فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث  بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت English Version
الصفحة الأولى    صور     خرائط  تاريخ شفوي حق العودة 101 نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع الصراع للميتدئين إتصل بنا
الأمير أحمد بن طراباي الحارثي والدولة العثمانية الجزء الأول
شارك بتعليقك 

أرسل لصديق
طباعة
العودة إلى وادي الحوارث
כדילתרגם לעברית
مشاركة Wadina في تاريخ 8 آذار، 2010
علاقة الأمير فخر الدين المعني الثاني بالزعامات المحلية الفلسطينية وموقف الدولة العثمانية منه

999 ؟1043 هـ /1590 ؟1633 م

د. أسامة محمد أبو نحل

الأستاذ المساعد في التاريخ الحديث

ورئيس قسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية

جامعة الأزهرـ غزة

1423هـ /2003م

osamabunahel@hotmail.com


--------------------------------------------------------------------------------

ملخص

تتناول هذه الدراسة فترة مهمة من تاريخ لبنان وفلسطين العثماني، حيث حاولت شخصية بارزة كشخصية الأمير فخر الدين المعني الثاني، إقامة إمارة إقليمية على حساب الدولة العثمانية، وقد أسميت هذه الدراسة: "علاقة الأمير فخر الدين المعني الثاني بالزعامات المحلية الفلسطينية 999 ـ1043هـ/1590ـ1633م".

وأهمية هذه الدراسة ناجمة عن قلة المراجع التي تناولت علاقة فخر الدين الثاني بالزعامات والأسر الفلسطينية، كما تنبع أهميتها في بيان الدافع الرئيسي لفخر الدين الذي جعله يضع فلسطين على سلم أولوياته السياسية والعسكرية، وقد نفت هذه الدراسة عن فخر الدين صفة المغامرة، وأرجعت تصرفاته التوسعية في فلسطين تحديداً إلي طموحه في بناء مجد ذاتي يخلده رغم محدودية الإمكانيات المتاحة لديه.

وقد حاولت من خلال هذه الدراسة إعادة الأمور إلي نصابها الحقيقي، وعدم الانسياق وراء الدراسات التي تبنت نتائج مفادها أن مشاريع فخر الدين التوسعية في الأراضي الفلسطينية كانت ناجمة عن استشراء نفوذه السياسي والعسكري في لبنان، وأوضحت أن المرة الوحيدة التي كان لفخر الدين نفوذ مؤقت في فلسطين كان ناجماً عن سياسته الحكيمة في شراء المناصب من الباب العالي، والتي تمكن من خلالها أن يصبح حاكماً علي كل عربستان من حدود حلب إلى القدس.

المقدمة
رغم وفرة المصادر والمراجع التاريخية التي تناولت سيرة حياة الأمير اللبناني فخر الدين المعني الثاني، إلاّ أن معظمها تناول أهم أعماله في لبنان مع لفتةٍ موجزةٍ لاهتماماته بضم فلسطين إلى ممتلكاته، وقليلة جداً تلك المراجع التي تناولت مشاريعه التوسعية بفلسطين مع بعض الإسهاب، والحقيقة أن معظم هذه المراجع كان يعوزها التحليل.

وفيما يخص المراجع التي اهتمت بتفاصيل حملات فخر الدين الثاني على الأراضي الفلسطينية، فقد اشتطّ بعضها في ذكر دوافع تلك الحملات وأعادها إلى دوافع طائفية في المقام الأول، غير أن الدراسة التي بين أيدينا نفت ذلك، وأرجعت تلك الدوافع لأسبابٍ حزبية ليس إلاّ.

ولماّ تقاعست المراجع التاريخية في بيان أهمية فلسطين في مشروع فخر الدين الثاني التوسعي، وجدنا أنه لا بأس من التطرق لتلك الفكرة في محاولة متواضعة لكشف اللثام عما أغفله البعض، صحيح أن شخصية كفخر الدين لم تكن مجهولة أو مغمورة، بل بالغة الصيت ومرموقة، حتى أن صيته وسمعته وصلت أوروبا قبل أن يصلها بجسده، ولا ندّعي لأنفسنا إضافة الكثير لتلك الشخصية التي تستحق الدراسة أكثر من مرة؛ وإن اختلفنا معها في تحليل دوافعها ونتائج تصرفاتها.

أما المنهج الذي اعتمدته الدراسة، فهو مزيج من السرد التاريخي والتحليل الوصفي نظراً لأهميتهما في إيصال الفكرة للقارئ بشكل سلس مباشر ومبسط، ودون الإخلال بالوقائع التاريخية الأخرى، التي وقعت أحداثها خارج فلسطين وكان لها ردود أفعال سياسية تأثرت بها الساحة الفلسطينية كموقعة عنجر الشهيرة عام 1033هـ/1623 م.

