نطلق النار من الجهة الغربية على العدو في الجهة الشرقية، وكانت الحاجة عائشة وزوجها الشيخ محمد عطية يعملان على نقل القتلى، حين أتتها رصاصة من جهتنا فقتلتها، ولم يجرؤ زوجها على مد يده إليها، فقد أمره أحد أفراد العصابات الصهيونية بمواصلة حمل أحد قتلاهم، فترك زوجته ولم يقل لها إلا "خسارة عليك يا عائشة".


إذا كنت مؤلف هذه  قصه وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى ديرياسين
 

شارك بتعليقك

مشاركة علي في تاريخ 19 أيلول، 2011 #137993

الله كريم الله يرحم الشهداء وسوف يأتي يوم لليهود يندمون على ما عملوه من مذابح بالفلسطينين