وما يخص مصادر ومراجع الدراسة فهي كثيرة ومتنوعة، بعضها كانت فائدته بصورة مباشرة ككتاب تاريخ الأمير فخر الدين المعني الثاني لأحمد بن محمد الخالدي الصفدي، وتاريخ حيدر الشهابي للأمير حيدر الشهابي، وخلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر لمحمد الأمين المحبي، وتراجم الأعيان من أبناء الزمان للحسن بن محمد البوريني، و العرب والعثمانيون لعبد الكريم رافق، وغير ذلك من المراجع الأجنبية مثل:

Holt (P.M), Egypt and the Fertile Crescent 1516-1922.

تمهيد

أصبح من الأمور المسلم بها في المصادر التاريخية، أن بلاد الشام كانت تابعة لسلطة السلطان العثماني تبعية اسمية، حيث ترك العثمانيون الحكم في تلك الأنحاء لأصحاب السطوة والنفوذ المنتمين لبيوتات تمتلك الكثير من مقوّمات القوة والزعامة، واكتفوا بتعيين والٍ لإقرار الأمن والنظام في الولايات الثلاث التي أقاموها وهي: دمشق وطرابلس وحلب، إضافة إلى بعض المأمورين (1). كما أصبح من الأمور المسلم بها أيضاً، أن العثمانيين ذوي الباع الطويل في المسائل العسكرية وبحكم خبراتهم السابقة في نظم الإدارة، خاصة العسكرية منها في الميدان الأوروبي، وبحكم انشغالهم في الحروب المتتالية في أوروبا وعلى كافة الأصعدة، كانوا أكثر ميلاً لترك أمور الحكم للأُسر الإقطاعية المتواجدة بكثرة في كافة أرجاء بلاد الشام مكتفين باعتراف تلك الأُسر بسيادتهم على المناطق التي يحكمونها؛ لأنهم في نهاية المطاف يحصلون على مشروعيّة حكمهم من الولاة العثمانيين في دمشق وطرابلس فيما عدا شمال سورية التي بقيت تحت الحكم العثماني المباشر.

ومن هنا فان مصلحة السلطان العثماني سليم الأول اقتضت بعد استيلائه على دمشق الاعتراف بزعامة الأمراء اللبنانيين مثل الأمير فخر الدين المعني الثاني حاكم جبل الشوف (لبنان)، بعد اشتراكه إلى جانب العثمانيين في موقعة مرج دابق عام 922 هـ/1516 م (2)، وجعله حاكماً على لبنان من يافا إلى طرابلس(3).

ومهما يكن من أمر، يجب أن نضع نصب أعيننا حقيقة لا يمكن تجاهلها، مفادها أن الطائفة الدرزية في لبنان كانت تتمتع بحس سياسي يتسم بالذكاء المطلق نتيجة لتواجدها في منطقة تتقاطع فيها الانتماءات المذهبية والسياسية، فلبنان على صغر مساحته، يضم بين دفتيه العديد من المذاهب الدينية المختلفة، وكان الدروز تائهين بين الاستقلالية الدينية وانتمائهم الإسلامي.

هذا الحس السياسي، جعل من الدروزـ إن جاز التعبيرـ أساتذة في المكيافيللية (الانتهازية) على مدار تاريخهم حتى قبل ظهور ساسة البندقية بزمن طويل(4)، وفي حالة الأمير فخر الدين الأول يؤكد حيدر الشهابي صحة هذا الوصف، بأنه لم يشارك منذ الوهلة الأولى في موقعة مرج دابق، بل آثر البقاء على الحياد بين الطرفين المتحاربين (أي العثمانيين والمماليك) حتى يرى لمن ستكون الغلبة، ثم يدخل القتال إلى جانب الطرف المنتصر(5)، ليبدو في مظهر المسعف له، وبالتالي يحصل على ثمن مساعدته له.

ويقول عادل إسماعيل؛ أنه كان لدى سليم الأول من الحكمة ما جعله يوافق على أن يحكم الدروز أمراء منهم، فأعطى فخر الدين الأول إمارة الشوف التي بقيت خاضعة لنفوذ المعنيين حتى القرن السابع عشر(6). والحقيقة أن الحكمة التي دفعت سليماً وما تلاه من سلاطين العثمانيين لجعل حكام لبنان يحكمون مناطقهم، لا يعود في المقام الأول لضعف السلطة العثمانية في توطيد نفوذها في لبنان بقدر ما يعود إلى خشيتها من التورط في المستنقع اللبناني الآسن المليء بالتناقضات المذهبية والسياسية، لذا وجد السلطان سليم نفسه في غنى عن هذا التورط الذي قد يبذل من أجله خسائر جسيمة قد تؤثر على موقف دولته في أوروبا.

ويستطرد عادل إسماعيل في القول: "بينما أعطيت بقية المقاطعات السورية واللبنانية في هذا العهد إلى حكام أجانب"(7)؛ لكن هذا القول تعوزه الدقة فيما يخص لبنان وفلسطين باستثناء مناطق سورية الشمالية، فمن المعلوم أن وادي التيم اللبناني كانت تحكمه الأسرة الشهابية، والبقاع يحكمه آل حرفوش الشيعة، وجبل عامل كان يحكمه عدة أسر إقطاعية شيعية. وفي فلسطين كانت الأسر الإقطاعية هي من تتولى إدارة زمامها، وإن كانت مؤيدة ومحالفة للسلطة العثمانية.

ويؤكد البعض صحة هذا الطرح؛ بأنه لم يقع تحت سلطة الحكم العثماني المباشر سوى القليل من مدن الشام وضواحيها، حيث ظل الكثير من المناطق خاصة المناطق الجبلية تحت حكم أمرائها وشيوخها المتوارثين، الذين كانوا كالسابق يعقدون الكونفدراليات فيما بينهم، ويقومون بالحملات مع قواتهم، ويخوضون الحروب ضد بعضهم البعض، كما أن لبنان كان في بداية العهد العثماني لبلاد الشام بمثابة إمارة ذات استقلال ذاتي تحت سيطرة الأسرة المعنية(8).

وكما الحال مع أمراء لبنان، فان النهج نفسه اتبعه السلطان سليم الأول مع الزعامات المحلية في فلسطين وهي ذات مرتكزات بدوية وإقطاعية، وقد وازنت السلطات العثمانية فيما بين هذه الزعامات واستغلتها كأدوات في الحكم، وفي تصريف الشؤون الإدارية المحلية، وكانت فلسطين تتبع إدارياً ولاية دمشق، وقسمت إلي خمسة سناجق(9) أو ألوية هي: القدس وغزة وصفد ونابلس واللجون، إضافة إلى سنجقي عجلون والكرك مع الشوبك في شرقي الأردن(10).

واللافت للنظر، أن العثمانيين قسّموا فلسطين وحدها على صغر مساحتها إلى خمسة سناجق، بينما بقية ولاية الشام كانت تضم على اتساعها أربعة سناجق فقط، وهذا يعود لأهمية موقع فلسطين وحيويته؛ فهي تربط دمشق بمصر والحجاز، أي أنها محور الطرق الرئيسية وعصبها، فقرب فلسطين من الطريق السلطاني الذي كانت تستخدمه قافلة الحج الشامي المتجهة من دمشق إلي الحجاز، زاد من أهميتها الأمنية بالنسبة لهذه القافلة؛ لأن عدداً من القبائل الموجودة فيها أو القريبة منها كان يهدد طريق الحج، وكانت هذه القافلة عندما تشعر بخطر تلك القبائل في طريق العودة من الحجاز، تضطر لتحويل طريقها السلطاني إلى غزة، حيث الطريق التجاري بين مصر ودمشق وهو أكثر أمناً، وهو الطريق الذي أصطلح على تسميته"بالطريق الغزاوي"(11).

ولتحقيق الأمن في فلسطين، حرص العثمانيون على الإكثار من ألويتها، نظراً لكثرة الزعماء المحليين فيها، وهم بمعظمهم من أصول بدوية وبعضهم من بقايا المماليك، وكان من شأن هذه الألوية إحكام الرقابة على هؤلاء الزعماء، أو تقريبهم من السلطة بتعيينهم حكاما عليها، ومن أشهر الزعماء المحليين الذين استقطبهم العثمانيون، طراباي ابن قراجا، أحد زعماء نابلس الذي عيّنوه أميراً على منطقة اللجون، وكان استقطاب هؤلاء الزعماء من عوامل الاستقرار البارزة في فلسطين في بداية العهد العثماني، نظراً لخبراتهم بطبيعة المنطقة وظروف سكانها، وتمتعهم بأفضل الأساليب الإدارية الملائمة لطبيعة هؤلاء السكان(12).

بقي أن نشير إلى مسألة غاية في الأهمية، هي أن الإقطاع في لبنان اختلف عن بقية المناطق السورية الأخرى، إذ كان في الغالب ذا طابع طائفي، حيث كان فيها أرسخ جذوراً أقوى من الإقطاع الحكومي(13).

طموح فخر الدين الثاني(14)بتكوين إمارة إقليمية:

سبق التنويه إلى أن السلطان سليم كان قد أقر الأمير فخر الدين الأول على حكم جبل لبنان وسماه "سلطان البر"؛ لكن الأخير حاول الاستقلال بالجبل، فقتله العثمانيون سنة 951 هـ/1544 م، ودفنوا معه طموحاته، لكنهم لم يقضوا على النفوذ القبلي والطائفي للمعنيين، وخلف الأمير قرقماز والده في الحكم؛ لكنه لم يستوعب الدرس الذي مرّ به والده، وحاول بدوره أن يحقق طموحاً سياسياً إقليمياً في بعض نواحي الشام وفلسطين، فدفع هو الآخر حياته ثمناً لمغامرته عام 993هـ/1585م، في إحدى مغارات جزّين في سفوح جبل الشوف(15).

تولى فخر الدين الثاني مقاليد الحكم في جبل لبنان عام 999 هـ/1590 م، وكان عمره وقتذاك ثمانية عشر عاما(16)، وبذلك فتحت صفحة جديدة من تاريخ لبنان الحديث، فقد اتصف فخر الدين بأنه سياسي ماهر، بارع في حبك الدسائس، كما كانت له عيون في الآستانة وفي قصور الباشوات ودور الأتباع، وبذر الشقاق في صفوف أعدائه، ولإرضاء السلطان العثماني عنه، قام بدفع أموال ضخمة لخزينة الدولة، وتقاسم معه الغنائم الحربية(17).

ولم يتوان فخر الدين بعد ذلك في إعادة بناء موقع أسرته في الشوف بثبات، ومن ثمّ تمكن من الحصول على قيادة لا ينازعه فيها أحد على كامل جبل لبنان والمقاطعات المجاورة، وإتباعاً لسياسته الحكيمة، فقد اتخذ من الأسرة الشهابية حكام وادي التيم حلفاء مخلصين له(18).

وقبل التطرق إلى كيفية تمكن فخر الدين من إقامة إمارة معنية مترامية الأطراف على شكل مؤقت، نجد لزاماً علينا بسط الخريطة السياسية اللبنانية والفلسطينية بما عليها من قوى محلية متصارعة وتكتّلات متحالفة، لنعرف المدى الذي نجح من خلاله في إقامة تلك الإمارة. ففي منطقة بعلبك وسهل البقاع اللبناني، كان آل حرفوش الشيعة (1000-1282 هـ/1591ـ1865 م ) يتمتعون بشبه استقلال سياسي في مقاطعاتهم. ولم يقتصر نفوذ الحرافشة على البقاع، بل كثيراً ما كانوا يتدخلون في شؤون المقاطعات المجاورة لهم(19)، وفي جبل عامل بيوتات إقطاعية شيعية أيضاً كبني صعب في مقاطعة الشقيف، وبني منكر في مقاطعة الشومر، وبني علي الصغير في بلاد بشارة، حيث تمتعوا هم الآخرون بحكم ذاتي تحت قيادة شيوخهم(20).

وفي شمال لبنان كان آل سيفا ذوو الأصل الكردي يحكمون في طرابلس، وأشهر حكامها يوسف باشا سيفا الذي عينته الدولة العثمانية والياً على طرابلس عام 987 هـ/1579 م، واشتهر بعدائه الشديد لفخر الدين الثاني، فقد كان لعدائهما الشخصي مدلول حزبي؛ فآل سيفا كانوا من اليمنية(21)، بينما آل معن من القيسية رغم أنهم كانوا في الأصل يمنيين(22)، وتمكن فخر الدين من الحصول على أول نصر له على يوسف باشا سيفا في موقعة نهر الكلب عام 1007 هـ/1598 م، غير أنه لم ينجح في تملّك الإقليم الشمالي لأكثر من سنة؛ لأن العثمانيين كانوا يدعمون يوسف باشا دعماً معنوياً(23).

أما في فلسطين، فقد عاصرت زعامات محلية فيها تولي فخر الدين الثاني مقاليد السلطة، وقد تنافرت بينها وبين فخر الدين المصالح؛ نظراً لأطماع الأخير في الاستيلاء على ممتلكاتهم، ففي منطقة اللجون كان آل طراباي لهم السيادة والزعامة، واشتهر منهم الأمير أحمد بن طراباي (979 ـ1057 هـ/1571 ـ1647 م) الذي حكم لمدة نصف قرن تقريباً (1010 ـ1057 هـ/1601 ـ1647 م)(24)، ودارت بين الزعيمين عدة مواقع سنأتي على ذكرها.

وثمة أسرة من أصل شركسي كان زعماؤها حكاما على نابلس والقدس، هم آل فرّوخ، وكانت تلك الأسرة حلقة الوصل بين آل طراباي في شمال فلسطين وآل رضوان في الجنوب (غزة)، وقد شغل أفراد آل فرّوخ وظيفة إمارة الحج الشامي لعدة أعوام، وتعاونوا مع حلفائهم على منع فخر الدين الثاني من الاستيلاء على القدس كما خطط لذلك، وقاموا بحماية الحجاج كل عام، ومن أشهر آل فرّوخ الذين تصدّوا لتوسعات فخر الدين، الأمير محمد بن فرّوخ الذي تولى الحكم بعد وفاة أبيه الأمير فرّوخ بن عبد الله وهو في طريقه إلى مكة على رأس قافلة الحج الشامي. وكان محمد قد عزل عن نابلس عدة مرات، ثم عاد إليها بفضل الدعم الذي لقيه من العثمانيين ضد عدوه الأمير فخر الدين الذي طمع بمنح حكومة نابلس لأبنائه وأعوانه، وتولى محمد بن فرّوخ إمارة الحج الشامي في معظم الفترة ما بين 1031 هـ/1622 م إلى 1048 هـ/1639 م، تاريخ وفاته(25).

أما مركز القوى الثالث في فلسطين فكان آل رضوان حكّام غزة ذوو الأصل التركي، الذين توارثوا حكم سنجق غزة بضعة أجيال من منتصف القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي إلى أواخر القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي، أي قرابة القرن ونصف القرن(26)، وكان آل رضوان أبرز وأقوى أمراء الحلف الثلاثي الذي ضمهم مع آل طراباي وآل فرّوخ، حيث واجهوا فخر الدين ومخططاته، وأهم أمراؤهم الذي يعنينا في هذه الدراسة، حسن بن أحمد رضوان (1009 ـ1054 هـ/1600 ـ1644 م) بسبب دوره في صد خطر فخر الدين(27).

ومهما يكن من أمر، فثمة أسباب عدة دعت فخر الدين فور توليه مقاليد السلطة للنظر إلى أبعد من إمكانياته المتاحة لديه ولأسرته منها:

طموحه بإقامة لبنان على نطاق أوسع، وبالتالي قطع أخر صلة له بالدولة العثمانية.
السير في إمارته نحو التطور والازدهار(28).
علاقته المتميزة مع المسيحيين خاصة الموارنة منهم، بعدما شعر بعدم ارتياحهم لسياسة آل سيفا تجاههم. وكان ذلك حافزاً له يعطيه القدرة على تحقيق مطامحه في التوسع.
تجاوزات آل سيفا وانتقاصهم من حقوق أسرته بالاعتداء على ممتلكاتها وامتيازاتها.
طموحه بتحقيق أمجاد جده فخر الدين الأول التي لم يستطع استكمالها بسبب مقتله(29).
استغلاله لبوادر الضعف والترهل التي بدأت تظهر على جسد الدولة العثمانية خاصة عندما تم السماح لغير الإنكشاريين من الفلاحين والحرفيين بالانخراط في سلك الانكشارية بعد أن كانت حكراً لهم(30).
كما استفاد فخر الدين كذلك من المواهب التي منحته إياها الطبيعة، فاندفع بخطىً حثيثة نحو الميدان السياسي الذي شغف به، وسرعان ما استطاع أن يحكم بنفسه، فأظهر مقدرة فائقة في تسيير دفة الحكم مستلهماً السياسة والمخططات التي اتبعها وسار عليها أسلافه من الأمراء واتبع منهجها بعدما وجدها ترضي طموحه البعيد المدى(31).

بعدما استهل فخر الدين الثاني حكمه على جبل لبنان تسلّم من السلطان العثماني سنجقي بيروت وصيدا. وبدأ طموحه السياسي يتّقد في توسيع رقعة إمارته، فساعد العثمانيين في القضاء على عدوه الأمير منصور بن الفريخ حاكم البقاع ونابلس وصفد وعجلون بعدما خشيت السلطات العثمانية، خاصة والي دمشق مراد باشا، من ازدياد قوته ونفوذه، فتم قتله في 13ربيع الأول 1002هـ/7كانون الأول (ديسمبر) 1593م(32).

كما حمل فخر الدين على جاره ووالد زوجته، يوسف باشا سيفا، وبعد معارك عدة أشهرها موقعة نهر الكلب عام 1007هـ/1598م ـ كما أسلفنا الإشارة ـ تمكن من السيطرة المؤقتة على شمال لبنان، ولم يلبث أن خضع له بنو حرفوش في بعلبك، وزعماء البدو في البقاع وفي المنطقة الجنوبية حتى الجليل، مستغلاً فترة انشغال السلطان أحمد بقتال المجريين في أوروبا والصفويين في بلاد فارس(33).

ورغم أن العثمانيين لم يتخذوا موقفاً بعينه من فخر الدين بعد تحرشه بيوسف باشا حليفهم الرئيسي في لبنان، إلا أنهم سرعان ما انقلبوا عليه بعد تحالفه مع علي باشا جانبولاد (جنبلاط)(34) أحد أفراد الأسرة الكردية الحاكمة في كِلّس والذي كان قد اغتصب السلطة في حلب عام 1015هـ/1606م، وكان علي باشا هذا مناوئاً ليوسف باشا سيفا منافس فخر الدين، لذلك عندما هُزم ابن جنبلاط من العثمانيين آثر فخر الدين إيجاد تسوية عاجلة مع العثمانيين، غير أن الوقت كان قد أدركه، فالخصومة المحلية بين آل معن وآل سيفا كانت قد كلفت فخر الدين توريط نفسه في الاشتراك في تواطؤ خطير مع المتمردين على الحكم العثماني، الأمر الذي سيكلفه فيا بعد فقدان إمارته لبعض الوقت(35).

فلسطين ومشروع فخر الدين الإقليمي التوسعي:

ليس بوسع أيّ من الباحثين قراءة أهمية فلسطين في المخطط التوسعي الذي وضعه الأمير فخر الدين إلاّ من خلال زاوية الصراع القيسي ـ اليمني الذي اشتعلت أواره حتى قبل استيلاء العثمانيين على بلاد الشام، هذا الصراع الذي شمل مساحة واسعة من لبنان وفلسطين، لسيادة النظام القبلي فيهما.

وبناءً عليه؛ فإن أبرز السمات التي ميّزت المجتمع في المقاطعات اللبنانية في العهد المعني، هي انقسام هذا المجتمع انقساماً حزبياً لا طائفياً، بحيث يلتقي في الحزب القيسي كما في الحزب اليمني أُسر ورجال من جميع الطوائف دون عقد طائفية ولا حساسيات مذهبية، وكانا هما الحزبان الوحيدان اللذان عُرفا في ذلك العهد، وبمعنى آخر كان الحزب الواحد يضم أتباعاً من مذاهب مختلفة، كالسنّة والمتاولة (الشيعة) والموارنة المسيحيين والدروز(36)، وفي الوقت نفسه كان الحزب الآخر يضم أيضاً أتباعًا من المذاهب ذاتها، وخلاصة الأمر أن ولاء الفرد كان للحزب الذي ينضم إليه، وليس للمذهب الديني الذي ينتمي إليه.

أما في فلسطين ونظراً لعدم وجود اختلافات مذهبية عميقة كشأن لبنان، ونظراً لديانة معظم القبائل العربية فيها بالإسلام، خاصة المذهب السنّي، فقد كان الانقسام فيها إلى حزبين اثنين أيضاً وتحت ذات المسمى، القيسي واليمني؛ ولكن على أساس الأصول الأولى لتلك القبائل.

ومهما يكن من أمر، فقد استطاع الأمير فخر الدين والمعنيون رغم هذا الانقسام الاجتماعي إلى إثبات نفوذهم في لبنان الجنوبي(37) أولاً، ثم في شمال فلسطين ثانياً، وكان بعض الأمراء المحليين في فلسطين قد استفادوا من انشغال فخر الدين في تقوية نفسه لمواجهة ولاة دمشق المتعاقبين وأعدائه التقليديين آل سيفا، فتنفسوا الصعداء على إثر القضاء على حكم آل فرّيخ الذين سبق أن وسّعوا نفوذهم على حسابهم، وأشهر هؤلاء الأمراء أحمد بن رضوان حاكم غزة الذي توفي عام 1015هـ/1606 ـ1607م(38)، وحمدان بن قانصوه أمير عجلون والكرك، وطراباي بن قراجا حاكم اللجون الذي خلفه بعد وفاته عام 1010هـ/1601 ـ1602م، ابنه أحمد(39)، والأمير فرّوخ بن عبد الله حاكم نابلس والقدس(40).

وكانت إمارة الحج الشامي تنتقل بين هؤلاء الأمراء المحليين، حسب قوتهم ورضى الدولة عنهم، ولكن فيما بعد تعرض هؤلاء الأمراء لضغط فخر الدين وقتاله لهم، بعد أن ازدادت قوته وترسّخ نفوذه، وكان ضغطه يخف عنهم عندما ينشغل بالقتال مع الولاة العثمانيين أو آل سيفا(41).

غير أن هؤلاء الحكام لم يكونوا على قدر من القوة الكافية لبسط نفوذهم على مساحات من الأرض، كما كانت سلطاتهم غير ثابتة ومعرضة للتغيير من حين لآخر؛ بسبب سياسة الباب العالي، وبما أن جبل لبنان وجنوبه كان يرضخ لنفوذ الأسرة المعنية التي تميّزت بطموحها السياسي الإقليمي على زمن فخر الدين الثاني؛ فإنه من الطبيعي أن تتعرض فلسطين لتجاذب القوى المحلية والإقليمية، وأن تترك الأسرة المعنية آثارها السياسية على مساحات واسعة من أراضيها، وبخاصة في المناطق الساحلية والشمالية(42).

ويعزو البعض السبب الذي دعا المعنيين بزعامة فخر الدين للاهتمام بمنطقة شمال فلسطين، إلى وجود عدد من الروابط الاجتماعية والقبلية والطائفية بين المعنيين وبعض الأسر الدرزية الفلسطينية التي تقطن صفد وبعض نواحي الجليل، حيث كان لهذه الروابط دورها وأثرها الخاص في صياغة الطموح المعني في فلسطين؛ وبالتالي في تشكيل طبيعة العلاقة السياسية التي ربطت ولازالت تربط بين الإقليمين، ويتأكد ذلك إذا علمنا أن زعامة المعنيين في لبنان نفسها كانت مهددة في كثير من الأحيان، بعددٍ من المنافسين الأقوياء سواء كانوا منافسين قبليين أم من الطوائف الدينية الأخرى(43).

هذا السبب السابق ذكره ليس كافياً لزعيمٍ في حجم فخر الدين للاهتمام بأمور شمال فلسطين، لكي يشنّ عدة حملات متتالية كان هدفها الاستيلاء على كامل فلسطين لا الجزء الشمالي منه فحسب، وبالإمكان إيراد بعض النقاط التي تهدم الفكرة من أساسها:

أن القتال خلال القرون الثلاثة السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر لم تكن لأسباب طائفية، بل حزبية في المقام الأول، متعلقة بالصراع بين الحزبين القيسي واليمني، وبالتالي ليس كل الدروز من القيسية لكي يناصرهم فخر الدين، فهنالك دروز ينتمون للحزب اليمني كآل علم الدين المنافسين للمعنيين، لذلك كان من الممكن أن يدخل فخر الدين نفسه في صراع مع أسرة درزية مغايرة له في الانتماء الحزبي لو كانت مصالحه تتعارض مع مصالحها.
لا يُعقل أن يرهن فخر الدين مصيره السياسي كله ويضحي بمجمل ما حققه من مكتسبات في لبنان من أجل عدد من الأسر الدرزية التي تسكن منطقة الجليل الفلسطيني، ولا يُعقل أساساً أن يكون قد صاغ مخططاته وطموحاته من أجل تلك الأسر فقط، خاصة إذا ما علمنا أن الطائفة الدرزية في شمال فلسطين لم تكن آنذاك معرضة للخطر أو أية ابتزازات سياسية من الطوائف الأخرى، حيث لم يرد في أيّ من المصادر التاريخية ما أفاد عكس ما قررناه.
أن العلاقة السياسية التي ربطت بين لبنان وفلسطين في عهد فخر الدين جد مختلفة؛ ففي لبنان ثائر انفصالي حاول قصارى جهده فصل لبنان عن محيطه العثماني، وفي فلسطين زعامات محلية موالية تماماً للسلطات العثمانية وتأتمر بأمرها. وما محاولة فخر الدين للاستيلاء على فلسطين، إلاَّ نوع من الطمع والشبق في الاستحواذ على أملاك الآخرين من أمراء فلسطين المحليين.
ليس من المقبول منطقياً في العُرف السياسي والعسكري أن تكون زعامة أسرة مهددة في كثير من الأحيان بعدد من المنافسين الأقوياء في منطقة ما؛ أن تدفع عنها هذا التهديد بالتوجه نحو مناطق أخرى للاستيلاء عليها، وفخر الدين ليس ساذجاً إلى هذا الحد ليورط نفسه في مشاكل جديدة؛ لأنه بذلك يدفع مصيره السياسي ومستقبل أسرته نحو الهاوية؛ فالذي يتعرض لمشاكل داخلية في بلده حري به معالجتها والقضاء عليها قبل التوجه للغزو خارجها، وكما ستكشف الدراسة؛ فإن الأوقات التي جرّد فيها فخر الدين حملاته على فلسطين وشرقي نهر الأردن كانت فيها سلطته قوية بعدما يكون قد انتصر على أحد منافسيه في لبنان أو حتى على والي الشام نفسه، ومع هذا فإن معظم حروبه في فلسطين انتهت بهزيمته.
ومهما يكن من أمر، فأولى اهتمامات فخر الدين لبسط سيادته علي فلسطين كانت عقب استيلائه على منطقة البقاع الغنية، مستغلا فرصة القضاء على حكامها من آل فريخ، فمد نفوذه من البقاع حتى صفد في شمال فلسطين(44)، ويلاحظ هنا أن امتداد نفوذ فخر الدين إلى صفد كان ناجما عن استيلائه لمنطقة كانت تخضع لنفوذ أسرة إقطاعية (آل فريخ) كان حكمها يمتد من البقاع إلى صفد ونابلس وعجلون، أو إن جاز التعبير، فقد ورث ممتلكات آل فريخ حتى صفد في المرحلة الأولى، وليس بسبب ارتباطه الطائفي بإخوانه الدروز في شمال فلسطين.

وأدى زوال حكم آل فريخ الذين كانوا يشكّلون قوة عازلة بين ولاة دمشق وفخر الدين وامتداد نفوذ الأخير على البقاع إلى ازدياد الاحتكاك والمنافسة بين الطرفين، خاصة وأن المناطق التي أصبح فخر الدين يسيطر عليها كانت تمر فيها الطرق الرئيسية التي تربط بين دمشق والساحل، وبين دمشق وفلسطين ومصر؛ وبالتالي تتحكّم في سلامة قافلة الحج الشامي، ومن ثمّ بدأت المشاحنات والصراعات بين فخر الدين وولاة دمشق(45).

ورويداً رويداً، رسّخ فخر الدين موقعه السياسي باللعب بمهارة على وتر جشع وخلافات نُخب الحكم العثماني. وكانت سياسة "فرّق تسُد" إحدى السياسات التي مارسها بدقة فائقة، بل وأكثر انتظاماً مما مارسها العثمانيون أنفسهم، حيث كان أعوانه ووكلاؤه في الآستانة يسارعون في إحباط وتفادي أية معارضة من جانب مسئولي الدولة بالرشاوى الباهظة(46)، كما أنه عمد إلى تكوين جيشٍ خاصٍ من السكّبان(47) المرتزقة، إضافة إلى أتباعه من الدروز والقيسية، وحصّن القلاع في منطقته، وأجرى اتصالات مع آل مديتشي Midici حكّام دوقية توسكانيا Tuscany في فلورنسا(48) الإيطالية للحصول منهم على مساعدة عسكرية وفنية، إضافة إلى تنشيط التبادل التجاري بين إمارته معهم، خاصة تجارة الحرير، التي كانت مزدهرة في منطقة الشوف(49).

وفي ظل هذه الظروف تعرّض شمال فلسطين عند مطلع القرن السابع عشر لنفوذ الأسرة المعنية إلى حدٍ كبير، فقد كان من أهم أهداف سياسة فخر الدين توسيع مجال نفوذه إلى ما وراء جبل لبنان ليشمل أراضٍ جبلية أخرى، خاصة حوران في سوريا ونابلس وعجلون في فلسطين وشرقي نهر الأردن، وكانت هذه المناطق شأنها شأن لبنان نفسه تسكنها أقوام مضطربة ومتمردة وسلطة العثمانيين عليها هشّة، وتمكن فخر الدين من اصطناع أعوان له بين رؤساء ووجهاء تلك المناطق ودعمهم ضد منافسيهم، مما شكّل تحدٍ مباشر للولاة العثمانيين المتعاقبين في دمشق بعدما أصبح بمقدوره تهديد طريق الحج إلى الحجاز، وقد واصل فخر الدين بوجه عام سياسته الشمالية بثبات بحيث لم يجعل من نفسه شخصاً غير مرغوب فيه لدى السلطات العثمانية، لكنه تحرّك في الجنوب بصعوبة محاولاً قدر الإمكان عدم الإثارة ولفت الانتباه لما يقوم به من توسّع(50).

ومهما يكن من أمر، فقد نجح فخر الدين في استرضاء الباب العالي وانتزع ببراعته وحنكته السياسية فرماناً سلطانياً عام 1012هـ/1603م يقضي بتوليه على كل لبنان، وعلى الأجزاء الشمالية من فلسطين وتملكه على بلاد صفد، في مقابل تعهده للباب العالي بتقديم المستحقات المالية المترتبة عليه، بالإضافة إلى وعده للسلطان العثماني بمقاسمته في كل ما يحصل عليه من أموالٍ وغنائمٍ في حروبه المقبلة(51).

ويرى البعض أن هذا الاتفاق قد أباح لفخر الدين ولو بصورة غير مباشرة بسط نفوذه على القوى المجاورة في فلسطين، حتى وان كانت هذه القوى معينة من قبل الباب العالي وموالية له(52)، غير أن هذا الرأي ينافي تماماً صحة ما سبق أن ذكرناه آنفاً، من أن تقدم فخر الدين نحو فلسطين واصطناعه للأعوان بين زعمائها، قد أثار حفيظة ولاة دمشق العثمانيين، نظراً للتهديد المباشر الذي سيشكّله فخر الدين في حال نجاحه في مشروعه التوسعي من تهديد لطريق قافلة الحج الشامي، ناهيك عن مصلحة السلطان العثماني في ذاك الوقت، التي تقتضي استقرار الأوضاع الأمنية في منطقة حساسة بالنسبة لإمبراطوريته وتعتبر من أهم مفاصلها الرئيسية، خاصة وأن الصراع العثماني ـ الصفوي مازال مستعراً، من هنا، فإن مصلحة العثمانيين اقتضت دعم أعوانهم في فلسطين لا إثارة قوى جديدة ضدهم، وهو ما حدث بالفعل كما قررت المصادر التاريخية، الأمر الذي سوف نفصله لاحقاً.

وسرعان ما توترت العلاقات بين فخر الدين والدولة العثمانية بعد صلحها مع النمسا عام 1015هـ/1606م، وقضائها على تمرد علي باشا جنبلاط ـ الذي كان متحالفاً مع فخر الدين ـ في شمال سوريا في العام التالي، فكلّفت ولاة دمشق بالتصدي له خوفاً من استشراء نفوذه، وتهديده للطرق الرئيسية، بالإضافة لخشية الدولة من طعنه لها في الخلف في أثناء انشغالها في حروب الصفويين(53).

والظاهر أن الأمير أحمد بن طراباي الحارثي حاكم اللجون أقحم نفسه في الصراع الذي دار بين العثمانيين ومعهم يوسف باشا سيفا والي طرابلس وعلي باشا جنبلاط؛ فبعد هزيمة يوسف باشا أمام قوات ابن جنبلاط قرب حماة 1015هـ/ 1606م استقبله الأمير أحمد بكل حفاوة وإكرام، ورفض تسليمه لابن جنبلاط، لأن ابن سيفا كان حليفه الطبيعي تجاه مطامع فخر الدين في الأجزاء الشمالية من سورية الجنوبية، وبصفة خاصة بعدما استولى فخر الدين على سنجق صفد، وأظهر طمعه بسنجق عجلون، إضافة إلى أن هذا التصرف من جانب ابن طراباي كان منسجماً مع ميوله اليمنية مقابل ميول فخر الدين القيسية، وأخيراً موالاته للسلطة العثمانية مقابل تمرد فخر الدين عليها(54).

وبناءً على ما سبق؛ فإن الصراع في بلاد الشام عامة وفي لبنان وفلسطين خاصة لم يكن وقتذاك ذا نعرة طائفية بقدر ما كان تنافس على الإقطاع والسلطة والنفوذ والمطامع التوسعيّة بين القوى المحلية المنقسمة إلى حزبي القيسية واليمنية.


إذا كنت مؤلف هذه  قصه وأردت تحديث المعلومات، انقر على ازر التالي:

ملاحظة

مضمون المقالات، المقابلات، أو الافلام يعبر عن الرأي الشخصي لمؤلفها وفلسطين في الذاكرة غير مسؤولة عن هذه الآراء. بقدر الامكان تحاول فلسطين في الذاكرة التدقيق في صحة المعلومات ولكن لا تضمن صحتها.

العودة إلى وادي الحوارث
 

شارك بتعليقك